الثلاثاء، 31 يناير 2017

لا حدود للفن، ولا قواعد، ولا رسالة!!

بسم الله الرحمن الرحيم

لا حدود للفن، ولا قواعد، ولا رسالة!!

هل للفن التشكيلي قواعد؟
هل لفن النحت قواعد؟
هل لفن الشعر قواعد؟
يجيبنا أدونيس بأن من خصوصيات الفن أنه لا تحده حدود، ولا تضبطه قواعد.
وماذا عن فن المعمار؟ ماذا عن الفن القوطي، مثلا، في هندسة الكنائس والكاتدرائيات؟
إن نحن وافقنا أدونيس فيما يدعيه، فإننا سنقبل، ضمنا، بإمكانية وجود فن معماري بلا قواعد، وذلك هو الخبل والجنون بعينه؛ وكذلك فن الموسيقى، إن نحن تابعنا أدونيس في دعواه، سيتحول إلى فوضى في الأصوات، ونشاز في الأنغام.
وكان عباس محمود العقاد من النقاد الكبار الذين تصدوا بقوة وحزم لأنصار "الشعر الحر"، في بداياته الأولى، الذين كانوا يزعمون أن الشعر يمكن أن يبقى شعرا وإن لم يكن موزونا، وزادوا في زعمهم أن "التفعيلة" في "الشعر الحر" هي أساس الوزن. كان هذا قبل أن تجتاح أدبنا العربي، وفي مجال الشعر خاصة، تيارات الفوضى والعبث والهدم بلا بناء بديل.
لقد وصلت هذا التيارات اليوم على يد الحداثيين المتطرفين، وعلى رأسهم أدونيس، الحد الأقصى في العبث واللامعقول، لأنها حطمت جميع الحدود والقواعد، وكفَرت بكل ما يحيل على الأصول أو النموذج أو المعايير؛ فالفنان عندهم هو الذي يصنع نموذجه، ويضع قواعده، ويفرض معاييره.
فالنثر البارد الفارغ من أي معنى يمكن أن يسمى عندهم شعرا، لأنه لم يعد هناك مقياس أو قاعدة أو مثال يمكن أن يحتكم إليه في الحكم والتقويم.
فأدونيس، مثلا، يكتب اليوم ما يريد، وبأي طريقة يريد، وعلى الناس أن يقبلوا عمله، وإن كان لا يساوي شيئا في موازين النثر والشعر، على أنه إبداع جميل، وشعر حداثي بديع، وطريقة في التعبير لا أصل لها، ولا مثال، ولا قاعدة!
"إن العبقرية والمقدرة لا تظهران إلا إذا خضع الإنسان للقوانين الطبيعية أو القواعد الوضعية. فإذا فاز، وقد ألقيت عليه تلك القيود، فمن الحق أن يقال فيه، بعد ذلك، عبقري أو مقتدر. أما إذا تُرك الإنسان يفعل ما يشاء في الوقت الذي يشاء، ومن غير حدود في المكان والزمان، ثم جعل هو من نفسه حكما على نفسه، فإن لكل إنسان الحق، حينئذ، في أن يدّعي العبقرية والمقدرة."[1]
حينما نتعمد هدم الحدود القائمة بين مفاهيم المصطلحات، فذلك يعني تعمّد الإساءة إلى نظام الحياة، والاستهانة بالمنطق الإنساني، الذي قضى، وسيقضي دائما، على الرغم من دعاة الهدم والفوضى والعبث، بأن هناك حدودا مفهومية تخص استعمال كل كلمة، سواء في اللغة أو في الاصطلاح.
