‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالة سايسة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالة سايسة. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 17 فبراير 2023

كلمة بمناسبة الذكرى الثانية عشرة(12) لحركة(20 فبراير)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

كلمة بمناسبة الذكرى الثانية عشرة(12) لحركة(20 فبراير)

(1)

كلمتي هاته هي عبارة عن تأملات وانطباعات تكوّنت لديّ وأنا أتابع المشهد السياسي المغربي في هذه الأيام، وخاصة مِن جهة أولئك الذين يعلنون، بشكل أو بآخر، معارضتَهم للاستبداد والفساد، وإن كانوا، في معظمهم، من الداعين والمؤيدين للعمل السياسي في ظل النظام القائم، مع خطاب إصلاحي يدعو، في أقصى مطالبه، إلى تبني "ملكية برلمانية"، مع ما باتت تتميز به هذه التسميةُ/الاصطلاحُ/المطلبُ من غموض والتباس واختلاط في المفاهيم.

المشهد السياسي، في عمومه، يطبعه الاختناق والجمود والتأزم، والسبب الأساسيُّ وراء ذلك هو الاستبداد أولا، والاستبداد ثانيا، والاستبدادُ والفساد ثالثا. ولست بحاجة هنا إلى التفصيل في مفردات هذا التردي الذي بات يطبع حياتنا على كل الأصعدة، وخاصة في المجالات الحقوقية والاقتصادية والاجتماعية؛ فالواقع المعيش الشاهدُ الحيُّ الصادقُ مُغنٍ عن كل تفصيل وتطويل.

(2)

هذا الجمود السياسي الخانق سببُه، كما قلت، هو الاستبداد، أساسا، ثم تأتي أسبابٌ فرعية في الدرجات التالية. وفي رأيي، أن واقع المعارضين ومواقفَهم واختياراتِهم هي من العوامل التي تفتل في حبل هذا الجمود السياسي، بل يمكن أن نقول، هي من العوامل التي تقوّي عضدَ الاستبداد وتُطيل في عمره.

وأذكّر القارئ الكريم أني لا أقصد بالمعارضين مَنْ هم على شاكلة "حزب العدالة والتنمية"، أو "حزب الاتحاد الاشتراكي"، أو "حزب التقدم والاشتراكية"؛ فهذه الأحزاب وما هو على شاكلتها إنما هم مخزنيون أقحاح، والدورُ الموكول لهم، بعد انتخابات 8 شتنبر2021، هو أن يلعبوا دور المعارضة المحسوبة على النظام، أي أن نظامنا المخزنيَّ له واجهتان سياسيتان شكليتان: أغلبيةٌ تعمل لحسابه، ومعارضةٌ تعمل لحسابه أيضا؛ ومن أراد التأكد من هذا الوصف، فما عليه إلا أن يتابع ما يقوله السيد عبد الإله بنكيران، مثلا، بعد أن أصبح حزبُه محسوبا في المعارضة.

إنما أقصد بالمعارضين مَنْ هم على شاكلة "فيدرالية اليسار الديمقراطي"، و"الحزب الاشتراكي الموحد"، و"حزب النهج الديمقراطي" مِنَ الأحزاب، أو على شاكلة "جماعة العدل والإحسان"، و"الجمعية المغربية لحقوق الإنسان"، و"الجمعية المغربية لحماية المال العام"، من الجماعات والجمعيات، أو على شاكلة غير هؤلاء من "النقابات" و"الشبيبات" و"التنسيقيات"، وهم، في غالبيتهم، من ذوي الخلفيات اليسارية.

(3)

ظهرت "حركة 20 فبراير" في خضم عواصف الربيع العربي، التي بدأت في تونس، في دجنبر2010. وقد كانت، في انطلاقتها، حركةً اجتماعية شعبية بمطالب محددة، ثم ما لبثت أن تحولت إلى حركة "معارضة" بمطالب حقوقية وسياسية واقتصادية. وبسبب الاختلافات الإيديولوجية بين مكوناتها، خمدت شرارتُها، وانتهت إلى البرود والانحسار، وخاصة بعد انسحاب "جماعة العدل والإحسان" من صفوفها.

استمر اليساريون في إحياء ذكرى الحركة، بعد أن فقدت قوتها المحركة، وباتت هيكلا فارغا إلا من الاسم والذكريات، وما يزال هذا هو ديدنهم إلى اليوم، يحلمون ويتمنون وهم يطمعون أن ترجع الروح إلى هذه الحركة، التي باتت، بالنسبة إليهم، وكأنها "ماركة" مسجلة باسمهم، هم المناضلون "التقدميون" "الديمقراطيون".

"الحركة" ماتت، والناس ما تزال تحلم، وتطمع، وتسعى وراء السراب.

ثُمَّ في نونبر من سنة 2019، تداعى القومُ لتأسيس كيان جديد يجمع جموعهم، وينسق نضالاتهم، سَمَّوْه "الجبهة الاجتماعية المغربية". وقد شارك في هذا التأسيس ثلاثون كيانا من الأحزاب والنقابات والجمعيات وتنظيمات "المجتمع المدني". وكان من غايات هذا الكيان الجديد أن يقود النضالَ الاجتماعي والسياسي والحقوقي، أملا في إحياء شعلة "حركة20 فبراير"، ويتصدرَ النضالات الشعبية الجماهيرية!!

وقد اتفق مؤسسو هذا الكيان على إقصاء الإسلاميين، بدعوى أنهم ليسوا "تقدميين ديمقراطيين"! والإسلاميون، في هذا الادعاء المتعَمَّدِ الكاذب الفاسد، هم كيان واحد، لا فرق فيهم بين مخزنيّ صريح كـ"حزب العدالة والتنمية"، مثلا، وبين "جماعة العدل والإحسان". ولا يشفع لهذا الادعاء الفاسد أن يكون مِنْ بين اليساريّين المحسوبين على هذه "الجبهة" أفرادٌ فضلاء، لا يفتأون يدعون إلى التمييز، سياسيا، بين الإسلاميين، وعدمِ تغليب المصلحة الإيديولوجية الضيقة على المصالح النضالية السياسية الواسعة. لا يشفع لهذه الجبهة الإقصائية، أن يكون فيها فضلاءُ أمثال عبد الله الحريف، ومصطفى البراهمة، ونجيب أقصبي، والمعطي منجب، وفؤاد عبد المومني؛ فهؤلاء أفراد معدودون على رؤوس الأصابع، ليس لهم وزن في قرار الحل والعقد. ومع هذا، فإني أستغرب أن يكون هؤلاء الفضلاء مطمئنين إلى عمل هذه "الجبهة الاجتماعية المغربية"، وهم يعلمون أنها جبهة تقوم، في أساسها، على الإقصاء غير المبرر، وعلى الإيديولوجية اليسارية المتطرفة، التي لا ترى فضلا في غيرها من الإيديولوجيات والأفكار والاختيارات؛ إما أن تكون نسخةً مني وتابعا لي، وإلا فأنت غير موجود!!

مع الأسف، هؤلاء هم المعارضون الذي يحلمون بدولة القانون والحقوق والحريات. هؤلاء هم المناضلون الذي يسعون لقيادة نضالات الجماهير في وجه الاستبداد والفساد.

هؤلاء هم النخبة من المعارضة السياسية، التي تُقصي قوةً سياسية اجتماعية بحجم جماعة العدل والإحسان، وترى، في الوقت نفسه، أنها، وحدها، المؤهلةُ للنظر والفهم والتقويم والحكم في شأن الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان.

جبهةٌ من هذا الصنف، لن تكون، في اعتقادي، إلا مقويا إضافيا من مقويات وجود الاستبداد والفساد، والإطالة في عمره، على حدّ قول جرير:

زَعَم الفَرَزْدَقُ أنْ سيقْتُلُ مِرْبَعا:::أَبْشِرْ بِطُولِ سَلَامةٍ يا مِرْبَعُ

وقوله أيضا:

إِنَّ الكَرِيمَةَ يَنْصُرُ الكَرَمَ ابْنُهَا ... وابْنُ اللَّئِيمَةِ لِلِّئَامِ نَصُورُ

(4)

وبعد، فقد قررت هذه الجبهةُ الإيديولوجية الإقصائيةُ إحياءَ الذكرى الثانية عشرة(12) لحركة 20 فبراير بتنظيم مسيرات ووقفات يوم 20 فبراير 2023. وسننتظر يوم الذكرى لنرى حجم هذه الجماهير التي ستستجيب لقرار الجبهة.

وأَعلنَ مكوِّنٌ من هذه الجبهة، وهو "الكونفدرالية الديمقراطية للشغل" تنظيمَ نشاط مستقل يوم الأحد19 فبراير2023، وذلك للاحتجاج على "غلاء الأسعار وتدهور القوة الشرائية للمواطنين". وهناك أخبار تفيد بأن وزارة الداخلية تعتزم منع هذا النشاط، وإن كان الداعون له يحتجون ويرفضون هذا المنع، ويصرون على المضي في التعبئة والتنظيم.

هل هي بداية تصدع هذه الجبهة، التي وُلِدت، في أصلها، مُصَدَّعَة؟ وهل هناك أكبر من الإقصاء علامةً على الضعف والتصدُّعِ والتشَظِّي؟

هل هي الأنانيات الحزبية الضيقة، والخلافات الإيديولوجية العُمْيُ الصُّمّ، مرة أخرى؟

هل هو الصراع الأبدي، داخل اليسار، بين الأجيال والزعامات؟

هل هي المصالح الخاصة التي تسعى للتغلب على المصالح العامة؟

مهما يكن السبب وراء هذا الخلاف الذي بدأت تظهر إرهاصاتُه داخل هذه الجبهة، فإن المهم هو أن يعرف الناس أن هذا الجبهة وُلِدت ولادة غير طبيعية، ولا يزال الضعفُ والإعاقةُ وقلةُ الجدوى تعيث فيها بالنخر والسوس، حتى تنتهيَ بها إلى التفتت والجمود.

