الاثنين، 3 ديسمبر 2018

المعيارُ الأخلاقيُّ في تقويم العمل الأدبي


بسم الله الرحمن الرحيم

المعيارُ الأخلاقيُّ في تقويم العمل الأدبي


الأخلاق عنصرٌ جوهري في قوام المذهبية الإسلامية. وقد بيّن رسولُ الله، صلى الله عليه وسلم، في الحديث الصحيح المشهور، أن مبعثَه إنما كان من أجل أن يتمم مكارم الأخلاق؛ قال صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، وفي رواية: (صالح الأخلاق). ولهذا، لا يمكن تصورُ إسلامٍ بلا أخلاق. وفي السُّنّة الشريفة شواهد كثيرة على مكانة الأخلاق في الإسلام، إلى درجة "أن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجات قائم الليل صائم النهار"، كما جاء في الحديث الصحيح. وليس من غرض هذه المقالة التفصيل في هذا الموضوع.
وليس أحد من المسلمين، ولا من غيرهم من ذوي الطبائع المستقيمة، يشك لحظة في الخدمات الجليلة الضرورية التي تقدمها الأخلاق الحسنة في بناء المجتمعات، ورُقي الأمم، وصعود الحضارات. وكذلك لا ترتاب الفطرُ السليمة في النتائج السلبية المهدِّدةِ بأسوأ الآفات، التي تجرها الأخلاقُ السيئة على العمران البشري.
اليوم، وخاصة في أوساط الحداثيّين اللادينيّين، أصبحت الأحكامُ الأخلاقية متهمَةً ومرفوضة، بل ومُدانة، لأنها، في زعمهم، تنتهك حقوقَ الإنسان وتعتدي على حريته، فضلا عن كونها-في زعم اللادينيّين-أحكاما غير موضوعية. وفي اعتقادي أن الذي هوّن من شأن الأحكام الأخلاقية عند هؤلاء وأمثالِهم، هو الإلحاد والجحود وما يترتب عليه مِن جفاف أو ضعف على مستوى الاعتقاد الديني، إلى جانب قوة المعتقدات الوضعية التي تؤله الإنسانَ، وتربط مفهومَ الأخلاق بتطور أفكار هذا الإنسان/الإله وسلوكِه، وتقلُّبِ أهوائه، وتلوّنِ نوازعه؛ فما كان يرفضه العرفُ في الماضي، قد يقبله اليوم، إذا لم يعترضْ على ذلك معترضٌ مِن القيم المتطورة والأهواء المتبدِّلة؛ في جملة، ليس هناك أصلٌ ثابت عند الحداثيِّ الملحدِ، فكلُّ شيء في تطور، وإن كان ذلك الشيء هو الدين نفسه، والأخلاقُ مسألة شخصية، والإنسان، بأهوائه ونوازعه، فوق كل اعتبار!
ومِن مقالات القدماء التي يستند إليها اليوم رافضو المعيار الأخلاقي في نقد العمل الفني، مقالةُ قدامة بن جعفر(ت337هـ)، التي يردّ فيها على مَن انتقدَ فحاشةَ المعنى في قول امرئ القيس من معلقته المشهورة:
ومثلُك حُبلى قد طرَقت ومُرضعٍ


