الجمعة، 11 يوليو 2014

في المرجعيّة الإسلاميّة المخزنيّة



بسم الله الرحمن الرحيم

في المرجعيّة الإسلاميّة المخزنيّة

(1)
أذكِّر، حتى لا ننسى، أن المخزن، في الاصطلاح السياسي السائد، وأيضا في الاستعمال الشعبي الشائع، هو النظام الذي يحكم حياتَنا السياسية، والذي يقوم، في أساسه، على مَلكيّة وراثية، يسود فيها الملكُ ويحكمُ بسلطات شبه مطلقة، لا يترَتّب عليها، في حقّه، أيُّ شكل من أشكال المتابعة والمحاسبة. فالمَلك، في الدستورَيْن الممنوح والعرفيّ، هو فوق المؤسسات، وليس هناك في قوانيننا مؤسسةٌ فوق الملك، تملكُ سلطةَ مساءلَته، ومراجعتِه، وانتقاده، بلْهَ متابعتَه ومحاسبَته.
هذا هو النظام الذي يحكمنا، والذي نجح، في تقديري، نجاحا باهرا في جرّ معظم التنظيمات والنّخب السياسية والفكرية، بمختلف أساليبِ الترغيب والترهيب، لِجَعْلها تدور في فلكه، وتدافعُ عن أطروحاته، وتصفّقُ لسياساته، إلى حدّ التملّق المنفّر، والنفاق المقزّز، والانبطاح المقيت. ويكفي أن نتذكَّر هنا أن هذه النخبَ المجرورةَ هي الذي وَضعَت، بتوجيهٍ مِن الملك، مُسوَّدَةَ مشروع دستورِ ما بعد عواصف الربيع العربي، الذي تمَّ إقرارُه في استفتاء فاتح يوليوز2011، على الطريقة المعهودةِ في استفتاءات عهد "تازممارت" وسنواتِ الرصاص.
ويُعدُّ الدين/الإسلامُ، بما خالط منابعَه الصافيةَ مِن شوائب، وبما أُضيفَ إليه من أعراف وطقوس مخزنية، علاوةً على المتن الفقهي، الموروث والمستحْدَث، الذي يُسوّغ دولةَ الاستبداد، ويجوّزُ بيْعَة التغلّبِ والإكراه-يُعَدّ هذا الدّينُ المَشوب مِن الأسس القوية التي يَبني عليها النظامُ المخزنيُّ شَرعيتَه ويفرض سلطانَه.