"إن اللغة، التي هي محصول الذهن الإنساني عبر عشرات القرون، لا تضع الأسماء اعتباطا ولا عبثا، وإنما هناك مفهوم فلسفي عام يكمن وراء كل تعريف وتسمية في كل لغة."[2]
وماذا يمكن أن تجني الإنسانية عامة، وآدابها بصفة خاصة، من هذه المذاهب العبثية الهدّامة، التي ليس في قاموسها إلا لغة الرفض، والسلب، والتجاوز، والقطيعة، وما إلى هذه الألفاظ في لغة العبث واللامعقول- ماذا يمكن أن تجني الإنسانية من هذه المذاهب غير الفوضى والانحطاط والتفاهة وغيرها من النتائج السلبية التي تخرج الإنسان من إنسانيته، وتفرض عليه، بالوهم المغرق في الوهم، الموشّى بشعارات المعرفة الحداثية، أن يعطّل جميع حواسه من أجل معرفة هي اللامعرفة، وعقل هو اللاعقل، ومستقبل هو اللامستقبل، وغاية هي اللاغاية، ومعنى هو اللامعنى، وأفق إنساني هو اللاأفق، وحرية هي اللاحرية- في جملة، من أجل شيء هو اللاشيء؟
فمذاهب العبث والهزل "لا تتحدث بشيء غير الهدم والإلغاء: فلا لون، ولا شبه، ولا رسم، ولا قاعدة في التصوير، ولا لفظ، ولا معنى، ولا منطق، ولا مدلول في الشعر والنثر. وإنه لمن حسن الحظ أن تقصى هذه الدعوى عن الفنون التي ترتبط بها ضرورات المعيشة والاجتماع، فإنها لو تناولتها لسمعنا بفن المعمار الذي لا حجرات، ولا جدران، ولا حجارة، ولا طلاء فيه، وسمعنا بمجامع الموسيقى التي لا تميز بين الضوضاء والألحان، ولا محل فيها للمعازف والآلات."[3]
وما أجمل هذا الاحتجاج اللطيف من الأستاذ العقاد! فقد جمع بين المنطق الرصين والسخرية التي لا تفارقها رزانة العقل. كان هذا الاحتجاج من العقاد قبل أن يتفاقم أمر هؤلاء الحداثيين، فيدعيَ أدونيس أن الموسيقى من الفنون التي لا تحدها حدود، ولا تضبطها قواعد، ومن ثَمّ فإن "الضوضاء" باتت عندهم من الفنون الجميلة، التي تستحق منا الرعاية والإعجاب.
ومهما كانت الدواعي والشعارات، فإن الدعوة إلى نقض مفاهيم اللغة، وتجاوز قواعد الفنون التي تعارفتها أمة، بمختلف شعوبها، على طول تاريخ يعدّ بعشرات القرون، إن لم يكن أكثر، إنما هي، في أبسط غاياتها وأوضح معانيها، دعوةٌ إلى التقاطع، والتدابر، واللاتواصل، أي دعوة إلى موت اجتماعي وحضاري محتّم.
فما معنى أن يصطلح الناس طوال قرون ذوات العدد على أن الأبيض هو الأبيض، ويأتي آحاد الناس، في زاوية من الزمان، ليقولوا: لا، إنما الأبيض هو الأسود، ثم يتبعه ثالث، فيقول: لا، إنما الأبيض هو الأصفر، وهكذا في دوّامة من اختلاط المفاهيم لا تنتهي إلى طائل، بل تنتهي، حتما، إلى التضارب، والتنافر، والتباعد، واللاتفاهم.
وما معنى أن يدعي أدونيس-والناس يستمعون إليه اليوم على أنه واحد من أهل الفن والاختصاص، الذين لا يراجع حكمهم، ولا يناقش رأيهم-أن الشعر، مثله مثل الموسيقى والنحت، من الفنون التي لا يمكن أن تنبني على أسس، وتنضبط لقواعد، وتستجيب لمقاييس؟
فمثلا، حينما يصبح الشعر نثرا، والنثر شعرا، من غير اعتبار للفوارق الأساسية بين الفنين، وحينما يصبح الحديث عن الوزن حديثا إنشائيا لا يعترف بالقواعد والحدود والضوابط والمفاهيم المميزة للأشياء والمعاني بعضها من بعض، وحينما يصبح الاحتجاج لمثل هذه الفوضى في استعمال مفردات اللغة واصطلاحات الفنون والعلوم قائما، أساسا، على التخييل الجامح، والوهم البعيد، والتصورات والآراء العبثية اللامعقولة-حينما يقع مثل هذا، فإن كل شيء يصبح مباحا.