فألهيتُها عن ذي تمائمَ مُحْولِ

إذا ما بكى من خلفها انصرفتْ له


بشقٍّ وتحتي شقُّها لمْ يُحوَّل

بقوله: "وليس فحاشة المعنى في نفسه ممّا يُزيل جودةَ الشعر فيه، كما لا يعيبُ جودةَ النجارة في الخشب، مثلا، رداءتُه في ذاته."(نقد الشعر، ص66)
وقد يستطيع كلُّ واحد تأخذه الغيرةُ على فساد الأخلاق أن يردّ على هذا المذهب ردا ساذجا غير مكلِّف، ويقول إنه ليس هناك ما يُقنعنا أنَّ كلام قدامة بن جعفر في هذا الموضوع حجةٌ لا يزعزعها شكّ، ولا ينال من قوتها تعقيبٌ، كما يمتنع دليلُ الإقناع في دعوى كونِ الدين بمعزلٍ عن الأدب.
وقد لا يكون هذا الردُّ البسيط مفتقرا إلى عناصر القوة، كما قد نظن لأول وهلة، وخاصة حينما نتذكر أنه قد أتى على الأمة العربية الإسلامية زمان طويل، لم تكن فيه لفظة "أدب"-والشعر من جنس الأدب-تنفك عن المفهوم الأخلاقي. وما نزال نسمع في زماننا هذا، في أوساط العامة والخاصة على السواء، عباراتٍ مثل "فلان مؤدَّب"، و"فلان قليل الأدب"، للدلالة على حسن الخلق أو قبحه.
وقد يمكن اعتبارُ مقالة قدامة بن جعفر، من وجه آخر، نوعا من الاجتهاد، الذي لا يُلزم أحدا من جهة، وهو، من جهة ثانية، اجتهادٌ لا يخرج عن دائرة الدين والإيمان، لأننا لا نجد صاحبَه المجتهدَ يجحد أصلا من أصول الدين، ولا يطعن في ضرورة الأخلاق وأهميتِها ومكانتِها في حياة الإنسان عامة، وحياةِ الإنسان المسلم خاصة.
ومع هذا وذاك، يبقى أن نلاحظ أن المعنى الفاحشَ في بيتي امرئ القيس إنما عرفناه بواسطة الشكل. بعبارة أخرى، كيف يمكن أن نفصلَ صناعةَ الشكل عن المضمون الفاسد، والحالُ أن الشكل هو نفسه ذلك المضمونُ الفاحش؟
يجب ألا ننسى، ونحن نحكم على الشكل في العمل الفني، أن تلك الصورةَ التركيبيةَ التي يكون عليها هذا الشكلُ، وذلك الترتيبَ الذي تنتظِم الألفاظُ فيه، إنما كان بفضل المعنى الذي اقتضى الإفصاحُ عنه تلك الصورةَ الإعرابية التركيبية التي نسميها الصياغةَ الشكلية.
ومن جهة أخرى، إذا تأملنا التشبيهَ الذي ساقه قدامةُ لدعم رأيه، وجدناه لا يخلو من ضعف، ولا يصمد أمام النقد.
فكيف جوّز قدامة بن جعفر أن تُعتبرَ، في الحكم النقدي، صنعةُ النجار فقط، من غير أن يكون هناك اهتمامٌ بنوع الخشب، والمعروف أن النجار، في صنعته-في الغالب الأعم-لا يقصد إلى البراعة من أجل ذاتها، ولكن من أجل إرضاء ذوق المتلقي/المشتري واستمالتِه والتأثير فيه، وضمانِ رواج أكبر لصنعته/سلعته في السوق. وقد جرت العادة أن المتلقي/المشتري، في الغالب، لا ينظر إلى صنعة النجار مستقلةً عن نوع الخشب الذي ظهرت فيه، ومِن ثَمّ، فإن قبول صنعته والرضا عنها في السوق، مرهون، إلى حد كبير، إن لم نقل مائة في المائة، بجودة المادة التي يستخدمها. ولهذا، فإن شفاعةَ مهارتِه لدى الزبون لا تنفع شيئا أمام رداءة الخشب المصنوع، إلا أن يكون هذا الزبونُ قليلَ الخبرة، يسهل استدراجُه وخداعُه بالشكل البرّاق.
وماذا يكون الحكمُ لو كان الناقد ممّن يحتكمون، في قبولهم ورفضهم، إلى مقاييس الدين والذوق القائم على التربية الإيمانية، والمراسِ الفني الطويل؟ لا جرمَ يكون الرفض أشدَّ، ولا يشفع للنجار أو الشاعر أن مسألة الخشب أو المعنى خارجةٌ عن إرادته، لأنه إذا كان لا يستطيع أن يغيّرَ نوعَ الخشب والمعنى في ذاته، فعلى الأقل، كان يستطيع الإعراضَ عنه، والاشتغالَ على نوع جيد في الخشب والمعاني، إلا أن تكون صفةُ الرداءة ملازمةً لسلوكه وملابسةً لغايته المهنية والفنية.
وإذا كان قدامة بن جعفر، في القدماء، يمثل التيارَ المتسامح المنفتح في مضمار الفن ونقده، الذي يبيح للشاعر أن يقول في أيِّ موضوع يختاره، وإن كان فاحشا، شريطةَ أن يكون مبدعا ومُجيدا في صنعته، فإن هناك، في المقابل، التيارَ المحافظَ، الذي كان يرفض موضوعاتِ الفحش والسخف والمَجانة مهما أبدع فيها الشاعر وأجاد، ويمكن أن أمثّل لهؤلاء بأبي منصور الثعالبي، وأبي بكر الباقلاني، وابن وكيع التنّيسي، وعبد القاهر الجرجاني، وابن داود الأصبهاني صاحب كتاب (الزهرة).
وأورد فيما يلي، من النقد الحديث، مثالَ الدكتور محمد النويهي؛ فقد كان للرجل حكمان على رائيّة بشار بن برد الفاحِشة، التي يسرد فيها الشاعرُ أحداثَ قصته مع ضحيته، وهي طفلة غريرة، ويصورُ، في أسلوب قصصي مبتذَل، وعبارات حسية مكشوفة، كيف استغل سذاجتَها، وغرّر بها، واستدرجها حتى استجابت لما أراد، فدنّس عرضها، من غير أن ينتابه أدنى شعور بالندم على فعلته الشنعاء وسلوكه الفاجر القبيح. وقبل التطرّق لحُكميْ الدكتور النويهي على هذه القصيدة، يُستحسن أن أورد منها بعضَ المقتطفات، للوقوف على المستوى الذي بلغته مِن الفجورِ والفحش والإباحية.
يقول بشار في مطلعها:
قد لاَمني في خليلتي عُمَرُ