وأين هي "الجبهة الاجتماعية الإسلامية"؟

هذه الجبهة موجودة بالقوة، لكنها ممنوعة من الظهور بحدّ سيف الاستبداد وقوانينه الظالمة، وأيضا بحدّ الدعايات المغرضة والإعلام اللاديني المناوئ لكل ما هو إيماني إسلامي وتربوي أخلاقي.

هل من سبيل إلى تخطي هذه الموانع الاستبدادية والعوائق اللادينية، للوصول إلى تكوين هذه الجبهة، وإخراجها من القوة إلى الفعل؟

الجواب الحقيقيُّ على مثل هذا السؤال، في اعتقادي، ليس عند حملة الأقلام، على أهمية القلم والأفكار والآراء، وإنما هو عند مَنْ هو حاضر في الميدان، ومتشابك ومتخالط ومتدافع في المعترك السياسي والاجتماعي، ومَن له تنظيم وأطر وإمكانيات، بشرية ومادية، وقيادات من مختلف المستويات، ومَن له، قبل هذا وذاك، إيمان راسخ ويقين جازم، وهمّة عالية وإرادة فاعلة؛ ثم هناك الخبرةُ بالخدع السياسية والمعرفةُ بمنعرجات الطريق وتشعباته ومضايقه؛ ثُم هناك، عند المسلم، في الأول والآخر ودائما، توفيقُ الله وعونُه ونصرُه وفضلُه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

الأحد، 20 فبراير 2022

كلمة في الذكرى الحادية عشرة لميلاد حركة 20فبراير

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

كلمة في الذكرى الحادية عشرة لميلاد حركة 20فبراير

 

بين 20فبراير2011 و20فبراير2022 عرفت الحياةُ السياسية المغربية بعضَ التغيرات والتطورات والأحداث، لكن أسباب الاحتقان والاختناق ظلت قائمة، بل تفاقمت وباتت تنذر بالانفجار في أي وقت، لأن داءنا العضال، وهو الاستبداد والفساد، لم يزدد إلا تجذرا واستفحالا.

انتهت حركة 20 فبراير إلى البرود والاضمحلال بعد عشرة أشهر من ميلادها، تقريبا، وذلك بسبب الخلافات الإيديولوجية بين مكوناتها، ولم يبق منها، في الواقع، إلا الاسم والشعارات. وقد حاولت التنظيمات اليسارية، أن تعيد الحياة إلى الحركة، في كثير من المناسبات، بعد أن سطت على قيادتها واحتكرت الحديثَ باسمها، وكأنها "ماركة" مسجلة باسمها، لكن من دون جدوى. والذي شاهده الناس في الواقع أن كل الأنشطة التي حاول اليساريون تنظيمَها باسم الحركة، لم تعرف أي نجاح ملحوظ، وخاصة على مستوى تحريك الشارع وتعبئة الجماهير.

قبل سنتين، جمع هؤلاء اليساريون جموعَهم، وحشدوا تنظيماتهم، وأسسوا ما سموه "الجبهة الاجتماعية المغربية"، لنفخ روح جديدة في حركة 20فبراير، لكن، بلا جدوى دائما، إلا الخطابات الحماسية، والتصريحات النارية، والشعارات الثورية، التي لم يكن لها أي صدى ولا تأثير في الشارع.

أكثر من ثلاثين هيئة تابعة لتنظيمات اليسار، من أحزاب ونقابات وجمعيات و"شبيبات" وتنسيقيات وغيرها من الأشكال والألوان، شاركت في تأسيس هذه "الجبهة الاجتماعية"، ثم ماذا كان؟

الذي كان هو أن هذه "الجبهة" باتت رقما جديدا أضيف إلى "الجبهات" السابقة، التي كان منها ما وُلد ميتا، والتي لم يكن منها، في واقع التدافع والنضال، شيء ذو بال إلا الضوضاء والزعيق في دائرة حزبية ضيقة، بل تضيق، في بعض الأحيان، حتى عن فصائل من نفس العائلة.

ولست أبالغ في الوصف، لأنه الواقع الذي نعيشه.

ما يزال هذا اليسارُ الذي ابتُلينا به-ولا أعمّم، لأن في اليساريين أفرادا فضلاء، لكنهم، مع الأسف، بلا تأثير كبير-يصرّ على احتكار الكلام باسم الديمقراطية والحقوق والحريات، ولا يرى غيرَه جديرا بأن يشاركه في التنظير والتأطير وقيادة النضال في الميدان.

احتكروا الكلامَ باسم حركة20 فبراير، حتى أحالوها إطارا فارغا إلا من أنانيتهم الإيديولوجية الصماء، وكالوا لمنافسيهم الإسلاميين، الذين انسحبوا من الحركة، وخاصة جماعة العدل والإحسان، من كل ألوان الاتهام والتجريح والتبخيس. ثم بادروا إلى إنشاء جبهتهم الاجتماعية، في نهاية 2019، متعمدين إقصاء الإسلاميين، كما صرح بذلك بعض قيادييهم، لينتهوا إلى ما كانوا ينتهون إليه دائما، وهو الانحباس في "شوفينية" مقيتة، "يحسبون أنهم على شيء". وما يزال هذا ديدن تنظيماتهم في التعامل مع الإسلاميين، إلا من رحم ربك-وهم أفراد معدودون، لا ثقل لهم حتى الآن-عندهم البقاءُ، ولو إلى الأبد، في برجهم الإيديولوجي الحالم أهونُ من أن يقبلوا بالإسلاميين شركاء لهم في التأطير والنضال.

أليس للإسلاميين المعارضين جمهور واسع وعريض من أبناء الشعب؟

أليست يدُ هؤلاء الإسلاميين المعارضين ممدودة للتواصل والتحاور والتعاون بلا تعاظم ولا تعالم ولا اشتراطات سابقة؟

أليس الناس جميعا يناضلون من أجل العدالة والحرية والكرامة؟

أليس الناس جميعا مع سقوط الاستبداد والفساد؟

أليس الناس جميعا من أجل الديمقراطية ولوازمها من الحقوق والحريات؟

أليس الناس جميع ضد احتكار السلطة والثروة؟

أليس الناس جميعا مع حقوق المستضعفين؟

ففيم الاحتكارُ والإقصاءُ والتعالي والتقوقعُ داخل البيت الإيديولوجي المظلم؟

ففيم هذه العداوة الدفينة المستحكِمة للإسلاميين من قوم لا يفتأون يدعون النضال من أجل الحقوق والحريات؟

وأذكر هنا أن الاستثناء لا يغير في القاعدة شيئا. فبعض مناضلي حزب النهج الديمقراطي يرفضون هذا الإقصاء الفِجّ من رفاقهم تجاه جماعة العدل والإحسان، لكنهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئا في الاتجاه الصحيح، لأن الآصرة الإيديولوجية غَلاّبة.

وبعد، ألم يأْنِ للإسلاميين، من غير المخزنيين، بعد أربعين سنة، تقريبا، من الصبر والتلطف والترقب وحسن الظن، أن ييأسوا من هذا اليسار "المريض" "المستكبر"، وينفضوا أيديهم منه جملة وتفصيلا؟

أما يزال عندكم أيها الإسلاميون صبرٌ على هؤلاء القوم العادين الإقصائيين؟ وإلى متى هذا الصبر؟

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

الخميس، 17 فبراير 2022

مراجعات في الفكر والسياسة(14)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مراجعات في الفكر والسياسة(14)

 

دعوةُ جماعة العدل والإحسان "الفضلاءَ الديمقراطيين"، لطاولة الحوار دعوةٌ قديمة جديدة، وما زلنا نرى الجماعة تجدّدُ هذه الدعوة في كثير من المناسبات، ومنها المناسبةُ الأخيرة في الندوة الحوارية، في الذكرى التاسعة لوفاة الأستاذ المرشد، رحمه الله.

لكن الذي يلاحظه كلُّ متتبع مهتمٍ بهذا الموضوع أن عدد المستجيبين لدعوات الجماعة في تراجع واضح، منذ سنوات، فضلا عن كون المستجيبين، على قلتهم، هم أفرادٌ لا يمثلون، في الغالب، إلا أنفسهم، حتى وإن كانوا ينتمون لبعض التنظيمات، كالسيد عبد الله الحريف، مثلا، الذي ينتمي إلى حزب النهج الديمقراطي؛ فداخل هذا الحزب اليساري الراديكالي، هناك اختلاف كبير بين "الرفاق" في موضوع الاتصال والتحاور مع جماعة العدل والإحسان، إلى درجة أن من "رفاق" السيد الحريف من له مواقف متطرفة في رفض أي تواصل مع جماعة "إسلامية" "أصولية" "رجعية" "ظلامية"، حسب أوصافهم العدمية المتطرفة.

وعلى ضوء النتائج التي تنتهي إليها مثلُ هذه اللقاءات "الحوارية"، كنت خلصت في واحدة من مقالاتي السابقة إلى نتيجة مفادها أن دعوة الجماعة المتكررة إلى "ميثاق جامع" إنما هي دعوة إلى "ميثاق مستحيل"، وبيّنتُ، من عدة أوجه، لماذا هذه الاستحالة ، طبعا حسب رأيي وتقديري. ويمكن للقارئ المهتم بالتفصيلات أن يرجع إلى مقالاتي في موضوع "الميثاق"، الذي ما فتئت الجماعة تدعو إليه.

والحديث عن "التحاور" وعن "الميثاق" هو حديث في موضوعين أولهما بمثابة الأساس الذي لا قيام للثاني إلا به، فهما إذن، من هذه الزاوية، موضوعان متلازمان متداخلان لا ينفك أحدهما عن الآخر.

