الثلاثاء، 23 يوليو 2019

في نكتة "الحزب الإسلامي الحاكم"


بسم الله الرحمن الرحيم


في نكتة "الحزب الإسلامي الحاكم"


يشيع في كثير من وسائل الإعلام، اليوم، إما عن عمد وقصد، وإما عن جهل وتبعية، وإما عن رغبة ورهبة-يشيع أن الحزبَ الحاكم في المغرب هو حزب العدالة والتنمية "الإسلامي".
المراد من هذا الخطاب الشائع-وهو، في حقيقته، خطابٌ دعائيٌّ مموِّهٌ مُلَبِّس مُغالِط-تبليغُ وترسيخُ أمور، منها:
أولا: أن المغرب بات دولة ديمقراطية، وخاصة بعد عواصف الربيع العربي، التي جاءت بدستور 2011، والتي حملت حزب "الإسلاميين" إلى رئاسة الحكومة. وعند هؤلاء المغالطين المموِّهِين الملبِّسين أن وصول حزب العدالة والتنمية إلى رئاسة الحكومة هو الدليل القاطع أن المغرب بات في عداد الدول "الديمقراطية" أو، على الأقل، السائرة نحو الديمقراطية فيما يسمونه بالانتقال الديمقراطي.
ثانيا: أن الحكومة في المغرب أفرزتها انتخاباتٌ ديمقراطية نزيهة صافية من غبش التزوير والإكراه والبلطجة والمال الحرام.
ثالثا: أن الحكومة تطبق برنامجها الذي على أساسه فازت في الانتخابات، وأن المؤسسة الملكية، في كل هذا، محايدة، والحكومة وحدها هي المسؤولة عن تدبير الشأن العام، نجاحا وفشلا.
رابعا: الإيهام بأن ما يكون من هذه الحكومة من سياسات وقرارات، وخاصة في الجوانب السلبية والسياسات الاجتماعية اللاشعبية والاختيارات الاقتصادية الفاشلة، إنما هو نتاج سياسات الحزب الإسلامي الحاكم وشركائه في الأغلبية.
المهم أن هذه الشائعات الإعلامية-وفي قلبها الإعلام المخزني، الأصيل والتابع-تريد أن ترسخ مقالة كاذبة على أنها حقيقة واقعة، وهي أن المؤسسة الملكية لا علاقة لها بتشكيل الحكومة، ولا ببرنامجها، ولا بما تقرره من سياسات وترمي إليه من مقاصد وغايات.
وبيانُ وجه هذه المغالطات والتلبيسات والإشاعات في الكلمات التالية:
أولا، الدستور "الممنوح"-هو ممنوح بطريقة وضعه، من ميلاد الفكرة إلى الاستفتاء، لأنه دستور جاء بإرادة الملك، في روحه ومضامينه ومقتضياته. باختصار، الدستور الممنوح لم يكن بإرادةٍ شعبية، ولكن بإرادة ملكية، من أجل ترسيخ وتثبيت "الملكية التنفيذية" أساسِ النظام المخزني-قلت الدستور الممنوحُ يشهد بالنصوص الواضحة أن الانتخابات، عندنا-مهما كانت نزيهة ونظيفة وسليمة من الغش والتزوير وتأثير المال الحرام-لا تقدم ولا تؤخر شيئا في مسألة الحكم، لأن السلطات الفعلية، على جميع المستويات، إنما هي بيد الملك. والملك، بالدستور والقانون والعرف والواقع، لا يمكن متابعتُه ولا مراجعتُه ولا محاسبتُه؛ إذن، الملك يسود ويحكم بسلطات شبه مطلقة، ومع ذلك، فهو فوق المتابعة والمحاسبة! فهل هناك تسميةٌ تليق بهذا النوع من الأنظمة سوى اسم الاستبداد؟ في اللغة: استبد فلانٌ بالأمر استحوذ عليه وانفردَ به من غير أن يشاركه فيه غيرُه.
ثانيا، الادعاءُ بأن الحكومة في النظام المغربي تحكمُ هو ادعاءٌ يفنده وينقضه تصريحاتُ رئيس الحكومة نفسه؛ فالسيد عبد الإله بنكيران، في أكثر من مناسبة، حينما كان رئيسا للحكومة، وبعدما أُبْعد، صرح بأن الذي يحكم في المغرب هو الملك، وكان كثيرا ما يشدد على هذا الأمر حتى لا يتوهم متوهم أن للحكومة شيئا في أمر الحكم. ونفس المقالة أكدها خلفه الدكتور سعد الدين العثماني، وهي أن الحكومة إنما هي في خدمة الملك وسياساته، وليس لها في الأمر شيء، إلا تنفيذ سياسات الملك والسير وفق توجيهاته وتعليماته، والانضباط بما يرسمه من حدود وما يضعه من آفاق.
وهناك فصولُ الدستور الممنوح التي تؤكد بالعبارات الواضحات التي لا تحتمل التأويل أن الملك هو رئيس الدولة، وأن مجلسَ الحكومة وغيرَه من المجالس والهيآت المنتخبة والمعيَّنَة، إنما هي في خدمة الملك؛ هذا واضحٌ من الصلاحيات العديدة التي يملكها الملك، بنص الدستور، فضلا عن كونه مُعفىً من تقديم أي حساب، كيفما كان هذا الحساب، أمام أي أحد. سلطة الملك، بنص الدستور الممنوح، فوق كل السلطات؛ ووفق هرمية بناء نظامنا السياسي المخزني، فإن جميع السلطات إنما هي تابعة ومأمورة وخادمة للملك، رئيسِ الدولة وأمير المؤمنين.
فالزعم بأن الحكومة، عندنا في المغرب، تحكم، وأنها مستقلة فيما ترسمه من سياسات وتتخذه من قرارات، هو ادعاءٌ كاذب فاضح، وقولٌ بما يعارض ما هو مكتوب في دستور2011 الممنوح، وما هو معيش في الواقع، وما هو مُعايَن في الأعراف والطقوس المخزنية.
ثالثا، من المغالطات الشائعة في الإعلام أن الحكومة مستقلة في وضع برامجها ورسم سياساتها والحسم في قراراتها من غير أن يكون للقصر أدنى تدخل في عملها! طبعا هذه المغالطة تُعَدّ من المضحكات، وخاصة حينما ترد على لسان من يظن الناسُ أنهم من أهل العلم والفهم والذكاء والدهاء في السياسة.
لقد بينتُ، قبل قليل، أن الدستور والواقع والعرف، تؤكد أن الحكومة عندنا لا تحكم، بل هي من الأدوات التي تنفذ سياسات الملك وتعليماته وتوجيهاته. فنظامنا السياسي هو نظام ملكي تنفيذي، حيث الملك يسود ويحكم بسلطات شبه مطلقة، لكن متابعته ومحاسبته غير ممكنة. إنما تكون الحكومة مستقلة في وضع برامجها واختيار مواقفها واتخاذ قراراتها وتطبيق سياساتها، حينما يكون نظام الحكم ديمقراطيا، وحينما يكون الملك لا يحكم، وليست له سلطات تنفيذية تجعل عمل الحكومة واقعا تحت مراقبته ووصايته وتوجيهاته وتعليماته، وحينما تكون المؤسسات العامة مستقلة لا تتبع إلا القانون، ولا تعمل إلا وفق ما هو من صلاحياتها، ولا تتحرك، في كل ما تأتيه وما تدعه، إلا احتراما وانسجاما وتطبيقا لما هو من واجباتها في درجة هرم السلطة والسلم الإداري التي تنتمي إليه.
هذا هو الداء العضال في نظامنا السياسي، والذي يتحاشى معظم سياسيينا الكلام فيه؛ فالدستور المعمول به، على علاته، ينص على ربط المسؤولية بالمحاسبة. نِعْمَ المبدأُ لو كان يعم الجميع. لا يعقل أن تشمل المحاسبة والمتابعة التابعَ وتسكت عن المتبوع؟ لا يعقل أن تتم محاسبة المأمور ومعاقبته، ولا يشار إلى الآمر ولو برائحة من كلمة؟ هذا هو الداء المزمن في نظامنا السياسي، وهذا هو الداء المستحكم في كل نظام استبدادي.
رابعا، يترتب على البيان الذي قدمتُه في الفقرات الثلاث السابقة أن فشل الحكومة، إن كان هناك فشلٌ، إنما هو من فشل سياسات الملك. لكن نظامنا السياسي المخزني، بتجربته الطويلة، طور آليات لتجنيب الملك أيَّ مسؤولية مباشرة، ولتحميل الحكومة كلَّ المسؤولية في الفشل. وهذا وضع عجيب غريب في السياسة وتدبير أمور الدول؛ الملك يحكم، أي له سلطات تنفيذية واسعة، لكنه غير مسؤول عن أي فشل في ممارسة هذه السلطات. الحكومة هي المسؤولة، أو أي مسؤول آخر في الدرجات الدنيا، لكن الملك يظل دائما بعيدا عن الصورة، بل لا يقدر أحد أن يشير إليه ولو بالتلميح، لأن في ذلك، حسب أعراف نظامنا المخزني، إخلالا بجزء من المسؤولية الملقاة عل عاتق رجالات المخزن ونسائه، في كل المسؤوليات وبمختلف الدرجات.