واللَّومُ في غير كُنهِه ضجَرُ

قال: أفقْ، قلت: لا، فقال: بلى


قد شاع في الناس منكما الخبَرُ

(...)
ما لام في ذي مودة أحد


يؤمن بالله، قمْ فقد كفروا

حسبي وحسبُ التي كلفت بها


مني ومنها الحديثُ والنظر

أو قبلةٌ في خلال ذاك، ولا




بأس إذا لمْ تُحلَّل الأزُرُ

أو لمسُ ما تحت مِرطِها بيدي


والبابُ قد حال دونه السُّتُر

(...)
واسترخت الكفَّ للغِزَال وقالـ

ــــــ
تْ اُلْهُ عني والدمعُ منحدر

اذهب فما أنت كالذي ذكروا


أنت، وربي، مُعارِكٌ أشِر

وغابت اليوم عنك حاضنتي


فالله لي اليوم منك منتصر

يا ربّ خذْ لي فقد ترى ضُعُفي


مِن فاسق الكف ما له شُكُر

أهوى إلى مِعْضَدي فرضّضه


ذو قوة ما يطاق مقتدر

يلصق بي لحيةً له خشُنت


ذاتَ سواد كأنها الإبر

(...)
كيف بأمي إذا رأت شفتي


وكيف إن شاع منك ذا الخبر

أم كيف، لا كيفَ لي بحاضنتي


يا حبُّ لو كان ينفع الحذر

قلت لها عند ذاك يا سكني



لا بأس إني مجرِّب حذر


قولي لهم بقّةٌ لها ظُفُرٌ


إن كان في البقّ ما له ظُفُر

فالدكتور محمد النويهي، في فترة مبكرة من حياته الأدبية والنقدية، وفي سياق حكمه على رائية بشار، اعترف بأنها "قصيدة تامة الشناعة الخلقية، يفخر قائلها بارتكابه جريمة لا نستطيع قبولها، ولا نجد لها مبررا واحدا..."(شخصية بشار، ص190). وفي شأن الحكم الفني، حذر المؤلفُ مِن خطأين يسهل الوقوعُ في واحد منهما: يجب أن نحذر، أولا، من أن نسارع مِن الرفض الخُلقي إلى الرفض الفني؛ فالفن-رضينا بهذا أم لم نَرْض-لا يُحكم عليه في مجال النقد الأدبي بمقاييس الأخلاق، بل المقياسُ الصحيح الوحيد، في مجال النقد الأدبي، هو المقياس الفني المحض، هل يُرضي شعورنا الفني أو لا يرضيه."(نفسه، ص192)
أما الخطأ الثاني الذي حذر منه، فهو عدم تجاوز الحد في الجانب الفني، وقبول كل ما هو عار من الأخلاق على أنه فن.
وسيرا على خطى قدامة بن جعفر، يرى الدكتور النويهي أن غاية ما يطلب من الشاعر أن يكون صادقا في فنه، فإن أحسسنا إزاء القصيدة بنفور ذوقنا الجمالي-لا إحساسنا الديني أو الخلقي-"فإننا نرفضها، ويكون رفضنا هذا رفضا فنيا"(نفسه، ص193).
وأنا أسأل: هل في استطاعتنا أن نفصلَ الذوقَ الجماليَّ مِنَ المشاعر الدينية والأخلاقية في كيان المتلقي المسلم؟ بعبارة أخرى، هل يمكننا-في الحقيقة والواقع والسلوك والإحساس، لا في التصور والنظر والفكر الافتراضي-أن نجعلَ نفسَ المؤمن المسلم الواحدة نفسيْن، إحداهما تستمتع بالجمال الفني، في العمل الأدبي، وتتذوقه وتقبله، والثانية ترفض، في العمل الأدبي نفسه، مضمونَه الفاحش وتنفر منه؟