إذن، أين هي المسؤولية الإنسانية؟ أين هي مسؤولية الكلمة؟ أين هو احترام حق الإنسان، وكرامته، وعقله، وعواطفه، ومشاعره؟
الشعر الحداثي، عند أدونيس ومن سار على نهجه من الحداثيين المتطرفين، هو كل شيء، إلا أن يكون كلاما منظوما على طريقة ما، شعرية أو تصويرية، أو تخييلية، ومفهوما، بصورة من صور الفهم في الخطاب الشعري العربي، ومعبرا عن مقصد، ويرمي إلى أداء رسالة.
إن الشعر الحقيقي، عندهم، لا شأن له بما عرفه القدماء من أوزان عروضية، وقواعد بلاغية، وصياغات وفنون أسلوبية، وألفاظ شعرية، وغير ذلك من لوازم العمل النقدي الأدبي الشعري. إنما هو شعر يصنع شكله وقيمه، ومعاييرُه في خطواته، كما عبّر أدونيس. قواعده الأساس هي أن يمضي مع التجربة، لا يكرر، ولا يتشكل، ولا يتحدد، ولا يتصور، ولا ينتهي إلى صورة معلومة الحدود والمساحات والألوان والأبعاد.
فالفنان، عند أدونيس، هو الذي يضع قواعده؛ فـ"من خصوصيات الفن، شعرا كان أم نحتا أم تشكيلا، أنه بلا قواعد، وبلا حدود"[4]. "فالفنان هو الذي يضع القواعد، ويمكنه، في بعض الأحيان، أن يغير أصول الفن أو الشعر من أساسها. ليس لأحد أن يحكم إن كان عمله فنا أم لا. وليس من شك في أن من أعظم أسرار الإبداع أنه لا يمكن حصره في حدود وفي تعريفات. الفن هو في حركة أبدية؛ هو دائما جديد، وفي جدته قواعده. ولهذا السبب، أظن أنه لا حدود للشعر، وفي بعض الأحيان، اللاشعر يمكن أن يتحول إلى شعر"[5].
تأمل هذه العبارة الأخيرة: "اللاشعر يمكن أن يتحول إلى شعر"!
كلام في كلام، وعبث في عبث، ولعب بالكلمات إلى أقصى مستويات اللعب.
وهذه نماذج من كلام أدونيس في محاولته في تعريف الشعر الحديث.
"فقوام الشعر الحديث[عنده] معنى خلاق توليدي، لا معنى تصويري وصفي. إنه، كما يقول الشاعر الفرنسي رنيه شارRené Char [تأمل السياق الذي يرد فيه ذكر هذه المرجعية الغربية]: "الكشف عن عالم يظل أبدا في حاجة إلى الكشف."[6]
"فجوهر الشعر، كما يقول بودلير[تأمل]، هو "السير دائما ضد الحداثة.""[7]
"فالأثر الشعري الذي لا يكون، بالنسبة للشاعر وللقارئ إلا اشتفاء أو إرواء للغليل، هو، في الحقيقة، كما يقول مارلوA.Marlaux[تأمل]، ضد الشعر."[8]
لقد أحال في صفحتين على ثلاثة من مصادر أفكاره وتقريراته وتنظيراته. ومع هذا الاحتماء بالمرجعية الغربية، نقرأ الإضافات الأدونيسية، في صورة عبارات إنشائية تطغى عليها النزعة الوثوقية التأكيدية القاطعة، بأسلوب أستاذي تحدوه سلطة تعليمية تقريرية توجيهية، من مثل عبارات: إن الشعر الحديث هو كذا وكذا… والشاعر الحق الحديث هو من يفعل كذا وكذا… وعلى الشاعر الحق أن يفعل كذا وكذا… ولا يجوز أن يكون كذا وكذا…ولا يمكن أن…إلى آخر مثل هذه التعابير العامرة بالوثوقية والأستاذية والنزعة الجبرية.