(2)
لقد أسقط الإسلاميون الموالون مِن قاموسهم السياسي كلمةَ (مخزن) لِنعتِ نظامنا السياسي، بعد أن باتت عندهم مفردةً مهجورة تنتمي إلى الماضي البعيدِ المتجاوَز. والنظامُ الملكي القائمُ على البيعة الشرعية، حسب توجههم السياسي واختيارهم الفقهي، هو أساس الدولة الإسلامية في المغرب منذ قرون. إذن، فالمرجعيةُ الإسلاميّة للنظام هي عندهم مِن باب تحصيلِ حاصِل.
حزبُ العدالة والتنمية، وهو رأسُ الإسلاميِّين الموالين المشاركين، حزبٌ يعرّف نفسَه، في قانونِه الأساسي، بأنه حزب سياسيٌّ يعمل بمرجعيّة إسلامية.
وفي الممارسة السياسيّة الحزبية، لا يكفي أن تتجلّى بعضُ مظاهر هذه المرجعية في السلوكاتِ الفردية، وفي الحياة الخاصة للمسؤولين، وإنما المطلوبُ، في رأيي، أن تتجلى في برامجَ وقراراتٍ وسياسات وأهداف مرسومة، يمكنُ بها الحكمُ بأن هذا القرارَ، أو هذه السياسةَ، أو هذا الهدف، هو عاكس، حقيقةً وفعلا، مرجعيةَ الحزب الإسلامية.
بعبارة أخرى، أين تتجلّى مرجعيةُ حزب العدالة والتنمية الإسلامية في عملِه الحكومي والبرلماني والجهوي والإقليمي والمحلي؟
أين هي بصماتُ هذه المرجعية الإسلامية فيما يصدرُ عن الحزب من سياسات وقرارات ومشاريع قوانين واقتراحات واعتراضات وبيانات؟
أين هي مرجعيتُه الإسلاميةُ في عملِه السياسيّ العام، في عمله الحكومي، في عمل الوزارات التي يديرها، وليس في الكلام والشعارات والمناكفاتِ الإعلامية والخطابات الاستعراضية؟
المعروفُ ممّا هو موثَّق ومنشور من أنشطة الحزب السياسية أن الحزبَ لم يكن له أيُّ أثر فعليٍّ واقعيٍّ تظهر فيه مرجعيتُه الإسلامية بكل وضوح؛ فليس هناك قانون، ولا مرسوم، ولا قرار إداري، ولا غيرُها من الوثائق والأفعال تظهرُ فيها المرجعيةُ الإسلامية للحزب.
أَذْكُر، مثلا، أن السيد مصطفى الرميد كان صرّح، في نونبر2011، مباشرةً بعد نجاح حزب العدالة والتنمية بالمرتبة الأولى في انتخابات 25 نونبر2011، أن حزبَ العدالة والتنمية لن يغلق الحانات الموجودة، لكنه لن يسمح بفتح حانات جديدة.
فماذا كان بعد هذا التصريح؟
الذي كان هو أن حزبَ العدالة والتنمية أصبح على رأس الحكومة الجديدة، وأن السيد مصطفى الرميد عُيّنَ وزيرا للعدل والحريات في هذه الحكومة، وأن محلات جديدةً لبيع الخمور قد حصلت على الترخيص القانونيّ في ظل هذه الحكومة التي يترأسها الأمينُ العام لحزب العدالة والتنمية. فماذا يعني هذا؟ وأين هي مصداقيةُ تصريحات أو وعود السيّد الرميد؟
هذا يعني، في رأيي، واحدا من أمرين، إمّا أن السيد الرميد قال ما قال في نشوةِ الانتصار الانتخابي، وهو يجهل كلَّ شيء عن عمل الحكومة التي سيصبح عضوا فيها، ويجهل أساليبَ الدولةِ المخزنية في شأن إعطاء الرخص ومنعها، وإمّا أنه قال ما قال عن الحانات والخمور بحسن نية، لأنه كان يعتقد، يومئذ، وهو ما زال محسوبا على المعارضة، أن أيَّ مسؤول إسلامي في الحكومة لا يمكنُه أن يرخص لبيع أمِّ الخبائث للمسلمين. لكنه،  عرَف، بعد ذلك، بفعلِ الممارسة والاحتكاك بدواليب الدولة، أن الحكومةَ لا تملك سلطةً حقيقية في شأن واقعِ صناعةِ الخمور وتجارتِها وترويجها واستهلاكها، وأن السلطةَ الحقيقية لتدبير هذا القطاع(قطاع الخمور) إنما هي بيد المخزن، لا تملك معها الحكومةُ إلا السكوت والإذعان.
وواقعةٌ أخرى تحْضرني في هذا السياق، ولعلها تؤكد ما قلته قبل قليل، وتتعلق بإشهار الخمور. ففي شهر ماي 2012، تَقدّم فريقُ حزب العدالة والتنمية في مجلس النواب بمشروع قانون لمنعِ إشهار الخمور. واليوم، وبعد مرور أكثر من سنتين على التقدم بهذا المشروع، لا يعرف أحدٌ شيئا-فيما أعلم-عن مصير هذا المشروع التشريعي، وهل ما يزال مقترحا للنظر والمناقشة، أم أنه أهمل وألغي، أم ماذا؟
ولا بد أن نتذكَّر هنا ذلك الموقفَ الصارم الذي وقفه لوبياتُ الخمور في البلاد(السياحة، الفنادق، المطاعم، وكالات الأسفار) ضد مشروع هذا القانون. أيكون هذا الموقفُ الرافضُ مِن هذه اللوبيات وراء إقبار المشروع، كما كانت لوبياتٌ أخرى وراء إقبار مشاريعَ أخرى رأوها لا تساير مصالحهم؟