وللمخزن مآرب أخرى
هذه الإشاعات والمغالطات التي عرضت لبعضها في شأن "نكتة" "حكم الإسلاميين" في المغرب، تكمن وراءها أهداف أخرى، يمكن وصفها بالاستراتيجية مقارنة بالأهداف الآنية الممثلة في تحميل الحكومة كامل المسؤولية في سياسة الدولة، وإبقاء الملك بمنأى عن أي مسؤولية مباشرة، كالمسؤولية، مثلا، عن فشل النموذج التنموي الذي تتبعه الدولة؛ فقد صرح الملك في أحد خطاباته-خطاب بمناسبة افتتاح البرلمان في أكتوبر2017-أن المغرب يحتاج إلى نموذج جديد معترفا، ضمنا، بفشل النموذج المتبع منذ سنين، وأنه نموذج أصبح غير قادر على تلبية حاجات المواطنين. والسؤال الذي لا يجرؤ المخزنيون ولا منْ هم على منوالهم من السياسيين والمحللين، على طرحه هو: من المسؤول عن هذا الفشل التنموي؟ من وضع أسس هذا النموذج وفرضه؟ من وضع السياسات واتخذ القرارات وعبأ الإمكانيات من أجل هذا النموذج؟ لا يجرؤون أن يسموا الملك، وتبقى الحكومة، في الظاهر، وحسب آليات الدولة المخزنية، هي المسؤولة!
قلت من الأهداف الاستراتيجية وراء إشاعة الكلام على "حكم الإسلاميين" هو القضاء على ما تبقى لهؤلاء الإسلاميين من مصداقية. وفي اعتقادي أن مصداقية حزب العدالة والتنمية وحلفائه في حركة التوحيد والإصلاح قد أصابها من الهوان والضعف ما أصابها من جراء إصرار الحزب والحركة على السير في ركاب النظام المخزني، والتسليم له في لعبته الديمقراطية، في كل شيء؛ وإن كان هناك من بقية من هذه المصداقية، في تقديري، فقد قضى عليها الحزب نهائيا حينما أُبعد أمينه العام السيد بنكيران عن تشكيل الحكومة بعد انتخابات أكتوبر 2016، بعد ما عُرف بالبلوكاج الذي دام ما يقرب من ستة أشهر، ثم جيء بالسيد العثماني، ليشكل الحكومة، في أسرع من البرق-مقارنة بالمدة التي استغرقها السيد بنكيران في مفاوضاته ومشاوراته قبل إبعاده-من ستة أحزاب سياسية، بعضها، كما يعرف الجميع، فُرض على الحزب فرضا، ولم يكن أمام السيد العثماني إلا أن يطيع ويحنيَ الرأس. في رأيي، أن الحزب لم تبق له أي مصداقية حقيقية بعد واقعة البلوكاج، وإبعادِ السيد بنكيران، والمجيء بالسيد العثماني، لإخراج حكومة مخزنية هجينة ضعيفة. أذكّر أنني هنا لا أتحدث عن المصداقيات الممنوحة أو المصنوعة أو المزيفة، وإنما حديثي عن المصداقية الحقيقية القائمة على القيم والمبادئ والحنكة السياسية.
الناسُ تنظر إلى انتخابات 2021، على أنها ستكون اختبارا حاسما لمصداقية حزب العدالة والتنمية أمام الناخبين. لكني أقول اليوم، قبل 2021، أن الحزب فقد مصداقيته، بالمعايير السياسية الحقة، حينما قبل أن يسمع ويطيع ويسكت عن العبث السياسي الذي عشناه منذ ولاية السيد بنكيران الأولى(يناير2012)، وما زلنا نعيشه إلى اليوم.
في اعتقادي أن نظامنا المخزني، بعد عواصف الربيع العربي في 2011، قد نجح، على الأقل، نجاحين، الأول اجتياز مرحلة الاضطرابات بأقل الخسائر، والوصول إلى فرض دستور ممنوح على قَدِّ النظام المخزني، بمباركة جميع القوى السياسية التابعة، في استفتاء فاتح يوليوز2011، وتنظيم انتخابات 25 نونبر2011، واستئناف الحياة السياسية في ظروف امتازت، عموما، بالهدوء والاستقرار مقارنة بما جرى في دول عربية أخرى.
أما النجاح الثاني، الذي حققه نظامنا المخزني، بعد عواصف الربيع العربي، هو توريط "بعض الإسلاميين"، الذين كانوا مستعدين أن يسيروا وراء النظام المخزني، في لعبته، إلى النهاية، وذلك من أجل نزع المصداقية عن سائر الإسلاميين، وخاصة الذين يعارضون النظام معارضة ثورية، وأقصد جماعة العدل والإحسان. فالناس اليوم، بفعل الإعلام المخزني المغالط المراوغ النشيط باتوا ينظرون إلى التجربة الحكومية، بعد الربيع العربي، على أنها تجربة الإسلاميين، ومن ثَمَّ فإن الحكم عليها جاهز ونهائي؛ فهي تجربة فاشلة لم يجن منها المجتمع/الشعب إلا الفشل تلو الفشل، وأن البديل المرتقب النافع الناجح يفرض التخلصَ من الإسلاميين. هذا هو الحكم الجاهز الرائج الذي ينشط في نشره وتأكيده جميعُ المتربصين بالإسلاميين من كل المشارب والاتجاهات.
إن النيل من مصداقية الحركات الإسلامية بات هدفا استراتيجيا لكثير من الأنظمة الاستبدادية بعد عواصف الربيع العربي.
فقد انقضوا على التجربة الديمقراطية الفتية في مصر بعد ثورة 25 يناير الباهرة، وأبعدوا الإسلاميين (الإخوان المسلمين) في انقلاب عسكري دموي فاجر، حتى انتهى الأمر إلى ما انتهى إليه اليوم، حيث أصبحت مصر بنظامها العسكري الفاشي مثالا للتندر والسخرية، فضلا عن الحضيض الذي نزلت إليه الحياة السياسية فيما يخص الحريات والحقوق.
في تونس، ما تزال التجربة الديمقراطية الوحيدة التي أفلتت من مؤامرات المتآمرين، في الداخل والخارج، تعاني الأمرين من جراء ما تواجهه من عراقيل ودعاية كاذبة هدفها، أولا وأساسا، الإسلاميون ممثلين في حزب النهضة، الذي ما فتئ يصانع ويهادن ويتنازل من أجل نجاح التجربة وربح الاستقرار. وإلى اليوم، لم تخرج تونس من منطقة الزوابع والزعازع، وما تزال سهام الاستبداديين تنوشها من كل جانب، وما تزال آفاق التجربة ملبدة بكثير من الغيوم والغموض.
على هذا النمط من التشويه والتضليل ونشر الدعايات والأخبار الباطلة تسير معظم الأنظمة الاستبدادية لمواجهة الإسلاميين، وخاصة بعد أن خلفت تجربة "داعش"-الحقيقية أو المصنوعة في أساطير العالم الافتراضي-ما خلّفت في النفوس من كراهية وإدانة وتخوف وتوجس. اليوم، "داعشي" باتت التهمة الأكثر جريانا على ألسنة خصوم الإسلاميين، يتعمدون عدم التفرقة بين "إرهابي" حقيقي، وبين رجل دعوة وسياسة وفكر وحوار؛ الإسلاميون كلهم "دواعش"، إذن، الحلُّ لمواجهتهم هو القتل والسجن والمنع والقمع. وبهذا الأسلوب، ابتعدنا عن السياسة وأصبحنا غارقين في مستنقع دعوات الاستئصال والاستبداد، تتردد في أجوائنا شعاراتُ المستبدين على ألسنة من يزعمون أنهم سياسيون ديمقراطيون.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين



الجمعة، 11 يناير 2019

كلمة مختصرة عن كتاب (الأزمة الدستورية)، للدكتور محمد المختار الشنقيطي.


بسم الله الرحمن الرحيم

كلمة مختصرة عن كتاب (الأزمة الدستورية)، للدكتور محمد المختار الشنقيطي.

هذه كلمة مختصرة عن كتاب (الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية؛ من الفتنة الكبرى إلى الربيع العربي)، للدكتور محمد المختار الشنقيطي، (الناشر: منتدى العلاقات العربية والدولية، الدوحة-قطر، الطبعة الأولى، 2018).
لقد خلفت قراءة الكتاب في نفسي بعض الانطباعات، ألخص أهمها في السطور التالية.
لقد قرأت كتاب الأستاذ محمد الشنقيطي برغبة واهتمام وإمعان. والقارئ المنصف لا يسعه، في تقديري، إلا أن يشهد للمؤلف ببعد النظر والأفق، وعمق التناول والتحليل، وسعة الاطلاع، وميزةِ الرسوخ في الأصالة والانفتاح، في الوقت نفسه، على ما عند الآخر من أفكار ومناهج وتجارب وممارسات وإجراءات، في غير انبهار ولا تبعية ولا انقياد ولا استنساخ، وسلاسةِ الأسلوب وبساطة اللغة وجمال التعبير.
كل هذه الصفات وغيرها من إيجابيات هذا العمل ترشح هذا الكتاب ليكون إضافة غنية ونوعية لمكتبتنا الفكرية السياسية الحديثة. وإن أعمال الأستاذ الشنقيطيّ-في هذا الكتاب وفي سائر كتبه-تجعله، في تقديري مؤهلا لشغل مكان متميز ومتقدم من بين مفكرينا السياسيين الإسلاميين المعاصرين النابهين، وهم قلة مقارنة بكثرة الثرثارين، والمقلدين، والتابعين المجترّين، واللادينيّين الخابطين في الظلام والتيه.
في اعتقادي، لقد كان الشيخ راشد الغنوشي مصيبا في ملاحظته، في تقديمه للكتاب، التي تأخذ على الأستاذ الشنقيطي "أنه لم يوفّ كثيرا من المفكرين المسلمين حقهم"(ص15). وأمثل لهؤلاء الذين لم يوفهم الكتاب حقهم بالشيخ محمد الغزالي، رحمه الله، والأستاذ عبد السلام ياسين، رحمه الله، والشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، بارك الله في عمره.
وإن أنا سمحت لنفسي أن أوازن بين أولئك الذين لم يحلّهم الكتاب المكانة التي يستحقونها، فإني أرى أن الأستاذ ياسينا، من المغرب الأقصى، كان ينبغي أن يقف عنده المؤلف أكثر مما فعل؛ فالتراث الفكري السياسي للأستاذ عبد السلام ياسين ليس محصورا في كتاب (الخلافة والملك)-وهو الكتاب الوحيد الذي تم ذكره في كتاب الأستاذ الشنقيطي؛ فالأستاذ ياسين، رحمه الله، ترك حوالي أربعين مؤلفا، أغلبها في التربية والسياسة والتنظيم، منها، على سبيل التمثيل، رسالة (الإسلام أو الطوفان)، وكتاب (المنهاج النبوي، تربية وتنظيما وزحفا)، وكتاب (الشورى والديمقراطية)، وكتاب (حوار مع الفضلاء الديمقراطيين)، وسِفْره السياسي الضخم (العدل، الإسلاميون والحكم)، وكتاب (إمامة الأمة). ومكتبة الأستاذ ياسين في متناول الباحثين والمهتمين على العنوان التالي بشبكة الإنترنيت: (siraj.net)، ويمكن الدخول إلى هذه المكتبة من بوابة موقع الأستاذ ياسين: (/https://www.yassine.net/ar).
لقد ركزت على الأستاذ عبد السلام ياسين، من بين العلماء والمفكرين الذين لم يكن الاهتمام بهم في كتاب الأستاذ الشنقيطي في مستوى تراثهم وغنى تجاربهم وتميز اجتهادهم، لأني، أساسا،  واحد من تلامذة هذا الرجل، رحمه الله، وقريب من كتبه وتجربته في مجال التربية والتنظيم، وأيضا تجربته المتميزة في ميدان التدافع السياسي، التي ما زالت تمثلها (جماعة العدل والإحسان) المغربية المحاصرة والمقموعة والمضطهدة-ودع عنك شعارات التغيير والعهد الجديد، والدستور الجديد وغيرها من المظاهر الخداعة والواجهات المموهة، التي لا يخفى على أمثال الأستاذ الشنقيطي ما تخفيه وراءها من ظلم واستبداد وفساد، وخاصة بعد أن أسقطت عواصف الربيع العربي الأقنعة، وكشفت السوءات، وما تزال تفعل.
في تقديري، كان كتاب الأستاذ الشنقيطي سيكون أكثر غنى وعمقا في مادته السياسية، وفيما رسمه من حلول وآفاق للخروج من الأزمة الدستورية التي ما تزال تعانيها أمتنا الإسلامية منذ "الانكسار التاريخي"، الذي حوّل الخلافة الإسلامية الأمينة العادلة الراشدة ملكا عضوضا جائرا-قلت كان يمكن لكتاب السيد الشنقيطي أن يكون أكثر غنى وعمقا لو أتيح له أن يستفيد من تجربة الأستاذ ياسين، على مستويي الكتابة التنظيرية والممارسة العملية الواقعية.
لقد ذكر الأستاذ الشنقيطي ما سمّاه "الرهبانية السياسية"، في سياق نقدي سلبي، ومثّل لهذه الرهبانية بالإمام أبي حامد الغزالي من القدماء، والدكتور طه عبد الرحمن من المحدثين. وقد فات الأستاذ الشنقيطي بعدم اطلاعه على تجربة الأستاذ ياسين، وخاصة في جوهرها التربوي الإحساني-وهو الأساس في فكر الأستاذ ياسين السياسي التنظيمي-فاته أن يعرفَ الوجهَ الإيجابي المشرق/الوجهَ المنتفض الثوري/الوجهَ القومي الإحساني [القوميّ هنا من (القوْمَة)، التي يستعملها الأستاذ ياسين بدلا عن كلمة (الثورة)] لِما يسميه بالرهبانية السياسية القاعدة المنزوية المتدَروشة. وللأستاذ ياسين في موضوع التربية الإيمانية القائِمة المناضلة المجاهدة كتاب كبير في جزأين بعنوان (الإحسان).