وقد عاد الدكتور النويهي، في مرحلة لاحقة، وبعد عشرين عاما، وقوّم مذهبَه السابق، واعترف، في طبعة منقّحة لكتابه، أن رأيه في علاقة الفن بالأخلاق قد تغيّر تغيرا كبيرا، وأنه لم يعد يوافق على تلك السطور التي كتبها، وهو يقصد قوله السابق: "الفن-رضينا بهذا أم لم نرض-لا ُيحكم عليه في مجال النقد الأدبي بمقاييس الأخلاق، بل المقياس الصحيح الوحيد، في مجال النقد الأدبي، هو المقياس الفني المحض، هل يرضي شعورنا الفني أو لا يرضيه".
أما رأيه الجديد، الذي يُقوّم به رأيَه السابق ويصحّحُه، فيلخصه في قوله: "إننا لا نستطيع أن ننفيَ المسؤولية الأخلاقية للفنان بتلك السهولة التي فعلتُها سابقا"(نفسه، ص197).
مجمل القول أنه ليس هناك في الإسلام-أؤكد هنا على الإسلام-سلوكٌ معفى من أحكام الدين وضوابط الأخلاق، وأنَّ التشكيك في المقاييس الأخلاقية الإسلامية ورفضَها يعني التشكيكَ في الدين نفسه ورفضَه.
إن الشعر، وهو نوع من السلوك، ليس مُستثنى من هذه القاعدة العامة.
يقول (رالف بارتون بريRalph Barton Perry)، وهو أحدُ مؤيدي فكرة الإشراف الأخلاقي في النقد الفني: "الأخلاق تُنظم كلَّ اهتمامات الإنسان، والفنُّ واحد من هذه الاهتمامات، وهو لا يستطيع أن يطالبَ لنفسه بالحصانة من إشراق الأخلاق أكثر مما يستطيع أيُّ اهتمام آخر أن يطالب بمثل هذه الحصانة. وفضلا عن ذلك، فالفن، كما أكد (تولتسوي)، لا يمكن ممارستُه إلا عندما يلبي الحاجات غيرَ الفنية، من اجتماعية واقتصادية. ولما كانت أوجهُ النشاط هذه تحتاج إلى الأخلاق، فلا بد أن يكون الفن مَدينا لها؛ فالفن ينتفع من الأخلاق، وبالتالي، فإن عليه التزاماتٍ لها." (الاقتصاد الأخلاقي)، ص8، (نقلا عن (النقد الفني)، لجيروم ستولنيتز، ص543)
لقد تساءل (ليف تولستويLev Tolstoï(1910-1828))، الروائي الشهير، في كتابه (ما هو الفن؟) عما هو الأحسن لعالمنا[هو يتحدث في الأصل عن العالم المسيحي]، وجودُ الفن، بجيده ورديئه، أو عدمُ وجودِ  فنٍّ على الإطلاق(ما هو الفن؟ ص228). فأجاب بأن كل إنسان عاقل وأخلاقيٍّ لا يسعه إلا أن يجيب على هذا التساؤل بما أجاب به أفلاطون في جمهوريته، وبما أجاب به جميعُ معلِّمي البشرية، من المسيحيين والمسلمين[في الأصل المحمديّين]، وهو ألا يكون هناك فنٌّ على الإطلاق أفضلُ من وجود فنٍّ مُزيف ومُفسدٍ لأخلاق الإنسان(نفسه، ص229).
وفي مثل هذه الشهادات مِنْ غير المسلمين، ومن خارج الثقافة الإسلامية-وهي كثيرة-يمكن أن نقنعَ بذلك الحد الأدنى مِن الاتفاق بين المذهبية الإسلامية وبين غيرها من المذاهب الفنية والفلسفية في شأن موضوع الأخلاق. ولعل أكبرَ مُسوّغ يمكن أن نلتمسه لقناعتنا هاته هو هذه الغربةُ التي تعانيها المفاهيمُ الإسلامية، في زماننا، وسط فتنةٍ هوجاء لا تفتأ تؤجج نارَها أهواءُ الملحدين الجاحدين وعبثُ المنحرفين المشككين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.