(3)
إن قطاعَ الخمور وما يتعلق به من قوانين ومراسيم ورخص، فلاحةً وصناعةً وتجارة وإشهارا وتسويقا واستهلاكا، واحدٌ من الأمثلة على أن الحكومة، بعكس ما يدعيه الموالون، لا تملك سلطةَ التصرف والقرار في بعض المجالات، إلا بضوء أخضر من النظام المخزني. فهي إذن حكومةٌ مقيَّدةُ الحركة في كثير من القطاعات، وخاصة الاستراتيجية والحسّاسة منها. هذا من جهة.
ومِن جهة ثانية، فإن المرجعية الإسلاميةَ في الفقه المخزني تمتاز بإضافاتٍ واجتهادات وانحرافات كثيرةٍ عن المرجعية الإسلامية الأصليّة، كما تبسطها المصادرُ الإسلامية المعتبَرة عند جميعِ العلماء والفقهاء والمجتهدين.
ومما تمتاز به المرجعيةُ الإسلامية المخزنية، أيْ كما تتجلّى في ممارسات النظام، أن الملك، بصفته "أميرا للمؤمنِين"، هو وحده الذي يملك حقَّ الجمع بين السياسة والدّين في أنشطته وسياساته وقراراته وغيرِ ذلك مما يصدر عنه من سلوكات وآراء. وهذا يعني، في دولة المخزن، أن الحكومةَ لا تملك حقَّ النظر في شؤون الدولة استنادا إلى خلفية دينيّة، إلا تابعةً ومأمورةً ومُنفذَةً، وإن كان مِن بين أعضائها وزيرٌ مكلّف بالأوقاف والشؤون الإسلامية. فهذا الوزير، في الحقيقة-وهذا مِنَ الغرائبِ التي تميزّ حكوماتِنا المخزنية-ليس مسؤولا أمامَ هذه الحكومة إلا عن الإخبار والتبليغ وإصدار المراسيم وتوقيعها. أما المضامين والسياسات والقرارات، فإن الوزارة تتلقى الأوامرَ فيها والتوجيهاتِ والتعليماتِ مِن رئيسها الفعليّ، الذي هو "أميرُ المؤمنِين".
ومِن جهة ثالثة، فإن النظامَ المخزنيَّ يمنع قيامَ أحزاب "إسلامية"، وهذا ما يَفرض على الأحزاب الموجودة أن تمارسَ السياسةَ بمعزل عن الإسلامِ وما يعنيه الإسلامُ مِن عقائدَ وشرائعَ وآدابٍ وأخلاق.
وينبغي أنْ نَذْكرَ هنا أن فريقَ حزب العدالة والتنمية في مجلس النواب حينما تقدم بمقترحه في شأن منعِ إشهار الخمور وضَّح أن مقترحَه  مبنيٌّ على أساس قانوني وليس على أساس ديني، وذلك حتى لا يُتّهم بحشْر الدين في السياسة. وحزبُ العدالة والتنمية كان دائما حريصا على أن يبتعدَ عن الخوض في الأمور السياسية بخلفية إسلامية واضحة، بل كان يسعى دائما، وخاصة بعد تفجيرات 16 ماي 2003 الإجرامية، أن يَظهر بصورة الحزب السياسيِّ الخالصِ حتى لا يجرَّ عليه غضبَ النظام المخزني، فيعرّضَ نفسه للاتهام والحلّ.
نفهمُ مِن هذا أن حزب العدالة والتنمية هو حزبٌ "إسلامي"، اعتبارا لِما يقولُه عنه الآخرون، ولِما يروج في الإعلام وبين الناس. أمَّا إذا اعتبرنا الوجهَ السياسيَّ والقانونيَّ مِن المسألة، فإن حزبَ العدالة والتنمية ليس حزبا إسلاميا، وإن كان لمعظم قياداتِه مسار طويل في الحركة الإسلامية المغربية.
ومِن جهة رابعة، فإن حزب العدالة والتنمية لا يمكن أن يكون إلا على إسلاميَّةِ أميرِ المؤمنِين، لا يتعدّاها. ولهذا لا نجد عند هذا الحزب "الإسلامي" الموالي أيَّ اعتراضٍ أو رفض أو احتجاج أو غير أولئك مِن أشكال النقد والمراجعة لِما يصدر عن الملك مِنْ سياسات وقرارات في شأن ما يُسمّونه بالحقل الديني، الذي يحتكرُ الملك وحده، دستوريا وعرفيا، الكلامَ فيه.
فمثلا، لا يملك حزبُ العدالة والتنمية أن يناقشَ قرارَ الملك بمنع "القيِّمِين الدينيِّين" مِن مزاولة أيّ عمل سياسي أو نقابي.
ولا يملك أن ينتقد سياسةَ إبعادِ العلماء عن الشأن العام، ومنعِهم مِن الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر. ونتذكّر هنا حالةَ الأستاذ رضوان بنشقرون، الذي أُعفِيَ، سنة2010، مِن رئاسة المجلس العلمي المحلي بعين الشق، لأنه تجرَّأ على انتقاد مهرجان (موازين) في بيان علني.