لقد كتبت عدة مقالات في موضوع تحاور الإسلاميين واليساريين، وخاصة بعد هبوب عواصف الربيع العربي، التي كان من تجلياتها المغربية حركةُ 20 فبراير سنة 2011. ويمكن أن أسميَ هنا سبع مقالات، وهي، على التوالي، حسب تواريخ كتابتها:

"الإسلاميون واليساريون اختبار في الميدان"(ماي2011)

"هل يردّ اليساريّون تحيّةَ العدل والإحسان؟"(ماي2011)

"عن تحاور الإسلاميين واليساريين"(شتنبر2011)

"المعارضون للمخزن-معوّقات التقارب والتحاور والتحالف"(مارس2013)

"في قضايا الحوار بين الإسلاميين والعلمانيين(1/2)"(مارس2013)

"في قضايا الحوار بين الإسلاميين والعلمانيين(2/2)"(مارس2013)

"الإسلاميون واليساريون بين السياسة والإيديولوجيا"(يونيو2014)

وسيلاحظ الناظر في هذه المقالات أن رأيي في موضوع العلاقة بين الإسلاميين واليساريين قد عرف شيئا من التطور خلال السنوات الثلاث التي كتبت فيها هذا المقالات، لأني كنت أكتب بوحي مما يجري في الواقع.

ومنذ سنة2011، وخاصة بعد الاحتكاك والاختلاط والتواصل المباشر التي حصل بين الإسلاميين، ممثَّلين في جماعة العدل والإحسان، وبين اليساريين، في خضم أنشطة حركة 20 فبراير، وأنا أتابع، ككل مهتم، ما يجري في الواقع من تغيرات وتطورات بخصوص العلاقة بين الإسلاميين واليساريين.

فقد انتهت حركة 20فبراير إلى ما انتهت إليه من برود واضمحلال، بعد انسحاب جماعة العدل والإحسان، وكان الاختلاف الإيديولوجي، في تقديري، هو السبب الرئيسي وراء ما حصل. وقد حسمت "فيدرالية اليسار الديمقراطي" في موقفها من التعامل مع الجماعة، وقررت قطع أي نوع من العلاقة معها، وإن كان بعض الأفراد-أقول بعض الأفراد-من هذه الفيدرالية ما يزالون غير مقتنعين بهذا الموقف المقاطع. للتذكير، فقد بقي في هذه الفيدرالية حزبان من ثلاثة، وهما حزب "الطليعة الديمقراطي الاشتراكي"، وحزب "المؤتمر الوطني الاتحادي"، بعد انسحاب "الحزب الاشتراكي الموحد" قبيل انتخابات 8 شتنبر الأخيرة، بسبب خلافات داخلية.

إذن، لم يبق من اليساريين الذين أراهم معنيين بالحوار مع جماعة العدل والإحسان إلا حزب "النهج الديمقراطي"، الذي ما يزال مترددا في الحسم في العلاقة مع العدل والإحسان بصورة رسمية قاطعة، وإن كان بعض قيادييه، كالسيدين مصطفى البراهمة وعبد الله الحريف، لا يفتأون يؤكدون إيجابيات التواصل مع الجماعة، ولا يتخلفون عن المشاركة في المناسبات "الحوارية" التي تجمعهم معها على طاولة واحدة.

ما هي الخلاصة من كل هذا الكلام، بعد التأمل والتمحيص والغربلة؟  

الخلاصة، في رأيي، هي أن خُطى السائرين في طريق التحاور-وهم قلة كما لاحظنا-ما تزال بطيئة جدا، لأننا لا يمكن أن نحكم بأن هناك، بالفعل، مبادرات جادة لبدء حوار مسؤول بين فاعلين سياسيين معروفين بإيديولوجياتهم وتنظيماتهم ورموزهم؛ فكل ما هناك هو هذه اللقاءات التي تنعقد، من حين لآخر، في شكل ندوات أو مناظرات أو احتفالات، بهذه المناسبة أو تلك، ثم ما هو إلا أن ينتهي اللقاء حتى يرجع المشاركون إلى شواغلهم العادية، في انتظار مناسبة أخرى، يَدْعُون إليها، أو يُدْعَوْن.

نعم، هناك فضلاء ديمقراطيون من ذوي الخلفية اليسارية، كالسادة "أبو بكر الجامعي"، و"فؤاد عبد المومني"، و"المعطي منجب"، تمثيلا لا حصرا، لا يزالون يجتهدون لتقريب الشقة بين الطرفين، في كثير من الندوات والاستجوابات والتصريحات، وكذلك في بعض البرامج السياسية والحقوقية، التي تُبث على الإنترنيت، وخاصة في بعض قنوات (اليوتوب)، لكنها محاولات محاصرة، هي الأخرى، بأجواء القمع والتشويش والتشكيك والاتهام، التي يفرضها الاستبداد وأبواقه وأذرعه المبثوثة في كل مكان. 

وهذا لا يعني تبخيسَ ما قد يُجنى من هذه اللقاءات والمبادرات من قطاف مثمرة، أو ما يمكن أن توفره من مادة أولية أساسية يمكن التعويل عليها في البناء غدا أو بعد غد.

وفي نظري، هناك عدة عوامل تعوق السير الطبيعي في طريق التواصل والتحاور بين معارضي الاستبداد.

هناك، أولا وأساسا، عامل القمع والمنع والحصار، الذي يُطيل عمر هذا الاختناق الذي تعانيه حياتنا السياسية. فاليوم، المعارضون للدولة المخزنية، وأخُصّ الثوريين منهم، ليس عندهم لممارسة حقهم وحريتهم في الرأي والتعبير والتنظيم، إلا هذه الثقوب الضيقة في هذا الجدار الاستبدادي السميك المحصن، تحاصرهم، من كل المنافذ والجهات، عيون المخزن، لا تنام عنهم، ليل نهار، وتتصدى لهم مقامعُه، من كل الألوان والأحجام، البوليسية والقضائية والإعلامية والاستخباراتية، لا تتركهم يتنفسون حتى تعاود الكرة والكرات عليهم، في مشهد سيزيفي لا يطاق.

وهناك، ثانيا، عامل الاختلاف الإيديولوجي، الذي ما يزال يكدر الأجواء، ويبطئ السير، ويذكي نار الحزازات والنعرات، لا يتركها تخمد وتزول.

فما يزال بعض اليساريين، في بعض اللقاءات، يحتجون على جماعة العدل والإحسان ببعض النصوص من كتابات مرشد الجماعة، رحمه الله، على أنها الأصل في أدبيات الجماعة السياسية. ويرد بعض ممثلي الجماعة في هذه اللقاءات بأنه من الظلم محاكمة الجماعة على ضوء كتابات "متجاوَزة" بدل أن يحكموا عليها على ضوء ما يرون منها ويسمعون الآن.

والواقع أن الناس يسمعون من الجماعة، اليوم، خطابا مختلفا عما هو مدون في منهاجها السياسي الأصلي، لكنهم لا يجدون بين أيديهم من الوثائق المكتوبة والأدبيات المنشورة ما يثبت أن الجماعة، بالفعل، قد راجعت منهاجها وطورته، وتجاوزت ما فيه من أطروحات سياسية كانت وليدة اجتهادات أملتها، قبل سنوات، ظروف وأحوال وملابسات وصراعات هي غير ظروف الحاضر وأحواله وملابساته وصراعاته. وهذا التباين الذي يظهر لبعض الناس ما بين الكلام المسموع والنص المكتوب يجعل بعض الفضلاء من ذوي المقاصد الحسنة غير مطمئنين لما يسمعون، وهم يرون أدبيات الجماعة المكتوبة والمنشورة ما تزال على صورتها الأصلية، لم يطرأ عليها أي تغيير.

ومن جهة أخرى، هناك هذا التعالي والأستاذية من جانب اليساريين-ولا أعمم، لأن من بين اليساريين فضلاء متواضعين، يعرفون قدرهم ويقفون عند حدودهم، ويحترمون خصومهم، ويسعون للتحاور مع منافسيهم، بلا تعالم ولا اشتراطات مسبقة-قلت هناك هذا التعالي والأستاذية من جانب اليساريين، وكأنهم هم وحدهم من يفهم في الحريات والحقوق والديمقراطية والتقدمية، وغيرهم محتاج دائما إلى أن يتعلم منهم، ويخضع لشروطهم، ويقدم بين أيديهم، دائما، ما يشهد لهم بصفاء النية وحسن السلوك، وقد يرضون، وقد لا يرضون!