لقد تعرضت الأصول الإسلامية، في التربية الإيمانية الإحسانية، في القرآن والسنة، وفي سيرة السلف الصالح، إلى الكثير من التشويهات والتحريفات حتى كادت معالمها تنطمس وتغرق في بحر لجيّ من الابتداعات والانحرافات والجهالات والشطحات، التي اشتهرت بها كثير من الحركات الصوفية، قديما وحديثا. وقد اجتهد الأستاذ عبد السلام ياسين، في مشروعه التربوي الجهادي، الإحساني العدلي، أن يرجع بالأصول التربوية الإسلامية إلى منبعها الصافي، وأن ينقيها مما علق بها من اعتقادات دخيلة وشعوذات مبتدعة وممارسات شاذة، لترجع، كما كانت، أساسا لتربية الرجال، والسمو إلى طلب الإحسان، اعتقادا وسلوكا، والكينونة مع الصادقين المجاهدين.
يقول الأستاذ ياسين، رحمه الله، من فقرة بعنوان "من أعالي التاريخ" في كتابه (نظرات في الفكر والتاريخ، الطبعة الأولى 1989، ص43-47):
"يهبنا الوهاب بفضله همة عالية لننظر إلى الواقع من أعالي التاريخ لا من أسافله، لنفهم من مكاننا العالي، بين يدي الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، يتلو علينا القرآن ويشفعه بالبيان، لِمَ انحلت عُرى الإسلام تباعا بانحلال العروة السلطانية؟ لم سكت من سكت وقام من قام واختلف من اختلف؟ لم مرضت الأمة المرض المهلك لمّا جاءت عهودُ الأغيلمة يسقون الأمة الحِمام بالسيف، يقتلون فيها الشهامة والمروءة؟ لم طردت إرادة الأمة من التاريخ؟ لم اغتيلت الشورى وتاهت على الكون إرادةُ المستبد؟ لم غاب العدل وطغى المترفون ونشأت واستمرت واستفحلت في عصرنا تقاليدُ "ألف ليلة وليلة"؟ لم تفتّت الدين حتى بلغنا إلى درك الإسلام الفردي، إسلامِ "المتدين" لا يرى الدين شيئا آخر غير رُكيعات ينقرهن إن كان أو رحلة يتمتع بعدها بلقب "حاج"؟
إن تتلمذنا للرسول المعلم الناصح، صلى الله عليه وسلم، مباشرة بعقلنا يتلقى التعليم، وبقلبنا يتعرض لفيض الرأفة والرحمة، وبسلوكنا يجدد تاريخ الجهاد، وإن أخْذنا عنه، صلى الله عليه وسلم، القرآن كتابا من عند الله هو الضياء والهدى والحياة، كنا على المستوى الرفيع الذي يمكننا من مراقبة الأمور من أعاليها لا من أسافلها. (...)
 من كانت ترسبات تاريخنا الحافل تشغل منه العقل والخيال، وكانت أنقاض ما نقض من عرى الإسلام تتمثل لديه معالمَ هادية، وكان ثقل الأحداث الماضية يحمله على رأسه، وكانت تحديات الحاضر والمستقبل تحاكَم في تقديره إلى التراث الفقهي الثري العظيم لا غير، فذاك ينظر إلى الأمور من أسافلها، يظن أن صناعة التاريخ لا تتأتى إلا بوضع نفوسنا تحت كلكله.
هذه الذهنية التي لا تميز تاريخ الفتن، وهو تاريخ المسلمين، عن تاريخ الإسلام الذي كان نموذجا رائعا في اتجاهه وإنجازاته على عهد النبوة والخلافة الراشدة، تكيل في صُواع أعداء الدين من بني جلدتنا دون أن تشعر. تكيل في صُواع القوميين العلمانيين الذين يعتبرون تاريخنا كتلة واحدة، نسبية كلها، جدلية كلها، تحمل بداياتهُا جراثيمَ تطورها وانجرافها، تفسر نهاياتهُا في زمن التخلف والهزيمة هذا محدوديةَ الدعوة المحمدية وإقليميتها ومكانها في سلم التطور الاجتماعي الساري في المجتمعات البشرية، المؤتمِر بحتمية مادية جدلية. (...)
عرى الإسلام هل انتقضت؟ معرفةُ ذلك ومعرفة من أين بدأ النقضُ وكيف توالى وتسلسلَ فقهٌ ضروريٌّ لنعرف من أين نبدأ الفتل من جديد، لا استعمالا للأنقاض واستنادا إلى سلطانها المعنوي لمِاَ اكتسبته من شرف الانتماء إلى تاريخ المسلمين، لكن بمادة جديدة خالدة لا تبلى هي مادة القرآن، وعلى مثال سام لا ترقى إليه المهانة هو مثال السيرة النبوية العطرة.
من تلك المرتفعات فقط يمكننا أن نبصر بوضوح وشمولية وانجماع في فكرنا وقلبنا وإيماننا وإرادتنا وحركتنا مواقعَ الأقدام على أرض واقع مفتون، ويمكننا أن نسير على المحجة البيضاء نكتشفها من جديد. قضاء الله عز وجل نزل في الماضي بما نزل، وتحملت مسؤوليتها أمةٌ قد خلت منا لا نتنكر لها ولا نكون، نعوذ بالله، من الذين يلعن بعضهم بعضا. وبين أيدينا دليل إلى المستقبل الزاهر مستقبل الخلافة الراشدة الثانية لا يخطئ الطريق، هو بشارة سيد ولد آدم، صلى الله عليه وسلم. بين أيدينا جهاده المظفر وسنته حين ربّى، وحين جمع المؤمنين، وحين آخى بينهم، وحين رسم الأهداف، وحين قاد، وحين انتصر. (...)
إن معالجة مآسي الأمة وجراحاتها من أسافل التقليد والخنوع البليد إنما تكون زيادة في نخر الكيان. من إزاء القرآن والسنة فقط، وبفقه أتقياء أبرياء من لوثات الخيانة والجزئية والتصالحية، يمكن أن نعلو متن التاريخ، ونخوض بقايا الفتنة ورواسبها، ونقتحم العقبة، ونصبر على جهاد الكنس والتأسيس والبناء، وننتصر بحول الله وقوته."انتهى الكلام المنقول
وبعد، فلتكن كلمتي هاته بمثابة دعوة للأستاذ الفاضل محمد الشنقيطي للاطلاع على تراث الأستاذ عبد السلام ياسين، في كليته-وما أظن الأستاذ الشنقيطيّ إلا قارئا نهما مطلعا؛ وإني أكاد أجزم أنه، إن فعل، سيجد في كتابات الأستاذ ياسين ما يعزز الكثير من أطروحات كتابه، وسيجد فيها، أيضا، ما يفتح عينيه على آفاق جديدة وواعدة في طريق البحث عن مخرج من أزمتنا الدستورية. ومن الله تعالى التوفيق والسداد
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