باختصار كبير جدا، وبعبارات أدونيس: "لن تسكن القصيدة الحديثة في أي شكل، وهي جاهدة، أبدا، في الهرب من كل أنواع الانحباس في أوزان أو إيقاعات محددة…"[9]، و"ليس الشاعر الشخص الذي لديه شيء ليعبر عنه، بل الشخص الذي يخلق أشياءه بطريقة جديدة."[10]
و"القارئ الحقيقي، كالشاعر الحقيقي، لا يُعنى بموضوع القصيدة [لاحظ، وكـأنه يتحدث عن مسلمات وحقائق مطلقة ونهائية]، وإنما يُعنى بحضورها أمامه كشكل تعبيري، أعني صيغة الرؤيا."[11]
و"على القارئ الجديد أن يتوقف عن طرح السؤال القديم: ما معنى هذه القصيدة، وما موضوعها؟…"[12]، لأن "الإصرار على أولية الموضوع، أي على وظيفة الشعر، إنما هي نفي للشعر."[13]
وخارج هذه الحدود الفلسفية الفضفاضة، والتأملات الذاتية المحلقة، والإنشاءات الرومانسية الغائمة العائمة، لا شأن للشعر الحداثي، عند النقاد الحداثيين المتطرفين، بالوزن، والبلاغة، والقواعد اللغوية والأسلوبية، وغيرها من الأدوات، والآلات، والمعارف، والعلوم، التي فيها رائحة الأجداد، رائحة الماضي، رائحة تجارب القرون والأجيال.
وفي المقالة المقبلة وقفةٌ مع تجربة أدونيسية بعنوان "هذا هو اسمي".
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.







[1] هذا الشعر الحديث، للدكتور عمر فرّوخ، ص173.
[2] قضايا الشعر المعاصر، لنازك الملائكة، ص220.
[3] اللغة الشاعرة، لعباس محمود العقاد، ص173.
[4] Conversations avec Adonis, mon père, p.139.
[5] نفسه.
[6] "محاولة في تعريف الشعر الحديث"، مجلة "شعر"، العدد 11، السنة 3، صيف1959، ص80.
[7] نفسه.
[8] نفسه، ص81.
[9] نفسه، ص83.
[10] نفسه، ص85.
[11] زمن الشعر، ص72.
[12] نفسه.
[13] نفسه. وبمنظار هذه النظرية الحداثية وصفت خالدة سعيد القارئ العربي بأنه "كسول ينام على حرير الأمجاد والكشوف الماضية؛ رفع شعار "القناعة كنز"، واستراح عن طلب المغامرة في المجهول والمصيري. ترعبه فكرة العودة إلى البدء، إلى البراءة…"(حركية الإبداع، ص94). ولا يخفى ما في مثل هذا الكلام من ادعاء وتعالم وأستاذية ونظرة احتقار إلى القارئ العربي عموما.

الخميس، 26 يناير 2017

الشعر الحداثي وإيديولوجيا العنف والهدم

بسم الله الرحمن الرحيم
الشعر الحداثي وإيديولوجيا العنف والهدم

تمتاز الحداثيّة اللادينية المتطرفة بالدعوة المطلقة إلى الهدم والتجاوز والتخطّي، وأنصارها لا يفتأون يهاجمون التراث ومن يسمونهم بالتراثيين، لا يكاد يكون عندهم مكان للوسط والاعتدال، تطبع غالبية مواقفهم الإيديولوجيةُ الحداثية العنفية.
وقد اشتهرت، من بين المنابر التي حملت لواء هذا التيار الأدبي، مجلة "مواقف" التي أصدرها أدونيس، بعد اختلافه مع رفيقه على درب الحداثة يوسف الخال مؤسس مجلة "شعر"، وانفصالِه عن التجمع الحداثي الذي كان قد تكوّن حول هذه المجلة، من أنشط هذه المنابر الحداثية في الدعوة للإيديولوجية الحداثية العنفية.