وبعد، فعندما نرى معارضي الدولة المخزنية على هذه الحال من التشتت والفرقة والتيه في الصراعات الإيديولوجية الصماء، فإننا يمكن أن نفهم كثيرا لماذا لا يزداد الاستبداد في حياتنا السياسية إلا تسلطا وتحكما وتشددا.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

السبت، 21 سبتمبر 2019

في تبذير المال العام


بسم الله الرحمن الرحيم

في تبذير المال العام


التقارير التي يصدرها المجلس الأعلى للحسابات-وهو مؤسسة دستورية مخزنية-باتت مرجعا رسميا لرصد الاختلالات والمعوقات والمفاسد التي تطبع التدبير المالي للمؤسسات العمومية.
وعلى الرغم من الإنذارات والتنبيهات والتوجيهات والأرقام الناطقة الفاضحة، التي تزخر بها هذه التقارير الرسمية، فإن تحريك المساطر القانونية والزجرية لمحاسبة المسؤولين تظل ضعيفة، بل لا وزن لها مقارنة بحجم الفساد والإهمال والفوضى والاضطرابات الذي يشمل كثيرا من حسابات مؤسساتنا العمومية، التي تتصرف في المال العام، جباية وإنفاقا.
أين هي مصداقيةُ هذه التقارير الرسميّةِ إن كانت ستبقى، في غالبيتها، حبرا على ورق؟ وأيّة قيمة لتقارير وكشوفات وتدقيقات إن بقيت حبيسة في الأوراق، لا تكاد تظهر وتُنشر حتى تختفيَ في الأرشيف ويطويَها النسيان؟ أم هو الخداعُ والتمويه وذرُّ الرماد في العيون، والإيهامُ، في الظواهر والأشكال والأوراق، بأن هناك جديةً في التفتيش والمراقبة والمحاسبة، ثم ينتهي الأمر إلى الإهمال والنسيان؟

المالُ المُسَيَّب
الغالب على التصرّف في المال العامّ، في دولة الجبر والتعليمات، أنه تصرف لا تحكمه سياسةٌ رشيدةٌ ولا قانونٌ معقول يمكن تتبّعُ مسالك تنفيذِه، ومراقبةُ ما يتعلق به من جبايات ونفقات مراقبةً فعّالة، تمنع أيدي الفاسدين من أصحاب الأهواء والضمائر الخربة أن تمتدّ إليه بسرقة أو تلاعب أو غش أو غيرها من أشكال الفساد وصور التصرفات اللاقانونية، التي تُصنَّفُ ضمن الجرائم التي يجبُ في حقّ مرتكبيها، أياّ كانوا، المتابعةُ والحسابُ والعقاب.
المال العام، في دولة الاستبداد، مالٌ سائبٌ يُبَذّر سفاهةً، بلا حسيب ولا رقيب؛ جزءٌ منه، يُعدّ بالمليارات، يذهب هدْرا، في شكلِ رَيْعٍ ورِشاً (جمع رشوة)، لأحزاب سياسية، ليس لها من معنى السياسة إلا الاسم، معظمُها مهمّتُه الحقيقيةُ أن يظهرَ ويتكلم ويُمثّلَ ليسوِّغَ الاستبدادَ ويزكيَ الفساد. وجزءٌ من هذا المال السائبِ يُبذَّر فيما يسمّونه، تلبيسا ومغالطة وتمويها، دعمَ الثقافة والفن، وما ثمَّةَ ثقافةٌ ولا فنٌّ، وإنما هو-مع استثناءاتٍ ذريّة لا تكاد تُذكر-العبثُ والسخف واللاشيئية، في كل شيء، في الشعر، في المسرح، في السينما، في الأعمال التلفزية؛ وأيُّ شعر؟ وأيُّ مسرح؟ وأيّ سينما؟ وأي مسلسلات؟ اسألوا النقادَ والمهتمين من أهل الاختصاص والميدان.
المال يُبَذّرُ، وحسابُ السيئات يتضخَّم على إخوان الشياطين، ومؤشراتُ التخلف تتفاقم، والمبذرون السفهاءُ لاهون غافلون، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

السينما المغربيّة والمالُ العام
هل عندنا صناعةٌ سينمائية تستحق أن تشجَّعَ ويُنفقَ عليها من المال العام؟
هل عندنا فنٌّ سينمائي (يحمّرُ) الوجهَ، ويعبّر، بحق، عن هويتنا الدينية والثقافية، وعن تقاليدنا وأعرافنا، حتى يكون ما ننفقُه عليه من المال العام بمثابة استثمارٍ فني وثقافي حقيقي، يَجني المجتمعُ ثمرتَه في مجالات التربية والتعليم والذوق الفني الجمالي؟
الجواب على مثلِ هذه الأسئلة أتركه للنقاد المختصين، الذين لا يفتأون ينتقدون واقعنا السينمائي، ولا يكفّون عن الشكوى من هذا التردي الذي يطبع هذا الواقع، والذي يشمل جلّ متعلّقَات الفن السابع، بدءا من كتابة السيناريو وانتهاء بالإخراج والتوزيع والاستهلاك؛ واقعٌ يشهد المختصون أنه يعاني أمراضا مُزمِنة، ومع ذلك ما تزال حكوماتُنا تُغدق عليه الملايير من المال العام، ولا من رقيب ولا حسيب، ولا من يقول: كفى، اللهم إن هذا منكر.
هذا أيضا بابٌ من أبواب الرّيْع والتبذير، يحرص الاستبداد أن يبقيَه مفتوحا-مثلُه مثلُ باب الرَّيْع والتبذير في مجال الصحافة-وأن يرعاه بالدعم المادي اللازم، من أجلِ الدعاية والتخدير وصناعة الواجهات "الحداثيّة"، التي تزكي القبحَ، وتروّج للمنكرات، وتطبّع مع الفواحش، وتفتل في حبل التخلف والانحطاط.
وهذه بعضُ الأرقام التي استقيتها من تقرير صادر عن (المركز السينمائي المغربي) عن الحصيلة السينمائية لسنة 2017:
تم دعم 17 فيلما طويلا بـ(6ملايير و237 مليون سنتيم).
تمّ تقديمُ تسبيق على المداخيل لـ42عملا بـ(7ملايير350مليون سنتيم).
تمّ دعم 48 مهرجانا له علاقة بالسينما بـ(مليار و881مليون سنتيم). تأملوا: 48 مهرجانا!! كيف؟ ولأي إنتاج؟ ولأي صناعة وفن؟ 48 مهرجانا!!
تمّ تقديم دعم لإصلاح 7 قاعات، (10شاشات) بـ(مليار و127مليون440ألف سنتيم).
تم عرضُ-نحن دائما في سنة2017-تسعةِ أفلام في القاعات، بيعت فيها (25.843) تذكرة، بلغت مداخيلها (51 مليون و707 آلاف سنتيم)؛ تصوّروا، في سنة واحدة (2017) بُذّرت الملايير من المال العام، من أجل ماذا؟ من أجل أعمال لم تتجاوز مداخيلها (جوج فرنك)!! هي إذنْ أفلامٌ نكرةٌ، لا تكاد تظهرُ وتُعرضُ حتى تموت ويطويَها النسيان في أرشيف المهملات، في أرشيف القبح السينمائي المغربي، ثُمّ مِنْ ظلام هذا الأرشيف إلى الدفن النهائي وبغير رجعة.
سُحْقاً وبُعداً لقبحٍ لا ثمارَ له//إلا المرارُ، وإلا الحنظلُ العفنُ
الناسُ تبدعُ في المعقولِ ينفعها//وعندنا الرَّيْعُ والتبذيرُ والأَفَنُ
الأفَنُ في اللغة نقص العقل وضعف الرأي. والمأفونُ الضعيف الرأي والعقل.

(إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ)
الأحزاب السياسية اللاعبةُ في ملعب الاستبداد، وَفْق قواعده التي يفرضها، وبشروطه التي يضعها، وحدوده التي يرسمها، وأهدافه التي يريدها-هذه الأحزاب، مهما بُذِّرَتْ عليها من ملياراتٍ من المال العام، يستحيل-إلا في الأحلام والأوهام والشعارات الكاذبة-أن تنتج مبدعين، وتصنعَ كفاءات، وتُخرّج أطرا سياسية لخدمة الصالح العام.
الاستبدادُ، بطبيعته، بأساليبه في الحكم والإدارة والتدبير، وبقبضته البوليسية الحديدية في القمع والمنع والحصار، يتناقضُ مع وجود طاقات وكفاءات سياسية حقيقية في الأحزاب، لأن التجديد والابتكار، في المجال السياسي، ممتنعٌ مع طقوس الاستبداد، في الحكم والإدارة والتسيير، وممتنعٌ مع جذور السلطة الفردية الضاربة في الجبرية والاستعلاء والانغلاق.
يحلُم، بلْ يكذِب ويُزوِّرُ، مَنْ يتصوّرُ من "السياسيِّين" و"المثقفين" و"المفكرين" ومَنْ يسمّونهم بـ"الفقهاء الدستوريّين"، خروجَ إبداعٍ وتطويرٍ وتجديدٍ حقيقي من رحِم استبدادٍ قروني وأعرافٍ وتقاليد سياسية مخزنية راسخة رسوخ الجبال.
أنا هنا أتكلم عن الإبداع والتطوير والتجديد الحقيقي، وليس عن الأصباغ الشكلية، والمظاهر الزائفة، واللافتات الماكرة الخادعة.
ومما يلفِت النظرَ ويستدعي التأملَ أنَّ كرَاكِرَ من الأحزاب السياسية وجودُها قائمٌ بالمال العمومي، أي أنها ليس لها منْ مداخيل إلا ما تأخذه من الدولة. وقد ذكر تقريرُ المجلس الأعلى للحسابات، في شأن تدقيق حسابات الأحزاب السياسية لسنة2016، أن أربعة عشر حزبا من الأربعة والثلاثين الذين شملهم التقرير، "اعتمدت كليا على الدعم العمومي خلال سنة 2016، مقابل خمسة عشر(15) حزبا سنة 2015، وثلاثة عشر حزبا(13) سنة2014".
أحزابٌ مجهولة إلا عند وزارة الداخلية ومجلس السيد إدريس جطو!
أحزابٌ بلا جمهور، أي بلا وجود شعبي، ومع ذلك فحصتها من المال العمومي مضمونة!
أحزابٌ لا يدخل صندوقَ ماليتِها سنتيمٌ واحد من اشتراكات أعضائها! أيْ أنها أحزاب بلا مُشتركين! أي أنها أحزابٌ وهمية "شبحيّة"!
أحزابٌ أخرى، ذكر تقريرُ مجلس السيد جطو أن عددها ثمانية، استحوذت على حصة الأسد من المال العمومي بما مجموعه حوالي ثمانية وعشرين(28) مليار سنتيم! وماذا تنتج هذه الأحزاب في حياتنا السياسية حتى تأكل كلَّ هذا المبلغ؟
رَيْعٌ في رَيْع، ورشاوى، وتبذيرٌ للمال العام ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، من أجل ماذا؟ من أجل صناعة واجهةٍ ديمقراطية خادعةٍ كاذبة، يسكنُ وراءها داؤنا العضالُ، داء الاستبداد.
(إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا)(الإسراء)
صدق الله العظيم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

