الجمعة، 11 يناير 2019

كلمة مختصرة عن كتاب (الأزمة الدستورية)، للدكتور محمد المختار الشنقيطي.


بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة مختصرة عن كتاب (الأزمة الدستورية)، للدكتور محمد المختار الشنقيطي.

هذه كلمة مختصرة عن كتاب (الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية؛ من الفتنة الكبرى إلى الربيع العربي)، للدكتور محمد المختار الشنقيطي، (الناشر: منتدى العلاقات العربية والدولية، الدوحة-قطر، الطبعة الأولى، 2018).
لقد خلفت قراءة الكتاب في نفسي بعض الانطباعات، ألخص أهمها في السطور التالية.
لقد قرأت كتاب الأستاذ محمد الشنقيطي برغبة واهتمام وإمعان. والقارئ المنصف لا يسعه، في تقديري، إلا أن يشهد للمؤلف ببعد النظر والأفق، وعمق التناول والتحليل، وسعة الاطلاع، وميزةِ الرسوخ في الأصالة والانفتاح، في الوقت نفسه، على ما عند الآخر من أفكار ومناهج وتجارب وممارسات وإجراءات، في غير انبهار ولا تبعية ولا انقياد ولا استنساخ، وسلاسةِ الأسلوب وبساطة اللغة وجمال التعبير.
كل هذه الصفات وغيرها من إيجابيات هذا العمل ترشح هذا الكتاب ليكون إضافة غنية ونوعية لمكتبتنا الفكرية السياسية الحديثة. وإن أعمال الأستاذ الشنقيطيّ-في هذا الكتاب وفي سائر كتبه-تجعله، في تقديري مؤهلا لشغل مكان متميز ومتقدم من بين مفكرينا السياسيين الإسلاميين المعاصرين النابهين، وهم قلة مقارنة بكثرة الثرثارين، والمقلدين، والتابعين المجترّين، واللادينيّين الخابطين في الظلام والتيه.
في اعتقادي، لقد كان الشيخ راشد الغنوشي مصيبا في ملاحظته، في تقديمه للكتاب، التي تأخذ على الأستاذ الشنقيطي "أنه لم يوفّ كثيرا من المفكرين المسلمين حقهم"(ص15). وأمثل لهؤلاء الذين لم يوفهم الكتاب حقهم بالشيخ محمد الغزالي، رحمه الله، والأستاذ عبد السلام ياسين، رحمه الله، والشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، بارك الله في عمره.
وإن أنا سمحت لنفسي أن أوازن بين أولئك الذين لم يحلّهم الكتاب المكانة التي يستحقونها، فإني أرى أن الأستاذ ياسينا، من المغرب الأقصى، كان ينبغي أن يقف عنده المؤلف أكثر مما فعل؛ فالتراث الفكري السياسي للأستاذ عبد السلام ياسين ليس محصورا في كتاب (الخلافة والملك)-وهو الكتاب الوحيد الذي تم ذكره في كتاب الأستاذ الشنقيطي؛ فالأستاذ ياسين، رحمه الله، ترك حوالي أربعين مؤلفا، أغلبها في التربية والسياسة والتنظيم، منها، على سبيل التمثيل، رسالة (الإسلام أو الطوفان)، وكتاب (المنهاج النبوي، تربية وتنظيما وزحفا)، وكتاب (الشورى والديمقراطية)، وكتاب (حوار مع الفضلاء الديمقراطيين)، وسِفْره السياسي الضخم (العدل، الإسلاميون والحكم)، وكتاب (إمامة الأمة). ومكتبة الأستاذ ياسين في متناول الباحثين والمهتمين على العنوان التالي بشبكة الإنترنيت: (siraj.net)، ويمكن الدخول إلى هذه المكتبة من بوابة موقع الأستاذ ياسين: (/https://www.yassine.net/ar).
لقد ركزت على الأستاذ عبد السلام ياسين، من بين العلماء والمفكرين الذين لم يكن الاهتمام بهم في كتاب الأستاذ الشنقيطي في مستوى تراثهم وغنى تجاربهم وتميز اجتهادهم، لأني، أساسا،  واحد من تلامذة هذا الرجل، رحمه الله، وقريب من كتبه وتجربته في مجال التربية والتنظيم، وأيضا تجربته المتميزة في ميدان التدافع السياسي، التي ما زالت تمثلها (جماعة العدل والإحسان) المغربية المحاصرة والمقموعة والمضطهدة-ودع عنك شعارات التغيير والعهد الجديد، والدستور الجديد وغيرها من المظاهر الخداعة والواجهات المموهة، التي لا يخفى على أمثال الأستاذ الشنقيطي ما تخفيه وراءها من ظلم واستبداد وفساد، وخاصة بعد أن أسقطت عواصف الربيع العربي الأقنعة، وكشفت السوءات، وما تزال تفعل.