الجمعة، 16 نوفمبر 2018

هل مِن جمالٍ في شكلٍ بلا مضمون؟



هل مِن جمالٍ في شكلٍ بلا مضمون؟


عبثٌ في الشكلِ وفي المضمون!
ننظر في بعض "التجارب" مما يسمَّى "شعرا" حداثيّا، فلا نجد شعرا ولا نثرا، بل ولا كلاما معقولا ومفهوما، وإنما هي أشكالٌ تتنافس في العبث واللامعقول، توحي بها الإيديولوجيا الحداثية اللادينية، ويدافع عنها، بل يُصنّفها في الشعر العالي الغالي، مَنْ أصفهم بنقاد آخر الزمان، الذين يسيرون مع شعراء آخر الزمان في نفس الطريق، ولنفس المقاصد والغايات؛ إنهما-شعراء آخر الزمان ونقاده-وجهان لعملة واحدة: الحداثية اللادينية المتطرفة الراسخة في العبث واللاشيئية.
نقرأ شيئا من هذه التجارب العبثية، فنسأل، وقد تملّكنا الضيقُ والغضب والانفعال: ما هذا المنكرُ اللغويّ؟ ما هذا الهزالُ والرُّذال؟ وأيُّ لفظ؟ وأيُّ معنى؟
وهذا مثالٌ من هذا السخافات الحداثيّة والبذاءات العبثية، التي رضيَ عنها أدونيس، وأجاز نشرها، وهي لـ(إسلام سمحان)[تأمّلوا مفردات هذا الاسم]؛ يقول هذا التابع الأدونيسيُّ: 
"رصيف البار ليس له كفؤا أحد"

"وأسمع طقطقة الرغبة العمياء
"حبيباتي يأكلنني في العتمة بلا ملح
"ويشربن الرائب الطالع من عيني
"علّمي الملائكة اسمك
"يمر قطيع من الساجدين على قدميك
"الشفة السفلى أبهى من وجه إله يرفل بالحكمة..."