الاثنين، 3 ديسمبر 2018

المعيارُ الأخلاقيُّ في تقويم العمل الأدبي


بسم الله الرحمن الرحيم

المعيارُ الأخلاقيُّ في تقويم العمل الأدبي


الأخلاق عنصرٌ جوهري في قوام المذهبية الإسلامية. وقد بيّن رسولُ الله، صلى الله عليه وسلم، في الحديث الصحيح المشهور، أن مبعثَه إنما كان من أجل أن يتمم مكارم الأخلاق؛ قال صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، وفي رواية: (صالح الأخلاق). ولهذا، لا يمكن تصورُ إسلامٍ بلا أخلاق. وفي السُّنّة الشريفة شواهد كثيرة على مكانة الأخلاق في الإسلام، إلى درجة "أن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجات قائم الليل صائم النهار"، كما جاء في الحديث الصحيح. وليس من غرض هذه المقالة التفصيل في هذا الموضوع.
وليس أحد من المسلمين، ولا من غيرهم من ذوي الطبائع المستقيمة، يشك لحظة في الخدمات الجليلة الضرورية التي تقدمها الأخلاق الحسنة في بناء المجتمعات، ورُقي الأمم، وصعود الحضارات. وكذلك لا ترتاب الفطرُ السليمة في النتائج السلبية المهدِّدةِ بأسوأ الآفات، التي تجرها الأخلاقُ السيئة على العمران البشري.
اليوم، وخاصة في أوساط الحداثيّين اللادينيّين، أصبحت الأحكامُ الأخلاقية متهمَةً ومرفوضة، بل ومُدانة، لأنها، في زعمهم، تنتهك حقوقَ الإنسان وتعتدي على حريته، فضلا عن كونها-في زعم اللادينيّين-أحكاما غير موضوعية. وفي اعتقادي أن الذي هوّن من شأن الأحكام الأخلاقية عند هؤلاء وأمثالِهم، هو الإلحاد والجحود وما يترتب عليه مِن جفاف أو ضعف على مستوى الاعتقاد الديني، إلى جانب قوة المعتقدات الوضعية التي تؤله الإنسانَ، وتربط مفهومَ الأخلاق بتطور أفكار هذا الإنسان/الإله وسلوكِه، وتقلُّبِ أهوائه، وتلوّنِ نوازعه؛ فما كان يرفضه العرفُ في الماضي، قد يقبله اليوم، إذا لم يعترضْ على ذلك معترضٌ مِن القيم المتطورة والأهواء المتبدِّلة؛ في جملة، ليس هناك أصلٌ ثابت عند الحداثيِّ الملحدِ، فكلُّ شيء في تطور، وإن كان ذلك الشيء هو الدين نفسه، والأخلاقُ مسألة شخصية، والإنسان، بأهوائه ونوازعه، فوق كل اعتبار!
ومِن مقالات القدماء التي يستند إليها اليوم رافضو المعيار الأخلاقي في نقد العمل الفني، مقالةُ قدامة بن جعفر(ت337هـ)، التي يردّ فيها على مَن انتقدَ فحاشةَ المعنى في قول امرئ القيس من معلقته المشهورة:
ومثلُك حُبلى قد طرَقت ومُرضعٍ


فألهيتُها عن ذي تمائمَ مُحْولِ

إذا ما بكى من خلفها انصرفتْ له


بشقٍّ وتحتي شقُّها لمْ يُحوَّل

بقوله: "وليس فحاشة المعنى في نفسه ممّا يُزيل جودةَ الشعر فيه، كما لا يعيبُ جودةَ النجارة في الخشب، مثلا، رداءتُه في ذاته."(نقد الشعر، ص66)
وقد يستطيع كلُّ واحد تأخذه الغيرةُ على فساد الأخلاق أن يردّ على هذا المذهب ردا ساذجا غير مكلِّف، ويقول إنه ليس هناك ما يُقنعنا أنَّ كلام قدامة بن جعفر في هذا الموضوع حجةٌ لا يزعزعها شكّ، ولا ينال من قوتها تعقيبٌ، كما يمتنع دليلُ الإقناع في دعوى كونِ الدين بمعزلٍ عن الأدب.
وقد لا يكون هذا الردُّ البسيط مفتقرا إلى عناصر القوة، كما قد نظن لأول وهلة، وخاصة حينما نتذكر أنه قد أتى على الأمة العربية الإسلامية زمان طويل، لم تكن فيه لفظة "أدب"-والشعر من جنس الأدب-تنفك عن المفهوم الأخلاقي. وما نزال نسمع في زماننا هذا، في أوساط العامة والخاصة على السواء، عباراتٍ مثل "فلان مؤدَّب"، و"فلان قليل الأدب"، للدلالة على حسن الخلق أو قبحه.
وقد يمكن اعتبارُ مقالة قدامة بن جعفر، من وجه آخر، نوعا من الاجتهاد، الذي لا يُلزم أحدا من جهة، وهو، من جهة ثانية، اجتهادٌ لا يخرج عن دائرة الدين والإيمان، لأننا لا نجد صاحبَه المجتهدَ يجحد أصلا من أصول الدين، ولا يطعن في ضرورة الأخلاق وأهميتِها ومكانتِها في حياة الإنسان عامة، وحياةِ الإنسان المسلم خاصة.
ومع هذا وذاك، يبقى أن نلاحظ أن المعنى الفاحشَ في بيتي امرئ القيس إنما عرفناه بواسطة الشكل. بعبارة أخرى، كيف يمكن أن نفصلَ صناعةَ الشكل عن المضمون الفاسد، والحالُ أن الشكل هو نفسه ذلك المضمونُ الفاحش؟
يجب ألا ننسى، ونحن نحكم على الشكل في العمل الفني، أن تلك الصورةَ التركيبيةَ التي يكون عليها هذا الشكلُ، وذلك الترتيبَ الذي تنتظِم الألفاظُ فيه، إنما كان بفضل المعنى الذي اقتضى الإفصاحُ عنه تلك الصورةَ الإعرابية التركيبية التي نسميها الصياغةَ الشكلية.
ومن جهة أخرى، إذا تأملنا التشبيهَ الذي ساقه قدامةُ لدعم رأيه، وجدناه لا يخلو من ضعف، ولا يصمد أمام النقد.
فكيف جوّز قدامة بن جعفر أن تُعتبرَ، في الحكم النقدي، صنعةُ النجار فقط، من غير أن يكون هناك اهتمامٌ بنوع الخشب، والمعروف أن النجار، في صنعته-في الغالب الأعم-لا يقصد إلى البراعة من أجل ذاتها، ولكن من أجل إرضاء ذوق المتلقي/المشتري واستمالتِه والتأثير فيه، وضمانِ رواج أكبر لصنعته/سلعته في السوق. وقد جرت العادة أن المتلقي/المشتري، في الغالب، لا ينظر إلى صنعة النجار مستقلةً عن نوع الخشب الذي ظهرت فيه، ومِن ثَمّ، فإن قبول صنعته والرضا عنها في السوق، مرهون، إلى حد كبير، إن لم نقل مائة في المائة، بجودة المادة التي يستخدمها. ولهذا، فإن شفاعةَ مهارتِه لدى الزبون لا تنفع شيئا أمام رداءة الخشب المصنوع، إلا أن يكون هذا الزبونُ قليلَ الخبرة، يسهل استدراجُه وخداعُه بالشكل البرّاق.
وماذا يكون الحكمُ لو كان الناقد ممّن يحتكمون، في قبولهم ورفضهم، إلى مقاييس الدين والذوق القائم على التربية الإيمانية، والمراسِ الفني الطويل؟ لا جرمَ يكون الرفض أشدَّ، ولا يشفع للنجار أو الشاعر أن مسألة الخشب أو المعنى خارجةٌ عن إرادته، لأنه إذا كان لا يستطيع أن يغيّرَ نوعَ الخشب والمعنى في ذاته، فعلى الأقل، كان يستطيع الإعراضَ عنه، والاشتغالَ على نوع جيد في الخشب والمعاني، إلا أن تكون صفةُ الرداءة ملازمةً لسلوكه وملابسةً لغايته المهنية والفنية.
وإذا كان قدامة بن جعفر، في القدماء، يمثل التيارَ المتسامح المنفتح في مضمار الفن ونقده، الذي يبيح للشاعر أن يقول في أيِّ موضوع يختاره، وإن كان فاحشا، شريطةَ أن يكون مبدعا ومُجيدا في صنعته، فإن هناك، في المقابل، التيارَ المحافظَ، الذي كان يرفض موضوعاتِ الفحش والسخف والمَجانة مهما أبدع فيها الشاعر وأجاد، ويمكن أن أمثّل لهؤلاء بأبي منصور الثعالبي، وأبي بكر الباقلاني، وابن وكيع التنّيسي، وعبد القاهر الجرجاني، وابن داود الأصبهاني صاحب كتاب (الزهرة).
وأورد فيما يلي، من النقد الحديث، مثالَ الدكتور محمد النويهي؛ فقد كان للرجل حكمان على رائيّة بشار بن برد الفاحِشة، التي يسرد فيها الشاعرُ أحداثَ قصته مع ضحيته، وهي طفلة غريرة، ويصورُ، في أسلوب قصصي مبتذَل، وعبارات حسية مكشوفة، كيف استغل سذاجتَها، وغرّر بها، واستدرجها حتى استجابت لما أراد، فدنّس عرضها، من غير أن ينتابه أدنى شعور بالندم على فعلته الشنعاء وسلوكه الفاجر القبيح. وقبل التطرّق لحُكميْ الدكتور النويهي على هذه القصيدة، يُستحسن أن أورد منها بعضَ المقتطفات، للوقوف على المستوى الذي بلغته مِن الفجورِ والفحش والإباحية.
يقول بشار في مطلعها:
قد لاَمني في خليلتي عُمَرُ