الجمعة، 30 أغسطس 2019

الحكوماتُ المخزنية والملفاتُ السياسية المفتوحة


بسم الله الرحمن الرحيم

الحكوماتُ المخزنية والملفاتُ السياسية المفتوحة

أقصد بالملفات السياسية المفتوحة الملفاتِ التي لها علاقة بالحقوق والحريات، وهي ملفاتٌ تمسّ روحَ الممارسة السياسية. هذه الملفاتُ في الدولة المخزنية ملفاتٌ أمنية تتولاها وزارةُ الداخلية وأدواتُها الإدارية التنفيذية، مِن قُوّاد وباشوات وعمال وولاة، فضلا عن أجهزة البوليس والاستخبارات.
فليس من شأن الحكومة المخزنية، كيفما كانت أغلبيتُها ومشاربُ مكوناتها، أن تتداولَ في شأن الملفات السياسية وتقررَ في شأنها، لأن المسألة، أولا وآخرا، مسألةٌ تتعلق بأمن الدولة، وما الحكومةُ، في حقيقتها، إلا جهازٌ تابع منفذ، لا يملك أحدٌ من أعضائها، وعلى رأسهم رئيسُ الحكومة، أن يقول برأي يخالف رأي الدولة، ولا أن يختار اختيارا يعارض اختيارَ الدولة.
معنى هذا الكلام أن كلَّ من يعارض الدولةَ المخزنية، في أسس نظامها وسياساتها وأهدافها وأعرافها وطقوسها، هو مسلوك في الخارجين على الشرعية، وليس من سبيل للتعامل معه إلا سبيلُ القمع والمنع والسجن والحصار والمحاكمات السياسية المفبركة. والأمثلة في هذا الباب كثيرة ومعروفة ومشهورة.

ملفات سياسية مفتوحة
الأغلبيةُ الحكومية المخزنية الحاليةُ برئاسة السيد سعد الدين العثماني، أو السابقةُ برئاسة السيد عبد الإله بنكيران-وأركّزُ على حكوماتِ ما بعد الربيع العربي، وما بعد دستور 2011، لأنها حكوماتٌ بمذاق "إسلامي"، وفي هذا المذاقِ ما فيه مِن المغزى والدلالة-لا يمكنها، بل لا تستطيع، بل لا تجرؤ، أن تقترب من ملفات سياسية ما تزال مفتوحة، كملف الأحزاب الممنوعة بقرارات مخزنية جائرة وأحكام ظالمة، كحزب الأمة، وحزب البديل الحضاري، والحزب الأمازيغي الديمقراطي، وملف جماعة العدل والإحسان، التي تصنفها الدولة المخزنية في التنظيمات المحظورة بلا أي موجب قانوني أو حكم قضائي، وملفات الجمعيات المدنية الكثيرة التي لا ترضى عنها الدولة، فهي ممنوعة محاصرة مدانة، بلا أي مسوغ معقول ومفهوم ومقبول إلا بطش المخزن ورفضه لكل نشاط يسير على غير هواه، ويلغَى بغير لَغَاه، وملفات سجناء السلفية الجهادية وحراك الريف وجرادة وزاكورة-تمثيلا لا حصرا-وملفات الصحافيين الذين لفقت لهم تهم جنائية لغايات سياسية.
مثّلْت بهذه الملفات، لأنها معروفة ومطروقة في وسائل الإعلام، ولأنها مشهورة بأنها ملفات سياسية تحتاج إلى معالجة سياسية، وليس إلى معالجة "أمنية".
وهل تعرف الحكومةُ أن هذه الملفاتِ سياسية؟
ولنفترضْ أنها تعرف-أو بعض مكوناتها على الأقل-وأنها مقتنعةٌ بأنها ملفات سياسية، فهل تجرؤ على طرحها للتداول والبحث لها عن حل سياسي؟ بل هل تجرؤ أن تتحدث للرأي العام عن وجود ملفات سياسية مفتوحة تحتاج أن تُغلق؟
سنزيغ عن جادة الجِدّ إلى الهزل إن نحن تصورنا أن الحكومة المخزنية-الحكومة الحالية أو أي حكومة في ظل نظامنا السياسي المخزني-يمكنها أن تعترف علَناً بوجود ملفات سياسية وتقررَ في معالجتها وإغلاقها.
هذا وجهٌ من أوجه رَزِيَّتنا السياسية؛ الحكومةُ لا تحكم، وإنما تأتَمِر وتسمع وتطيع. وليس عندنا، في ترسانَتِنا القانونية-وهذه مصيبةٌ أخرى-شيءٌ يمكن أن يفتح لنا طريقا للتغيير والانعتاق، لأن هذه الترسانة مصنوعة، في روحها وشكلها ومساطرها، لتُواتيَ الاستبدادَ وتستجيبَ لمطالبه.
نَعَمْ، تتداول الحكومةُ المخزنية بعض الموضوعات السياسية، التي لها علاقة بالانتخابات، لكن الحسم فيها يكون لوزارة الداخلية، أمِّ الوزارات المخزنية-كانت وما تزال وستبقى ببقاء النظام المخزني؛ فقبيل الانتخابات، تنشط السوق السياسية المخزنية، وخاصة فيما بين المشاركين في اللعبة الديمقراطية، من الأغلبية والمعارضة، وتُفتَح ملفاتٌ تتعلق بالانتخابات، كملف التسجيل في اللوائح الانتخابية وطريقة تجديد هذه اللوائح، وملف نمط الاقتراع، وملف التقطيع الانتخابي، وملف العتبة، وملف الحملات الانتخابية، تنظيمها ومراقبتها وتمويلها، لكن الغلبة في النهاية تكون، دائما، لصالح مشروع وزارة الداخلية، باسم الحكومة، طبعا، وباسم مكوناتها.

المصيبة عامة
إن تركيزي في هذه المقالة على الشأن السياسي لا يعني أن الحكومات المخزنية ناجحة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والصحية وغيرها من المرافق التي تهم المواطنين في حياتهم. فالأرقام الصادرة عن مؤسسات تابعة للدولة تشهد بالتدهور والعوائق والأزمات التي تعانيها معظمُ القطاعات-وليس للخطاب الدعائي الذي يبثه الإعلامُ المخزنيُّ وتوابعُه مصداقيةٌ في هذا الباب-إلى جانب الأرقام الصادرة عن مؤسسات دولية محترفة ذات مصداقية-إلى حدّ ما، لأن الحديث عن المصداقية الكاملة المثالية، في تقديري، إنما هو حديث في الأماني والأحلام-وهي في معظمها تصنف المغرب في البلدان المتأخرة، وترتِّبه في ذيل الأمم في مختلف مجالات التنمية والخدمات الاجتماعية.
ومَن نصدق، الأرقامَ الرسميةَ التي عليها ألفُ علامة استفهام؟ أم أرقامَ المؤسسات الأممية والدولية التي تتمتع بشيء من المصداقية، رغم ما يمكن أن يشوبها مِن تحيزات ومبالغات وهفوات؟ أم نصدقُ الواقع المعيش، الذي نُصبِّحه ونُمسِّيه، والذي نعايشه في بيوتنا ومؤسساتنا وأسواقنا وإداراتنا وفي غيرها من مرافق حياتنا ومجالات مناشطنا، والذي يشهد شهاداتٍ مباشرة وحارقة، في كثير من الأحيان، عن تردي أحوالنا وعن مستوى معاناة المواطنين، وخاصة في أوساط الشباب والطبقات الاجتماعية المستضعفة-يشهد من غير لفٍّ ولا دوران ولا تَيَهَان في لعبة النسب والأرقام، التي يتقنها محترفو التلبيس والتمويه والتغليط، وخاصة من خدام الاستبداد التكنوقراطيين؟