ولا يملك الحزبُ أن ينظر بعين السوء إلى الرعاية السامية لبعض المهرجانات، ولو كان في هذه المهرجانات ما يخالف بعضَ أحكام الإسلام وفضائله، في الكلام والمظهر والسلوك، وما يستفز المسلمين، ويؤذي مشاعرَهم، وينتهك أخلاقهم، ويفسد أذواقهم.
ولا يملك الحزبُ "الإسلامي" أن يطلبَ مراجعةَ الظهير الصادرِ عن الديوان الملكي سنة1967، والذي ما يزال يُعتَبَر هو الأساس التشريعي في تقْنِين ترويج الخمور واستهلاكها في المجتمع المغربي المسلم.
ولا يملك أن يطلبَ جعلَ يوم الجمعة يومَ عطلة أسبوعية في مجتمعنا المسلم بدلا عن يومي السبت والأحد. كما لا يملك أن يطلبَ أن يُحدَّدَ ليوم الانتخاب والاستفتاء يومٌ غيرُ يوم الجمعة، حتى لا يُحرَم الآلاف من المسلمين مِن أداءِ الفريضةِ التي فرضَها الله عليهم.
ولا يملك أن يقول شيئا يعارض سياسةَ الدولة المخزنية في قطاع السياحة والخدمات الترفيهية، وإن كان لا يجهلُ ما يعرفُه هذا القطاعُ من انحرافات ومنكرات تمس سمعةَ المجتمع المغربي الإسلامي وكرَامَتَه في الصميم. وكلُّنا يذْكر الزوبعةَ التي أثارها كلامٌ للسيد مصطفى الرميد، وزير العدل والحريات، في إحدى زياراته لمدينة مراكش، في 2012، حين وصف مدينةَ مراكش بأنها باتت مقصدا للسياح لمعصية الله. وقد اضطر رئيسُ الحكومة، السيد بنكيران، للتدخل لإطفاء غضب لوبيات السياحة والترفيه، الذين احتجّوا بقوة على كلام السيد وزير العدل والحريات.
ولا يملك حزبُ العدالة والتنمية أن يطلبَ تغييرَ القانون الذي يمنع تأسيسَ الأحزاب على أساس إسلامي، ونحن في مجتمع مسلم ليس له مشكل مع الإسلام. فماذا فعَلَ الحزبُ "الإسلامي"، وهو على رأس الحكومة، ووزير العدل والحريات هو قياديٌّ في الحزب-ماذا فَعَل في قضية حزب "البديل الحضاري" المحلول بقرار ظالم؟ وماذا فَعَل في ملف حزب "الأمة" الممنوع، أيضا، بقرار مخزني ظالم؟ وماذا فَعَل في ملف المواطنين المسلمين المظلومين في قضية ما يُعرف بالسلفية الجهادية؟
ولا يملك الحزب "الإسلامي"، وهو على رأس حكومة ما بعد الربيع العربي، أن يُغيّر، ولو جزئيا وشكليا، سياسةَ الإعلام العمومي، الذي يجاهر، في بعض ما يبثّه مِن برامج وأفلام ومسلسلات، بمعارضة الدين، وانتهاك حرمات الإسلام، وإيذاء مشاعر المسلمين. ألمْ يُنكر السيد مصطفى الخلفي، وزيرُ الاتصال أمام مجلس المستشارين، في جلسة رسمية، نقلها التلفزيون الرسمي، في شهر ماي الماضي، بعضَ ما يعرضه التلفزيون العمومي، ووصفَه بأنه عملٌ ينتهك الدستور والقانون؟ ثُمّ ماذا كان بعد هذا الإنكار والاتهام؟ لا شيء، لأن القرار السياسيَّ فيما يخصّ الإعلام العمومي ليس بيد السيد الخلفي، ولا هو بيد رئيس حكومته، ولا بيد أي عضو من أعضاء الحكومة، وإنما هو بيد المخزن. وكونُ الإعلام العمومي بيد المخزن يعني، مِنْ بين ما يعنيه، أن ما يبثُّه هذا الإعلامُ لا يتعارض مع المرجعيةِ الإسلاميّة المخزنية، بل هو انعكاس لها، وناطقٌ بحقيقتها ومضمونها وأهدافها.
وبعد، فأين هي إذن هذه المرجعية الإسلامية لحزب العدالة والتنمية، وهو لا يستطيع أن يتفوّه بكلمة واحدة يُشْتَمّ منها رائحةُ الاعتراض على سياسة الدولة في الشؤون الإسلامية؟
يحقُّ لنا، والحالة هذه، أن نستنتجَ أن المرجعية الإسلامية التي يتحدث عنها حزبُ العدالة والتنمية في أوراقه الرسميّة هي نفسها المرجعية الإسلامية المخزنية. وعلى هذا، فليس هناك أيُّ غرابة أن تكون مواقفُ الحزب فيما يخصّ السياسات التي تتبعها الدولة المخزنية-وليس حكومة السيد بنكيران- في مجال تجديدِ ما يُسمّونه بالحقل الديني وتأهيلِه، مواقفَ تابعةً ومؤيدةً ومصفقةً ومدافعةً عن سياسات إمارة المؤمنِين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين


الجمعة، 4 يوليو 2014

عَجبٌ في دجنبر



بسم الله الرحمن الرحيم
عَجبٌ في دجنبر

لو أن فاسقا فاجرا ماجنا، ينتسب، زورا وانتحالا، إلى الثقافة والفن والأدب، حُوكم بسبب فسوقه وفجوره ومجونه، لقامت قيامةُ اللادينيِّين ولم تقعد، ولنادَوْا بالويل والثبور، ولبَكَوْا حريةَ الفن والإبداع بدموعٍ للتماسيح لا تنقطع. أمّا المبدعون الإسلاميّون، في المغرب الحداثي، فلا بواكيَ لهم. فأبشروا، أيها الحداثيون اللادينيّون، بقوله تعالى: (فأما الزّبدُ فيذهب جُفاءً، وأمّا ما ينفع الناسَ فيَمكُثُ في الأرض).
وبعد، فقد نظمت هذه الأبيات بمناسبة محاكمة الأستاذ الشاعر منير ركراكي بسبب قصيدته "عجب في رجب"، في دجنبر 2010. تراجع القصيدةُ/الجريمةُ على الرابط التالي:
وشهر دجنبر - زعموا- هو شهرُ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
*****

محاكمةُ القصِيد[1] من الغبــــــــــــــــاء//وإنكارُ الضياء من العَمـــــــــــــــــــــاء
لقد كشف المنيرُ[2] عَوَار قـــــــــــــــوم//فأضحَوْا في العراء بلا كســـــــــــــــاء
عدوٌّ للظلام بلا نظيـــــــــــــــــــــــــرٍ//منيرٌ في الصباح وفي المســـــــــــــــاء
هُوَ الْأنوار في الظلماء تهـــــــــــــدي//هُوَ الْتّصديق في زمن المِــــــــــــــــراء
منيرٌ ليس يُطفئه سُعـــــــــــــــــــــــارٌ//ألَمّ بأهلِ بَغْيٍ وافتـــــــــــــــــــــــــــراءِ
فمخزَنُنا الغشوم[3] بلا دليــــــــــــــــــل//يُخَبِّطُ في الظلام بلا رجـــــــــــــــــــاء
وقد بلغ السَّفَاه إلى حضيـــــــــــــــض//وهلْ بعد الحضيضِ مِنِ ارْتِقـــــــــــاءِ؟
شعورُ الناس أصبح مستباحــــــــــــــا//ومُتهَمًا يُساق إلى القضــــــــــــــــــــاء
فهذِي "نكتةٌ" باتت مَعيشـــــــــــــــــا://قضاءٌ باتَ يحكم في الخَـــــــــــــــــواء
فهذا المدّعي "الغازي" عُميْـــــــــــــلٌ[4]//تحرّكه الأصابعُ للبكـــــــــــــــــــــــاء
فمَنْ أبكى عُميْلا، يا إلهـــــــــــــــي؟//ومن دفعَ الأمور إلى العِـــــــــــــــــداء؟
منيرٌ قال شعرا في غُــــــــــــــــــزَاةٍ//يُحلّون الحرامَ بلا حيـــــــــــــــــــــــــاء
وقد جَلَّى الحقيقةَ في بديــــــــــــــــع//من القولِ الجميلِ بلا طــــــــــــــــــــلاء
لقد خَطَفوا رجالا[5] فجرَ يــــــــــــوم//وعاثُوا في حقوق الأبريــــــــــــــــــــــاء
بكلِّ عنيفِ فعلٍ، لم يُبالُـــــــــــــــوا//وكلِّ بَذيءِ لفْـــــــــــــــــــــــــظٍ وازدراء
كـأنهمُ وحوشٌ ضاريــــــــــــــــاتٌ//كأنهمُ عصابةُ أشقيــــــــــــــــــــــــــــــاءِ
لقد نظمَ المُنيرُ بنفسِ حـُــــــــــــــــرٍّ//يدافع بالمديح وبالهجــــــــــــــــــــاء
يُعَرّي للحقيقة وجهَ قـــــــــــــــــــومٍ//ليظهرَ للعبادِ بــــــــــــــــــــلا غطاءِ
لقد نظمَ المشاعرَ كاشفـــــــــــــــاتٍ//عنِ الطغيانِ في زمن البـــــــــــــلاء
عنِ الظلماء تدفعُ كلّ نــــــــــــــــورٍ//عنِ الفتيان في نِعَم العَنــــــــــــــــاء
يقول الحقّ في عِقْدٍ نضيـــــــــــــــدٍ//يقدّره جميعُ الأسويـــــــــــــــــــــــاء
ويَجْحَده المحبُّ لكـــــــــــــــــل مُرٍّ//ويرفضُه العليلُ بكـــــــــــــــــــل داء
لقد رصد القصيدُ فجورَ قـــــــــــوم//بإحساسٍ مُدين واستيــــــــــــــــــــاء
وتعبيرٍ قويٍّ مستفِــــــــــــــــــــــــزٍّ//لمَنْ أمرَ العُميْلَ بِالاِدّعـــــــــــــــــاء
ومنْ حاك القضيّة في ظــــــــــــلام//ومن طبخَ الجريمة في خفــــــــــــاء
منيرٌ أنتَ متهَمٌ بســــــــــــــــــــــبٍّ//وقذفٍ بالقصيدة والغِنَـــــــــــــــــــاء
فهذا المشتكي الغازي عُميْــــــــــــلٌ//يريدُ إدانةً لِلْاِعْتِـــــــــــــــــــــــــداء
يريدُ الجعجعاتِ بلا طحيـــــــــــــنٍ//يريد الانتقامَ من الإبَـــــــــــــــــــــاء
يريد مُحرّكو العملاءِ شِعـْـــــــــــرا//يكون به الكـــــــــلام بــــــــلا رَوَاء
يريدون المشاعرَ في قيــــــــــــــود//تسبّحُ للسّخافة في انحنـــــــــــــــــاء
يريدون الورودَ بغير عطــــــــــــرٍ//يريدون الربيعَ بغير مــــــــــــــــــاء
يريدون الفنونَ بغيـــــــــــــــــر فنّ//يريدون النجومَ بلا سمـــــــــــــــــاء
يريدون السماعَ بغير صــــــــــوتٍ//يريدون الحياةَ بلا هــــــــــــــــــواء
يريدون الجماعةَ[6] بالتمنّـــــــــــــي//فتنخرط  العصابَةُ في العُـــــــــــواء
وإنهمُ لفي يأسٍ شديــــــــــــــــــــدٍ//وإنهُمُ لأحوجُ للرثــــــــــــــــــــــــاء
وإن الشعرَ في زمن الـــــــذراري//ليوشك أن يصيح من الغثــــــــــــاء
ويوشكُ أن يكون له أنيـــــــــــــنٌ//كما أنَّ المريضُ بـــــــــــــــــلا دواء
أَلاَ إنّ الجميلَ إلى خلـــــــــــــــود//أَلاَ إن القبيحَ إلى جُفـــــــــــــــــــــاء[7]
أَلا إنّ المُنيرَ إلى بقــــــــــــــــــاء//أَلاَ إن الظلام إلى فنــــــــــــــــــــــاءِ