"النبي يقرأ فنجان السماء
"فنجان القهوة تقرأه نساء النبي..."

"شرشف واحد حجب الرؤية واستفز الإله"

"كلما مسني أرق، أخرّ ساجدا على نعمة العرق
"كأس فودكا أخف من جناح بعوضة..."
ماذا يُعجب في هذه الركاكات؟ وماذا فيها، في شكلها ومضمونها، مما يُطرب ويبعث على الانتشاء والاستمتاع؟ هل فيها شيءٌ غيرُ الغثاثة والرذالة والسخافة؟
ومع كل هذا، فهي مما رضيَ عنه أدونيس، ورآه جديرا بأن يُطبع ويُنشر على أنه من "الشعر" المختار!!
وهذا مثالٌ آخر من تجارب لأدونيس نشرها بعنوان (مفرد بصيغة الجمع)، وعدّها بعضُ نقاد آخر الزمان القمةَ في ما جادت به قريحةُ قدّيسِهم الحداثيِّ أدونيس؛ يقول أدونيس عابثا بالحروف والكلمات والرموز والأشكال:
"اخرجْ إلى الأرض أيها الطفل
    خرج
    هبط من الحرف
ا ح د = د ح ا الأرضَ
    دائما يصنع طريقا لا تقود إلى مكان

   ا ن ا
   منفية بقوة الحضور
كالهواء
وهي هي
كل شيء يتغير وتبقى
ا ن ا = ا ن ا
هكذا يستقبلك أيتها الأرض امرأةً
ويفجّج بين فخديكِ."
فأيُّ شكل، وأيُّ معنى، وأيُّ "شعر" في هذا العبث؟
أيُّ شيء يستحقُّ أنْ نوليَه شيئا من اهتمامنا في مثل قولِه، مِن المرجع نفسه:
              
            "واو نون

-                     كيف أقمع هوائجي
والحاجة إليك هتكتني؟
             تبكين؟
-                     لا تحرق النار موضعا مسه الدمع
لذلك أبكي
     ينبت القرنفل في الدمع
لذلك أبكي
     وأمس قرأت: "كل شهوة قسوة إلا
                      الجماع يرقّق ويصفي"
لذلك أبكي."
أترك لك، أيها القارئ الكريم-وأنا أحترم عقلك وأقدّر مشاعرك-أن تعلق بما تشاء على هذه الأمثلة التي اقتبستها مما يعدّونه "شعرا حديثا"، وأنا أعتبره عبثا وهباء وجُفاء-أترك لك أن تعلق بما تشاء، لكن بعدَ أن تتجرّعَ العلقمَ، كما تجرّعْت، وأنت تقرؤها.