إلى متى هذا الغرور؟
لقد نجح نظامُنا المخزنيُّ في اجتياز امتحان عواصف الربيع العربي، وقد كان هذا الامتحان، في تقديري، فرصةً لمراجعة الأسس التي يقوم عليها نظامُنا السياسي، واستئنافِ حياة سياسية تقوم على الحقوق والحريات واستقلال المؤسسات، لكن، مع الأسف، لم يحدث من هذه المراجعة شيء، وكل ما حصل هو أن المخزنَ أحنى رأسه حتى مرت العاصفة، ثم رفع رأسه من جديد ليستأنف السير على طريقته القديمة في خنق الحريات وانتهاك الحقوق والتحكم في كل خيط من خيوط نسيج حياتنا السياسة، وذلك بإعادة إقرار أسس الملكية "التنفيذية"، في دستور2011 الممنوح، وجعلِ كل السلطات الحقيقية في تدبير شؤون الدولة بيد الملك، من غير وجود أيِّ سلطة أو هيئة أو مؤسسة يمكن أن تراقبَ الملك أو تراجعَه أو تحاسبَه.
لقد ناور المخزنُ، ما وسعته المناورةُ، ليَخرج سالما من عواصف الربيع العربي، فأعاد ترتيب أوراقه على صورة تحفظ للنظام وجودَه وسلطانه وهيمنته على كل ما يتعلق بالحياة السياسية؛ فقد أعاد ترميم الدستور الممنوح بطريقة أدت إلى انخراطِ الطبقة السياسية-أقصد الأحزاب المخزنية وشبه المخزنية-في الدعاية لـ"العهد الدستوري الثوري الجديد"، كما أدت إلى استيعاب بعض الإسلاميين-حزب العدالة والتنمية وتوابعه-في خطته الجديدة، وهو ما خفف، إلى حد ما، على النظام من وطأة الشارع الذي كان يغلي بالاحتجاجات والمسيرات والمظاهرات، وخاصة بعد ظهور حركة 20 فبراير.
المهم أن المخزنَ اجتاز عواصف الربيع العربي بنجاح، لكنه، في رأيي لم يعتبر بالتجربة، فأعاد بناءَ نفسه على نفس الأسس السابقة، وهو ما أدى إلى ما نحن فيه اليوم من اختناق سياسي وضعف اقتصادي وهشاشة اجتماعية.
الاختناقُ السياسي، ومعه المشاكلُ الاقتصادية والتحديات الاجتماعية الآخذة في التكاثر والتفاقم، قد يولّد، لا قدّر الله، انفجارا، إن لم يكن انفجارات، في أي لحظة، ولأسباب قد لا تكون مأخوذةً في حسبان من يعملون من أجل الاستقرار والسلم الاجتماعي.
الاغترارُ بأن أمنَ النظام مستَتِبٌّ راسخ، وأن شؤون الدولة تسير سيرا يبعث على الثقة والطمأنينة، وأن الأوضاع عموما متحَكَّمٌ فيها، وأن جميع خيوط اللعبة السياسية ممسَكٌ بها على وجه لا يُخشى معه تفلّتٌ ولا تمرد ولا اضطراب-الاغترارُ بمثل هذه الظواهر والأشكال والواجهات التي قد تكون خادعاتٍ كاذباتٍ هو، في رأيي، بمثابة الاغترار بهدوءٍ قد يكون الهدوءَ الذي يسبق العواصف الهوجاء، التي لا يعلم مداها ومنتهاها إلا الله. ألم يكن النظامُ الديكتاتوري التونسي على عهد بنعلي مغترا بأن الأمور كلَّها تحت السيطرة، وأن الأوضاع مستقرة والأمن مستتب والحياة السياسية تسير وفق هوى النظام ومخططاته المرسومة؟ ألم تفاجئ ثورةُ الياسمين جميع المحللين والمراقبين في العالم؟ ألم تنبثق شرارتُها من الهدوء الذي كان النظام المستبدُّ واثقا به ومطمئنا إليه؟
إن نظامنا السياسيَّ لم يترك لمعارضيه أي منفذ، مهما كان ضيّقا، للمشاركة في الحياة السياسية العامة، والتعبير عن آرائهم بكل حرية لا يخشون قمعا ولا منعا ولا اعتقالا.
التنظيماتُ المعارضة للنظام المخزنيّ محاصَرَة بيد من حديد، ليس لها عند المخزن إلا العصا الغليظة، إلا القمع والمنع وتلفيق الاتهامات الجنائية الباطلة.
وهذا الوضع لا يمكن أن يدوم إلى الأبد. لا بد من بداية جدّية للبحث عن حل جدّي لهذه المعضلة السياسية التي نعانيها بسبب الاستبداد. لا بد من مبادرة عاقلة هادفة مخلصة لتجنيب البلاد والعباد، لا قدّر الله، فتنا واضطرابات قد لا تنتهي إن هي بدأت. نسأل الله الحفظ والسلامة وحسن العاقبة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.    

الخميس، 22 أغسطس 2019

المعارضةُ في النظام السياسي المخزني


بسم الله الرحمن الرحيم

المعارضةُ في النظام السياسي المخزني


أُذَكِّرُ بأن المخزن، في المفهوم السياسي الشائع، يُقصد به نظامُ الحكم في المغرب القائم على ملكية وراثية "تنفيذية"، حيث الملك يسود ويحكم بسلطات شبه مطلقة-إن لم نقل مطلقة-تحدّدها وتبيّنها فصولُ الدستور الممنوح، فضلا عن دستور الأعراف والطقوس والعادات الموروثة منذ قرون. والملكُ في هذا النظام المخزني هو رئيس الدولة وهو أميرُ المؤمنين-أي يجمع بين السلطتين الدينية والسياسية-وهو فوق كل المؤسسات، لا يراقبُ ولا يراجعُ ولا يحاسب.
وأُذَكِّرُ، أيضا-لأني كتبت كثيرا في هذا الموضوع-أن نظامنا السياسي، كما هو في واقع ممارسة السلطة وتدبير شؤون الدولة، هو أبعد ما يكون عن النظام الديمقراطي، لأنه نظام بصوت واحد لا وجود فيه لمعارضة حقيقية. وإن وُجِدت هذه المعارضة، فهي مهمَّشَةٌ ومحاصَرة ومتابَعة ومتهَمة ومدَانة، أي أنها معارضة مرفوضة مبعدة، ليس لها مكان في النظام السياسي القائم.
فالمعارضةُ، في الأنظمة الديمقراطية السليمة، تعارضُ من يحكمُ فعليا، وتقابلُ برامِجه وسياساتِه ببرامج وسياسات مخالفة، جزئيا أو كليا، والحَكَمُ في هذا التعارض والتقابل، في نهاية المطاف، هو صوتُ الناخبِ المتحرر من كل أنواع التأثير والضغط والإكراه والترغيب والترهيب.
أما ما يُسمَّى، عندنا، بأحزاب المعارضة، أو بالمعارضة البرلمانية-مثلا حزب الأصالة والمعاصرة-فإنها، عند التحقيق، تسميةٌ للتمويه والتمثيل، وإلا، فإن الجميع، أيْ ما يُسمَّى أغلبيةً وما يُسمَّى معارضةً، إنما هم في خدمة المشروع الملكي، لا يملكون أمام التعليمات والتوجيهات إلا السمع والطاعة، وهم منتخَبُون-وهناك من يصرح بذلك بلا مواربة ولا تردد-من أجل تنفيذ سياسات الملك وما يخطِّطه ويرسمه من مشاريع وما يتخذه من قرارات وتدابير-مثلا، القراراتُ الواردة في خطاب العرش الأخير في شأن تعيين لجنة للنظر في النموذج التنموي الجديد، وفي شأن التعديل الحكومي وتغيير بعض المسؤولين في المناصب المركزية العليا، إنما هي قراراتٌ للتنفيذ، وليست للتداول والنقاش.
ومن بين الأمثلة العديدة التي يمكن ذكرها في هذا السياق مثالُ السيد نبيل بنعبد الله، الذي ذَكَر في سياق برنامج تلفزيوني جمعه سنة 2014-وقد كان يومها وزيرا في حكومة السيد بنكيران-بالسيد إدريس الأشكر-وقد كان محسوبا يومها على المعارضة-ذَكَر السيد بنعبد الله في هذا البرنامج أن جميع الحكومات، اليوم وغدا، هي حكوماتُ صاحب الجلالة. فردّ عليه "المعارض" إدريس الأشكر وأماراتُ الانفعال بادية عليه، أن المعارضةَ هي أيضا معارضةُ صاحبِ الجلالة، بمعنى أنها معارضةٌ تابعةٌ وخادمةٌ ومطيعة، فقال له بنعبد الله مؤكدا: متفقين-أي نحن متفقان-كررها خمس مرات. فإذا كانت المعارضةُ معارضةَ صاحب الجلالة، بمعنى السمع والطاعة والامتثال، فأين هي معارضةُ صاحب الجلالة، بمعنى الاعتراض والنقد والمراجعة؟