وقد امتازت تجارب أدباء هذا التيار، عموما، بقوة الرفض تجاه الموروثات بصفة عامة، والموروث الثقافي الأدبي الشعري بصفة خاصة. وقد عبرت رسالة أدونيس إلى أنسي الحاج[1]-وهي ليست الرسالة الوحيدة، وإنما هي رسالة نموذجية تصلح مثالا على غيرها من الرسائل والمقالات-عن هذه الروح الرافضة الثائرة المدمّرة لكل مظاهر التراث، عقائدَ، وأفكارا، ومؤسسات، وقواعد، وقوانين، إلى آخر ما نعته أدونيس بالمستنقعات المقدسة، في قوله من هذه الرسالة: "كل ما هو موجود بالوراثة، بالتقليد، بالعادة، يجب أن يعاد النظر فيه، أن يُرفض: هذا طريقنا…الوراثة، التقليد، العادة؟ يا لهذه المستنقعات المقدسة، ولمأساة الإنسان الذي يجابهها في مجتمعاتنا العربية."[2]
وقد زعمت خالدة سعيد، في مقالة لها مطولة عن "بوادر الرفض في الشعر العربي الحديث"، أن الشاعر العربي لن يصير حديثا حتى يصل إلى مستوى الرفض الكلّي الكياني، لأن الرفض، عندها، حسب فلسفتها الكلامية وكلامها الفلسفي، رفضان: جزئي أو حضاري، "يتناول رفض مظاهر الحياة كالعلائق الاجتماعية والمعتقدات والتقاليد والتصورات العامة، وقيم الخير والشر، والنظر إلى الإنسان والفن والعالم، لكنه يبقي على المقولات الأساسية والمبادئ المنطقية، كمبدأ الهوية، ومبدأ اللاتناقض والأسس الطبيعية للعالم، وحتميات الموت والحياة والزمن."[3] وهذا الرفض، في كلامها دائما، قد مثله، في تراثنا، عدد من الشعراء، كأبي العلاء، وأبي نواس، والحلاج، وديك الجن الحمصي، وأبي تمام، ومسلم بن الوليد[4].
أما النوع الثاني من الرفض، حسب تقسيم خالدة سعيد، فهو الرفض الكياني الشامل ذو الوجه الفلسفي[5]، والذي يمثله، في تجمع "شعر"، أي في حزب الكاتبة، أمثال أدونيس، ويوسف الخال، وأنسي الحاج، وشوقي أبي شقرا، وفؤاد رفقه. فَـ"عندما يقول أدونيس "قاتل القمر أنا، قاتل العنقاء المشعوذة" يلمح إلى رفض إرث طويل من الخرافات والمعتقدات المهترئة. وحين يستصرخ نيران "فينيق" إنما يتطلع لبعث عالم جديد يتخطى العالم المتفسخ الهرم."[6]
وقد افتتحت خالدة سعيد مقالتها بعبارات تفيض من اليأس والتيه في العبث واللامعقول. عبارات تُعلم القارئ أنه لن يقرأ، في المقالة، عن شيء له معالم وحدود ينتهي إليها، وعن بناء له شكل وكيان وقسمات ولون، وإنما الأمر رفضٌ، وهدمٌ، ويأس، وحقد، وجنون قاتل.
تقول عبارات خالدة سعيد في مطلع مقالتها: "النفي، الغربة، الوحدة، الحرمان، الاضطهاد، اللامنطقي، عبودية المكان والزمان، الموت الفاجع-تلك رايات عصرنا؛ فيرفع اليأس لواءه، ويرقص الرعب في كلمات الشعراء. يقطع الشاعر الحديث الأسباب بين سفينته والمرافئ، ويسلم أشرعته لريح الضياع."[7]
ما أسهل أن ينطق المرء بعبارات الهدم، واليأس، واللامعنى، وهو متنعم في عيش هنيء رغيد، مكفِيٌّ في حاجياته الحيوية الضرورية. إنه ترف الكلام، ترف الفلسفة العبثية !!
وما أصعب أن يبني الإنسان شيئا له معنى في الحياة، وفي مقاييس الإنسانية، وهو في قلب المعركة، يعاني صخور الواقع وآلام المخاض !!