هل من معنى لمقولة "الفن من أجل الفن"؟
لم يزل علماء الأدب متفقين، قديما وحديثا، على أن أدبيّةَ الأدب إنما تثبتُ بأمر لا علاقة لها بالمضمون مباشرة-مع رُكْنيّة المضمون في العمل الأدبي-ولا بمعتقد الأديب، ولا بموطنه. لكن الاختلاف ظهر واحتدم حين اقتحمت الخلفياتُ الدينيّةُ والإيديولوجية الحِمى الأدبيَّ بشكل سافر، وأصبحت تفرض أحكامَها من غير اعتبار لأصول الأدب وقواعده ومعاييره المعتبرة، التي أقرتها قرونٌ طويلة من التجارب والممارسات، ورسّختها تقاليدُ تعارف عليها الأدباءُ، وأقرها النقاد والعلماء منذ زمن بعيد.
ومع هذا الاتفاق القديم/الجديد على أهمية الصورة/الشكل في العمل الأدبي، فإني أرى، مع كثير من علماء الأدب والنقد، في مختلف العصور، أن المضمون/الرسالة رُكنٌ أساس في العمل الأدبي، وأن الأدب بلا مضمون هو، بحق، كما قالوا، جسمٌ بلا روح.
وقد شاعت في أوساط النقد الفني، منذ زمان، نظريةُ (الفن من أجل الفن)، التي أفرط أصحابُها في اعتبار الشكل، ولا شيء غير الشكل، هو المحور الذي تدور عليه صناعةُ الفن، وجعلوا الحديثَ عن أي صفة أخرى هو منْ قبيل إخراج الفن من عالمه، وإقحامه فيما ليس من جنسه وطينته.
وعبارة (الحياة لأجل الفن) كانت "قد استخدمت، لأول مرة، في بداية القرن التاسع عشر، وكانت تلخّص بإيجاز ذلك المفهومَ الذي سيطر على قدر كبير من علْم الجمال الحديث، وهو مفهومُ التنزّه الجمالي. فشعار "الفن لأجل الفن" أو "الفن للفن" يقول إن العملَ يوجد لكيْ يُقدّر لذاته، لا لأيِّ غرضٍ آخر. ومن هنا فإنه يمثل احتجاجا على أولئك الذين يجعلون الفن خادما لهدف آخر"(النقد الفني، جيروم ستولنيتزJerome Stolnitz، ترجمة الدكتور فؤاد زكريا، ص529).
وقد شبَّه أحدُ أنصار هذا المذهب الفنَّ باللعب، فقال: "إن التلقائية في اللعب هي نفسها التلقائيةُ في الفن، والتنفيسُ الذي يكون في اللعب هو نفسه التنفيس الذي يكون في الفن، والتنزهُ عن الغرض في اللعب هو نفسه التنزه عن الغرض في الفن."(عن (فلسفة الفن في الفكر المعاصر)، للدكتور زكريا إبراهيم، ص400).
هذا في الفنون عموما، أما في فن الأدب-وفي قلبه فنُّ الشعر-فمذهبُ الغلاة من أصحاب النزعة الشكلية وأنصار "الفن للفن" أنَّ مفهومَ الشعر لا علاقة له بالتعبير عن المعاني والعواطف والأفكار، وإلا فهو نثر. بل اليوم، في زعم الحداثيّين العبثيّين المتطرفين، سقطت كلُّ الحدود بين الأجناس الأدبية، ولم يعد هناك قاعدةٌ أو معيار أو صفاتٌ تجعل الشعرَ يمتاز عن النثر، ومن ثَمَّ أصبحت كلُّ الأبواب مُشرَعة للمبدعين الموهوبين وللأدعياء المُنتحلين.
ويستحيل، فيما أرى، وجودُ المقالة التي تستطيع أن تقنعنا بأن الشعر، مهما تكنْ طبيعتُه وطرازُ نسجه، يمكن أن يخلوَ من المعنى، متجلِّيا في الفكرة المباشرة أو متخفِّيا وراء الصورة المتخيلة، وذلك بحسب موهبة الفنان ودرجة براعته.
فأيُّ معنى لسلوك بلا غاية سوى معنى العبث واللامعقول؟ وأيُّ قيمة تُرجى وراء أشكال غُفْلٍ من الدلالة، وأصواتٍ خالية من المعنى؟ وكيف تكون اللغةُ-وهي نظامٌ رمزيّ-أداةَ تواصل إذا تحوّلت إلى رسومٍ هامدة يطبعها الجدبُ الدلالي؟
كيف يمكن الحكم، مثلا، على خمريات أبي نواس الماجنةِ من غير الاهتمام بالمعاني؟ بمعنى آخر، كيف يمكن أن نفصلَ الصياغةَ الشعرية في هذه الخمريات عن المضامين التي تعبرُ عنها؟
كيف يستطيع ذوقُ المتلقي، مهما كانت قوة حِيَل هذا المتلقي في التأويل والتمويه والتسويغ، أن يدعيَ الاستمتاعَ بالشكل الفني مجردا مما تحته من دلالات، والحالُ أنه لولا تلك الدلالاتُ لما كان ذلك الشكل الممتعُ، والترتيبُ اللفظي البديع، إذ كانت الألفاظُ تابعةً للمعاني في النظم وتوخّي معاني النحو، كما بيّن الإمام عبد القاهر الجرجاني؟ بل كيف يمكن الاستمتاعُ بأشكالٍ تحمل الشتائمَ والقذف، وتفضح العورات، وتسخَر من الفضائل، وتزْري بجَمالِ الحق لحساب قبْح الباطل وهمزاتِ الشياطين؟
إني أسأل هذه الأسئلةَ وأنا أستحضر حالَ أولئك الذين يناصرون الأشكالَ الفنية الجافة التي لا تُبلغ أيّ رسالة، أو التي تبلغ المعانيَ الداعرةَ المذمومةَ والصورَ الفاحشةَ الخسيسة، بمقاييس الأخلاق والذوق العام، ويَضربون في كل اتجاه دفاعا عنها، وإن تعلق الأمرُ بأشكالٍ تحمل سبابا ضدهم، وطعنا في كرامتهم وقيّمهم وفضائلهم، وتسفيها لعقولهم.
وأسوق، فيما يلي، مثالين شعريَّين لأبي نواس، أحدهما في معاني التوبة والندم، والثاني في معاني الطيش والغواية:
يقول أبو نواس، في المثال الأول:
يا ربّ، إن عظمت ذنوبي كثرةً