واللَّومُ في غير كُنهِه ضجَرُ

قال: أفقْ، قلت: لا، فقال: بلى


قد شاع في الناس منكما الخبَرُ

(...)
ما لام في ذي مودة أحد


يؤمن بالله، قمْ فقد كفروا

حسبي وحسبُ التي كلفت بها


مني ومنها الحديثُ والنظر

أو قبلةٌ في خلال ذاك، ولا




بأس إذا لمْ تُحلَّل الأزُرُ

أو لمسُ ما تحت مِرطِها بيدي


والبابُ قد حال دونه السُّتُر

(...)
واسترخت الكفَّ للغِزَال وقالـ

ــــــ
تْ اُلْهُ عني والدمعُ منحدر

اذهب فما أنت كالذي ذكروا


أنت، وربي، مُعارِكٌ أشِر

وغابت اليوم عنك حاضنتي


فالله لي اليوم منك منتصر

يا ربّ خذْ لي فقد ترى ضُعُفي


مِن فاسق الكف ما له شُكُر

أهوى إلى مِعْضَدي فرضّضه


ذو قوة ما يطاق مقتدر

يلصق بي لحيةً له خشُنت


ذاتَ سواد كأنها الإبر

(...)
كيف بأمي إذا رأت شفتي


وكيف إن شاع منك ذا الخبر

أم كيف، لا كيفَ لي بحاضنتي


يا حبُّ لو كان ينفع الحذر

قلت لها عند ذاك يا سكني



لا بأس إني مجرِّب حذر


قولي لهم بقّةٌ لها ظُفُرٌ


إن كان في البقّ ما له ظُفُر

فالدكتور محمد النويهي، في فترة مبكرة من حياته الأدبية والنقدية، وفي سياق حكمه على رائية بشار، اعترف بأنها "قصيدة تامة الشناعة الخلقية، يفخر قائلها بارتكابه جريمة لا نستطيع قبولها، ولا نجد لها مبررا واحدا..."(شخصية بشار، ص190). وفي شأن الحكم الفني، حذر المؤلفُ مِن خطأين يسهل الوقوعُ في واحد منهما: يجب أن نحذر، أولا، من أن نسارع مِن الرفض الخُلقي إلى الرفض الفني؛ فالفن-رضينا بهذا أم لم نَرْض-لا يُحكم عليه في مجال النقد الأدبي بمقاييس الأخلاق، بل المقياسُ الصحيح الوحيد، في مجال النقد الأدبي، هو المقياس الفني المحض، هل يُرضي شعورنا الفني أو لا يرضيه."(نفسه، ص192)
أما الخطأ الثاني الذي حذر منه، فهو عدم تجاوز الحد في الجانب الفني، وقبول كل ما هو عار من الأخلاق على أنه فن.
وسيرا على خطى قدامة بن جعفر، يرى الدكتور النويهي أن غاية ما يطلب من الشاعر أن يكون صادقا في فنه، فإن أحسسنا إزاء القصيدة بنفور ذوقنا الجمالي-لا إحساسنا الديني أو الخلقي-"فإننا نرفضها، ويكون رفضنا هذا رفضا فنيا"(نفسه، ص193).
وأنا أسأل: هل في استطاعتنا أن نفصلَ الذوقَ الجماليَّ مِنَ المشاعر الدينية والأخلاقية في كيان المتلقي المسلم؟ بعبارة أخرى، هل يمكننا-في الحقيقة والواقع والسلوك والإحساس، لا في التصور والنظر والفكر الافتراضي-أن نجعلَ نفسَ المؤمن المسلم الواحدة نفسيْن، إحداهما تستمتع بالجمال الفني، في العمل الأدبي، وتتذوقه وتقبله، والثانية ترفض، في العمل الأدبي نفسه، مضمونَه الفاحش وتنفر منه؟
وقد عاد الدكتور النويهي، في مرحلة لاحقة، وبعد عشرين عاما، وقوّم مذهبَه السابق، واعترف، في طبعة منقّحة لكتابه، أن رأيه في علاقة الفن بالأخلاق قد تغيّر تغيرا كبيرا، وأنه لم يعد يوافق على تلك السطور التي كتبها، وهو يقصد قوله السابق: "الفن-رضينا بهذا أم لم نرض-لا ُيحكم عليه في مجال النقد الأدبي بمقاييس الأخلاق، بل المقياس الصحيح الوحيد، في مجال النقد الأدبي، هو المقياس الفني المحض، هل يرضي شعورنا الفني أو لا يرضيه".
أما رأيه الجديد، الذي يُقوّم به رأيَه السابق ويصحّحُه، فيلخصه في قوله: "إننا لا نستطيع أن ننفيَ المسؤولية الأخلاقية للفنان بتلك السهولة التي فعلتُها سابقا"(نفسه، ص197).
مجمل القول أنه ليس هناك في الإسلام-أؤكد هنا على الإسلام-سلوكٌ معفى من أحكام الدين وضوابط الأخلاق، وأنَّ التشكيك في المقاييس الأخلاقية الإسلامية ورفضَها يعني التشكيكَ في الدين نفسه ورفضَه.
إن الشعر، وهو نوع من السلوك، ليس مُستثنى من هذه القاعدة العامة.
يقول (رالف بارتون بريRalph Barton Perry)، وهو أحدُ مؤيدي فكرة الإشراف الأخلاقي في النقد الفني: "الأخلاق تُنظم كلَّ اهتمامات الإنسان، والفنُّ واحد من هذه الاهتمامات، وهو لا يستطيع أن يطالبَ لنفسه بالحصانة من إشراق الأخلاق أكثر مما يستطيع أيُّ اهتمام آخر أن يطالب بمثل هذه الحصانة. وفضلا عن ذلك، فالفن، كما أكد (تولتسوي)، لا يمكن ممارستُه إلا عندما يلبي الحاجات غيرَ الفنية، من اجتماعية واقتصادية. ولما كانت أوجهُ النشاط هذه تحتاج إلى الأخلاق، فلا بد أن يكون الفن مَدينا لها؛ فالفن ينتفع من الأخلاق، وبالتالي، فإن عليه التزاماتٍ لها." (الاقتصاد الأخلاقي)، ص8، (نقلا عن (النقد الفني)، لجيروم ستولنيتز، ص543)
لقد تساءل (ليف تولستويLev Tolstoï(1910-1828))، الروائي الشهير، في كتابه (ما هو الفن؟) عما هو الأحسن لعالمنا[هو يتحدث في الأصل عن العالم المسيحي]، وجودُ الفن، بجيده ورديئه، أو عدمُ وجودِ  فنٍّ على الإطلاق(ما هو الفن؟ ص228). فأجاب بأن كل إنسان عاقل وأخلاقيٍّ لا يسعه إلا أن يجيب على هذا التساؤل بما أجاب به أفلاطون في جمهوريته، وبما أجاب به جميعُ معلِّمي البشرية، من المسيحيين والمسلمين[في الأصل المحمديّين]، وهو ألا يكون هناك فنٌّ على الإطلاق أفضلُ من وجود فنٍّ مُزيف ومُفسدٍ لأخلاق الإنسان(نفسه، ص229).
وفي مثل هذه الشهادات مِنْ غير المسلمين، ومن خارج الثقافة الإسلامية-وهي كثيرة-يمكن أن نقنعَ بذلك الحد الأدنى مِن الاتفاق بين المذهبية الإسلامية وبين غيرها من المذاهب الفنية والفلسفية في شأن موضوع الأخلاق. ولعل أكبرَ مُسوّغ يمكن أن نلتمسه لقناعتنا هاته هو هذه الغربةُ التي تعانيها المفاهيمُ الإسلامية، في زماننا، وسط فتنةٍ هوجاء لا تفتأ تؤجج نارَها أهواءُ الملحدين الجاحدين وعبثُ المنحرفين المشككين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.