في تقديري، كان كتاب الأستاذ الشنقيطي سيكون أكثر غنى وعمقا في مادته السياسية، وفيما رسمه من حلول وآفاق للخروج من الأزمة الدستورية التي ما تزال تعانيها أمتنا الإسلامية منذ "الانكسار التاريخي"، الذي حوّل الخلافة الإسلامية الأمينة العادلة الراشدة ملكا عضوضا جائرا-قلت كان يمكن لكتاب السيد الشنقيطي أن يكون أكثر غنى وعمقا لو أتيح له أن يستفيد من تجربة الأستاذ ياسين، على مستويي الكتابة التنظيرية والممارسة العملية الواقعية.
لقد ذكر الأستاذ الشنقيطي ما سمّاه "الرهبانية السياسية"، في سياق نقدي سلبي، ومثّل لهذه الرهبانية بالإمام أبي حامد الغزالي من القدماء، والدكتور طه عبد الرحمن من المحدثين. وقد فات الأستاذ الشنقيطي بعدم اطلاعه على تجربة الأستاذ ياسين، وخاصة في جوهرها التربوي الإحساني-وهو الأساس في فكر الأستاذ ياسين السياسي التنظيمي-فاته أن يعرفَ الوجهَ الإيجابي المشرق/الوجهَ المنتفض الثوري/الوجهَ القومي الإحساني [القوميّ هنا من (القوْمَة)، التي يستعملها الأستاذ ياسين بدلا عن كلمة (الثورة)] لِما يسميه بالرهبانية السياسية القاعدة المنزوية المتدَروشة. وللأستاذ ياسين في موضوع التربية الإيمانية القائِمة المناضلة المجاهدة كتاب كبير في جزأين بعنوان (الإحسان).
لقد تعرضت الأصول الإسلامية، في التربية الإيمانية الإحسانية، في القرآن والسنة، وفي سيرة السلف الصالح، إلى الكثير من التشويهات والتحريفات حتى كادت معالمها تنطمس وتغرق في بحر لجيّ من الابتداعات والانحرافات والجهالات والشطحات، التي اشتهرت بها كثير من الحركات الصوفية، قديما وحديثا. وقد اجتهد الأستاذ عبد السلام ياسين، في مشروعه التربوي الجهادي، الإحساني العدلي، أن يرجع بالأصول التربوية الإسلامية إلى منبعها الصافي، وأن ينقيها مما علق بها من اعتقادات دخيلة وشعوذات مبتدعة وممارسات شاذة، لترجع، كما كانت، أساسا لتربية الرجال، والسمو إلى طلب الإحسان، اعتقادا وسلوكا، والكينونة مع الصادقين المجاهدين.
يقول الأستاذ ياسين، رحمه الله، من فقرة بعنوان "من أعالي التاريخ" في كتابه (نظرات في الفكر والتاريخ، الطبعة الأولى 1989، ص43-47):
"يهبنا الوهاب بفضله همة عالية لننظر إلى الواقع من أعالي التاريخ لا من أسافله، لنفهم من مكاننا العالي، بين يدي الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، يتلو علينا القرآن ويشفعه بالبيان، لِمَ انحلت عُرى الإسلام تباعا بانحلال العروة السلطانية؟ لم سكت من سكت وقام من قام واختلف من اختلف؟ لم مرضت الأمة المرض المهلك لمّا جاءت عهودُ الأغيلمة يسقون الأمة الحِمام بالسيف، يقتلون فيها الشهامة والمروءة؟ لم طردت إرادة الأمة من التاريخ؟ لم اغتيلت الشورى وتاهت على الكون إرادةُ المستبد؟ لم غاب العدل وطغى المترفون ونشأت واستمرت واستفحلت في عصرنا تقاليدُ "ألف ليلة وليلة"؟ لم تفتّت الدين حتى بلغنا إلى درك الإسلام الفردي، إسلامِ "المتدين" لا يرى الدين شيئا آخر غير رُكيعات ينقرهن إن كان أو رحلة يتمتع بعدها بلقب "حاج"؟
إن تتلمذنا للرسول المعلم الناصح، صلى الله عليه وسلم، مباشرة بعقلنا يتلقى التعليم، وبقلبنا يتعرض لفيض الرأفة والرحمة، وبسلوكنا يجدد تاريخ الجهاد، وإن أخْذنا عنه، صلى الله عليه وسلم، القرآن كتابا من عند الله هو الضياء والهدى والحياة، كنا على المستوى الرفيع الذي يمكننا من مراقبة الأمور من أعاليها لا من أسافلها. (...)
