الجمعة، 17 فبراير 2023

كلمة بمناسبة الذكرى الثانية عشرة(12) لحركة(20 فبراير)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

كلمة بمناسبة الذكرى الثانية عشرة(12) لحركة(20 فبراير)

(1)

كلمتي هاته هي عبارة عن تأملات وانطباعات تكوّنت لديّ وأنا أتابع المشهد السياسي المغربي في هذه الأيام، وخاصة مِن جهة أولئك الذين يعلنون، بشكل أو بآخر، معارضتَهم للاستبداد والفساد، وإن كانوا، في معظمهم، من الداعين والمؤيدين للعمل السياسي في ظل النظام القائم، مع خطاب إصلاحي يدعو، في أقصى مطالبه، إلى تبني "ملكية برلمانية"، مع ما باتت تتميز به هذه التسميةُ/الاصطلاحُ/المطلبُ من غموض والتباس واختلاط في المفاهيم.

المشهد السياسي، في عمومه، يطبعه الاختناق والجمود والتأزم، والسبب الأساسيُّ وراء ذلك هو الاستبداد أولا، والاستبداد ثانيا، والاستبدادُ والفساد ثالثا. ولست بحاجة هنا إلى التفصيل في مفردات هذا التردي الذي بات يطبع حياتنا على كل الأصعدة، وخاصة في المجالات الحقوقية والاقتصادية والاجتماعية؛ فالواقع المعيش الشاهدُ الحيُّ الصادقُ مُغنٍ عن كل تفصيل وتطويل.

(2)

هذا الجمود السياسي الخانق سببُه، كما قلت، هو الاستبداد، أساسا، ثم تأتي أسبابٌ فرعية في الدرجات التالية. وفي رأيي، أن واقع المعارضين ومواقفَهم واختياراتِهم هي من العوامل التي تفتل في حبل هذا الجمود السياسي، بل يمكن أن نقول، هي من العوامل التي تقوّي عضدَ الاستبداد وتُطيل في عمره.

وأذكّر القارئ الكريم أني لا أقصد بالمعارضين مَنْ هم على شاكلة "حزب العدالة والتنمية"، أو "حزب الاتحاد الاشتراكي"، أو "حزب التقدم والاشتراكية"؛ فهذه الأحزاب وما هو على شاكلتها إنما هم مخزنيون أقحاح، والدورُ الموكول لهم، بعد انتخابات 8 شتنبر2021، هو أن يلعبوا دور المعارضة المحسوبة على النظام، أي أن نظامنا المخزنيَّ له واجهتان سياسيتان شكليتان: أغلبيةٌ تعمل لحسابه، ومعارضةٌ تعمل لحسابه أيضا؛ ومن أراد التأكد من هذا الوصف، فما عليه إلا أن يتابع ما يقوله السيد عبد الإله بنكيران، مثلا، بعد أن أصبح حزبُه محسوبا في المعارضة.

إنما أقصد بالمعارضين مَنْ هم على شاكلة "فيدرالية اليسار الديمقراطي"، و"الحزب الاشتراكي الموحد"، و"حزب النهج الديمقراطي" مِنَ الأحزاب، أو على شاكلة "جماعة العدل والإحسان"، و"الجمعية المغربية لحقوق الإنسان"، و"الجمعية المغربية لحماية المال العام"، من الجماعات والجمعيات، أو على شاكلة غير هؤلاء من "النقابات" و"الشبيبات" و"التنسيقيات"، وهم، في غالبيتهم، من ذوي الخلفيات اليسارية.

(3)

ظهرت "حركة 20 فبراير" في خضم عواصف الربيع العربي، التي بدأت في تونس، في دجنبر2010. وقد كانت، في انطلاقتها، حركةً اجتماعية شعبية بمطالب محددة، ثم ما لبثت أن تحولت إلى حركة "معارضة" بمطالب حقوقية وسياسية واقتصادية. وبسبب الاختلافات الإيديولوجية بين مكوناتها، خمدت شرارتُها، وانتهت إلى البرود والانحسار، وخاصة بعد انسحاب "جماعة العدل والإحسان" من صفوفها.

استمر اليساريون في إحياء ذكرى الحركة، بعد أن فقدت قوتها المحركة، وباتت هيكلا فارغا إلا من الاسم والذكريات، وما يزال هذا هو ديدنهم إلى اليوم، يحلمون ويتمنون وهم يطمعون أن ترجع الروح إلى هذه الحركة، التي باتت، بالنسبة إليهم، وكأنها "ماركة" مسجلة باسمهم، هم المناضلون "التقدميون" "الديمقراطيون".

"الحركة" ماتت، والناس ما تزال تحلم، وتطمع، وتسعى وراء السراب.

ثُمَّ في نونبر من سنة 2019، تداعى القومُ لتأسيس كيان جديد يجمع جموعهم، وينسق نضالاتهم، سَمَّوْه "الجبهة الاجتماعية المغربية". وقد شارك في هذا التأسيس ثلاثون كيانا من الأحزاب والنقابات والجمعيات وتنظيمات "المجتمع المدني". وكان من غايات هذا الكيان الجديد أن يقود النضالَ الاجتماعي والسياسي والحقوقي، أملا في إحياء شعلة "حركة20 فبراير"، ويتصدرَ النضالات الشعبية الجماهيرية!!

وقد اتفق مؤسسو هذا الكيان على إقصاء الإسلاميين، بدعوى أنهم ليسوا "تقدميين ديمقراطيين"! والإسلاميون، في هذا الادعاء المتعَمَّدِ الكاذب الفاسد، هم كيان واحد، لا فرق فيهم بين مخزنيّ صريح كـ"حزب العدالة والتنمية"، مثلا، وبين "جماعة العدل والإحسان". ولا يشفع لهذا الادعاء الفاسد أن يكون مِنْ بين اليساريّين المحسوبين على هذه "الجبهة" أفرادٌ فضلاء، لا يفتأون يدعون إلى التمييز، سياسيا، بين الإسلاميين، وعدمِ تغليب المصلحة الإيديولوجية الضيقة على المصالح النضالية السياسية الواسعة. لا يشفع لهذه الجبهة الإقصائية، أن يكون فيها فضلاءُ أمثال عبد الله الحريف، ومصطفى البراهمة، ونجيب أقصبي، والمعطي منجب، وفؤاد عبد المومني؛ فهؤلاء أفراد معدودون على رؤوس الأصابع، ليس لهم وزن في قرار الحل والعقد. ومع هذا، فإني أستغرب أن يكون هؤلاء الفضلاء مطمئنين إلى عمل هذه "الجبهة الاجتماعية المغربية"، وهم يعلمون أنها جبهة تقوم، في أساسها، على الإقصاء غير المبرر، وعلى الإيديولوجية اليسارية المتطرفة، التي لا ترى فضلا في غيرها من الإيديولوجيات والأفكار والاختيارات؛ إما أن تكون نسخةً مني وتابعا لي، وإلا فأنت غير موجود!!

مع الأسف، هؤلاء هم المعارضون الذي يحلمون بدولة القانون والحقوق والحريات. هؤلاء هم المناضلون الذي يسعون لقيادة نضالات الجماهير في وجه الاستبداد والفساد.

هؤلاء هم النخبة من المعارضة السياسية، التي تُقصي قوةً سياسية اجتماعية بحجم جماعة العدل والإحسان، وترى، في الوقت نفسه، أنها، وحدها، المؤهلةُ للنظر والفهم والتقويم والحكم في شأن الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان.

جبهةٌ من هذا الصنف، لن تكون، في اعتقادي، إلا مقويا إضافيا من مقويات وجود الاستبداد والفساد، والإطالة في عمره، على حدّ قول جرير:

زَعَم الفَرَزْدَقُ أنْ سيقْتُلُ مِرْبَعا:::أَبْشِرْ بِطُولِ سَلَامةٍ يا مِرْبَعُ

وقوله أيضا:

إِنَّ الكَرِيمَةَ يَنْصُرُ الكَرَمَ ابْنُهَا ... وابْنُ اللَّئِيمَةِ لِلِّئَامِ نَصُورُ

(4)

وبعد، فقد قررت هذه الجبهةُ الإيديولوجية الإقصائيةُ إحياءَ الذكرى الثانية عشرة(12) لحركة 20 فبراير بتنظيم مسيرات ووقفات يوم 20 فبراير 2023. وسننتظر يوم الذكرى لنرى حجم هذه الجماهير التي ستستجيب لقرار الجبهة.

وأَعلنَ مكوِّنٌ من هذه الجبهة، وهو "الكونفدرالية الديمقراطية للشغل" تنظيمَ نشاط مستقل يوم الأحد19 فبراير2023، وذلك للاحتجاج على "غلاء الأسعار وتدهور القوة الشرائية للمواطنين". وهناك أخبار تفيد بأن وزارة الداخلية تعتزم منع هذا النشاط، وإن كان الداعون له يحتجون ويرفضون هذا المنع، ويصرون على المضي في التعبئة والتنظيم.

هل هي بداية تصدع هذه الجبهة، التي وُلِدت، في أصلها، مُصَدَّعَة؟ وهل هناك أكبر من الإقصاء علامةً على الضعف والتصدُّعِ والتشَظِّي؟

هل هي الأنانيات الحزبية الضيقة، والخلافات الإيديولوجية العُمْيُ الصُّمّ، مرة أخرى؟

هل هو الصراع الأبدي، داخل اليسار، بين الأجيال والزعامات؟

هل هي المصالح الخاصة التي تسعى للتغلب على المصالح العامة؟

مهما يكن السبب وراء هذا الخلاف الذي بدأت تظهر إرهاصاتُه داخل هذه الجبهة، فإن المهم هو أن يعرف الناس أن هذا الجبهة وُلِدت ولادة غير طبيعية، ولا يزال الضعفُ والإعاقةُ وقلةُ الجدوى تعيث فيها بالنخر والسوس، حتى تنتهيَ بها إلى التفتت والجمود.

وأين هي "الجبهة الاجتماعية الإسلامية"؟

هذه الجبهة موجودة بالقوة، لكنها ممنوعة من الظهور بحدّ سيف الاستبداد وقوانينه الظالمة، وأيضا بحدّ الدعايات المغرضة والإعلام اللاديني المناوئ لكل ما هو إيماني إسلامي وتربوي أخلاقي.

هل من سبيل إلى تخطي هذه الموانع الاستبدادية والعوائق اللادينية، للوصول إلى تكوين هذه الجبهة، وإخراجها من القوة إلى الفعل؟

الجواب الحقيقيُّ على مثل هذا السؤال، في اعتقادي، ليس عند حملة الأقلام، على أهمية القلم والأفكار والآراء، وإنما هو عند مَنْ هو حاضر في الميدان، ومتشابك ومتخالط ومتدافع في المعترك السياسي والاجتماعي، ومَن له تنظيم وأطر وإمكانيات، بشرية ومادية، وقيادات من مختلف المستويات، ومَن له، قبل هذا وذاك، إيمان راسخ ويقين جازم، وهمّة عالية وإرادة فاعلة؛ ثم هناك الخبرةُ بالخدع السياسية والمعرفةُ بمنعرجات الطريق وتشعباته ومضايقه؛ ثُم هناك، عند المسلم، في الأول والآخر ودائما، توفيقُ الله وعونُه ونصرُه وفضلُه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.