[1]  المقصود قصيدةُ الأستاذ منير ركراكي "عجب في رجب".
[2]  الإشارة هنا إلى ناظم القصيدة الأستاذ الشاعر منير ركراكي.
[3]  أي الظالم.
[4]  تحقيرٌ لعَمِيل.
[5]  هم قياديو جماعة العدل والإحسان في فاس، الذين تم اختطافهم فجر يوم 28 يونيو2010. وبعد احتجازهم وتعذيبهم خارج أي مسطرة قانونية، تم تقديمهم للمحاكمة بتهم جنائية ملفقة من ألفها إلى يائها.
[6]  أي رأس جماعة العدل والإحسان.
[7]  الجُفاء: ما تقذفه السيول من زبد وأوساخ وزِبال.

الجمعة، 27 يونيو 2014

أين إمارةُ المؤمنِين في الواقع؟



بسم الله الرحمن الرحيم



أين إمارةُ المؤمنِين في الواقع؟
 


دعاء

قد جاءنا شهرُ رمضان المُبارَك. اللهم أهلّه علينا وعلى المسلمين في كل بقاع المعمورة باليمن والأمن والسلامة والسلام، ووفِّقْنا فيه لعمل الصالحات ونيل الخيرات والبركات.

 آمين

*****

أين إمارةُ المؤمنِين في الواقع؟

هذا السؤال مطروح، أولا، على العلماء الذي عليهم أن يبينوا للناس أمورَ دينهم، بلا تقاعس، ولا تخاذل، ولا تلعثم. عليهم واجبُ البيان، ليس ائْتِمارا بأمر من يستخدمهم ويضمن رواتبهم وامتيازاتهم، ولكن ائتمارا بأمر الله، الذي أخذ عليهم الميثاق، ليُبيِّنوا الحقَّ للناس بلا كتمان ولا تردد.

والسؤال مطروح، ثانيا، على الإسلاميِّين، الذين لا يفتأون يدافعون عن إمارة المؤمنين في كل مقالة ومناسبة، ويشيدون بفضلها في حفظ الدين، وجمعِ أمر الأمة وحمايتِه مِنْ أن يعبث به العابثون، وتعصفَ به رياحُ الفتنة والتياراتِ الهدّامة.

فإن كان من واجبات إمارة المؤمنِين حمايةُ حِمَى الملة والدين، فإن هذه الحمايةَ لا تكون بالتصدي للعلماء الأحرار-وإن كانوا لا يعترضون على إمارة المؤمنين- بالطرد والتضييق، ولا بإبعاد الخطباء الشرفاء عن المنابر، لأنهم يقولون الحق، لا يخافون لومةَ لائم، ولا بمنعِ المؤمنين من عمارة بيوت الله بمجالس الذكر والاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، ولا بمحاكمةِ مَنْ يجتهد-بحسب علمه وفهمه وأسلوبه في التبليغ- في الذود عن مقدسات دينه والردّ على استفزازات اللادينيِّين الغلاة، وشُبهاتِهم ومطاعِنهم.

في اعتقادي، لا تكون حمايةُ الملة والدِّين بالتضييق على المؤمنين الدعاة-مهما اختلفنا مع مقالاتهم وأساليبهم- وتركِ الحبلِ على الغارِب للطاعنين على الإسلام، مِن شتى المشارب والمذاهب والتيارات، يتجرأون على معتقدات المسلمين جهارا نهارا، لا يجدون مِن سلطة إمارة المؤمنين صدّا ولا ردّا، ولا عتابا ولا عقابا.

فاللادينيون اليوم، ومنهم ملحدون صرحاءُ باتوا معروفين بوجوههم وأسمائهم ومقالاتهم وانحرافاتهم وضلالاتهم، بل منهم مَن يُستضاف، مُعزَّزا مُحتَفىً به، في القنوات العمومية- هؤلاء اللادينيّون بات لهم اليوم صوتٌ مسموع، رغم أنهم أقلية هامشية مقارنةً بغالبية الشعب المسلم. ولم يعودوا يكتفون بأن تكون لهم منابرُ لممارسة ما يزعمون أنه حقُّهم في الرأي والتعبير، ولِبَثِّ مقالاتِ التجريح والتشكيك والمغالطة والتضليل، بل تقَدَّموا في نضالهم ومطالبِهم درجاتٍ، وأصبحوا يُطالبون بتغيير الدستور ليستجيبَ لأهواء الملحدين، وتعديلِ القوانين بهدف التطبيع مع المُحرَّمات، وإباحةِ فعلِ المنكرات.

وتُعدّ (الجمعية المغربية لحقوق الإنسان)، في رأيي، مِن أبرز التنظيمات التي تبنّت هذا النهجَ اللادينيَّ الصارخ، وذهبت فيه كلَّ مذهب، تحت لافتةِ الدفاع عن حقوق الإنسان.

