الخميس، 24 أكتوبر 2019

رابط كتاب "مراجعات في الفكر والسياسة"


رابط كتاب "مراجعات في الفكر والسياسة"
السلام عليكم، قرائي الأعزاء؛ هذا هو رابط كتابي الرقمي الجديد "مراجعات في الفكر والسياسة"، للتصفح والتحميل.


الأحد، 29 سبتمبر 2019

مراجعاتٌ في الفكر والسياسة(10)


بسم الله الرحمن الرحيم

مراجعاتٌ في الفكر والسياسة(10)

الدعوةُ الإسلاميّةَ في مواجهة العواصف
يجب الاعتراف بأن جماعة العدل والإحسان-رغم ما اشتهرت به من اختيارات سياسية ثورية-ما تزال تمسك بالجمر، وتَحضُن الدعوةَ وسط عواصف هوجاء تحيط بها من كل جانب؛ ما تزال تسعى وتجتهد في السعي، لكي تبقى الروحُ الدعوية مشتعلة رغم الرعود القاصفاتِ والرياح العاصفاتِ من كل الاتجاهات، لا تمرّ بشيء في طريقها إلا اقتلعته وجرفته.
أقصد بهذه العواصف الهوجاء والرياح العاتيات هذه السهامَ المسمومةَ التي تُرمى بها المرجعيةُ الإسلامية في العمل السياسي بغرض القتل والإبادة، أو التجريح والتشويه والتشكيك في أضعف الأحوال.
ما كان لأنظمة الجور والطغيان، قبل الاستكبار العالمي، أن تهتم بشأن الحركات الإسلامية لولا ما بات لهذه الحركات من حضور مشهود وصوت مسموع في المضمار السياسي، فضلا عن حضورها في سائر المضامير الفكرية والاجتماعية والأدبية والفنية.
وفي تقديري أن هذا الاهتمام بالشأن الإسلامي إنما عظم واتسع نطاقه بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979، وتأسيس الجمهورية الإسلامية على أنقاض حكم الشاه محمد رضا بهلوي الاستبدادي، الذي كان يدور في فلك الغرب بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية.
بعد هذا التاريخ، تغيرت المعايير، واختلفت السياسات، وتبدلت الرؤى في شأن التعامل مع هذا "المارد" الذي خرج من القمقم، وبات له دولةٌ يَخشى الخصومُ والأعداء أن تتحول إلى نموذج يُغري بالاتباع، ويدعو بالنموذج الحي والفعل الواقع الآخرين المستضعَفين، وخاصة الواقعين تحت نير الأنظمة الاستبدادية، إلى الثورة على نهجه والنسج على منواله.
كانوا يظنون أن هذا "المارد" قد أصبح من التاريخ-تاريخ الفتوحات الإسلامية، وتاريخ الحروب الصليبية، وتاريخ حركات التحرر الوطنية-فإذا به يبعثُ حيا ثائرا نشيطا مؤثرا طموحا، شاهدا ومؤكدا أن الإسلام-مهما اختلفت المذاهبُ الإسلامية والاجتهادات الفقهية-كان، وسيظل دائما، حاضرا في قلب اهتمامات الإنسان، ومنها الاهتمامات السياسية وما يتعلق بها من شؤون الدولة وخطط الحكم والنظام.
ظنوا-وهم مخطئون-أن الإسلام/الدولةَ والحضارة والعمران قد انتهى، ولم يبق منه إلا هذه المظاهر والرسوم والذكريات التي تحتفل بها هذه الدويلات الفاشلة الناشئة في كنف الاستعمار، والتي هي أشبه بالتراث الفلكلوري، الراسخ في العادات والتقاليد، ليس لها علاقة بروح الدين وصحيح الاعتقاد وقويم السلوك، إلا في الأسماء والأشكال.
ظنوا، وما يزالون يظنون ويحلمون ويتمنون.

التطرف والغلو والعنف آفة على الدعوة الإسلامية
في الحديث الصحيح: (أن الله يُعطي على الرفق ما لا يُعطي على العنف) و(أن الرفقَ ما كان في شيء قطُّ إلا زانَه، ولا نُزِع من شيء قطُّ إلا شَانَه).
لقد ابتُليتِ الدعوةُ الإسلامية، منذ القديم، بهذه الآفة التي يمثلها أهل التشدد والغلو؛ وهي آفة عرفتها جميع الديانات، وستظل موجودة إلى ما شاء الله؛ والدليل على أنها كانت موجودة، وستستمر، التحذيرات التي وردت في السنن الصحيحة، والتي تحض على الرفق وترغب فيه، وتحذر من العنف وتدعو إلى اجتنابه. وقد كتب العلماءُ كثيرا في هذا الموضوع، مما يؤكد أن المسألة ليست مسألة فكر ونظر ونصوص، وإنما هي مسألة إيمان وتربية وسلوك.
"التطرف" و"العنف" و"الجهاد" و"الإرهاب" مفرداتٌ أصبحت تتصدر المبررات التي تُقدَّمُ لمواجهة أي نشاط سياسي يستند إلى المرجعية الإسلامية، وإن كان هذا النشاط صافيا من شوائب العنف والتشدد والغلو، وكان أصحابه ملتزمين بنصوص القوانين التي تنظم الحياة السياسية.
وهذه المبرراتُ قد يكون لها ما يُعضِّدها من الحقائق والأفعال والمعطيات التي يشهد عليها الواقع المعيش، كالعمليات الدموية التي أعلن تنظيم "القاعدة" عن مسؤوليته عنها، وكذلك أعمال التقتيل والتحريق والتدمير والتخريب التي تنسب لتنظيم "داعش"(مختصر "الدولة الإسلامية في العراق والشام"؛ وقد تغير اسم هذا التنظيم ليصبح "الدولة الإسلامية" فقط).
هذا النوع من التطرف والتشدد والعنف الذي يطبع هذه التنظيماتِ والحركات والجماعات التي تحمل شعار السلفية والجهاد، واضحٌ وصريحٌ، ولا نحتاج إلى كبير جهد لإثبات مُوجِبات تجريمه ورفضه وإدانته، قانونيا وإسلاميا وإنسانيا، وإن كان لأصحابه-المتطرفين المتشددين العُنُف-نصوصٌ وتفسيراتٌ واجتهاداتٌ لتجويزه وتسويغه.
المُهمُّ هنا أن هذا النوعَ من العنف والتطرف بيّنٌ في اختياراتٍ واجتهادات وعباراتٍ وأعمال وسلوكاتٍ ومظاهر تعبر عن نفسها بلا التفاف ولا روغان، ويمكن معرفتُه وتمييزُه بلا كبير عناء. أما النوع الآخرُ من التطرف والعنف، في اعتقادي، هو الخفيُّ، الذي يصعب معاينته بسهولة، لما يمتاز به من تخفٍّ والتفاف والتباس.
هذا النوعُ الخفيُّ من العنف قد يتزيّى بزِيِّ نقيضه، فيأتي في معرض الرفق والحكمة واليسر واللين، وهو ما يوَلِّدُ في شأنه الالتباسَ والغموضَ والاضطراب.
مثلا، قد يكون عالمٌ من العلماء معروفا باعتداله واجتهاداته ومواقفه التي تدين العنف وترفض الغلو والتطرف، ثُمَّ يأتي عالمٌ آخر، فيحيل عليه ويسوق اجتهاده على أنه الكلمة الفصل والرأي النهائي الصحيح؛ ففرضُ رأيٍ اجتهاديٍّ على أنه الرأي الصحيح الوحيد الذي لا يقبل النقاش، ولا يمكن تناوله إلا بالتصديق والتسليم، هو، في تقديري، نوعٌ من العنف، لا يقل في خطره وأثره البعيد عن العنف المادي الدموي، وإن كان مسوقا في معرضٍ يندِّد بالعنف ويدينه.
فالإحالة على الماضين-مهما كانت درجتهم في الفهم والعلم والاجتهاد-الذين اجتهدوا لزمانهم، وأفتوا على ضوء أحوالهم وأوضاعهم، وأبدعوا وطوّروا وجدّدوا بحسب مستجدات وقتهم وملابسات ظروفهم-الإحالةُ على هؤلاء على أن كلمتهم هي الكلمة الفصل في الموضوع، وأن اجتهادهم هو النهاية التي ما بعدها اجتهاد، هي، في رأيي دائما، نوعٌ من العنفُ الذي أصفه بأنه خفيٌّ، لأنه يأتي متلبسا بسياقات توهم بنقيض العنف، ومدسوسا في خطابات وأدبيات وكتابات تدّعي الرفق والرحمة والتيسير، وترفع شعار الدفاع عن حرية الانسان في الفكر والاختيار، ومناهضة التشدد والغلو وكل أشكال العنف والإكراه.
كم من عنف مورس-وما يزال-باسم الأئمة-تمثيلا لا حصرا-مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل، رحمهم الله، في الفقه والفتوى؟
كم من إرهاب مورس-وما يزال-باسم الأئمة-تمثيلا لا حصرا-ابن القيم والشوكاني والجويني، رحمهم الله، في الأصول؟
كم من إكراه مورس-وما يزال-باسم الأئمة-تمثيلا لا حصرا-ابن جرير وابن كثير والقرطبي، رحمهم الله، في التفسير؟
كم من عنف عنيف مورس-وما يزال-باسم العلماء المجتهدين، من القدماء والمحدثين، في غير الفقه والأصول والتفسير من العلوم والمباحث والنوازل؟
ولا بأس أن أؤكد هنا-حتى لا يفهم رأيي على غير وجهه-أن هذا العنف الخفيَّ الذي أقصده إنما هو قائم، أساسا، في اعتبار اجتهاد المجتهد في زمن معين اجتهادا ملزما وصالحا لسائر الأزمنة من غير اعتبار لما يكون بين الأزمنة من اختلافات في الظروف والأحوال والملابسات والأعراف والتقاليد والعادات.
وبهذا المعنى، يمكن أن أزعم أن من الإسلاميين منْ يمارس هذا العنف الخفيَّ، وإن كانوا يعلنون أنهم ضد العنف، ويصنفهم المصنفون في المسالمين المعتدلين.
وقد تكون لهذا العنف الخفيِّ تبعاتٌ ومضاعفات قد تصل في مخاطرها وآثارها ومفاسدها درجة قد تفوق، في بعض الظروف والحالات، ما يترتب على العنف المادي الصريح من نتائج مذمومة وحصاد مر قاتل. 