ما معنى الخوض في أحاديث أساطير آلهة الوثنيين القدامى، وفلسفتها، وحبْك أساطير حديثة حولها، كل ذلك من أجل تكريس جاهلية الإنسان الوثني القديم، وإحياء رمائم خرافاته، والاحتفاء بها هذا الاحتفاء الحداثي العظيم؟
ما معنى أن يتجه شاعر الرفض الكياني، حسب نعت خالدة سعيد، إلى الوثنية ورموزها للتعبير عن ثورته؟[8]
كيف رأى هذا الشاعر "قدره مجسدا في الآلهة الوثنية التي حكمت على (سيزيف)…"[9]؟ كيف "رآه أيضا في الآلهة التي تركت قلب (برميثيوس) طعاما للنسور"[10]؟
ما معنى قول خالدة سعيد: "الشاعر العربي لم يبلغ مرحلة الرفض بالمعنى المعروف عند نيتشه، والذي عبّرت عنه شخصية زرادشت، أو بالمعنى الذي عبرت عنه شخصية فاوست، أي تقويض العالم القائم وبناء عالم جديد على أنقاضه، كأنْ يهتف فاوست لِموفيستوفيليس عندما جاء يعرض عليه خدماته: حطّم هذا العالم وهدّمه أولا، ثم نرى إذا كان الآخر يأتي بعد ذلك. الرفض بهذه الصورة الواضحة المباشرة الراسخة، المنبثقة عن موقف واضح وحاسم من العالم ما يزال الشعر العربي ينتظره."[11]؟
ما معنى هذا الكلام، على ما فيه من تكلف في اصطناع الخطاب الفلسفي؟
إنه، في جملة واحدة، يعني أن الرفض الذي ينتظره الشعر العربي هو الرفض الذي يعلن الإلحاد والتمرد على دين الله.
فلماذا هذه المسافات الطويلة من الكلام؟ ولماذا كثرة الدخول والخروج؟
ولماذا الله؟ وأنتَ؟ وأنتِ، مَنْ خلقك؟ من سوّاك؟ تعالى الله، ولا إله إلا الله.
متى كان الجمال الشعري والإبداع الفني مقرونا بالمجاهرة بالإلحاد في دين الله، في عبارات غارقة في الإسفاف، والتبجح بالتطاول على ذات الله، تعالى وتنزه وتقدست أسماؤه؟
ما معنى هذه العبارات في رسالة ليوسف الخال، يخاطب فيها سلمى الخضراء الجيوسي: "إن الله يموت، يا صديقتي، ككل حي، يموت كتموز، وكالمسيح، لكي تتجدد بموته الحياة، ويعود الخصب إلى الأرض…"[12]؟
ما معنى هذه المجاهرة الموغلة في البذاءة والوقاحة؟
أية حرية هاته التي تعطي لكل الناس أن يقولوا كل شيء، وفي كل شيء؟
أليس للإنسانية قيم ومقدسات وحرمات؟ أليس من حقي، مثلا، أنا المتلقي المؤمن، ألا أسمع من يجاهر في وجهي بالطعن على مقدسات ديني، وأصول إيماني؟ فمن يحميني، إذاً، من عسف هذه الحريات التائهة الضاربة في كل صوب، لا تهتدي إلى شيء، "إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه، وما هو ببالغه."[13]؟
هذا الرفض الحداثي الكياني يعني القطيعة "مع المرجعية الدينية والتراثية، وإسقاط النماذج، واستبدال ذلك بالتجربة والكشف[14]…[أي] إسقاط علم المطلقات وكل ما يقوم به منفصلا عن الإنسان، أو يتعالى على التاريخي."[15]
أما المراجع التي يُرجع إليها لتثبيت مثل هذا الفهم، وإعطائه مصداقية لدى القارئ، لا تخرج عن دائرة أمثال نيتشه، وماركس، وفرويد؛ فهم، وحدهم، المفكرون والمنظرون والفلاسفة والمحللون، الذين يملكون الحقيقة المطلقة في شأن الإنسان ومصيره. فالحقيقة كانت مع (نيتشه) حينما "جعل الإنسان محور العالم، إذ نقل الغيب إليه"[16]، ومع ماركس، الذي "نقل الميتافيزيقا إلى المجتمع"[17]، ومع فرويد، الذي "رأى "غيبا" جديدا في باطن الوعي الإنساني"[18]، إلى آخر المراجع والأسماء والأعلام والنظريات الفلسفية اللادينية، التي تعج بها كتابات الحداثيين اللادينيين.
في جملة، على الشاعر الحداثي، في زعم أدونيس ومن على شاكلته، إعادة النظر في كل شيء. وأولى خطوات العمل هي الهدم والرفض وإسلام النفس، توهما وتقليدا وتكلفا، لليأس والضياع والقلق والغربة وغيرها من المقولات، التي نفقت سوقها في هذا الخطاب.