وقد احتضن مقر هذه الجمعية مؤخرا، يوم الاثنين 23 يونيو الماضي، ندوة لمجموعة من الشباب الطائش الضائع، إنْ أحسَنّا الظنَّ، ينتمون لمجموعات يُعدّ أفرادُها على رؤوس الأصابع لهامشيَّتِهم، ولِشذوذ أفكارهم ومطالبِهم، ولعدوانيّةِ خطابِهم ووقاحتِه وجراءته على الإسلام وأحكامه القطعية، وسننِه  وآدابه وأخلاقِه. ورغم قزميَّتِهم العدديّة، وشذوذِهم الفكري والاجتماعي، فإن صوتَهم بات واصلا ومسموعا بسبب ما يجدونه مِنْ دعم وتشجيع ورعاية وحماية، مِنَ الداخل والخارج، وبما يُسَلَّط عليهم من أضواء إعلامية كشّافة، تُقدِّمُهم وكأنهم المَهديّون المنتَظَرون، وتعرِضُ شذوذَهم وكأنه قضيةُ القضايا.

وأذكِّر القارئ الكريمَ أن مِن أشهر الإنجازات الفاضحةِ لهؤلاء "الذَرَارِيّ"، أنهم دَعَوا، سنة2009، إلى تنظيم حفلةٍ جماعية للمجاهرة بانتهاك حرمة رمضان، لكن دعوتهم انتهتْ إلى الفشل والخذلان. ونظّموا، سنة2013، وقفة احتجاجية بـ"تبادل القبلات" أمام البرلمان، اتّسمتْ بالسفالة والمهانة والانحطاط الأخلاقي، وانتهتْ، هي الأخرى، بالمذلَّة والاحتقار والعار على شرذمةِ السفهاء الذين شاركوا فيها.  

وفي تقديري أن هذه الندوةَ الشاذّة، في مقرِّ الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أراد لها أصحابُها، الظاهرونَ في الواجهة، والمُتَوارون وراء الستار، أن تظهرَ على أنها حدثٌ عام يستحق أن يصورَه المصورون، ويحلله المحللون، ويعلّق عليه المعلقون، حتى يصلَ خبرُه إلى الأقاصي البعيدة، فيصبح حديثَ الناس في منتدياتهم، وشاغلَهم في نقاشاتهم. ونسيَ هؤلاء المنظمون، الكبارُ المختَفون، و"الذراريّ" الظاهرون النَّزِقون، أنهم في مجتمع مُسلم سيظل يلفِظُهم، وينبِذهم، ويحتقرهم، ما داموا يتطاولون على عقائد الإسلام، وقرآنِ الإسلام، وسنن الإسلام، وحرماتِ الإسلام.

الملحدون، السادةُ وغِلْمانُهم، في المجتمع الإسلامي، سيظلون، اليوم وغدا، أقليةً ملفُوظَة مكروهَة مهما ضخّم الإعلامُ اللادينيُّ صوتَهم، ومهما سمَّنَ الضُّلاّلُ هزالَهم، ومهما حسَّن الفُسَّاقُ مقابحَهم، ومهما مدَحَ الشياطينُ عاهاتِهم وخطاياهم.

أين هي إمارةُ المؤمنين في هذا الواقع؟

بماذا يرُدُّ حماةُ الملّةِ والدِّين على مَن يواجههم ويتحدّاهم ويُبَرِّق لهم عينَيْه، ويقول لهم بالفم الملآن: نريد أن تغيِّروا دستورَكم الممنوحَ بدستور جديد يضمن لنا حقَّ الإلحاد والمجاهرة بالدعوة إليه في المجتمع المسلم، ويُلغي كلَّ علاقة للمجتمع بالدين، ويُبيح المحرَّمات، ويحلّلُ الخبائث، ويطبّعُ مع الشيطان وما يخرج من معْدِن الشيطانِ مِن ضلالات ومنكرات؟

بماذا يردّ حماةُ الأمن الروحي للمغاربة على مَن يطالبهم بمنع تنشِئة أبناءِ المسلمين على دين آبائهم وأجدادهم؟

بِمَ يردُّ حماةُ المذهب المالكي والعقيدة الأشْعَريَّة وطريقة الجُنَيْد السالك على مَن يطالبهم بإلغاءِ الفرائض التي فرضها الله على المسلمين، في العبادات والمعاملات، في الدماء والأموال والأعراض، في السلوك والآداب والأخلاق؟

بماذا يردُّ الذين يحتكرونَ النظرَ في شؤون الناس الدينيَّةِ والدنيويَّة، ويَدّعون حمايةَ وحدة الأمةِ بإمارة المؤمنين ووحدَة المذهب المالكي، والسهرَ على الأمن الروحي للمؤمنين أن تمتَدَّ إليه يدُ الفتَّانين، وينتهكَه الخوارجُ الضَّالّون، على مَن يتكلُّم في ندوة علنية، وفي مكان عمومي، يُطالب بإقرارِ حرية الارتداد عن الإسلام، وبحرية المرأة الجنسية، أيْ بحقِّها في الزّنا والسِّحاق،  مِنْ غير أنْ يُعدّ ذلك منها جريمةً وخروجا على الطبيعة والأخلاق العامة؟

يا "حماةَ" حِمى الملة والدِّين، ألَمْ يصلْكم خبرُ هؤلاء الشراذم، الذين ينتهكون الدستور الممنوحَ، على علاَّته، ويخرقون القوانينَ المعمول بها، في الجُنح والجنايات، على مرأى ومسمع من سلطة النيابة العامة، ولا مَنْ يُحرّك ساكنا؟

 في رأيكم، يا حماةَ الملة والدين، ألا يُزَعْزِعُ هؤلاء الشواذُّ بهرطقاتهم وانتهاكاتهم وخرْجاتهم المشبوهة، عقيدةَ المسلمين، ويمتهِنُونَها ويدنِّسُونَها؟

أليس في بلادنا قانونٌ يحمي عقيدةَ المسلمين؟

أليس من واجباتِ دولةِ الحقّ والقانون أن تُطبّق القانون على جميع الناس، بلا تمييزٍ ولا محاباة، وبلا خشيةٍ من أيٍّ كان؟

وأنتم أيها الإسلاميون، المشاركون والمعارضون، الموالون والثوريون، ألا تستفزكم هذه الخرجاتُ اللادينية، التي بدأت تتكاثر وتتقوّى وتتجرّأ، والتي لا تُعير أيَّ اعتبار لدين المسلمين، ولا لأعرافهم وأخلاقهم، ولا للقوانين التي بها قوامُ العدالة والطمأنينة والاستقرار؟

أيها الإسلاميون المناضلون، مِن كلِّ المشارب والتيارات والاجتهادات، ألا ترَون أن هذه الخرجاتِ الشيطانيةَ تستحق منكم نبْذَ الخلافات التي تفرّقكم، ولو مؤقتا، ورصَّ الصفّ، وتوحيدَ الخطاب، في مواجهة منكَرِ هذه الشراذم المتحدية، في إطار القانون والقول البليغ؟

إني أعرف أن مِن الإسلاميِّين مَنْ تفرض عليه الضرورةُ السياسيةُ أن ينسج علاقات مع بعضِ دوائرِ هؤلاء اللادينيِّين، الذين يُناضلون تحت لافتات تمويهية، حقوقيةٍ وفكرية وفنية وثقافية حداثية، ويحتضنون ويتبنَّوْن ويدافعون عن هذه التيارات المنحرفة مِنْ نَوابِت الزندقة والإلحاد. والمأمولُ ألاّ تذهب بهم هذه العلاقاتُ السياسيّة الوقتيةُ إلى التقليل مِن شأن ما عليهم تجاه الدعوة، وهي الأصلُ الثابت الدائم، والركونِ إلى الذين ظلَموا أنفسَهم بمحاربةِ الله ورسوله والمؤمنين.

سيقولُ بعضُ الناس مِمّن تُلهيهم السياسةُ، بمضايِقها ومنعطفاتِها، في بعض الأحيان، عن لبِّ عملهم الدعوي، وعن الغضبِ لله ولرسوله، ولحُرُمات الله ومقدسات الإسلام، التي يعبثُ به الغِلْمة، ويدنسُها السفهاءُ الأشقياء- سيقول هؤلاء إن خرجاتِ هؤلاء "الذراريّ" المُبْطِلين ما هي إلا فرقعاتٌ مخدُومة لإلهاء الرأي العام بالأمور الهامشيةِ عن الأمورِ المركزيّة، وشغْلِ الناس بتوافِه القضايا حتى لا يشتغلوا بالمخزن وسياساته.

هناك من الإسلاميِّين ما ينظر إلى هذه النشاطات اللادينية الآخذة في التفاقم، تحت ألوان شتى، ويقيّمها مِن هذه الزاوية التي يغلب فيها السياسيُّ على الدعويِّ الإيمانيِّ.

لكني أطرح على أصحاب هذا النظرِ الأسئلة التالية؟

هل هذه الخرجاتُ المتجرئة على الإسلام ومقدساتِه واقعٌ حقيقيٌّ مَعِيشٌ أمْ لا؟

هل هي خرجاتٌ في تصاعد وتنامٍ أمْ لا؟

هل يُشكِّل استفحالُ أمرِ هذه الخرجاتِ خطرا داهما على المجتمع الإسلامي وقيمه ووحدته أمْ لا؟

وأخيرا، أليس إسلامُنا ومقدساتُه في قلْب الأمرِ الذي ينبغي أن نشتغِلَ به؟

أليس إسلامُنا ومقدساتُه مُقدَّما، في الحكم والاعتبار، على اجتهاداتِنا الفكرية واختياراتِنا السياسيّة؟

أليس دينُنا ومقدّساتُ دينِنا، في الأهمية والمكانة، قبْلَ أحزابِنا وجماعاتِنا وحركاتنا وطوائفِنا وتحالفاتنا وقبائلِنا وعشائرنا وسائرِ ما نعتزّ به وننتمي إليه ونتعلق به؟

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.