السبت، 21 سبتمبر 2019

في تبذير المال العام


بسم الله الرحمن الرحيم

في تبذير المال العام


التقارير التي يصدرها المجلس الأعلى للحسابات-وهو مؤسسة دستورية مخزنية-باتت مرجعا رسميا لرصد الاختلالات والمعوقات والمفاسد التي تطبع التدبير المالي للمؤسسات العمومية.
وعلى الرغم من الإنذارات والتنبيهات والتوجيهات والأرقام الناطقة الفاضحة، التي تزخر بها هذه التقارير الرسمية، فإن تحريك المساطر القانونية والزجرية لمحاسبة المسؤولين تظل ضعيفة، بل لا وزن لها مقارنة بحجم الفساد والإهمال والفوضى والاضطرابات الذي يشمل كثيرا من حسابات مؤسساتنا العمومية، التي تتصرف في المال العام، جباية وإنفاقا.
أين هي مصداقيةُ هذه التقارير الرسميّةِ إن كانت ستبقى، في غالبيتها، حبرا على ورق؟ وأيّة قيمة لتقارير وكشوفات وتدقيقات إن بقيت حبيسة في الأوراق، لا تكاد تظهر وتُنشر حتى تختفيَ في الأرشيف ويطويَها النسيان؟ أم هو الخداعُ والتمويه وذرُّ الرماد في العيون، والإيهامُ، في الظواهر والأشكال والأوراق، بأن هناك جديةً في التفتيش والمراقبة والمحاسبة، ثم ينتهي الأمر إلى الإهمال والنسيان؟

المالُ المُسَيَّب
الغالب على التصرّف في المال العامّ، في دولة الجبر والتعليمات، أنه تصرف لا تحكمه سياسةٌ رشيدةٌ ولا قانونٌ معقول يمكن تتبّعُ مسالك تنفيذِه، ومراقبةُ ما يتعلق به من جبايات ونفقات مراقبةً فعّالة، تمنع أيدي الفاسدين من أصحاب الأهواء والضمائر الخربة أن تمتدّ إليه بسرقة أو تلاعب أو غش أو غيرها من أشكال الفساد وصور التصرفات اللاقانونية، التي تُصنَّفُ ضمن الجرائم التي يجبُ في حقّ مرتكبيها، أياّ كانوا، المتابعةُ والحسابُ والعقاب.
المال العام، في دولة الاستبداد، مالٌ سائبٌ يُبَذّر سفاهةً، بلا حسيب ولا رقيب؛ جزءٌ منه، يُعدّ بالمليارات، يذهب هدْرا، في شكلِ رَيْعٍ ورِشاً (جمع رشوة)، لأحزاب سياسية، ليس لها من معنى السياسة إلا الاسم، معظمُها مهمّتُه الحقيقيةُ أن يظهرَ ويتكلم ويُمثّلَ ليسوِّغَ الاستبدادَ ويزكيَ الفساد. وجزءٌ من هذا المال السائبِ يُبذَّر فيما يسمّونه، تلبيسا ومغالطة وتمويها، دعمَ الثقافة والفن، وما ثمَّةَ ثقافةٌ ولا فنٌّ، وإنما هو-مع استثناءاتٍ ذريّة لا تكاد تُذكر-العبثُ والسخف واللاشيئية، في كل شيء، في الشعر، في المسرح، في السينما، في الأعمال التلفزية؛ وأيُّ شعر؟ وأيُّ مسرح؟ وأيّ سينما؟ وأي مسلسلات؟ اسألوا النقادَ والمهتمين من أهل الاختصاص والميدان.
المال يُبَذّرُ، وحسابُ السيئات يتضخَّم على إخوان الشياطين، ومؤشراتُ التخلف تتفاقم، والمبذرون السفهاءُ لاهون غافلون، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

السينما المغربيّة والمالُ العام
هل عندنا صناعةٌ سينمائية تستحق أن تشجَّعَ ويُنفقَ عليها من المال العام؟
هل عندنا فنٌّ سينمائي (يحمّرُ) الوجهَ، ويعبّر، بحق، عن هويتنا الدينية والثقافية، وعن تقاليدنا وأعرافنا، حتى يكون ما ننفقُه عليه من المال العام بمثابة استثمارٍ فني وثقافي حقيقي، يَجني المجتمعُ ثمرتَه في مجالات التربية والتعليم والذوق الفني الجمالي؟
الجواب على مثلِ هذه الأسئلة أتركه للنقاد المختصين، الذين لا يفتأون ينتقدون واقعنا السينمائي، ولا يكفّون عن الشكوى من هذا التردي الذي يطبع هذا الواقع، والذي يشمل جلّ متعلّقَات الفن السابع، بدءا من كتابة السيناريو وانتهاء بالإخراج والتوزيع والاستهلاك؛ واقعٌ يشهد المختصون أنه يعاني أمراضا مُزمِنة، ومع ذلك ما تزال حكوماتُنا تُغدق عليه الملايير من المال العام، ولا من رقيب ولا حسيب، ولا من يقول: كفى، اللهم إن هذا منكر.
هذا أيضا بابٌ من أبواب الرّيْع والتبذير، يحرص الاستبداد أن يبقيَه مفتوحا-مثلُه مثلُ باب الرَّيْع والتبذير في مجال الصحافة-وأن يرعاه بالدعم المادي اللازم، من أجلِ الدعاية والتخدير وصناعة الواجهات "الحداثيّة"، التي تزكي القبحَ، وتروّج للمنكرات، وتطبّع مع الفواحش، وتفتل في حبل التخلف والانحطاط.
وهذه بعضُ الأرقام التي استقيتها من تقرير صادر عن (المركز السينمائي المغربي) عن الحصيلة السينمائية لسنة 2017:
تم دعم 17 فيلما طويلا بـ(6ملايير و237 مليون سنتيم).
تمّ تقديمُ تسبيق على المداخيل لـ42عملا بـ(7ملايير350مليون سنتيم).
تمّ دعم 48 مهرجانا له علاقة بالسينما بـ(مليار و881مليون سنتيم). تأملوا: 48 مهرجانا!! كيف؟ ولأي إنتاج؟ ولأي صناعة وفن؟ 48 مهرجانا!!
تمّ تقديم دعم لإصلاح 7 قاعات، (10شاشات) بـ(مليار و127مليون440ألف سنتيم).
تم عرضُ-نحن دائما في سنة2017-تسعةِ أفلام في القاعات، بيعت فيها (25.843) تذكرة، بلغت مداخيلها (51 مليون و707 آلاف سنتيم)؛ تصوّروا، في سنة واحدة (2017) بُذّرت الملايير من المال العام، من أجل ماذا؟ من أجل أعمال لم تتجاوز مداخيلها (جوج فرنك)!! هي إذنْ أفلامٌ نكرةٌ، لا تكاد تظهرُ وتُعرضُ حتى تموت ويطويَها النسيان في أرشيف المهملات، في أرشيف القبح السينمائي المغربي، ثُمّ مِنْ ظلام هذا الأرشيف إلى الدفن النهائي وبغير رجعة.
سُحْقاً وبُعداً لقبحٍ لا ثمارَ له//إلا المرارُ، وإلا الحنظلُ العفنُ
الناسُ تبدعُ في المعقولِ ينفعها//وعندنا الرَّيْعُ والتبذيرُ والأَفَنُ
الأفَنُ في اللغة نقص العقل وضعف الرأي. والمأفونُ الضعيف الرأي والعقل.

(إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ)
الأحزاب السياسية اللاعبةُ في ملعب الاستبداد، وَفْق قواعده التي يفرضها، وبشروطه التي يضعها، وحدوده التي يرسمها، وأهدافه التي يريدها-هذه الأحزاب، مهما بُذِّرَتْ عليها من ملياراتٍ من المال العام، يستحيل-إلا في الأحلام والأوهام والشعارات الكاذبة-أن تنتج مبدعين، وتصنعَ كفاءات، وتُخرّج أطرا سياسية لخدمة الصالح العام.
الاستبدادُ، بطبيعته، بأساليبه في الحكم والإدارة والتدبير، وبقبضته البوليسية الحديدية في القمع والمنع والحصار، يتناقضُ مع وجود طاقات وكفاءات سياسية حقيقية في الأحزاب، لأن التجديد والابتكار، في المجال السياسي، ممتنعٌ مع طقوس الاستبداد، في الحكم والإدارة والتسيير، وممتنعٌ مع جذور السلطة الفردية الضاربة في الجبرية والاستعلاء والانغلاق.
يحلُم، بلْ يكذِب ويُزوِّرُ، مَنْ يتصوّرُ من "السياسيِّين" و"المثقفين" و"المفكرين" ومَنْ يسمّونهم بـ"الفقهاء الدستوريّين"، خروجَ إبداعٍ وتطويرٍ وتجديدٍ حقيقي من رحِم استبدادٍ قروني وأعرافٍ وتقاليد سياسية مخزنية راسخة رسوخ الجبال.
أنا هنا أتكلم عن الإبداع والتطوير والتجديد الحقيقي، وليس عن الأصباغ الشكلية، والمظاهر الزائفة، واللافتات الماكرة الخادعة.
ومما يلفِت النظرَ ويستدعي التأملَ أنَّ كرَاكِرَ من الأحزاب السياسية وجودُها قائمٌ بالمال العمومي، أي أنها ليس لها منْ مداخيل إلا ما تأخذه من الدولة. وقد ذكر تقريرُ المجلس الأعلى للحسابات، في شأن تدقيق حسابات الأحزاب السياسية لسنة2016، أن أربعة عشر حزبا من الأربعة والثلاثين الذين شملهم التقرير، "اعتمدت كليا على الدعم العمومي خلال سنة 2016، مقابل خمسة عشر(15) حزبا سنة 2015، وثلاثة عشر حزبا(13) سنة2014".
أحزابٌ مجهولة إلا عند وزارة الداخلية ومجلس السيد إدريس جطو!
أحزابٌ بلا جمهور، أي بلا وجود شعبي، ومع ذلك فحصتها من المال العمومي مضمونة!
أحزابٌ لا يدخل صندوقَ ماليتِها سنتيمٌ واحد من اشتراكات أعضائها! أيْ أنها أحزاب بلا مُشتركين! أي أنها أحزابٌ وهمية "شبحيّة"!
أحزابٌ أخرى، ذكر تقريرُ مجلس السيد جطو أن عددها ثمانية، استحوذت على حصة الأسد من المال العمومي بما مجموعه حوالي ثمانية وعشرين(28) مليار سنتيم! وماذا تنتج هذه الأحزاب في حياتنا السياسية حتى تأكل كلَّ هذا المبلغ؟
رَيْعٌ في رَيْع، ورشاوى، وتبذيرٌ للمال العام ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، من أجل ماذا؟ من أجل صناعة واجهةٍ ديمقراطية خادعةٍ كاذبة، يسكنُ وراءها داؤنا العضالُ، داء الاستبداد.
(إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا)(الإسراء)
صدق الله العظيم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

الجمعة، 13 سبتمبر 2019

مراجعاتٌ في الفكر والسياسة(9)


بسم الله الرحمن الرحيم
مراجعاتٌ في الفكر والسياسة(9)

الفرعُ "السياسيّ" يطغى على الأصل "الدعويّ"
إن كانت "مراجعاتي"، في ظاهرها ومواضيعها وأمثلتها، تتناول بالنقاش والنقد والتقويم بعض الجوانب في منهاج جماعة العدل والإحسان، فإنها، في حقيقتها وعمقها، مراجعاتٌ تتناول أفكاري أنا وقناعاتي واختياراتي. وهذه المراجعاتُ قد بدأت حينما كنت في الجماعة، وفي حياة الأستاذ المرشد، رحمه الله. واسألُوا الأحبةَ أهلَ السابقة والمعرفة، تجِدُوا عندهم الخبرَ اليقين في هذا الشأن، ولا أقول هنا أكثرَ من هذا.
إنها مراجعاتٌ تقع في سياق أوسع وأكبر من جماعة العدل والإحسان، وهو سياق الفكر السياسي الإسلامي الحديث وإشكاليات قضايا الدولة وأنظمة الحكم وتدبير الشأن السياسي.
الدعوةُ الإسلامية-كانت هي الأصل وستظل هي الأصل-هي اليوم متهَمةٌ ومتابَعة ومحاصَرة بسبب اختيارات سياسية واجتهادات فكرية وآراء فقهية. فقد أصبح الشأنُ الدعويُّ تابعا للشأن السياسي بالرغم عنه، وإن كنا ما نزال نقرأ في أدبيات معظم الحركات الإسلامية أن الدعوةَ هي الأصل وهي أكبر وأرفع وأشرف أن تخوض في أوحال السياسة وتنشغل بمشكلاتها وتتيه في دروبها وتعْلَق بحبائلها وتتْلَفَ في ألاعيبها.
ماذا بقي من الدعوة عند الإخوة "الإسلاميين" في حزب العدالة والتنمية، بعد أن سَرَطتْهم بلاّعةُ الدولة المخزنية وروَّضتهم دواليبُها الطاحنة؟
ماذا بقي من الدعوة عند الإخوة "الإسلاميين" في حركة التوحيد والإصلاح؟
ماذا بقي من الدعوة عند الإخوة "الإسلاميين" في حزب البديل الحضاري؟
ماذا بقي من الدعوة عند الإخوة "الإسلاميينّ في حزب الأمة؟
مثَّلْتُ بهذه الحركات، لأنها جميعا خرجت من رَحِمٍ واحدة، وهو الدعوة الإسلامية، لكن انظروا ماذا فعلت السياسةُ بها، وأين أوصلتها.
(العدل والإحسان)، وفي قلبها الأستاذُ المرشد عبد السلام ياسين، رحمه الله وأجزل له الأجر والثواب، في أصلها وفصلها، تنظيمٌ تربويّ روحُه الدعوةُ ثُمَّ الدعوةُ ثُمَّ الدعوةُ، فكيف أصبحت الجماعةُ اليوم مشهورةً بعنوانها السياسيّ الفرعيّ المتغيّر أكثر من شهرتها بعنوانها الأصلي الثابت؟
كيف بات السياسيُّ يُغطِّي على الدعويّ إلى درجة الغَمْر والطَّمْر والذوبان؟
كيف بات الناس اليوم يعرفون الجماعةَ باختياراتها ومواقفها السياسية المعارِضة "الثورية" أكثر من معرفتها بمنهجها الدعوي الأصيل وعطائها التربوي الكريم؟
ولا بد أن أنبه هنا أنني أتحدث عن معرفة الجماعة وشهرتها في أوساط الدائرة الواسعة من الناس، داخل البلاد وخارجها، وليس في أوساط الدائرة الضيقة من الأعضاء والأنصار والمتعاطفين.
الدعوةُ الإسلامية اليوم محاصرةٌ بسبب السياسة، في معظم بلدان العالم، بل هي متهمة بالإرهاب ابتداءً وأصلا عند كثير من اللادينيِّين المتطرفين والملحدين المناضلين، وفي كثير من الدول الأوربية، وخاصة عند تيارات اليمين العنصري ومناهضي الهجرة.
وقد أصبحت هذه التهمُ المختلَقةُ مطية وطيئة لتبرير سياسات القمع والمنع والحصار التي تنتهجها الأنظمة الاستبدادية تجاه الحركات الإسلامية.
لقد استغل المتربصون بالدعوة الإسلامية، بكل تياراتها وتوجهاتها، في العصر الحديث، الاجتهاداتِ المتطرفةَ والعمليات العنيفة الدموية لبعض الفصائل المحسوبة على الإسلام، والتي تدّعي الاجتهادَ والجهاد والانتسابَ لـ"الدعوة السلفية"-مثل "القاعدة" و"داعش"(الدولة الإسلامية في العراق والشام)ـ فأعلنوا حربا شعواء، ما تزال مستعرة إلى اليوم، على جميع الحركات الإسلامية، باسم محاربة "الإرهاب" و"التطرف".
سبيلُ الدعوة الإسلامية، في جوهرها وأساسها، سبيلُ الحرية والرضا والاختيار، وسبيلُ التيسير واللين والرفق، وسبيلُ الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، وهو سبيلٌ يناقض سبيلَ التكفير والتقتيل والإكراه والعنف والغلو والتشدد والتطرف.
طبعا، الاستبدادُ وتوابعُه هو المسؤول الأول عما آلت الدعوة الإسلامية في الوقت الراهن، وخاصة بعد أن أعلن تحالفُ الاستكبار العالمي، بقيادة أمريكا، حربَه على ما يسمّيه "الإرهاب"، وساق في ركابه أنظمةَ الجور والفساد، وسائرَ الكارهين للإسلام من ملاحدة مناضلين وحداثيين لادينيّين متطرفين وحاقدين متربصين.
الدعوةُ الإسلاميّةُ لا يمكن أن تزدهرَ وتنموَ نموا طبيعيا إلا في أجواء الحريّة؛ وهذه الأجواء التي هي بمثابة الأوكسجين الضروري للتنفس والحياة مفقودةٌ، كليا أو جزئيا، في ظل الأنظمة الديكتاتورية، وعلى السياسيين الإسلاميين أن يجتهدوا، ما وسعهم الاجتهاد، وأن يعملوا بكل الوسائل المتاحة، وأن يبدعوا ويخترعوا ويطوّروا أساليبَ جديدةً تناسب الزمن وملابساتِه وأحوالَه وظروفه ومستجداتِه، من أجل "تسليك القافلةِ"، وسط جغرافية ومناخ وتضاريس ليست سهلة ولا مواتية، بل قد تشكل، في كثير من الأحيان، عوائق مقاوِمةً وحواجز خطيرة وموانع عنيدة في الطريق.
في اعتقادي أن السياسةَ ينبغي أن تكون في خدمة الدعوة، تمهد لها الطريق، وتيسّر لها الوسائل والإمكانيات، وتهيئ لها الأجواء المناسبة للسير في الناس وإبلاغ الخطاب إلى حيث يجب أن يبلغ من غير معوقات خانقة، ولا موانع قامعة، ولا قيود رادعة.

الأربعاء، 4 سبتمبر 2019

مراجعات في الفكر والسياسة(8)


بسم الله الرحمن الرحيم                               

مراجعات في الفكر والسياسة(8)

تعليقاتٌ وردودٌ مقتضَبة
(1)
التواصل والتحاور والتفاهم هو الأساس، وليس لكاتبٍ مثلي لا يملك إلا قلما ورأيا ووِجهةَ نظر إلا أن يغمره الفرحُ وهو يرى حبلَ التواصل والتحاور والتفاهمِ موصولا بينه وبين قرائه، مهما كان رأيهم وموقفهم مما أكتب.
قد يختلف الناس، وتتباين آراؤهم، وتتباعد وجهاتُ نظرهم، لكن الإصرار على طَرْق باب التواصل والتحاور لا بد أن يؤتي أكله، عاجلا أو آجلا، ولا بد أن ينتهيَ التحاورُ-إن حسنت النيات وعزمت الإرادات وسمَت الغايات-إلى نتيجة ما، تكون بديلا إنسانيا حضاريا راقيا عن التخاصم والتباغض والتشاحن.
وفي اعتقادي أن الشرط المشروط ليكون التحاورُ مثمرا ومفيدا أن تُتَجَنَّب اللغةُ الإيديولوجية الجافة والحجاجُ العقديُّ المتعالي، لأن هذا الحجاج المتعاليَ وتلك اللغةَ الجافة ليس وراءهما، في نهاية المطاف، إلا الصدام والعداوة والجفاء.
أعرف أن المناضلَ المسلمَ لا يمكنه أن يتجرد عن هويته الإسلامية، وما تمثله عنده هذه الهويةُ من روح وقوة دافعة. لكن الخوض في القضايا السياسية يحتاج من السياسيين التحليَ بكثير من المرونة والصبر وحُسن التلطّف والتأتّي، لأن إشكاليّات الميدان السياسي-في الفكر والممارسة-لا يمكن معالجتها بالثنائيات الجازمة الحاسمة القاطعة، مثل: إيمان/كفر، حق/باطل، جنة/نار، ملك/شيطان، وإن كنت أقولُ، وأؤكد وأكرر وألحُّ في التَّكرار، أن المرونة والتلطف وحسن التأتّي لا تعني التخلِّيَ عن المبادئ، ولا المساومةَ والمداهنةَ والبيعَ والشراء على حساب ثوابت المعتقدات وقواطع الأحكام ومكارم الأخلاق. 
(2)
أريد أن يكون واضحا للقراء الأفاضل، ولكل المتتبعين والمهتمين، أني لا أريد بكتاباتي أن أفتح بابا للجدالات العقيمة التي لا تنتهي، كما لا أريد أن تكون آرائي سببا لتكريس الانقسامات الإيديولوجية التي ما زلنا نكتوي بنيرانها، فضلا عن نيران الاستبداد وما ينتجه من ظلم وفساد.
أيها السادة والسيدات، يا إخواني، ويا أخواتي، التعصبُ الأعمى في أمرٍ ظنيٍّ اجتهاديٍّ خلافيٍّ لا يورّث إلا التحجر والقسوة والعنف بوجهيه المعنوي والمادي.
أيها الناس، يا إخواني، ويا أخواتي، إن من أمارات التعصب المقيت والتحيز الإيديولوجي الوبيل التحرّجَ مِن كل مقالة فيها نقدٌ، والتضايقَ من كل رأي فيه اعتراضٌ، والغضبَ من كل صوت مخالف.
لقد كتبت في موضوع "المراجعات" عشرات المقالات، فصّلتُ وأطلتُ في بعضها، ولخصّت وأوجزتُ في أخرى، والقراءُ الأفاضل الذي يتابعون كتاباتي يعرفون هذا. وأنا أنصح قرائي الجدد أن يرجعوا إلى هذه المقالات حتى يتسنى لهم فهمُ كلامي في هذه الملخصات التي كتبتها بين يدي نشر كتاب "المراجعات"، الذي سيظهر قريبا، إن شاء الله، في نشرته الرقمية الأولى.
بعضُ الإخوة-وخاصة ممن يُسلمون المَقادةَ لعواطفهم، ولا يحتَفِلون كثيرا بالعقل والمنطق والمعطياتِ الواقعية والموضوعية-يُعلّقون على كلامي وكأنني لم أبدأ الكلامَ في موضوع "المراجعات" إلا اليوم. أقول لهؤلاء، بكل أخوة وصدق وصفاء سريرة-أقول لهم إن كنتم حديثي الاهتمام بالسياسة، فنصيحتي إليكم أن تتركوا جانبا العواطفَ الجياشة والانفعالَ والغضبَ والتعصبَ، لأنها لن تفيدكم شيئا في المعرفة والنظر والفهم؛ اسألوا أهلَ السابقة، واطلبوا إليهم أن يَدُلُّوكم ويَهدُوكم وينوِّرُوكم في هذا الباب.
النقدُ الحقيقيُّ البناءُ والمفيدُ لا يكون إلا بعد اطلاع وتحصيل وتدقيق واستيعاب. اقرؤوا، أيها السادة الأفاضل ما كتبْتُ، واستوعبوه وأحيطوا بمضامينه وغاياته، ثُمَّ بعد ذلك، هاتوا ما عندكم من نقد وتصويب وتصحيح، وما أنا إلا صاحبُ رأيٍ أتحرّى الصوابَ فيما أراه وأقدّره وأظنّه وأرجّحه، وقد أخطئ في الرأي والتقدير، وقد أصيب، وأنا في الحالتين أكتبُ بصفتي باحثا ومهتما ومتتبعا، وليس بصفتي كنت في الجماعة، وأنا اليوم خارجها.
إن الذين يقرأون مقالاتي ويقوّمون آرائي بهذا الميزان المختل، أيْ ميزان "في الجماعة/ليس في الجماعة"، لن يصلوا إلى طائل، لأنهم يشتغلون عن اللب بالقشور، ويلهون عن صُلْب المَتْن بالهوامش والحواشي والقيل والقال.
جرّبوا مرة، وكونوا جادّين في التجريب، وانظروا إلى ما أقول، وناقشوه وانتقدوه بمعزل عن كوني كنت أو لم أكن في الجماعة؛ اُسْمُوا وارتفعوا في نَظَرِكم ونقدكم، يرحمكم الله، ولا تكونوا إمّعاتٍ ترفضون مع الرافضين، وتغضبون مع الغاضبين، وتنوهون مع المنوهين، وترضون مع الراضين.
وأنا هنا لا أعمّم، ولهذا وجَب عليّ أن أعتذر للقراء الأفاضل، الذين ينتقدون مقالاتي ويرفضون آرائي على أساس أنها اجتهاد من باحث صاحبِ رأي، وإن هم استحضروا في بالهم علاقتي بالجماعة، فإنهم لا يتعدّون بهذا الاستحضارِ دائرةَ الأخوة والمودّة التي ما زالت تربطني بالجميع، ولا يجعلون من هذه العلاقة معيارا فاصلا في النظر والتحليل والحكم.
ومن الناس-سامحهم الله-من يطلب التعكير من أيِّ وجه، لأنهم لا يجدون لصيدهم حلاوة إلا في الماء العَكِر. قال الله، عز وجل: (وَقُل لعِبَادِي يَقُولُواْ التِي هِيَ أَحْسَنُ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ، إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا)، وقال الرسول، صلى الله عليه وسلم: "ليس المؤمن بالطّعّان ولا اللّعّان ولا الفاحش ولا البذيء". (يتبع)

السبت، 31 أغسطس 2019

مراجعاتٌ في الفكر والسياسة(7)


بسم الله الرحمن الرحيم

مراجعاتٌ في الفكر والسياسة(7)

هل لِنَفَقِنا السياسيّ نهايةٌ؟
عندنا في المغرب، ما تزال عقدةُ العُقد في العمل السياسي، عند المعارِضين الثوريين بالتحديد، هي الموقف من النظام الملكي. أما من جهة النظام المخزني، فإن عقدة العُقد، في تقديري، هي الاستبدادُ والنظرُ إلى كلِّ مكونات الحياة السياسية على أنها توابعُ خادمةٌ وأدواتٌ منفذة، ليس لها من الأمر شيءٌ إلا أن تسمع وتطيع!
سيظل مستقبلُنا السياسيُّ في مهبّ الريح ما دام النظام المخزني، وعمادُه المَلكيةُ الوراثية "التنفيذية"، يرفض ألاَّ يرى فِيمنْ حوله إلا أصداءً لإرادته وتعليماته ورغباته، وما دام معارضوه-وأخصّ هنا المعارِضين الثوريِّين-لا يرون لمغربنا السياسي مستقبلا مع بقاء النظام الملكي.
هل من وصفة "سحرية" تضيّقُ الشُّقة بين الطرفين؟
هل عند الناس، في كلا الجانبين، إرادةٌ للبحث عن أرضية للتواصل والتفاهم والتقارب والإصلاح؟
أليس الأمر، أولا وآخرا، سياسةً؟ فإلى متى العَداءُ والتصادمُ والتنافر والتدابر؟
أليس في الناس، أكانوا ملكيِّين مخزنيِّين أو معارِضين ثوريِّين، مَنْ يقدر أن يبدع شيئا-كيفما كان هذا الشيء-يفتح لنا طريقا نحو الخلاص من هذا الداء العضال الذي لا يني يهدد حياتنا السياسية بكل الآفات والمصائب والفتن، داءِ الكراهية والعداوة والتنابذ والتزايُل؟
أنا أعرف أن الطريق إلى التصالح والتفاهم بين المخزن ومعارضيه ليس مُعبّدا ولا سهلا، بل إن الأمر، عندي، ما يزال من الأماني البعيدة، وسيظل كذلك ما دامت إرادةُ التقريب والإصلاح غائبةً لدى الطرف القوي المهيمن، الذي هو النظام المخزني، وروحُه الملكية الوراثية التي تسود وتحكم بسلطات وصلاحيات شبه مطلقة، إن لم نقل مطلقة.
ومع كلِّ هذا، فلا بد أن يكون هناك بداية؛ لا بد من خطوة أولى على الطريق للوصول إلى النهاية.
النظامُ الذي لا يقبل من الناس إلا أن يكونوا عبيدا، يسمعون ويطيعون-مع ما تعنيه العبودية من ذل ومهانة وسلب للإرادة-نظامٌ ذاهبٌ، عاجلا أم آجلا، مهما طال عمره، ومهما كان منه، من حين لآخر، من أصباغ ومساحيق ومناورات وترميمات لغرض التمويه والتدليس.
وقد يغُرُّ المستبدَ أن الناس باتوا عبيدا طوع البنان؛ لا، إنه غُرور يشبه السراب، لأن الناس مهما أصابهم من ذل وهوان وصَغار وخضوع للسلطة الغاشمة، فإلى حين، لأن جمرة الحرية والانعتاق والثورة على قيود الاستبداد والاستعباد ستظل كامنة تحت الرماد، تنتظر-وقد يكون الانتظار طويلا، لكن له نهاية مُجزية-من يُذكي لهيبَها ويؤجّج نارها، لتخرج من الضعف والكمون والهمود والخمود إلى الحياة والقوة والتوقّد والتلهُّبِ والأجيج.
إن في الناس دائما، ومهما كانت قوةُ القمع وضراوةُ البطش وفظاعةُ الغَشْم، أحرارا شرفاء أمناء يأبون حياة الدُّونِ، وحياة العبودية المقيتة، وحياة القيود المهينة، ويستشرفون حياة الحرية والكرامة والعزة والاستقلال.

الجمعة، 30 أغسطس 2019

الحكوماتُ المخزنية والملفاتُ السياسية المفتوحة


بسم الله الرحمن الرحيم

الحكوماتُ المخزنية والملفاتُ السياسية المفتوحة

أقصد بالملفات السياسية المفتوحة الملفاتِ التي لها علاقة بالحقوق والحريات، وهي ملفاتٌ تمسّ روحَ الممارسة السياسية. هذه الملفاتُ في الدولة المخزنية ملفاتٌ أمنية تتولاها وزارةُ الداخلية وأدواتُها الإدارية التنفيذية، مِن قُوّاد وباشوات وعمال وولاة، فضلا عن أجهزة البوليس والاستخبارات.
فليس من شأن الحكومة المخزنية، كيفما كانت أغلبيتُها ومشاربُ مكوناتها، أن تتداولَ في شأن الملفات السياسية وتقررَ في شأنها، لأن المسألة، أولا وآخرا، مسألةٌ تتعلق بأمن الدولة، وما الحكومةُ، في حقيقتها، إلا جهازٌ تابع منفذ، لا يملك أحدٌ من أعضائها، وعلى رأسهم رئيسُ الحكومة، أن يقول برأي يخالف رأي الدولة، ولا أن يختار اختيارا يعارض اختيارَ الدولة.
معنى هذا الكلام أن كلَّ من يعارض الدولةَ المخزنية، في أسس نظامها وسياساتها وأهدافها وأعرافها وطقوسها، هو مسلوك في الخارجين على الشرعية، وليس من سبيل للتعامل معه إلا سبيلُ القمع والمنع والسجن والحصار والمحاكمات السياسية المفبركة. والأمثلة في هذا الباب كثيرة ومعروفة ومشهورة.

ملفات سياسية مفتوحة
الأغلبيةُ الحكومية المخزنية الحاليةُ برئاسة السيد سعد الدين العثماني، أو السابقةُ برئاسة السيد عبد الإله بنكيران-وأركّزُ على حكوماتِ ما بعد الربيع العربي، وما بعد دستور 2011، لأنها حكوماتٌ بمذاق "إسلامي"، وفي هذا المذاقِ ما فيه مِن المغزى والدلالة-لا يمكنها، بل لا تستطيع، بل لا تجرؤ، أن تقترب من ملفات سياسية ما تزال مفتوحة، كملف الأحزاب الممنوعة بقرارات مخزنية جائرة وأحكام ظالمة، كحزب الأمة، وحزب البديل الحضاري، والحزب الأمازيغي الديمقراطي، وملف جماعة العدل والإحسان، التي تصنفها الدولة المخزنية في التنظيمات المحظورة بلا أي موجب قانوني أو حكم قضائي، وملفات الجمعيات المدنية الكثيرة التي لا ترضى عنها الدولة، فهي ممنوعة محاصرة مدانة، بلا أي مسوغ معقول ومفهوم ومقبول إلا بطش المخزن ورفضه لكل نشاط يسير على غير هواه، ويلغَى بغير لَغَاه، وملفات سجناء السلفية الجهادية وحراك الريف وجرادة وزاكورة-تمثيلا لا حصرا-وملفات الصحافيين الذين لفقت لهم تهم جنائية لغايات سياسية.
مثّلْت بهذه الملفات، لأنها معروفة ومطروقة في وسائل الإعلام، ولأنها مشهورة بأنها ملفات سياسية تحتاج إلى معالجة سياسية، وليس إلى معالجة "أمنية".
وهل تعرف الحكومةُ أن هذه الملفاتِ سياسية؟
ولنفترضْ أنها تعرف-أو بعض مكوناتها على الأقل-وأنها مقتنعةٌ بأنها ملفات سياسية، فهل تجرؤ على طرحها للتداول والبحث لها عن حل سياسي؟ بل هل تجرؤ أن تتحدث للرأي العام عن وجود ملفات سياسية مفتوحة تحتاج أن تُغلق؟
سنزيغ عن جادة الجِدّ إلى الهزل إن نحن تصورنا أن الحكومة المخزنية-الحكومة الحالية أو أي حكومة في ظل نظامنا السياسي المخزني-يمكنها أن تعترف علَناً بوجود ملفات سياسية وتقررَ في معالجتها وإغلاقها.
هذا وجهٌ من أوجه رَزِيَّتنا السياسية؛ الحكومةُ لا تحكم، وإنما تأتَمِر وتسمع وتطيع. وليس عندنا، في ترسانَتِنا القانونية-وهذه مصيبةٌ أخرى-شيءٌ يمكن أن يفتح لنا طريقا للتغيير والانعتاق، لأن هذه الترسانة مصنوعة، في روحها وشكلها ومساطرها، لتُواتيَ الاستبدادَ وتستجيبَ لمطالبه.
نَعَمْ، تتداول الحكومةُ المخزنية بعض الموضوعات السياسية، التي لها علاقة بالانتخابات، لكن الحسم فيها يكون لوزارة الداخلية، أمِّ الوزارات المخزنية-كانت وما تزال وستبقى ببقاء النظام المخزني؛ فقبيل الانتخابات، تنشط السوق السياسية المخزنية، وخاصة فيما بين المشاركين في اللعبة الديمقراطية، من الأغلبية والمعارضة، وتُفتَح ملفاتٌ تتعلق بالانتخابات، كملف التسجيل في اللوائح الانتخابية وطريقة تجديد هذه اللوائح، وملف نمط الاقتراع، وملف التقطيع الانتخابي، وملف العتبة، وملف الحملات الانتخابية، تنظيمها ومراقبتها وتمويلها، لكن الغلبة في النهاية تكون، دائما، لصالح مشروع وزارة الداخلية، باسم الحكومة، طبعا، وباسم مكوناتها.

المصيبة عامة
إن تركيزي في هذه المقالة على الشأن السياسي لا يعني أن الحكومات المخزنية ناجحة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والصحية وغيرها من المرافق التي تهم المواطنين في حياتهم. فالأرقام الصادرة عن مؤسسات تابعة للدولة تشهد بالتدهور والعوائق والأزمات التي تعانيها معظمُ القطاعات-وليس للخطاب الدعائي الذي يبثه الإعلامُ المخزنيُّ وتوابعُه مصداقيةٌ في هذا الباب-إلى جانب الأرقام الصادرة عن مؤسسات دولية محترفة ذات مصداقية-إلى حدّ ما، لأن الحديث عن المصداقية الكاملة المثالية، في تقديري، إنما هو حديث في الأماني والأحلام-وهي في معظمها تصنف المغرب في البلدان المتأخرة، وترتِّبه في ذيل الأمم في مختلف مجالات التنمية والخدمات الاجتماعية.
ومَن نصدق، الأرقامَ الرسميةَ التي عليها ألفُ علامة استفهام؟ أم أرقامَ المؤسسات الأممية والدولية التي تتمتع بشيء من المصداقية، رغم ما يمكن أن يشوبها مِن تحيزات ومبالغات وهفوات؟ أم نصدقُ الواقع المعيش، الذي نُصبِّحه ونُمسِّيه، والذي نعايشه في بيوتنا ومؤسساتنا وأسواقنا وإداراتنا وفي غيرها من مرافق حياتنا ومجالات مناشطنا، والذي يشهد شهاداتٍ مباشرة وحارقة، في كثير من الأحيان، عن تردي أحوالنا وعن مستوى معاناة المواطنين، وخاصة في أوساط الشباب والطبقات الاجتماعية المستضعفة-يشهد من غير لفٍّ ولا دوران ولا تَيَهَان في لعبة النسب والأرقام، التي يتقنها محترفو التلبيس والتمويه والتغليط، وخاصة من خدام الاستبداد التكنوقراطيين؟

إلى متى هذا الغرور؟
لقد نجح نظامُنا المخزنيُّ في اجتياز امتحان عواصف الربيع العربي، وقد كان هذا الامتحان، في تقديري، فرصةً لمراجعة الأسس التي يقوم عليها نظامُنا السياسي، واستئنافِ حياة سياسية تقوم على الحقوق والحريات واستقلال المؤسسات، لكن، مع الأسف، لم يحدث من هذه المراجعة شيء، وكل ما حصل هو أن المخزنَ أحنى رأسه حتى مرت العاصفة، ثم رفع رأسه من جديد ليستأنف السير على طريقته القديمة في خنق الحريات وانتهاك الحقوق والتحكم في كل خيط من خيوط نسيج حياتنا السياسة، وذلك بإعادة إقرار أسس الملكية "التنفيذية"، في دستور2011 الممنوح، وجعلِ كل السلطات الحقيقية في تدبير شؤون الدولة بيد الملك، من غير وجود أيِّ سلطة أو هيئة أو مؤسسة يمكن أن تراقبَ الملك أو تراجعَه أو تحاسبَه.
لقد ناور المخزنُ، ما وسعته المناورةُ، ليَخرج سالما من عواصف الربيع العربي، فأعاد ترتيب أوراقه على صورة تحفظ للنظام وجودَه وسلطانه وهيمنته على كل ما يتعلق بالحياة السياسية؛ فقد أعاد ترميم الدستور الممنوح بطريقة أدت إلى انخراطِ الطبقة السياسية-أقصد الأحزاب المخزنية وشبه المخزنية-في الدعاية لـ"العهد الدستوري الثوري الجديد"، كما أدت إلى استيعاب بعض الإسلاميين-حزب العدالة والتنمية وتوابعه-في خطته الجديدة، وهو ما خفف، إلى حد ما، على النظام من وطأة الشارع الذي كان يغلي بالاحتجاجات والمسيرات والمظاهرات، وخاصة بعد ظهور حركة 20 فبراير.
المهم أن المخزنَ اجتاز عواصف الربيع العربي بنجاح، لكنه، في رأيي لم يعتبر بالتجربة، فأعاد بناءَ نفسه على نفس الأسس السابقة، وهو ما أدى إلى ما نحن فيه اليوم من اختناق سياسي وضعف اقتصادي وهشاشة اجتماعية.
الاختناقُ السياسي، ومعه المشاكلُ الاقتصادية والتحديات الاجتماعية الآخذة في التكاثر والتفاقم، قد يولّد، لا قدّر الله، انفجارا، إن لم يكن انفجارات، في أي لحظة، ولأسباب قد لا تكون مأخوذةً في حسبان من يعملون من أجل الاستقرار والسلم الاجتماعي.
الاغترارُ بأن أمنَ النظام مستَتِبٌّ راسخ، وأن شؤون الدولة تسير سيرا يبعث على الثقة والطمأنينة، وأن الأوضاع عموما متحَكَّمٌ فيها، وأن جميع خيوط اللعبة السياسية ممسَكٌ بها على وجه لا يُخشى معه تفلّتٌ ولا تمرد ولا اضطراب-الاغترارُ بمثل هذه الظواهر والأشكال والواجهات التي قد تكون خادعاتٍ كاذباتٍ هو، في رأيي، بمثابة الاغترار بهدوءٍ قد يكون الهدوءَ الذي يسبق العواصف الهوجاء، التي لا يعلم مداها ومنتهاها إلا الله. ألم يكن النظامُ الديكتاتوري التونسي على عهد بنعلي مغترا بأن الأمور كلَّها تحت السيطرة، وأن الأوضاع مستقرة والأمن مستتب والحياة السياسية تسير وفق هوى النظام ومخططاته المرسومة؟ ألم تفاجئ ثورةُ الياسمين جميع المحللين والمراقبين في العالم؟ ألم تنبثق شرارتُها من الهدوء الذي كان النظام المستبدُّ واثقا به ومطمئنا إليه؟
إن نظامنا السياسيَّ لم يترك لمعارضيه أي منفذ، مهما كان ضيّقا، للمشاركة في الحياة السياسية العامة، والتعبير عن آرائهم بكل حرية لا يخشون قمعا ولا منعا ولا اعتقالا.
التنظيماتُ المعارضة للنظام المخزنيّ محاصَرَة بيد من حديد، ليس لها عند المخزن إلا العصا الغليظة، إلا القمع والمنع وتلفيق الاتهامات الجنائية الباطلة.
وهذا الوضع لا يمكن أن يدوم إلى الأبد. لا بد من بداية جدّية للبحث عن حل جدّي لهذه المعضلة السياسية التي نعانيها بسبب الاستبداد. لا بد من مبادرة عاقلة هادفة مخلصة لتجنيب البلاد والعباد، لا قدّر الله، فتنا واضطرابات قد لا تنتهي إن هي بدأت. نسأل الله الحفظ والسلامة وحسن العاقبة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.    

مراجعاتٌ في الفكر والسياسة(6)


 بسم الله الرحمن الرحيم
مراجعاتٌ في الفكر والسياسة(6)

وبعد، فقد لخصت في "زبدة مقالات الكتاب" ثلاثَ نِقاط تمثّل المادة الخام التي استمدتْ منها مقالاتُ كتاب "المراجعات" موضوعاتها، وأدارت عليها نقاشاتِها وانتقاداتِها.
ورغم مرور سنوات على تاريخ كتابة هذه المقالات-بين خمس وتسع سنوات-فإني ما زلت أرى العطبَ قائما في المنهاج السياسي لجماعة العدل والإحسان، وفق منظاري وتشخيصي، وما زلت أعتقد أن الإشكاليات التي تطبع هذا المنهاجَ-طبعا، هناك من الناس مَنْ لا يرى في منهاج الجماعة إلا القوةَ والصوابَ والوضوحَ والغَناء، وهو رأيٌ مسموع ومحترم، ما دام الموضوعُ يحتمل تعددَ الآراء واختلافَ وجهات النظر والتحليل والتعليل-
قلت ما زلت أعتقد أن الإشكاليات التي تطبع منهاجَ الجماعة-وكلَّ عملٍ سياسيٍّ عموما-لن تعرف طريقا إلى الحل المطلوب ما دامت النقط الثلاثُ التي لخصتها في هذه الزبدة تقع فوق المراجعة والنقد، وما دام الناسُ لا يجرؤون على نقد الأفكار الاجتهادية السياسية للأستاذ المرشد، رحمه الله، وما داموا لا يُنزلون تراثَه المكتوبَ منزلتَه الطبيعيةَ، كما أراد له صاحبُه، من حيث هو رأيٌ وفكرٌ ونظرٌ قابلٌ للأخذ والرد، وموضوعٌ للنقد والتقويم، والتحوير والتعديل، وما دام الناسُ لا يجرؤون على إصلاح حقيقيٍّ في هياكل الجماعة، لتحتلَ مجالسُ الشورى والقرار المكانةَ التي تليق بها، وليُصبحَ لرأي الناس معنىً، ولأصواتهم وزنٌ وقيمة، ولقراراتهم أثرٌ وشأن.
لقد أراد الأستاذُ المرشد، رحمه الله، لـ"المنهاج النبوي"، بما أودعَه مِن نظرٍ واجتهاد وفقه ونقد، أن يكون مفتاحا للعقول والفهوم، ومغلاقا للتقليد وللجمود، ورائدا للاجتهاد والإبداع، ودافعا للإمّعيّة والصّنميّة. لكن الرياحَ جرَت بما لا تشتهيه السفن، فأصبح تراثُ الأستاذ المرشد مَتْنا "مقدسا" لا يجرؤ أحدٌ أن يقترب منه بنقد أو بشبه نقد.
قال الأستاذ المرشد في كتاب "العدل" (ص150): "كلّ عملٍ رائدٍ وفكرٍ وطيد إما أن يكونا مفتاحا لمزيدٍ مِن التقدم في الفهم والممارسة، وإما أن يكونا "سلفا" إليه ينتهي إدراكُ العقول المقلِّدَة وفيه تنغلق. وما مِنْ إمامٍ من أئمتنا الصالحين إلا ويقول لسانُ حاله ومقاله: افعلُوا كما فعلت، واجتهدوا لزمانكم كما اجتهدت، وارجعوا إلى مُنبثَق العلم ومنطلَق الوحي كما رجعت."
رحم الله الأستاذَ المرشد رحمة واسعة طيبة مباركة، وكتبه عنده في السعداء المرضيِّين الفائزين، ورفعه، بفضله وكرمه، مكانا رضيّا عليّا مع الذين أنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم آمين.
(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ، وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (الحشر/10)
(رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (آل عمران/8)
(يتبع)

الخميس، 29 أغسطس 2019

مراجعاتٌ في الفكر والسياسة(5)


مراجعاتٌ في الفكر والسياسة(5)
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى بعض القراء الأفاضل
إني أدعو القراءَ الأعزّاء الذين فاتهم الاطلاعُ على مقالاتي النقدية في إبان نشرها خلال ما يقارب خمس سنوات(2010-2014) أن يصبروا حتى يطلعوا على بعض هذه المقالات مجتمعةً في كتاب "مراجعات في الفكر والسياسة"، الذي أخبرتُ أنه سيظهر قريبا، إن شاءَ الله تعالى ويسّرَ وأعان.
اصبروا، أيها السادة، ولا تتسرّعوا في إصدار الأحكام في موضوع لا تملكون عنه إلا القشورَ وحكاياتِ القيلِ والقال. اصبروا حتى تقرؤوا مقالاتي مجتمعة، أو ارْجعوا واقرأوها حيث هي منشورةٌ متفرقة، وعندئذ مرحبا بانتقاداتكم، وتصحيحاتكم، وتنبيهاتكم، ونصائحكم؛ وليس يضيرني ألاَّ يتفق الناسُ معي، وأن يرفضوا آرائي، ويستضعِفوا نقدي، وإنما الضيرُ كلُّ الضير أن يرميَني الناس بسهامهم الجارحة المؤذية، وليس هناك من سبب إلا العصبيةُ العمياءُ، والتحيز الإيديولوجي الضيقُ، والحماسةُ "التربوية" الهوجاء.
وأرجع إلى سياق الفقرات التي أقدّم بها كتاب "المراجعات".

زُبْدَةُ مقالاتِ الكتاب
"المنهاج النبوي" عملٌ اجتهاديّ فرديّ، أعمل فيه الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، رحمه الله، ما استطاع من أدوات النظر والتفكير والنقد، وصاغه، وهو مستحضِرٌ وملاحظٌ ومعتبرٌ بما كانت تمور به الساحة الفكرية والسياسة، في زمانه، قطريا وإقليميا ودوليا، وكتبَ فيه ما كتَبَ، ورأى ما رأى، واقترح ما اقترح، ولم نقرأ له، ولو كلمة واحدة يُشتمّ منها أن الرجل يَدعي لاجتهاده التنزّهَ عن النقد والمراجعة والتحوير والتطوير، بل العكس هو الصحيح؛ فقد تكلم الرجل، رحمه الله، في "المنهاج النبوي"، وفي غيره، بعبارات واضحات تقول للناس-وفي مقدمتهم رجالُ العدل والإحسان ونساؤها: انظروا كما نظَرت، واجتهدوا لزمانكم كما اجتهدت، وانتقدوا وطوّروا وأبدعوا، حسب ما يستجد من معطيات، وعلى ضوء ما يجري في الزمان من تقلبات وتغيرات.
اليوم، ما تزال جماعة العدل والإحسان ترى، بل تصر أن ترى في اجتهاد مرشدها في المضمار التدافعي السياسي اجتهادا صالحا لكل الأزمنة، لا تؤثر فيه الأحداث، ولا يُبليه التقادم وكَرُّ الليالي واختلافُ الأزمنة والظروف والملابسات.
وقد بيّنت في بعض مقالات كتاب "المراجعات" أن خلطَ الناس-وأقصد الأتباع والمريدين والمحبّين-في شخص الأستاذ المرشد، رحمه الله، الجانبَ التربوي الإيماني الإحساني، والجانبَ السياسي الاجتهادي الظرفي، جعلهم ينظرون إلى آراء المرشد السياسية وبَدَوَاتِه الفكرية-أي ما يبدو له عند النظر في أمر-ونظراتِه الاجتهادية الظنية، على أنها من جنس سلوكه الرباني وفضله الإحساني وعطائه التربوي، وهو ما يفرض، على من يريد الانتماءَ إلى الجماعة أن يسلّم بأن تراثَ الأستاذ المرشد السياسي لا ينفصل عن تراثه السلوكي الإحساني، بل بات الناس ينظرون إلى آراء المرشد السياسية على أنها من تجليات فتوحاته الربانية! هذه نقطة أولى في هذه الزبدة.
النقطة الثانية، وهي مبنيةٌ على الأولى، شديدةُ الارتباط بها، وهي أن جميع اختيارات الجماعة السياسية ومواقفها المختلفة إنما تنبع من فكر المرشد وآرائه ونظراته التي سطرها في كتاباته. فحسب علمي، لا يوجد قرارٌ من قرارات الجماعة اتُّخِذ بمعزل عن فكر المرشد الذي هو الأصل والمنبع. فما من صغيرة ولا كبيرة في "أدبيات" الجماعة السياسية، منذ ظهور الجماعة إلى اليوم، إلا ولها نَسَبٌ عريق بأفكار المرشد، وكأن المرشد، رحمه الله، قد أجاب عن كل الإشكاليات السياسية، التي كانت، والتي ستكون، ومن ثَمَّ، فليس على الناس إلا أن يحفظوا ويتبعوا ويشرحوا ويُحَشُّوا-أي يضعوا الحواشي-ما دام "متن" "المصنف"، رحمة الله، قد أحاط بكل شيء، فلم يبق إبداع، وإنما هو اتباعٌ في اتباع.
والنقطة الثالثة في هذه الزبدة أن مجالس الجماعة، الشورية التقريرية، لا تصنع أكثر من البناء على أصل المرشد، لا تتعداه، وإن هي فعَلَتْ، فلا تقترب من جوهر هذا الأصل، وتبقى مهتمة بالجزئيات الشكلية والتفصيلات المسطرية وما شابه هذا مما هو أقرب إلى الروتين الإداري منه إلى العمل التشاوري الحقيقي العميق.
لقد قرر المرشدُ، رحمه الله، أن ينشرَ "مذكرة إلى من يهمه الأمر"، مع ما لهذا العمل من خطورة ووزن سياسي، وأيضا لما يمكن أن يترتب عليه من تكاليف وتبعات.
هل تشاور المرشدُ مع أحد قبل أن يقرر كتابةَ "المذكرة" ونشرَها؟ هل تشاور مع مجلس الإرشاد، مثلا؟ مع الأمانة العامة للدائرة السياسية، مثلا؟ لا، لم يفعل.
هل عُرِضَت "المذكرة"، قبل قرار نشرها، على مجلس شورى الجماعة، وهو يومئذ أعلى هيئة تقريرية؟ لا.
هل تداول المجلسُ القطري للدائرة السياسة في شأن "المذكرة"؟ هل طُلب من هذا المجلس، الذي يمثل وجهَ الجماعة السياسي، رأيُه في الأمر؟ لا.
ومرت الأيام، فهبّت علينا عواصف "الربيع العربي"، فقررت الجماعة المشاركةَ في فعاليات هذا الربيع، والانخراطَ النشيط في حركة 20 فبراير. وما هي إلا أشهرٌ معدودات حتى قررت الجماعةُ الخروجَ من الحركة، ومغادرةَ فعاليات الربيع المغربي خالية الوفاض-في ظني وتقديري-بعد أن تحمّل الناس-الأعضاءُ والمسؤولون من مختلف الدرجات-كثيرا من الأعباء، بسبب ما أُنفق من جهد ووقت ومال. وكان يمكن أن تكون التكاليفُ أثقلَ وأصعب وأخطر، لكن الله سلّم، فبقيت محصورةً في الوقت والجهد والمال.
الشاهدُ من كل هذا هو السؤال التالي:
مَنْ قرر مشاركةَ الجماعة في حركة 20 فبراير؟ ومن قرر مغادرةَ الجماعة؟
المعلومُ أن مجلس الشورى في الجماعة، وكذلك المجلس القطري للدائرة السياسة، لم يقررا في أمر المشاركة، ولا في أمر المغادرة. وإنما القراران كانا فوقيّيْن، شارك فيهما أفراد يُعدّون على رؤوس الأصابع، ثُم نزل الأمرُ بالتنفيذ.
ما قيمةُ مجلس الشورى إن لم يُدع للتداول في شأن عظيم خطير ذي بال، كان يمكن أن يخلّف ضحايا في الأرواح، والوقتُ كان وقت حماسة وفوَرَان وثَوَرَان وتصادم؟ لا شك أن قيمة هذا المجلس ستكون منقوصة، إن لم نقل معدومة.
والمجلسُ القطري للدائرة السياسة؟ أليس هو القوة السياسية الضاربة للجماعة؟ أليس هو من يتحمل العبء في مجالات التأطير والتحشيد والتنظيم؟ أليس هو وجه الجماعة السياسي؟ لماذا لم يُستمع إلى رأيه في قراريْ المشاركة والمغادرة؟ والمعلومُ أن هذا المجلس (مقدس) قد عَقد دورتين، عادية واستثنائية، في فترة نشاط الجماعة في حركة 20 فبراير، لكنهما لم تكونا من أجل مشاركة الجماعة أو عدمها، ولكن كانتا لموضوعات أخرى تخص مشروع الدستور والاستفتاء وانتخابات 25 نونبر 2011!