فلقد علمت بأن عفوكَ أعظمُ

إن كان لا يرجوك إلا محسنٌ


فبمَنْ يلوذُ ويستجير المجرمُ

أدعوك، ربِّ، كما أمرتَ تضرّعا


فإذا ردَدْت يدي، فمنْ ذا يرحمُ

ما لي إليك وسيلةٌ إلا الرَّجَا


ويقول في المثال الثاني:

وجميلُ عفوكَ، ثُمَّ إنيَ مسلمُ





اِسْقِياني الحرامَ قبل الحلالِ


ودَعاني مِن دارسِ الأطلال

إنما العيشُ في مباكرة الخمـْ

ـــــ
رِ وسكرٍ يدومُ في كل حال

وتمام السرور فيها بساقٍ


حسنِ الوجه مستنيرِ الجمال

لو بدا وجهُه إذا الشمسُ دارتْ


قلت نوران صُوِّرا في مِثال

فاسقياني رقيقةَ السِّربال


تُعدِماني معارفَ الأطلال

فهذان المثالان في غرضين مختلفين، إن لم نقل متناقضين متضادين، ومع ذلك فهما معدودان في شعر أبي نواس المختار، أيْ الجميل البديع؛ إذن، فالمضمون في حدِّ ذاته، لا يرفع شعرا ولا يخفضه، على مستوى الإبداع الفني-وأؤكد هنا على هذا المستوى-وإنما الرافعُ والخافض هو الطريقُ الذي يسلكه الشاعرُ في النظم والتصوير والتشكيل.
"إن شعار (الحياة لأجل الفن) يذكرنا بما ننساه في كثير من الأحيان، وهو أن الحياة لا تكون جديرة بأن تعاش ما لم تسفر عن بهجة أو متعة كامنة(...)"(النقد الفني، ص535.).
تتمة الكلام في المقالة القادمة، إن شاء الله.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.