يقول أدونيس: "وظيفة الشاعر هي أن يهدم ويزيح الأقنعة... وأن يكون دائما متحيزا للاضطرابات والزلازل الثقافية...الأهمية الوحيدة للكتابة هي الهدم والتدمير (...)"[19].
عن أي هدم يتحدثون، وعن أي بناء؟
ماذا صنع هؤلاء الحداثيون، منذ كانوا، غير العبث والفوضى واللامعقول، في حدود الكلام؟ ومن يستمع، اليوم لهذا الكلام، خارج أسوار البحث الأكاديمي، وخارج المناسبات القليلة التي يتسنى فيها اجتماع أفراد العائلة المشتتين؟
ماذا بنى هذا الخطاب الهدمي الرفضي العنفي العبثي اللاديني غير التيه والاستغراق في قيم السلب، وملذات الشذوذ المتطرف؟
وماذا نرى حينما ننظر بمنظار هذا الخطاب النقدي العبثي إلى الممارسة الشعرية الإبداعية الفعلية؟
ملخص ما نراه، حسب مقالات المدرسة الحداثية الأدونيسية، أن المبدع الحداثي ليس عليه أي شكل من أشكال الالتزام إزاء القواعد المتوارثة في شأن اللغة والبيان والموسيقى وغيرها من مكونات صنعة الشعر. ليس عليه أي التزام بالمشترك النقدي الفني، بالمشترك الإنساني، الذي من طريقه يكون التفاهم والتواصل، وعلى أساسه يكون التقدير والتقويم.
إن هذا الخطاب الحداثي إنما حياته بقتل هذا المشترك، وهدم مختلف جسور التواصل والتفاهم، كجسر القواعد الثابتة التي طورتها الأجيال المتعاقبة الطويلة، وجسر المفاهيم الاصطلاحية التي بها تم نقل المعارف عبر التاريخ، وجسر المعجم اللغوي الذي يؤمن الخطوات الأولى على طريق التلاقي والإبلاغ.
فهذا يوسف الخال[20] يؤكد في الافتتاحية السابقة، وفي غيرها من المقالات والمناسبات، أن مجلة "شعر" تنتمي إلى الفئة التي "تدعو إلى إطلاق الشعر من كل قيد أو شرط، فلا قواعد عروضية مسبقة، ولا حدود تقف حائلا بين الشاعر وبين الإبداع."[21] أي إطلاقه من "المشترك"، وإسلامه إلى "الذاتي الخاص"، الذي لا يُعرف بصفة، ولا يُحد بمعنى، ولا يضبط بقواعد وشروط.
وقد عبّر كما أبو ديب عن هذا "المشترك النقدي"[22] بسلطة النموذج، طبعا، حسب رأيه والمشرب الحداثي الذي يصدر عنه[23]، فضلا عن المنهج الذي اختاره لمعالجة موضوعه.
فهو يعدد، تحت هذه السلطة، "اللغة الشعرية، جماعيتها، سلطويتها، تقريريتها، ووصفيتها، وخارجيتها، وتقليصها للتجربة الإنسانية إلى سرد مباشر"[24]، ثم "الصيغة الإيقاعية الصامدة الرتيبة للشعر" أي "إخضاع الهاجس الشعري لقواعد النظام العروضي-التقفوي ومعطياته المسبقة، التي تتشكل خارج القصيدة"[25]، ثم "تحول الشكل إلى حامل إيديولوجي للدلالة، إلى طقس يزدحم بمفاهيم السلطة الدينية، والسياسية، والاجتماعية"[26]، ثم "تصور اللغة بوصفها وسيلة أو أداة جاهزة دقيقة التحديد، نقية من الالتباس، لفكر جاهز"[27]، إلى آخر مقالته.
والشاهد من كلامه أن المشترك المتوارث في صناعة الشعر، بما يمثله من قواعد وحدود وشروط ومعايير وخصائص متميزة، قد أصبح اليوم نموذجا متسلطا يعيق الأدباء أن ينطلقوا في فضاءات الإبداع، ويحبس الشعر في دائرة النظم الرتيب، وتكرار النماذج الماضية. والحل هو القطع والهدم والرفض وما تشاء من مرادفات هذه الكلمات، ومعانيها، ولو في غياب أي شكل من أشكال البديل. بل إن روح هذا البديل المفترض إنما قوامه اللاتشكل، واللاتحدد، واللاتصور، أي قوامه، باللغة النقدية الواضحة الحارقة، العبثُ والفوضى والجنون.