الجمعة، 16 نوفمبر 2018

هل مِن جمالٍ في شكلٍ بلا مضمون؟



هل مِن جمالٍ في شكلٍ بلا مضمون؟


عبثٌ في الشكلِ وفي المضمون!
ننظر في بعض "التجارب" مما يسمَّى "شعرا" حداثيّا، فلا نجد شعرا ولا نثرا، بل ولا كلاما معقولا ومفهوما، وإنما هي أشكالٌ تتنافس في العبث واللامعقول، توحي بها الإيديولوجيا الحداثية اللادينية، ويدافع عنها، بل يُصنّفها في الشعر العالي الغالي، مَنْ أصفهم بنقاد آخر الزمان، الذين يسيرون مع شعراء آخر الزمان في نفس الطريق، ولنفس المقاصد والغايات؛ إنهما-شعراء آخر الزمان ونقاده-وجهان لعملة واحدة: الحداثية اللادينية المتطرفة الراسخة في العبث واللاشيئية.
نقرأ شيئا من هذه التجارب العبثية، فنسأل، وقد تملّكنا الضيقُ والغضب والانفعال: ما هذا المنكرُ اللغويّ؟ ما هذا الهزالُ والرُّذال؟ وأيُّ لفظ؟ وأيُّ معنى؟
وهذا مثالٌ من هذا السخافات الحداثيّة والبذاءات العبثية، التي رضيَ عنها أدونيس، وأجاز نشرها، وهي لـ(إسلام سمحان)[تأمّلوا مفردات هذا الاسم]؛ يقول هذا التابع الأدونيسيُّ: 
"رصيف البار ليس له كفؤا أحد"

"وأسمع طقطقة الرغبة العمياء
"حبيباتي يأكلنني في العتمة بلا ملح
"ويشربن الرائب الطالع من عيني
"علّمي الملائكة اسمك
"يمر قطيع من الساجدين على قدميك
"الشفة السفلى أبهى من وجه إله يرفل بالحكمة..."

"النبي يقرأ فنجان السماء
"فنجان القهوة تقرأه نساء النبي..."

"شرشف واحد حجب الرؤية واستفز الإله"

"كلما مسني أرق، أخرّ ساجدا على نعمة العرق
"كأس فودكا أخف من جناح بعوضة..."
ماذا يُعجب في هذه الركاكات؟ وماذا فيها، في شكلها ومضمونها، مما يُطرب ويبعث على الانتشاء والاستمتاع؟ هل فيها شيءٌ غيرُ الغثاثة والرذالة والسخافة؟
ومع كل هذا، فهي مما رضيَ عنه أدونيس، ورآه جديرا بأن يُطبع ويُنشر على أنه من "الشعر" المختار!!
وهذا مثالٌ آخر من تجارب لأدونيس نشرها بعنوان (مفرد بصيغة الجمع)، وعدّها بعضُ نقاد آخر الزمان القمةَ في ما جادت به قريحةُ قدّيسِهم الحداثيِّ أدونيس؛ يقول أدونيس عابثا بالحروف والكلمات والرموز والأشكال:
"اخرجْ إلى الأرض أيها الطفل
    خرج
    هبط من الحرف
ا ح د = د ح ا الأرضَ
    دائما يصنع طريقا لا تقود إلى مكان

   ا ن ا
   منفية بقوة الحضور
كالهواء
وهي هي
كل شيء يتغير وتبقى
ا ن ا = ا ن ا
هكذا يستقبلك أيتها الأرض امرأةً
ويفجّج بين فخديكِ."
فأيُّ شكل، وأيُّ معنى، وأيُّ "شعر" في هذا العبث؟
أيُّ شيء يستحقُّ أنْ نوليَه شيئا من اهتمامنا في مثل قولِه، مِن المرجع نفسه:
              
            "واو نون

-                     كيف أقمع هوائجي
والحاجة إليك هتكتني؟
             تبكين؟
-                     لا تحرق النار موضعا مسه الدمع
لذلك أبكي
     ينبت القرنفل في الدمع
لذلك أبكي
     وأمس قرأت: "كل شهوة قسوة إلا
                      الجماع يرقّق ويصفي"
لذلك أبكي."
أترك لك، أيها القارئ الكريم-وأنا أحترم عقلك وأقدّر مشاعرك-أن تعلق بما تشاء على هذه الأمثلة التي اقتبستها مما يعدّونه "شعرا حديثا"، وأنا أعتبره عبثا وهباء وجُفاء-أترك لك أن تعلق بما تشاء، لكن بعدَ أن تتجرّعَ العلقمَ، كما تجرّعْت، وأنت تقرؤها.

هل من معنى لمقولة "الفن من أجل الفن"؟
لم يزل علماء الأدب متفقين، قديما وحديثا، على أن أدبيّةَ الأدب إنما تثبتُ بأمر لا علاقة لها بالمضمون مباشرة-مع رُكْنيّة المضمون في العمل الأدبي-ولا بمعتقد الأديب، ولا بموطنه. لكن الاختلاف ظهر واحتدم حين اقتحمت الخلفياتُ الدينيّةُ والإيديولوجية الحِمى الأدبيَّ بشكل سافر، وأصبحت تفرض أحكامَها من غير اعتبار لأصول الأدب وقواعده ومعاييره المعتبرة، التي أقرتها قرونٌ طويلة من التجارب والممارسات، ورسّختها تقاليدُ تعارف عليها الأدباءُ، وأقرها النقاد والعلماء منذ زمن بعيد.
ومع هذا الاتفاق القديم/الجديد على أهمية الصورة/الشكل في العمل الأدبي، فإني أرى، مع كثير من علماء الأدب والنقد، في مختلف العصور، أن المضمون/الرسالة رُكنٌ أساس في العمل الأدبي، وأن الأدب بلا مضمون هو، بحق، كما قالوا، جسمٌ بلا روح.
وقد شاعت في أوساط النقد الفني، منذ زمان، نظريةُ (الفن من أجل الفن)، التي أفرط أصحابُها في اعتبار الشكل، ولا شيء غير الشكل، هو المحور الذي تدور عليه صناعةُ الفن، وجعلوا الحديثَ عن أي صفة أخرى هو منْ قبيل إخراج الفن من عالمه، وإقحامه فيما ليس من جنسه وطينته.
وعبارة (الحياة لأجل الفن) كانت "قد استخدمت، لأول مرة، في بداية القرن التاسع عشر، وكانت تلخّص بإيجاز ذلك المفهومَ الذي سيطر على قدر كبير من علْم الجمال الحديث، وهو مفهومُ التنزّه الجمالي. فشعار "الفن لأجل الفن" أو "الفن للفن" يقول إن العملَ يوجد لكيْ يُقدّر لذاته، لا لأيِّ غرضٍ آخر. ومن هنا فإنه يمثل احتجاجا على أولئك الذين يجعلون الفن خادما لهدف آخر"(النقد الفني، جيروم ستولنيتزJerome Stolnitz، ترجمة الدكتور فؤاد زكريا، ص529).
وقد شبَّه أحدُ أنصار هذا المذهب الفنَّ باللعب، فقال: "إن التلقائية في اللعب هي نفسها التلقائيةُ في الفن، والتنفيسُ الذي يكون في اللعب هو نفسه التنفيس الذي يكون في الفن، والتنزهُ عن الغرض في اللعب هو نفسه التنزه عن الغرض في الفن."(عن (فلسفة الفن في الفكر المعاصر)، للدكتور زكريا إبراهيم، ص400).
هذا في الفنون عموما، أما في فن الأدب-وفي قلبه فنُّ الشعر-فمذهبُ الغلاة من أصحاب النزعة الشكلية وأنصار "الفن للفن" أنَّ مفهومَ الشعر لا علاقة له بالتعبير عن المعاني والعواطف والأفكار، وإلا فهو نثر. بل اليوم، في زعم الحداثيّين العبثيّين المتطرفين، سقطت كلُّ الحدود بين الأجناس الأدبية، ولم يعد هناك قاعدةٌ أو معيار أو صفاتٌ تجعل الشعرَ يمتاز عن النثر، ومن ثَمَّ أصبحت كلُّ الأبواب مُشرَعة للمبدعين الموهوبين وللأدعياء المُنتحلين.
ويستحيل، فيما أرى، وجودُ المقالة التي تستطيع أن تقنعنا بأن الشعر، مهما تكنْ طبيعتُه وطرازُ نسجه، يمكن أن يخلوَ من المعنى، متجلِّيا في الفكرة المباشرة أو متخفِّيا وراء الصورة المتخيلة، وذلك بحسب موهبة الفنان ودرجة براعته.
فأيُّ معنى لسلوك بلا غاية سوى معنى العبث واللامعقول؟ وأيُّ قيمة تُرجى وراء أشكال غُفْلٍ من الدلالة، وأصواتٍ خالية من المعنى؟ وكيف تكون اللغةُ-وهي نظامٌ رمزيّ-أداةَ تواصل إذا تحوّلت إلى رسومٍ هامدة يطبعها الجدبُ الدلالي؟
كيف يمكن الحكم، مثلا، على خمريات أبي نواس الماجنةِ من غير الاهتمام بالمعاني؟ بمعنى آخر، كيف يمكن أن نفصلَ الصياغةَ الشعرية في هذه الخمريات عن المضامين التي تعبرُ عنها؟
كيف يستطيع ذوقُ المتلقي، مهما كانت قوة حِيَل هذا المتلقي في التأويل والتمويه والتسويغ، أن يدعيَ الاستمتاعَ بالشكل الفني مجردا مما تحته من دلالات، والحالُ أنه لولا تلك الدلالاتُ لما كان ذلك الشكل الممتعُ، والترتيبُ اللفظي البديع، إذ كانت الألفاظُ تابعةً للمعاني في النظم وتوخّي معاني النحو، كما بيّن الإمام عبد القاهر الجرجاني؟ بل كيف يمكن الاستمتاعُ بأشكالٍ تحمل الشتائمَ والقذف، وتفضح العورات، وتسخَر من الفضائل، وتزْري بجَمالِ الحق لحساب قبْح الباطل وهمزاتِ الشياطين؟
إني أسأل هذه الأسئلةَ وأنا أستحضر حالَ أولئك الذين يناصرون الأشكالَ الفنية الجافة التي لا تُبلغ أيّ رسالة، أو التي تبلغ المعانيَ الداعرةَ المذمومةَ والصورَ الفاحشةَ الخسيسة، بمقاييس الأخلاق والذوق العام، ويَضربون في كل اتجاه دفاعا عنها، وإن تعلق الأمرُ بأشكالٍ تحمل سبابا ضدهم، وطعنا في كرامتهم وقيّمهم وفضائلهم، وتسفيها لعقولهم.
وأسوق، فيما يلي، مثالين شعريَّين لأبي نواس، أحدهما في معاني التوبة والندم، والثاني في معاني الطيش والغواية:
يقول أبو نواس، في المثال الأول:
يا ربّ، إن عظمت ذنوبي كثرةً


فلقد علمت بأن عفوكَ أعظمُ

إن كان لا يرجوك إلا محسنٌ


فبمَنْ يلوذُ ويستجير المجرمُ

أدعوك، ربِّ، كما أمرتَ تضرّعا


فإذا ردَدْت يدي، فمنْ ذا يرحمُ

ما لي إليك وسيلةٌ إلا الرَّجَا


ويقول في المثال الثاني:

وجميلُ عفوكَ، ثُمَّ إنيَ مسلمُ





اِسْقِياني الحرامَ قبل الحلالِ


ودَعاني مِن دارسِ الأطلال

إنما العيشُ في مباكرة الخمـْ

ـــــ
رِ وسكرٍ يدومُ في كل حال

وتمام السرور فيها بساقٍ


حسنِ الوجه مستنيرِ الجمال

لو بدا وجهُه إذا الشمسُ دارتْ


قلت نوران صُوِّرا في مِثال

فاسقياني رقيقةَ السِّربال


تُعدِماني معارفَ الأطلال

فهذان المثالان في غرضين مختلفين، إن لم نقل متناقضين متضادين، ومع ذلك فهما معدودان في شعر أبي نواس المختار، أيْ الجميل البديع؛ إذن، فالمضمون في حدِّ ذاته، لا يرفع شعرا ولا يخفضه، على مستوى الإبداع الفني-وأؤكد هنا على هذا المستوى-وإنما الرافعُ والخافض هو الطريقُ الذي يسلكه الشاعرُ في النظم والتصوير والتشكيل.
"إن شعار (الحياة لأجل الفن) يذكرنا بما ننساه في كثير من الأحيان، وهو أن الحياة لا تكون جديرة بأن تعاش ما لم تسفر عن بهجة أو متعة كامنة(...)"(النقد الفني، ص535.).
تتمة الكلام في المقالة القادمة، إن شاء الله.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.