وضع شاذ
الملك يسود ويحكم، والأغلبية والمعارضةُ كلاهما في خدمة الملك، يسمع ويطيع. ففيم الانتخاباتُ، وبرامجُ الأحزاب المتنافسة، وتبذيرُ الملايير من المال العام؟
إذا كان البرنامجُ الوحيد للحكومة هو برنامجَ الملك، وإذا كانت أعمالُ الحكومة محصورةً في تنفيذ سياسات الملك وقراراته وتدابيره، فما معنى الاعتراض على الحكومة؟
الوضعُ الطبيعيُّ يفرض أن يُوجَّه الاعتراضُ والنقد لسياسات الملك وقراراته، لأنه هو المسؤول الأول عن سياسات الدولة، بنص الدستور الممنوح، وأيضا بحكم الواقع المعيش والأعراف الراسخة، لا أن يُوَجَّه إلى حكومة ليس لها من أمر الحُكم شيء، وإنما هي أداة من أدوات التنفيذ، ووعاء لتلقي تعليمات الملك والاجتهاد في اتباع توجيهاته.
هذا الوضع الشاذ يُحوّل "اللعبة الديمقراطية" من ألفها إلى يائها، إلى لعبة فارغة من أي معنى، إلا أن يكون الغرض من هذه "الشكليات الديمقراطية" هو التمويه والتغطية على حقيقة الاستبداد بواجهة مصبوغة بألوانٍ وشعاراتٍ تخفي وراءها نظاما سياسيا يطغى فيها صوتٌ واحد على كل الأصوات.
لماذا لا يعترض الناسُ على سياسات الملك وقراراته ومشروعاته؟
لماذا لا نسمع إلا أصواتَ المدح والتعظيم حينما يتعلق الأمر بما يصدر عن الملك، في خطبه ورسائله وسياساته وتوجيهاته، أما الاعتراضُ والنقد والتقويمُ والمحاسبة، فهي موجهةٌ إلى الحكومة، التي يعترف الجميع-في مقدمتهم رئيس الحكومة ووزراؤه-أنها حكومةُ صاحب الجلالة، أي أنها حكومةٌ تنفذ برامج الملك وسياساته وتعليماته؟
فعلى سبيل المثال، سياساتُ الدولة المتعلقة بأفريقيا، والتي دشنها الملكُ بقرار استرجاعِ عضوية المغرب في منظمة الاتحاد الإفريقي، وما تلا هذا القرارَ من جولة طويلة زار فيها الملك عدة دول في القارة السمراء، وأشرف فيها على تدشين عدة مشاريع وتوقيعِ عدة اتفاقيات بعضُها كلف خزينة الدولة أموالا طائلة، حسب ما عُرِفَ ونُشِرَ.
أنا سقت هذا المثال، لا لأناقش أهمية الرجوع للمنظمة الإفريقية من عدمه، ولا لأقوّم الجدوى من المشاريع المدشَّنة والاتفاقيات المبرَمة والأموال الموهوبة، لأن الأمر، ولا شك، يتعلق بسياسات وقرارات واختيارات يكمن وراءها أهداف وغايات استراتيجية، وقد تكون سياسات ناجحةً حسب ما خُطط لها، وقد يعتريها بعضُ الفشل أو تقومُ في سبيل تنفيذها بعضُ المعوِّقات، فلا تكون مردوديتُها بمستوى الآمال والأهداف التي رُسمت لها.
ويحسن التذكير هنا أن جولة الملك الإفريقية وما يتعلق بها من قرارات واتفاقيات وهبات جرت في ظل حكومة تصريف أعمال، وفي أجواء البلوكاج التي طبعت مساعي السيد بنكيران من أجل تشكيل الحكومة الجديدة بعد انتخابات2016.
غايتي من سوق هذه المثال أن أبين أن الملك هو صاحب اليد العليا في وضع السياسات ورسم الاستراتيجيات، وما الحكومة والبرلمان وسائر المؤسسات والمجالس والهيآت إلا أدوات للتنفيذ. فالملك، بنص الدستور الممنوح في الفصل48، يترأس المجلس الوزاري، الذي من مهامه، حسب الفصل49، "التداول في شأن التوجهات الاستراتيجية لسياسات الدولة". والذي نعرفه عن هذا المجلس الوزاري أن أعضاءه لا يناقشون الملك فيما يعرضه عليهم، ولا يعترضون ولا ينتقدون، بل إنهم يحضرون للموافقة والتصديق، حسب ما نعرفه من المُلخّصات التي تُنشرُ عن أعمال هذا المجلس، لأن الإعلام الرسمي، فيما أعلم، لم يسبق له أن نقل لنا بالصوت والصورة كيف تجري الأمور في هذا المجلس، لكن التسريبات التي تخرج من هنا وهناك تتحدث عن مجلس لا يكاد يعرف مناقشات أو مداولات أو مشاورات سياسية حقيقية.
من هذه التسريبات التي عرفناها عن مجلس الوزراء الذي يترأسه الملك ما حكاه القيادي الاشتراكي محمد اليازغي عن الأزمة التي اشتعلت بين المغرب وإسبانيا بسب جزيرة "ليلى" سنة2002؛ فقد قرر الملك، من غير أن يخبر الوزير الأول آنذاك السيد عبد الرحمن اليوسفي، أن يرسل أفردا من القوات المساعدة والدرك الملكي لحراسة الجزيرة، فحاول السيد اليازغي، في اجتماع مجلس الوزراء(يوليوز2002)، أن يبدي رأيه في المسألة، لكن الملك-حسب ما يحكيه السيد اليازغي في أحد حواراته المنشورة-"كان له رد فعل تجاهي، بعد أن واجهني بتدخل عنيف، ففضلت ألا أدخل في جدال معه، وفضلت ألا أناقش الأمر. وأذكُر-يضيف السيد اليازغي-أنه كان بجانبي إدريس جطو، الذي كان وزيرا للداخلية، وبدأ يضرب على ركبتي من تحت طاولة الاجتماع في المجلس الوزاري، ويردد: "باراكا، باركا آ السي محمد". فهذه الحادثة تبين، ولو بصورة غير مباشرة، أن مجلس الوزراء، في النظام السياسي المخزني، ليس للنقاش والتداول وإبداء الرأي، وإنما هو للإخبار والاستماع والمصادقة.
فالذي يقرر في شأن السياسات الاستراتيجية هو الملك ومساعدوه في دائرة المقربين من مستشارين ومكلفين بمهام. أما باقي مؤسسات الدولة فدورها الأساسي محصور في التنفيذ. وعلى هذا يمكن أن نزعم أن "برنامج" الحكومة الذي نالت به من الأصوات في الانتخابات ما نالت هو برنامج شكلي تمويهي لكي يقع في الأوهام أن الأمر يتعلق بحكومة لها حريتها وصلاحياتها وسلطاتها المستقلة لتنفيذ برنامجها-أو البرنامج التوافقي الناتج عن أغلبية مؤلفة من عدة أحزاب. وإن لم يكن هذا البرنامج/البرامج الانتخابية شكلية تمويهية، فما معنى أن أي حكومة، ومهما كانت طبيعة مكوناتها، لا يمكن أن تكون حرة في وضع برنامجها ومستقلة في اتخاذ قراراتها، وإنما هي مجبرة أن تتبع سياسات وتنفذ برامج لا علاقة لها بالبرامج الانتخابية، وإنما هي سياسات وبرامج طُبخت في مطبخ دائرة الملك ومساعديه الأقربين، ونزلت في شكل تعليمات وتوجيهات وقرارات لكي تأخذ طريقها إلى التنفيذ.

المعارضة الحقيقية
المعارضة الحقيقية هي التي تتوجه بالاعتراض والنقد والمراجعة للأصل لا للفرع، للآمر لا للمأمور، للواضع المتبوع لا للمنفذ التابع.
وهذه المعارضة عندنا نوعان، أحدها ضعيف ومهمش، والثاني محظور ومحاصر ومتهم.
النوع الأول الضعيف والمهمش، يمثله، في تقديري، الملكيون الإصلاحيون، أي الذي يطالبون بملكية برلمانية يسود فيه الملك ولا يحكم، وخير من يمثل هؤلاء، في مشهدنا السياسي، الحزب الاشتراكي الموحد وحليفاه في فيدرالية اليسار الديمقراطي، حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي وحزب المؤتمر الوطني الاتحادي. ويمكن، في رأيي، اعتبار الوثائق الصادرة عن الحزب الاشتراكي الموحد بشأن مطلب الملكية البرلمانية وثائق مرجعية في هذا الباب.
والنوع الثاني هم المعارضون الثوريون، الذين يتعدون الاعتراض على سياسات النظام وتدبيراته لشؤون الدولة إلى الاعتراض على النظام الملكي نفسه، في شرعيته وفلسفته والأسس التي يقوم عليها سلطانه، وخير من يمثل هذا النوع من المعارضة، في رأيي، جماعة العدل والإحسان الإسلامية.
وقد تكلمت على هذا الموضوع في كثير من مقالاتي، وملخص رأيي أن البداية المعقولة للإصلاح ينبغي أن تنطلق من الواقع كما هو، أي أن تكون البداية على أساس سياسي لا إيديولوجي، لأن التجارب أثبتت أن الصراعات الإيديولوجية لا تنتهي إلا بالحطام والخراب والفتن.
أن تكون للملكية سلطةُ السيادة والرمزية الجامعة للأمة وما يتعلق بهذين العنصرين-السيادة والرمزية-من وزن معنوي ومكانة اعتبارية وتشريفات وأعراف وتقاليد، وأن يكون للحكومة الناتجة عن انتخابات سليمة من الغش والتزوير وتأثير المال الحرام، سلطةُ الحكم وصلاحيات التنفيذ، وأن تكون مسؤولة أمام البرلمان، وأمام الناخبين عما يكون منها من سياسات وقرارات واختيارات-على ما هو متعارف عليه في الملكيات البرلمانية الحديثة-هو بدايةٌ في سبيل الخروج من هذه المآزق التي ما فتئت تهدد حياتنا السياسية بالاختناق والانفجار.
وفي اعتقادي أن المعارضين الثوريين، طال الزمن أم قصر، لا بد أن يتعاملوا مع الواقع السياسي بمنظار سياسي-وليس عيبا أن يكون هذا المنظار السياسي محكوما بخلفية إيديولوجية من هذا الاتجاه أو ذاك.
ولْنبْقَ في الواقع ونسأل: هل للنظام المخزني عندنا إرادة للخروج بحياتنا السياسية من ضيق الاستبداد إلى سعة الحرية والديمقراطية؟ هل للنظام المخزني استعداد للتطور والانتقال إلى نظام برلماني يسود فيه الملك ولا يحكم؟ وإلى متى ستدوم معاناتنا في هذا الوضع الشاذ؟ أم أن الأمر تدافعٌ وتنازُعٌ وتغالبٌ محكوم بموازين القوى على الأرض، والغلبةُ، في النهاية، للأقوى؟
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

الخميس، 15 أغسطس 2019

رجالات المخزن يتكلمون في السياسة!!


بسم الله الرحمن الرحيم

رجالات المخزن يتكلمون في السياسة!!