فبرفض سلطة النموذج أصبحت الحداثة الجديدة، حسب كمال أبي ديب دائما: "مغامرة أغنى [لاحظ اللعب بالعبارات، وتأمل]، وخيبة أعظم. اكتشافا أسمى وانحسارا أشد. أصبحت أعمق داخلية فيما هي، في الوقت نفسه، أكثر قدرة على فهم العالم الخارجي. أصبحت أكثر تحديدا فيما هي أبعد غوصا في اللامحدود واللامحدد. أصبحت أكثر حميمية فيما هي أحدّ وعيا للانفصام بينها وبين العالم، أي أنها أصبحت بؤرة للتناقضات أكثر احتدامية وغزارة فيض."[28]
وتعدّ كتابات كمال أبو ديب مثالا كافيا شافيا على الخطاب النقدي الحداثي المعاصر، والفقرة السابقة عينَةٌ منه، وهي غنية بالدلالات.
وللبحث تتمة في المقالة القادمة، إن شاء الله.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.



هوامش:

[1] بعثها له من باريس في أوائل سنة 1961. راجع النص الكامل لهذه الرسالة في "زمن الشعر"، ص225-231.
[2] زمن الشعر، ص228.
[3] بوادر الرفض في الشعر العربي الحديث، مجلة "شعر"، عدد19، السنة 5، صيف 1961، ص92،93.
[4] نفسه، ص93.
[5] نفسه.
[6] نفسه.
[7] نفسه، ص88.
[8] نفسه، ص94.
[9] نفسه.
[10] نفسه.
[11] نفسه، ص92.
[12] مجلة "شعر"، عدد15، السنة 4، صيف 1960، ص140.
[13] من الآية 14 من سورة الرعد.
[14] والفصيح في العربية أن تقول: واستبدال التجربة والكشف بذلك، لأن المجرور بالباء في استعمال فعل "استبدل" هو المتروك.
[15] الملامح الفكرية للحداثة، خالدة سعيد، في مجلة "فصول"، المجلد 4، العدد 3، أبريل، ماي، يونيو، 1984، ص30.
[16] نفسه، ص31. انظر، أيضا، "بوادر الرفض في الشعر العربي الحديث"، مجلة "شعر"، (مرجع سابق)، ص89.
[17] نفسه.
[18] نفسه. وأيضا، في مقالة "بوادر الرفض في الشعر العربي الحديث"، في مجلة "شعر"، (م.س)، ص89.
[19]  Identité inachevée, p.54.
[20] لماذا يوسف الخال؟ لأنه واحد من أقطاب الحداثية الشعرية العربية أولا. وثانيا، لأنه مؤسس مجلة "شعر"، التي بُني حولها "تجمع شعر"، الذي أصبح، إلى حد ما، يشكل مدرسة قائمة بذاتها وصفاتها وأهدافها. وثالثا، لأن معرفة الأصل قد يكفينا، في كثير من الأحيان، عناء التشتت في تتبع جزئيات الفروع. والعبرة، أخيرا، في اعتقادي، هي بالمضامين المفاتيح، وليس بتعدد الأسماء وكثرة النقول.
[21] من افتتاحية العدد العاشر من مجلة "شعر"، السنة 3، 1959، ص3.
[22] يمكن أن نختار تسمية أخرى أو وصفا آخر غير هذا الوصف. ذلك ليس مهما، وإنما المهم هو أن المقصود بهذا المشترك النقدي، مهما كان الاسم، هو ذلك الرصيد من المعارف والقواعد والتجارب، الذي رسخه زمان طويل من الإبداع والتطوير، والذي به تتعارف الأجيال وتتواصل، وبه تتناقل المعارف والخبرات وتتداول.
[23] وكمال أبو ديب، في نظري، هو أحد تلامذة المدرسة الأدونيسية النجباء بامتياز.
[24] "الحداثة، السلطة، النص"، في مجلة "فصول"، المجلد 4، العدد 3، 1984، ص42.
[25] نفسه.
[26] نفسه.
[27] نفسه.
[28] نفسه، ص43.