 من كانت ترسبات تاريخنا الحافل تشغل منه العقل والخيال، وكانت أنقاض ما نقض من عرى الإسلام تتمثل لديه معالمَ هادية، وكان ثقل الأحداث الماضية يحمله على رأسه، وكانت تحديات الحاضر والمستقبل تحاكَم في تقديره إلى التراث الفقهي الثري العظيم لا غير، فذاك ينظر إلى الأمور من أسافلها، يظن أن صناعة التاريخ لا تتأتى إلا بوضع نفوسنا تحت كلكله.
هذه الذهنية التي لا تميز تاريخ الفتن، وهو تاريخ المسلمين، عن تاريخ الإسلام الذي كان نموذجا رائعا في اتجاهه وإنجازاته على عهد النبوة والخلافة الراشدة، تكيل في صُواع أعداء الدين من بني جلدتنا دون أن تشعر. تكيل في صُواع القوميين العلمانيين الذين يعتبرون تاريخنا كتلة واحدة، نسبية كلها، جدلية كلها، تحمل بداياتهُا جراثيمَ تطورها وانجرافها، تفسر نهاياتهُا في زمن التخلف والهزيمة هذا محدوديةَ الدعوة المحمدية وإقليميتها ومكانها في سلم التطور الاجتماعي الساري في المجتمعات البشرية، المؤتمِر بحتمية مادية جدلية. (...)
عرى الإسلام هل انتقضت؟ معرفةُ ذلك ومعرفة من أين بدأ النقضُ وكيف توالى وتسلسلَ فقهٌ ضروريٌّ لنعرف من أين نبدأ الفتل من جديد، لا استعمالا للأنقاض واستنادا إلى سلطانها المعنوي لمِاَ اكتسبته من شرف الانتماء إلى تاريخ المسلمين، لكن بمادة جديدة خالدة لا تبلى هي مادة القرآن، وعلى مثال سام لا ترقى إليه المهانة هو مثال السيرة النبوية العطرة.
من تلك المرتفعات فقط يمكننا أن نبصر بوضوح وشمولية وانجماع في فكرنا وقلبنا وإيماننا وإرادتنا وحركتنا مواقعَ الأقدام على أرض واقع مفتون، ويمكننا أن نسير على المحجة البيضاء نكتشفها من جديد. قضاء الله عز وجل نزل في الماضي بما نزل، وتحملت مسؤوليتها أمةٌ قد خلت منا لا نتنكر لها ولا نكون، نعوذ بالله، من الذين يلعن بعضهم بعضا. وبين أيدينا دليل إلى المستقبل الزاهر مستقبل الخلافة الراشدة الثانية لا يخطئ الطريق، هو بشارة سيد ولد آدم، صلى الله عليه وسلم. بين أيدينا جهاده المظفر وسنته حين ربّى، وحين جمع المؤمنين، وحين آخى بينهم، وحين رسم الأهداف، وحين قاد، وحين انتصر. (...)
إن معالجة مآسي الأمة وجراحاتها من أسافل التقليد والخنوع البليد إنما تكون زيادة في نخر الكيان. من إزاء القرآن والسنة فقط، وبفقه أتقياء أبرياء من لوثات الخيانة والجزئية والتصالحية، يمكن أن نعلو متن التاريخ، ونخوض بقايا الفتنة ورواسبها، ونقتحم العقبة، ونصبر على جهاد الكنس والتأسيس والبناء، وننتصر بحول الله وقوته."انتهى الكلام المنقول
وبعد، فلتكن كلمتي هاته بمثابة دعوة للأستاذ الفاضل محمد الشنقيطي للاطلاع على تراث الأستاذ عبد السلام ياسين، في كليته-وما أظن الأستاذ الشنقيطيّ إلا قارئا نهما مطلعا؛ وإني أكاد أجزم أنه، إن فعل، سيجد في كتابات الأستاذ ياسين ما يعزز الكثير من أطروحات كتابه، وسيجد فيها، أيضا، ما يفتح عينيه على آفاق جديدة وواعدة في طريق البحث عن مخرج من أزمتنا الدستورية. ومن الله تعالى التوفيق والسداد
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.