الأصل الراسخ منذ عهود أن رجالاتِ المخزن ونساءَه ليسوا إلا أظرفةً للسمع والطاعة، وأدواتٍ للتنفيذ والدعاية والمدح، وليس من مهام هذه الأظرفة والأدوات أن يتكلموا في جوهر الشأن السياسي، المتعلق بالحكم وشرعيته، واستقلالية المؤسسات ومحاسبةِ المسؤولين إلى آخر الموضوعات التي تمس حقيقة العمل السياسي وعمقه، لا واجهتَه وقشورَه؛ وإن سُمح لخدام الدولة المخزنية أن يتحدثوا في موضوعات لها علاقة بنظام الحكم ومتعلقاته، فإنهم لا يتعدون دائرة المدح والتعظيم والتبجيل للنظام والتبرير والتسويغ، كقولهم، مثلا: إن الدستور الممنوح عندنا يُعَدّ من أرقى الدساتير في العالم، وإن نظامنا الملكي قد اختار الديمقراطية طريقا لتنظيم حياتنا السياسية، وإن رئيس الحكومة بات يُعين من الحزب الذي نال الرتبة الأولى في الانتخابات، وإن القضاء باتت تدبره سلطةٌ عليا مستقلة، إلى غير ذلك من المقتضيات التي تنص عليها بعض فصول الدستور الممنوح، وهي مقتضيات ثانوية إن هي قورنت بالجوهر الذي يسكت عنه المخزنيون المتكلمون، بل لا يجرؤون على إثارة النقاش حوله، بل لا يقتربون منه مطلقا.
من هذا الجوهر السياسي الذي لا يقترب منه المخزنيون المتكلمون في قشور السياسة أن الملك يسود ويحكم بسلطات شبه مطلقة، إن لم نقل مطلقة-لأن كل شؤون الدولة الأساسية مبدؤها ومرجعها إليه-لكنه لا يراقَب ولا يتابَع ولا يحاسَب، وليس عندنا في مؤسسات الدولة وسلطاتها مؤسسة أو سلطة يمكن أن تعترض على الملك أو تنتقده أو تطالبه بحساب أو ما يشبه الحساب.
أحد خدّام الدولة المخزنيّة، وهو من مستشاري الملك، لم يجد ما يمدح به دستور 2011 الممنوح إلا أن يقول إن الدساتير السابقة-وهي كلها دساتير ممنوحة-كانت تسكت عن تحديد سلطات الملك، لكن الدستور الممنوح الأخير جعلها محددة!!
وهل هناك أسخفُ وأضعفُ من هذا التبرير؛ سلطاتُ الملك في السابق لم تكن حدودُها معروفة، واليوم باتت هذه الحدودُ معروفة! ومعنى هذا الكلام التبريري من رجل مخزني يُوصفُ بأنه من أهل التخصص في الفقه الدستوري، أن سلطات الملك وصلاحياتِه في السابق كانت بغير اسمٍ يحددها، واليوم باتت محددة بالاسم والصفة. وهل من فرق بين الحالتين؟ وماذا تغير حينما أصبحت سلطاتُ الملك اليوم محددة ومسماة؟ هل تغير شيء في حقيقة الاستبداد ومعناه وروحه؟
ليست العبرةُ، في نظام الحكم، بتسمية ما لم يكن مُسمّى، وتحديدِ ما لم يكن محددا، ووصف ما لك يكن موصوفا-فهذه أمور لغوية شكلية لا أثر لها في صميم الجوهر-وإنما العبرة بربط المسؤولة بالمحاسبة، كما ورد في الفصل الأول من الدستور؛ فكونُ الملك يتمتع في نظامنا السياسي بصلاحيات واسعة، باتت اليوم معروفةً بأسمائها بعد أن لم تكن محددة في السابق، وهو في الوقت نفسه مُعْفى أن يقدِّم أي حساب أو أن يراجَعَ أو يتابَعَ أمام أي هيئة مسؤولة، هو أصل الداء العضال الذي ما يزال ينخُر حياتنا السياسية، والذي لا يجرؤ سياسيونا المخزنيون، من مختلف الدوائر المقربة والبعيدة، أن يتحدثوا فيها.

عن الملكية البرلمانية
مما يؤكد أن حديث خدّام المخزن في الشؤون السياسية هو حديثٌ للدعاية والتهريج والتخدير وذر الرماد في العيون أن أحدهم، بمناسبة الاحتفال بمرور عشرين سنة من عهد الملك محمد السادس، تحدث عن مطلب الملكية البرلمانية وقال إننا في المغرب ولسنا في بريطانيا أو إسبانيا-النظام في هاتين المملكتين نظام برلماني حيث الملك يسود ولا يحكم، والحكومة هي المسؤولة عن السلطة التنفيذية، وهي مسؤولة أمام البرلمان الذي يمثل إرادة الشعب الناخب-أي أن الملكية عندنا ملكية تنفيذية، حيث الملك يحكم بسلطات وصلاحيات واسعة، لكنه غير مسؤول أمام أي كان.
وتحدث، بنفس المناسبة، السيد محمد أوجار، وزير العدل في الحكومة المخزنية الحالية، فزعم أن الملك يريد أن يتقدم بشعبه نحو نظام الملكية البرلمانية، لكنه يُواجَه بشعب محافظ يحتاج لمزيد من الوقت لكي يصبح مؤهلا لنظام ملكي برلماني. إذن، في منطق السيد أوجار المتهافت، الشعبُ المغربي هو المسؤول عما يعانيه من جراء النظام الاستبدادي الذي تمثله الملكية التنفيذية، لأن الملك يريد لشعبه التحررَ والانعتاق، لكن هذا الشعب "المحافظ" يأبى إلا أن يبقى في ربقة الاستبداد. وفي منطق السيد أوجار، الشيءُ نفسه يقال عن "الحريات الفردية" التي ما يزال المجتمع غيرَ مهيأ لها، كالزنا والدعارة-للخلط والتضليل يسمون هذا العلاقاتِ الجنسيةَ خارج إطار الزواج، أو العلاقات الجنسية الرضائية-واللواط-يسمونه للتضليل والتلبيس العلاقات المثلية-وغيرها من المحرمات-عند المسلمين، كانت، وما تزال، وستظل-التي يرى فيها اللادينيون، وهم في حماية النظام المخزني، عوائق في سبيل الحداثة والتحرر والتقدم!!
الاستهتار بالخمور وإباحة الزنا وممارسة الشذوذ والانحطاط الأخلاقي وغيرها من العاهات والانحرافات والمفاسد باتت عند حداثيينا اللادينيين طريقا إلى الحداثة والتقدم والتحرر. وهل بعد هذا الظلام من ظلام؟ وهل بعد هذا السفه من سفه؟ وهل بعد هذا الانحطاط من انحطاط؟ وهل بعد هذا المسخ من مسخ؟ لم يعد لهم من هم إلا الدفاع عن الأمراض والانحرافات والشذوذ وغيرها من الموبقات، ويزعمون أنهم حداثيون يسعون من أجل الحرية والتقدم والازهار! ومتى كانت الأمم تتقدم بالأمراض والممارسات الشاذة والعاهات والانحرافات والتشوهات النفسانية والسلوكية والاجتماعية؟
الحداثية اللادينية، في بلاد المسلمين، في اعتقادي، لا تنفك عن الاستبداد السياسي، بل هي مظهر من مظاهر هذا الاستبداد وخادمٌ من خدّامه. وهذه الحداثيَّة الفاجرة المزوَّرَة، في ظل الحريات الديمقراطية الحقيقية، وفي ظل حكم القانون واستقلالية المؤسسات، لا يمكن أن تدوم أياما معدودات، إلا في الإعلام الدعائي الإيديولوجي والمنظمات المشبوهة والجمعيات الهامشية المنبوذة. هذه هي حقيقة الحركات اللادينية في المجتمعات المسلمة اليوم؛ فهم دعامة من دعائم الاستبداد، وبوق من أبواقه، وتابع من توابعه، وإن اختاروا في خطاباتهم وشعاراتهم طريق التلبيس والتمويه والتزوير. فحيثما وجدت قمعا ومنعا واستبدادا سياسيا، فهناك نشاط مشبوه وحيوية غير عادية للتيارات اللادينية، التي تستعير أزياء متعددة، وترفع لافتات خادعات، كلافتة "الحريات الفردية"، ولافتة "التسامح ومناهضة التطرف والكراهية"، ولافتة "الديمقراطية وحقوق الإنسان".

الدستور الممنوح يشرّع للاستبداد السياسي
أنا عندما أربط الدستور الممنوح بالاستبداد، فإنني أقصد ما هو مسطور في فصول الدستور ومبين في السلطات والصلاحيات التي يتمتع بها الملك رئيسُ الدولة وأميرُ المؤمنين. فهذا الاستبداد المكتوب يوضح لنا بجلاء ما كان يقوله الملك الحسن الثاني الراحل، وهو أنه ليس هناك فصل للسلطات فيما يخص صلاحيات الملك؛ فمن صلاحياته أن يصدر القوانين من غير مرور بالبرلمان، ومن صلاحياته أن يصدر أوامر وتعليمات للحكومة من أجل التنفيذ، لا من أجل المناقشة والتداول والتشاور، ومن صلاحياته إعفاءُ الوزراء وحلُّ مجلسي البرلمان، ومن صلاحياته أنه يترأس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، إلى آخر السلطات والصلاحيات المنصوص عليها في الدستور الممنوح. ورغم أن هذا الدستور قد نص في الفصل الأول على قيام النظام الدستوري للمملكة على فصل السلط، وعلى ربط المسؤولية بالمحاسبة، فإننا نجد أن الملك، بما يتمتع به من سلطات، غيرُ معني بمبدأ فصل السلطات، ولا بمبدأ ربط السلطة بالمساءلة والمحاسبة. وهذا هو السبب الرئيسي الذي من أجله جاز أن نصف الدستور الممنوح بأنه دستور يكرس دولة الاستبداد، ويحيل سائر المؤسسات والهيآت والمجالس إلى أشباح بلا معنى، وإلى فضاءات تتردد فيها أصداء الأوامر والتعليمات.
وفي رأيي أن كل من يدافع عن هذا الدستور، ويتوقّح فيرفعه إلى صف أرقى الدساتير في العالم، إنما هو مدافع عن الاستبداد، علم بذلك أم لم يعلم، لأن الديمقراطية، في أبسط معانيها وأجلى صفاتها، أن تكون ممارسةُ السلطة-كيفما كانت هذه السلطة-متبوعة بالمراقبة والمحاسبة، وأن يكون هناك حاكمٌ من جهة تقابله معارضةٌ من جهة ثانية، وإلا فهو الاستبداد والحكم المطلق.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين