الثلاثاء، 17 يونيو 2014

مُستَنَدُ "البيعة" في خطاب الإسلاميِّين المشاركين(2)



بسم الله الرحمن الرحيم


مُستَنَدُ "البيعة" في خطاب الإسلاميِّين المشاركين(2)


(1)
أذكّر القارئ الكريم أن موضوع "البيعة" له أهمية كبرى في فهم الفارق الجوهري بين موقف الإسلاميِّين الموالين المشاركين، الذين يمثلهم حزبُ العدالة والتنمية، ومعه حركةُ التوحيد والإصلاح وسائرُ المدافعين عن النظام الملكي بخلفية دينية، وبين موقف الإسلاميِّين المعارضين الثوريِّين، بخلفية دينية أيضا، بقيادة جماعة العدل والإحسان.
أمَّا المدافعون الموالون، فيرون أن البيعة أساس في الشرعية الدينية التي يحظى بها النظامُ الملكي-وهو قوامُ دولة المخزن-والتي توجب على الشعب/الرعية السمعَ والطاعة لـ"ولي الأمر"، في العسر واليسر، وفي المنشَط والمكرَه، وألا ينازعَ الأمرَ أهلَه. ولأصحاب هذا الاختيار مستنداتُهم من نصوص القرآن والسنة، وكذلك من اجتهادات العلماء وفتاوى الفقهاء، كما لهم لمساتُهم الخاصةُ التي تَظهر، أساسا، في فهم النصوص وتأويلها وتكييفِ مضامينها لتستوعبَ مستجداتِ واقعنا السياسي الحديث.
أمّا المعارضون الرافضون، فيرون بطلان "البيعة" القائمة على القهر والإكراه، والتي يُفرض فيها على الناس التسليمُ والخضوع من غير أن يكون لهم في الأمر اختيارٌ ولا رأيٌ ولا مشاركةٌ.
يقول الأستاذ عبد السلام ياسين، مرشدُ جماعة العدل والإحسان، رحمه الله، في رسالة "الإسلام أو الطوفان"، مميزا بين "البيعة" والمبايعة": "البيعةُ منذ يزيد بن معاوية قهرٌ يُنطق عدولَ المسلمين بوعد الطاعة المطلقة. والمبايعةُ التزامٌ من جانبين، عقدٌ بين أحرار يبطُل إن عصى الأميرُ اللهَ ورسولَه. وقد جعلها عمرُ بن عبد العزيز مبايعةً بعد أن كانت بيعة. البيعةُ بدعةٌ وتعَدٍّ واستعباد، والمبايعةُ عقدٌ يزكيه الله ورسوله".
ويقول في كتاب "العدل": "ميزةُ الحكم الإسلامي الشرعي أن الطاعةَ واجبةٌ لأولي الأمر منَّا بناءً على بيعةٍ تُلزم الحاكمَ والمحكومَ بأمر الله ورسوله، شرطاها الشورى في الاختيار والحكمُ بما أنزل الله...
"تلك الميزةُ في الحكم الإسلامي الشرعي، أعني ميزةَ الشورى والبيعةِ والطاعةِ الواجبةِ لأولي الأمر، هي التي انفتَقَتْ ففسدَ الحكمُ منذ الانقضاض الأموي، وغاب عن أفق المسلمين مدى أربعة عشر قرنا من الطاعة القهرية الشرطان الواجبان في العَقد السياسي حتى أصبحت الطاعةُ إلزاما قهريا محضا، عواملُ القهر فيه القوةُ العنفيةُ التي يتدرع بها في كل زمان ومكان الملوكُ العاضّون والجبريون، ثم العادةُ القرونيةُ التي ألِفَ بمقتضاها الناسُ الخضوعَ للحاكم أباً عن جدّ، ثُم الوهمُ أن في طاعة المسلمين للحاكم المتسلط وفاءً لبيعةٍ هي في ميزان الشرع تزويرٌ محض".
ونقرأ في كلامه، رحمه الله، قوةَ النقد ومرارةَ السخرية من طقوس حفل البيعة، حينما يصف هذا الحفلَ، في "مذكرة إلى من يهمه الأمر"، بأنه وثنِيٌّ "تقام فيه شعيرةُ البيعة المخزنية التي تُلزم كبارَ الشخصيات في البلد بالركوع خمس مرات أمام الصّنم البشري قبل أن يدفعهم الخدمُ المُطَرْبَشون ، ويسارعوا إلى رصّ صفوفِ باقي العبادِ الخاشعين."
إنها "طقوس بهلوانية لا تمتّ بأية صلةٍ إلى الميثاق الإسلاميِّ الجليل الذي يُلزم الشعب الحرَّ بطاعة الحاكم، ويُلزم الحاكمَ المنتخبَ بالعدل نحو الرعية. إن الحكم العاضَّ الذي يُلقِي للمسلمين الأمرَ بالركوع لغير الله وصمةُ عار على جبين التاريخ الإسلامي الذي يطبعه الاضطراب."

(2)
وإلى جانب هذين الاختيارين المتباعدين المتناقضين في موضوع "البيعة"، التي يزعم الموالون أنها أساس الشرعية الدينية للنظام، ويراها المعارضون طقوسا وتقاليد لتكريس دولة الاستبداد باسم الدين، نجد صنفا ثالثا من السياسيِّين، الذين يرون ضرورةَ التخلص من تقاليد دولة المخزن، ومنها البيعةُ وما يتعلق بها من طقوس وممارسات، وتأسيسِ دولة مدنية على أسس ديمقراطية، يحتكم فيها الناسُ، مِن رأسِ الحاكمين إلى قاعدة المحكومين، إلى الدستور والقانون، ويَخضع فيها الجميعُ إلى المتابعة والمحاسبة، بعيدا عن كل أشكال الدولة الثيوقراطية.
وهذا الاختيار الثالثُ هو الغالب عند اللادينيّين-وهناك مَن يسمِّيهم بالعَلْمانيِّين- من اليساريّين، الثوريِّين والإصلاحيِّين، ومِن غيرهم من الحداثيِّين المُغَرَّبين، الذين يرون ضرورةَ إبعاد الدين عن شؤون السياسة والاقتصاد والاجتماع والحريات والفنون والآداب.
ويمكن أن نلاحظ أن هناك تقاطعا بين هذا الاختيار الثالث وبين اختيار الإسلاميِّين الثوريِّين، وفي مقدمتهم جماعةُ العدل والإحسان، في رفض البيعة كما هي متجلية في ممارسات الدولة المخزنية وطقوسها وتقاليدها، وخاصة في الصورة التي تظهر عليها في حفل الولاء السنوي، هذا الحفل الذي ارتفعت أصواتٌ كثيرة، بعد تولية محمد السادس، وازداد ارتفاعُها، بعد الربيع العربي، منادية بإلغائه بسبب ما يمثله-عند معارضيه- مِن طقوس وتقاليد عَفَّى عليه الزمن، ولِما يكون فيه من ممارسات وإيحاءات وسلوكات تمجّد قيّم الاستبداد، وتمس بالكرامة الإنسانية.
وهذا التقاطع بين الاختيارين في الرفض والمعارضة لا ينفي ما وراءه من تناقضٍ بين الاختيارين في المرجعية الإديولوجية، وتباينٍ في معايير النظر والتقدير والتقويم، واختلافٍ في تصور العمل السياسي وما يتعلق به من قضايا الحكم ومسائل الحقوق والحريات.
وقد نجد من اللادنيِّين مَنْ يقبل بالبيعة، ولو في صورتها الحالية وما توحي به هذه الصورةُ وترسخُه من قيم وسلوكات تناقض معتقدَهم الإديولوجيَّ، لأن غاية سدِّ الطريق على الإسلاميِّين، والتضييقِ عليهم، ومنعِ خطابهم أن ينتشرَ في الناس، تبرّر عندهم كلَّ الوسائل. فهم مع البيْعة المخزنيّة وإن لم يكن لهم بالدين أيُّ سَبب، ما دام فيها قمعٌ وتضييق وإضعاف للإسلاميِّين.
أرجع، بعد هذا الاستطراد، إلى ما عندي من انتقادات على مُستَنَد البيعة في خطاب الإسلاميِّين المشاريكن.

(3)
شهادةُ أمير من دار المخزن
الأمير هو (مولاي هشام)، وأهميةُ شهادته في هذا الموضوع تأتي من وجهين، الأول أنها شهادة من واحد من أبناء العائلة الملكية، والثاني أنها شهادةٌ من أحد الموقِّعين على بيعة محمد السادس.
فإذا كان يسهل على الإسلاميِّين الموالين أن ينتقدوا موقفَ جماعة العدل والإحسان من البيعة بأنه موقف يستند إلى اجتهاد فقهي متطرف، ويعكس الاتجاهَ الثوري المعارض الذي تتبناه الجماعة في منهاجها السياسي، وكان يسهل عليهم، أيضا، أن يردّوا على الموقفَ الذي وقفه السيدُ أحمد بن الصديق، في رسالته المفتوحة إلى محمد السادس، في يوليوز 2010              [يمكن قراءة نص الرسالة على الرابط http://www.hespress.com/politique/35135.html]، حينما أعلن أنه يخلع البيعةَ من عنقه، وينقض كلَّ عروة تربطه بالملك، حسب عبارته، بعد أن لخّص الأسبابَ التي فرضت عليه أن ينتهيَ إلى الموقف الذي اتخذه-
قلت إذا كان يسهل على الإسلاميّين الموالين أن يردّوا على موقف السيد أحمد بن الصديق بأنه موقف فردي طائش، ويجدوا أكثر من مبرر للطعن عليه، شكلا ومضمونا، فإنه، في رأيي، سيصعب عليهم أن يجدوا مبررات معقولةً ومقبولة لنقض شهادة الأمير (مولاي هشام) في مسألة البيعة، التي كان من الموقعين عليها، ومن الشهود الذي حضروا مراسيم التوقيع الذي تم بقلمه، كما يحكي في يومياته، التي صدرت في أبريل 2014.
وشهادةُ الأمير في موضوع البيعة لا يمكن للمحلل الفاحص أن يعزلها عن موقفه الأساس من نظام الحكم بكامله. فهو يرى أن مشكل الدولة المغربية، في جوهره، هو استمرار الملكية متلبِّسةً بالنظام المخزني. وحلُّ هذا المشكل، عنده، هو التخلص من المخزن، لأنه لا مستقبل للنظام الملكي إلا من هذا الطريق.
وتداخلُ النظام الملكي بالنظام المخزني هو الذي جعل البيعةَ وما يجري معها من طقوس وممارسات عبارةً عن تقليد لا روح فيها، يكرس الاستبدادَ والبعدَ عن قيم العصر، وفي مقدمتها قيمُ الحرية والديمقراطية.
وأنا هنا لست معنيا بعرض التفاصيل التي أوردها الأمير في يومياته، وإنما الغرض في هذا المقالة أن نعرفَ ملخص شهادة الأمير في مسألة البيعة.
وملخص هذه الشهادة في يوميات الأمير، أن البيعة، التي هي في أصلها الإسلامي توافق تعاقدي بين الحاكم/أمير المؤمنين وبين المحكومين ممثَّلِين بالعلماء والأعيان وكبار رجالات الدولة وغيرهم من ذوي الاعتبار والنفوذ، تحولت اليوم إلى هيكل بلا روح، حيث لم يعد هناك مشاورات ولا تفاهمات ولا توافقات قبل توقيع العقد.
وأكتفي هنا بإيراد جملةٍ من كلام الأمير، في يومياته، في وصف مشهد التوقيع على عقد البيعة لمحمد السادس، تلخص لنا روحَ مآخذه على النظام المخزني، فضلا عن نظرته الساخرة إلى هذا التوقيع، الذي هو، في نظره، شكلٌ فارغ من أي معنى؛ يقول الأمير في جملته، ص215:
"عَقْد البيعة كان موعدا كبيرا للأخذ والعطاء، فأصبحَ مناسبة مُفرغَة من أي معنى. فلم تعد هناك مشاورات ومفاوضات تسبق توقيعَ العقد، بل تقلّصت المناسبة إلى إطلاق الصفّارة، ليتمَّ التوقيع على عقْد الخضوع بلا نقاش سابق".
 وبعد، فهذا واحدٌ من أبناء دار المخزن، وأحد الموقعين على عَقْد بيعة محمد السادس، يقول لنا، بلا تلَجْلُج ولا تَغَمْغُم، إن هذه البيعةَ هي هيكل بلا روح، وأن الموقعِين عليها إنما اسْتُدْعُوا ليوقّعوا على الإذعان والانقياد بلا نقاش.
فماذا يقول الإسلاميّون الموالون في شهادة هذا الأمير المتمرّد؟
ألا تُثبت هذه الشهادةُ أن الموقعِين على عَقْد البيعة، ومنهم الدكتورُ عبد الكريم الخطيب، رحمه الله، الذي وقّع باسم حزب العدالة والتنمية، إنما فعلوا استجابةً لصّفّارة القصر، ولم يكن لهم في الأمر رأيٌ ولا اختيار. فقد استجابوا لأمرِ الصَّافر كما يستجيب المرؤوس لرئيسه؟
وهل كان يملك أحدُهم أن يفتح فمَه باعتراض، أو نقاش، أو رفض، أو غير هذا من أشكال إبداء الرأي؟
لم يكونوا يملكون إلا الإذعانَ، لأن البيعة، في التقليد المخزني، فقَدت معناها الأصلي الشرعي التعاقدي، فتحولت إلى ممارسةٍ استبدادية تُكرس سلطة المبايَع(بفتح الياء) وخضوعَ المبايِع(بكسر الياء).
وللكلام تتمة في مقال قادمة، إن شاء الله.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

 


السبت، 14 يونيو 2014

مستَنَدُ "البيعة" في خطاب الإسلاميِّين المشاركين(1)



بسم الله الرحمن الرحيم




مستَنَدُ "البيعة" في خطاب الإسلاميِّين المشاركين(1)




(1)

أقصد هنا بالإسلاميِّين المشارِكين حزبَ "العدالة والتنمية"، ومعه "حركة التوحيد والإصلاح"، ومَنْ هم على منهاجهم في الدفاع عن النظام المخزني، وترجيحِ المشاركة في الحياة السياسية، التي يتحكم فيها هذا النظام، ويوجهُ مساراتها وفق فلسفتِه وسياساته ومخططاته وأهدافه المرسومة.

في كتابات الإسلاميِّين الموالين، لم نعُدْ نجد كلمة "مخزن" مستعملةً وصفا للنظام السياسي الاستبدادي، الذي ينبني، في أساسه، على ملكية وراثية تنفيذية، حيث الملك يسود ويحكم بسلطات شبه مطلقة، لا سبيل معها إلى مراقبته أو متابعته أو محاسبته. فعند هؤلاء الإسلاميِّين، المؤسسةُ الملكية بريئة من المخزن، بل عند بعضهم أن الملكية نفسَها هي ضحية هذا المخزن، الذي لا يسمونه باسمه، وإنما باتوا يستعملون أسماءً ونعوتا أخرى، اخترعوها للإشارة إلى مراكز النفوذ في الدولة، وإلى لوبيات أصحاب المصالح، وشبكات الفساد المستشري في مفاصل الدولة ومؤسساتها الحيوية.

فعند هؤلاء الإسلاميِّين المشاركين، ومَنْ على مذهبهم في الموالاة، الملكيةُ لا علاقة لها، من قريب أو بعيد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بهذه المراكز واللوبيات والشبكات، التي تُعَدُّ من تراكمات الماضي الموروثة، والملكُ اليومَ يسعى، جهدَه، للتخلص منها، وتطهير البلاد من أسبابها وآثارها، وما خلّفته من مظالمَ وجنايات ومآس، ما يزال كثير من الناس يعانون منها.

ويوضح بعضُ هؤلاء الكتاب الموالين أن بيعةَ الإسلاميِّين المشاركين إنما كانت من أجل التعاون مع الملك على الإصلاح في ظل الاستقرار، ومواجهة الأعداء والخصوم، النافذين في دواليب الدولة العميقة، المتربّصين بالملكية وبالأمة المغربية، وسدِّ الذرائع إلى الفتنة والفوضى والاضطراب.

ولا ينسى أصحابُ هذا الاختيار أن يُقوُّوا حجتهم بآيات وأحاديث مختارة، يؤيد ظاهرُ لفظها مذهبَهم السياسيَّ، واجتهادهم الفقهيَّ، ومنها، أساسا، النصوصُ المشهورة التي تحض على البيعة، وتُوعد بأشد العواقب من يموت وليس في عنقه بيعة.

قلت النصوصُ في هذا الباب كثيرةٌ ومتفاوتة في صحة أسانيدها ومتونها، ومتباينةٌ في ألفاظها ومضامينها، وهذا ما جعل علماء المسلمين وفقهاءهم، منذ زمان، يختلفون في توجيه ظاهر هذه النصوص، وتتعدّد اجتهاداتُهم في فقه أحكامها وتنزيل هذه الأحكام على واقع مُعيَّن.

مهما اختلفت مواقفُ الناس من هذا الاختيار السياسي الفقهي، فإنه سيظل اختيارا قابلا للنقد والنقض، يؤيده مَن يؤيده، ويرفضه مَن يرفضه، والأيام كشّافة حاكمة، والأمورُ بمآلاتها.

وفي رأيي أن مما يعيب هذا الاختيارَ، في جوهره، أنه يخلط السياسيَّ بالديني، على نحو تصبح الغايةُ المتوخاة هي تسويغ واقع سياسيٍّ بسند ديني، مع أن الأمر كلَّه، من أصله إلى تفصيلاتِ فروعه، سياسةٌ في سياسة، إلا أن يَقصد قاصدٌ إلى تحويل الدين، لِما له من هيبة وحرمة وقداسة، إلى مطية تُركبُ للإخضاع والتحكم، وأداةٍ "إديولوجية" تُستغل لاكتساب الشرعية المطلوبة، أو لاستكمال شرعية منقوصة، أو لإضفاء صبغة القداسة والدوام على أنظمة بشرية اجتهادية مظروفة بظروف الإنسان والزمان والمكان، وما يجري في هذه الظروف من تحولات وتطورات ومستجدات.

وفي الفقرة التالية بعضُ ما عندي من انتقادات على مُستَند البيعة في خطاب الإسلاميِّين المشاركين. 



(2)

الإسلاميون الموالون يقولون إنهم "بايعوا"، والحقيقة أنه لم تكن هناك "مبايعة"، بصيغة المشاركة، التي تفيد التراضيَ والتوافق والحرية من طرفي العَقْد، وإنما كانت هناك "بيعة"، بمعنى "العهد على الطاعة"، كما نقرأ عند العلامة الخبير ابن خلدون، في مقدمته الشهيرة. وقوامُ هذا العهد، كما يقول ابن خلدون، "أن المبايِع يعاهد أميرَه على أنه يسلم له النظرَ في أمرِ نفسه وأمور المسلمين، لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعهُ فيما يكلّفه به من الأمر على المنشَط والمكرَه".

والملاحظُ على هذه "البيعة"، أنها طاعةٌ وتسليمٌ وخضوعٌ للمبايَع(بصيغة المفعول) من جانب المبايِع(بصيغة الفاعل)، ليس إلاّ. فهي إذن عَقْد بين طرفين، أحدهما قويٌّ غالب قاهر آمر، والثاني ضعيف مغلوب مقهور مأمور. وهذا مما يناقض روح التراضي والتشارك والتشارط، الواجب في كل مبايعة شرعية حقيقية.

مباشرة بعد إعلانِ وفاة الحسن الثاني، رحمه الله وغفر لنا وله، استُدعِيَ الأمراءُ، وكبارُ المسؤولين في الدولة، ورؤساءُ الأحزاب، وقياداتُ الجيش، لتوقيع عهد البيعة لمحمد السادس. وبهذه المناسبة، أصدرت حركةُ التوحيد والإصلاح، التي كان يرأسها، يومئذ، الأستاذُ أحمد الريسوني، بيانا تؤيد فيه البيعةَ التي تمّتْ لمحمد السادس.

ومما قلتُه، تعليقا على هذا الموقف الذي كان من حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية، في حوار جرى بيني وبين السيد مصطفى الخلفي، نشرَته جريدةُ "التجديد"، في شهري أبريل وماي من سنة 2002، (أنه في يوم 23 يوليوز 1999، وأثناء مراسيم تقديم البيعة للملك محمد السادس، تقدَّم الدكتور عبد الكريم الخطيب[رحمه الله، وغفر لنا وله]، ووقّع على عقد البيعة باسم حزبه. وبعدها بأيام، وفي أحد اللقاءات، سألتُ  أحدَ أعضاء الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية مستفسرا: كيف حصل أن وقّع الدكتورُ الخطيب على عقد البيعة باسمكم، وأنتم لم تطلعوا على مضمون هذا العَقد؟ فأجابني بسرعة وبلا تردد: لقد فوّضنا له في ذلك.

(كيف حصل هذا التفويضُ؟ ومتى؟ وهل كان التفويضُ قبل وفاة الملك أو بعد وفاته، رحمه الله؟

(لا يهم معرفةُ الجواب، ولكن يهم معرفةُ أن الدنيا كلّها تعلم أن "المبايِعِين المُحْدَثين"، عندنا في المغرب، لا يكون لهم أيُّ رأي، ولا يُستشارون عند صياغة مضمون عقد البيعة، فأحرى أن يَفْرضوا شروطَهم.

(وواضح أن هذا التفويضَ[الذي تحدث عنه القيادي في حزب العدالة والتنمية]، إنْ كان قد حصل فعلا، هو تفويض "على بياض"، وإلا فإن "البيعة" تعاقدٌ، والتعاقدُ تَشارُطٌ وتوافقٌ وتراض. وأقلُّ ما كان ينبغي أن يقوم به الدكتورُ الخطيب[رحمه الله] في هذا الصدد-لأن البيعةَ أمانةٌ ومسؤولية والتزام- هو أن يتشاورَ مع قيادةِ الحزبِ قبل أن يوقّع باسمهم. هذا أضعفُ الإيمان، لكنه لم يحصل، لأن "البيعة" عندنا أفرغتها الطقوسُ المخزنية الجبرية الموروثة من روحها التعاقدي، وأحالتها إلى شروطٍ تُفرضُ من جانب واحد، ولا يملك "المبايِعُ"(بصيغة الفاعل) إزاءها إلا الخضوعَ والتأييد.)

وقد ذكرت في هذا الحوار (أن السيد الخلفي وقَع في حرج كبير، وهو يحاول أن يدافع عن موقف التأييد الذي أعلنته حركةُ التوحيد والإصلاح لبيعة الملك محمد السادس، ولم يجِد مِن مَخرج لما هو فيه من الحرج إلا أن يتعصب للحركة التي ينتمي إليها ويدافع عن موقفها، وإن كان دفاعُه هذا لا مستَنَد له على الإطلاق، حيث كتب يقول: "وما أعلمُه أن حركةَ التوحيد والإصلاح عندما أعلنت تأييدَها للبيعة فقد بيَّنت أن هذا التأييد جاء على أساس العملِ بالكتاب والسنة والطاعةِ في المعروف...".

(وأقف من كلامه هذا على قوله: "على أساس الكتاب والسنة والطاعة في المعروف". فهذا شرطٌ لتأييد البيعة، لكن، هل هذا الشرطُ مكتوبٌ في نص عَقد البيعة؟ لا.

(هل أعلنت الحركةُ أن تأييدَها مرهونٌ بثبوت هذا الشرط في نص عَقد البيعة؟ لا.

(هل استُدعيت الحركةُ وطُلب إليها أن تُعطيَ رأيها وتطرحَ شروطَها قبل إمضاء العَقد؟ لا.

(إني تحدثت، وأتحدث دائما، عن "بيعة" تمَّتْ في أرض الواقع يوم 23 يوليوز1999، ولها نصٌّ مكتوب ومنشور لا ذِكْرَ فيه لأيِّ شرط من قِبَل المُبَايِع(بصيغة الفاعل) الموقِّع على العَقد، وإنما الأمر "بيعة" وتوقيعٌ على الطاعة المطلقة للملك من غير قيد أو شرط. وأنقلُ هنا بالحرف أهمَّ ما جاء في نص البيعة في هذا الخصوص: "... إن أصحابَ السمو الأمراء، وعلماء الأمة، وكبار رجالات الدولة، ونواب الأمة ومستشاريها، ورؤساء الأحزاب السياسية، وكبار ضباط القيادة العليا للقوات المسلحة الملكية المُوقِّعين أسفله... يقدّمون بيعتَهم الشرعيةَ لصاحب الجلالة والمهابة أميرِ المؤمنين، سيدنا محمد بن الحسن بن محمد بن يوسف بن الحسن... ملتزمين بما تقتضيه البيعةُ من الطاعة والولاء والإخلاص والوفاء في السر والعلانية، والمَنشَط والمَكرَه، طاعةً لله واقتداءً بسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، سائلين الله لأمير المؤمنين طولَ العمر ودوام النصر والعز والتمكين". انتهى النص المنقول.

(فواضح من هذا النص أن الالتزامَ المذكور إنما هو مِنْ طرف واحد، فأين هو إذاً هذا الشرطُ الذي ذكر السيد الخلفي أن قرارَ التأييد كان مبنيا عليه؟ هذا الشرط، مع الأسف، كان موجودا في أماني الإخوة، وبالتالي فإن تأييدهم كان اختيارا سياسيا لا علاقة له بالبيعة مضمونا وشكلا.)

بإمكان القارئ الكريم أن يراجع هذا الحوارَ الذي كان بيني وبين السيد مصطفى الخلفي، على الروابط التالية:



(قراءة نقدية في تصور الدائرة السياسيّة لجماعة العدل والإحسان لمسألة المشاركة في الانتخابات)، بقلم السيد مصطفى الخلفي:


 (تصحيح ونقد)، بقلم عبد العالي مجذوب:


(توضيح وتعقيب على ردّ ذ.عبد العالي مجذوب)، بقلم مصطفى الخلفي:


http://www.aljamaa.net/ar/document/405.shtml


(حوار مُستأْنَف)، بقلم عبد العالي مجذوب:




للكلام تتمةٌ في مقالة قادمة، إن شاء الله.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

 

السبت، 7 يونيو 2014

الإسلاميون واليساريون بين السياسة والإديولوجيا



بسم الله الرحمن الرحيم


الإسلاميون واليساريون بين السياسة والإديولوجيا



(1)
أسجلُ في البداية ما أصبحت أعتقد أنه من المُسَلَّمات في مضمار النضال السياسي عموما، وهو أن الإصرار على النظر بمنظار الإديولوجيا، ولا شيء غير الإديولوجيا، لا يمكن أن ينتج عنه إلا التباعدُ والتنافر والتشدد والغلو، وأنّ أيَّ مبادرة ترمي إلى التفاهم والتصالح والتقارب بين الإسلاميِّين واليساريِّين، محكوم عليها، اليوم وغدا، بالفشل ما لم تتحررْ من القيود الإديولوجية، وما لم تلتزم بمبادئ  العمل السياسي وقوانينه وقيمه وآدابِه.
وأستعمل "الإديولوجيا" هنا بالمفهوم الذي يحدّدها في منظومة من الأفكار والمعتقدات والتعاليم، التي تَنتِج عنها رؤيةٌ خاصة للعالم والإنسان والحياة، وقد تكون هذه الإديولوجيا ناشئةً، في أصلها، عن مصدر ديني إيماني، أو فلسفي فكري، أو فوضوي عبثي، أو غيرِ أولئك من المصادر.
أما السياسة، فأقصد بها التصديَ للحكم وتدبير الشأن العام، وإدارة مؤسسات الدولة.
فالإديولوجيا، بالمفهوم الذي أشرت إليه، مجال للمثال والمطلق والقطعي، بخلاف السياسة، التي كانت، وستظل، مجالا للواقعي والنسبي والظني.
فالذين يصرون أن يكونوا سياسيِّين، وهم لا يتزحزحون عن خندقهم الإديولوجي، ولا يرون الحقيقةَ السياسية إلا فيما تصوِّره لهم أفكارُهُم ومعتقداتُهم وأحلامهم وأمانيهم، لا يمكن أن يكون منهم إلا الغلوُّ والتطرف والعنفُ، وإن ظلّوا، في خطاباتهم وشعاراتهم، وفي لقاءاتِ المناسبات والمجاملات، يتبرَّأون من أهل الغلو والتطرف والعنف.
وقد يكون هذا من الأسباب الرئيسية، التي جعلت العلماءَ الذين تجرّدوا للفكر والتصنيف بعيدين عن السياسة. وإن وجدنا عالما يخوض في السياسة، ويشارك في معامِعِها، فهو خائض ومشاركٌ بقواعد السياسة، وفنون خدعِها وأساليبِ حيلها، لا بالفكر المحض، والنظر المجرد، والمثالِ المطلَق.
فللإديولوجيا عقولُها ومجالُها وطقوسُها وآلاتُها، وللسياسة أهلُها وعوالمُها وجغرافيتُها وأدواتها. وهذا لا يعني أن هناك تنافيا وتعارضا بين السياسة والإديولوجيا، كما لا يعني أن السياسيَّ لا بد أن يكون مستغنيا عن الإديولوجيا، بل قد يكون العملُ السياسيُّ، في جوهره، عند معظم السياسيِّين، ذا مرجعية إديولوجية، لكنه في أرض الواقع والممارسة، عملٌ متلبِّسٌ بقواعد السياسة، محكومٌ، في تفصيلاته، بقوانين النسبيّة، وترجيحِ المصالح، واعتبار معطيات الواقع وتطوراته ومستجِدّاته.

(2)
حينما يتناظر الإسلاميون واليساريون بالإديولوجيا، فإن النتيجة الحتمية هي التصادم والتباغض والتنافر وتبادل الاتهامات، لأن من شأن الإديولوجيا، حينما تتصدّى للسياسة بغير مفاتيحها وقواعدها وأدواتها، أن ترفضَ المخالفَ وتجرِّحه وتتهمَه وتُدينَه. وهذا الرفضُ والتجريح والاتهام والإدانة قد يكون صحيحا، وله ما يبرره، على المستوى النظري الاعتقادي الإديولوجي البحت، لكنه، على المستوى السياسي، لا يمكن أن يجرَّ إلا المواجهات تتبعُها المواجهاتُ، ولا يمكن أن يولّد إلا التعاديَ والتكاره والتباغض، ولا يمكن أن يثمر شيئا سوى ترسيخ حزازاتِ النفوس، وإطالةِ عمر الصراع.
الإسلاميون، إديولوجيا، هم نقيض اللادينيِّين، من اليساريِّين وغير اليساريِّين. وكذلك اليساريون هم نقيض الإسلاميِّين، إديولوجيا، في المعتقدات والتصورات والغايات.
فالتعايشُ بين الطرفين ممكن سياسيا، بشرط أن يقتنع كلُّ واحد من الغريمين أن بقاءه متخندقا في إديولوجيته لا يمكن أن ينتهي إلى شيء محمود.
والتعايشُ السياسي الذي أقصده هنا هو الاعتراف بالآخر،  والاحتكامُ إلى القانون، والالتزام بقواعد التنافس المدني الحضاري، والقبول بحكم الأغلبية، واحترامُ حق الشعب في أن يختار عن حرية ورضا، واجتنابُ أساليب الإكراه والعنف، ودعمُ عمل المؤسسات المسؤولة، المنتخبة وغير المنتخبة، وحمايةُ وحدة الأمة أن تصيبها النعراتُ، مهما كان لونُها، وتشقّقَها العصبياتُ، وتمزقها المذهبيّات والإديولوجيات.
التعايشُ السياسيّ ممكن بين الإسلاميِّين واليساريِّين، إنْ كان الطرفان يقبلان، حقيقةً لا ادّعاءً، وفعلا وسلوكا، لا خطابا ووعودا، بنظام سياسيّ مدني يمثل سيادةَ الشعب، تكون فيه يدُ القانون فوق الجميع. وسأوضح كلامي في الفقرة التالية.

(3)
إن كان عندنا، مثلا، قوانينُ تجرّم المجاهرةَ بالإلحاد والدعوةَ إليه وسط المسلمين، وتجرّمُ الشذوذ الجنسي وتمنع تنظيمات الشواذ في المجتمع المسلم، وتجرّمُ المسّ بمقدسات المسلمين وتعاقبُ منتهكي حرمات الإسلام وآدابه في العلن- إن كان عندنا مثلُ هذه القوانين، فهل اليساريون مستعدون لاحترامها، والعمل على تغييرها أو تعديلها أو إلغائها بالطرق المشروعة إن كانوا يعارضونها وغيرَ راضين عنها؟
ونفترض الأمر نفسَه، فيما يخص الإسلاميِّين؛ فهل هؤلاء مستعدون، في ظل الدولة المدنية الديمقراطية، التي تحكمها قوانين ومؤسسات مسؤولة، أن يحترموا قوانينَ تبيح مُحرمَات، كالرّدة والخمر والزنا والشذوذ، وإن كانت تخالف معتقداتهم، وأنْ يناضلوا بالطرق السياسية الديمقراطية المشروعة، لينالوا ثقةَ الناس/الناخبين، حتى يتمكنوا من تبديل هذه القوانين أو تعديلها، تطبيقا لما قد يكون مُسَطَّرا في برنامجهم من وعود ومشاريع وأفكار؟
فالذي يعرفه كلُّ الناس، هو أن الدولة الديمقراطية المدنية لا يمكن أن تسير إلا على هذا المنوال؛ أغلبيةٌ تحكم، وأقلية تعارض، ولكلٍّ حريتُه وحقوقُه، وحدودٌ لمجال عملِه وسلطته وصلاحياته.
أنا أعرف أنني أبسِّط الصورةَ هنا أكثر من اللازم، وأعرف أيضا أن الأمر، في الواقع، أعقدُ مما تحاول هذه الصورةُ بيانَه وتمثيلَه. ومع هذا، فإني أرى أن التعايشَ الذي أتحدث عنه، بين الإسلاميِّين واليساريِّين، لا يمكن أن يتم خارج احترام القوانين والمؤسسات، وقبل هذا وذاك، احترام إرادةِ الشعب، والاعتراف بسيادته، وبحقوق الأغلبية وسلطاتِها، التي تنبثق من هذه السيادة وتنبني عليها.
أين المشكل، إذن، إذا كان الجميع، في الشعارات والخطابات، يتفق على وجوب احترام القوانين وعملِ المؤسسات، التي تمثل هذه القانونَ وتحميها وتسهر على تطبيقها؟
المشكلُ، كما تخبّرنا تجاربُ الواقع، أن اليساريِّين، بالتحديد، يشترطون شروطا، هي في حقيقتها شروطٌ إديولوجية، تقتضي التحكمَ في إرادة الشعب/السيد، وسلبَه حقا أساسا من حقوقه، في الدولة المدنية الديمقراطية، وهو حرية الاختيار. وتوضيح هذا أن اليساريِّين، حينما يشترطون مسبقا ألا تعكس القوانينُ، وخاصة القانون الأساسي، أي الدستور، الذي يُحدد طبيعةَ الدولة ويرسم أسسَها، وينظم سلطاتها، ويبيّن طرقَ سير مؤسساتها، هُويةَ الشعب ودينَه وثقافته وأعرافه وآدابه، فإنهم يريدون أن يفرضوا ديمقراطية على هواهم، مُفْرَغَةً من جوهر الديمقراطية التي تعارف عليها الديمقراطيون الحقيقيون ومارسوها.
نعم، إن استطاع اليساريون ومن على مذهبهم في اللادينية، أن يقنعوا الشعبَ السيّدَ أن يصوتَ على مشروع دستور يسلخهم عن هويتهم، فلا يمكن، حينئذ، إلا التسليمُ لهم، والديمقراطيةُ جولاتٌ في حرب سِجال، اليومَ لهم، وغدا عليهم، وهكذا دَوَالَيْك.
إن أقنعوا الناسَ أن يصوتوا لمشروعهم، وفازوا بثقتهم، فلا يملك منافسوهم الديمقراطيون إلا أن يعترفوا بهزيمتهم، ويقبلوا بفوز خصومهم، ويستعدوا ويجتهدوا من جانبهم، لجولة أخرى من جولات المنافسة، حسب ما تقتضيه قواعدُ الديمقراطية، ليعرضوا أنفسَهم ومشاريعهم على الشعب، ولينظروا ما تحكمُ به كلمة الشعب الحاسمةُ.
أما أن يُفرضَ على الناس، بغير رضاهم، أن يكون لهم دستورٌ لا يعبر عن رضاهم واختيارهم وهويتهم، فهذا من الاستبداد الممقوت، الذي يرفضه كلُّ ديمقراطي نزيه ومنصف.

(4)
وبعد، فقد كانت حركة 20فبراير، غداةَ ظهورها في الشارع المغربي، في 20 فبراير سنة2011، محكا لاختبار مدى قدرة الإسلاميِّين واليساريِّين على التعايش والتعاون والتنسيق، في أرض التجربة والواقع، بعيدا عن سماء الإديولوجيا. لقد تعارفا وتعاونا ونسّقا وتشاركا في تنظيم أنشطة الحركة حوالي عشرة أشهر، قبل أن تنفجر الحركة بسبب الاختلاف الإديولوجي، وليس السياسي، كما يتوهم بعضُ الناس.
لقد اضطَرَّ هذا الاختلافُ جماعةَ العدل والإحسان إلى إعلان انسحابها من الحركة، وهو ما أدى بالحركة إلى الضعف والانحسار شيئا فشيئا، حتى انتهت إلى الاضمحلال الذي نراها عليه اليوم.
وما زلنا نقرأ، بعد ذلك، في خطابات الأماني والشعارات، ونسمعُ في مداخلات بعض الندوات والمناسبات، عن ضرورة التحاور بين الطرفين، لكن لا شيء يتغير في واقع العلاقة بين الطرفين، والسبب الجوهري، عندي، هو تغليب الإديولوجيِّ على السياسي، وخاصة عند اليساريِّين، الذين لا يريدون أن يعترفوا بحقِّ الشعب المسلم في حرية الاختيار حسب ما تمليه عليه هويتُه ودينُه وأخلاقُه ، وإن همْ ادّعَوْا الاعترافَ للشعب بهذا الحق في الأوراق والندوات والدعايات، فإنهم يأتون بما يناقض هذا الادعاءَ في مواقفهم وممارساتهم.
وعندنا فيما جرى في تونس، مهدِ الربيع العربي، وفي مصر العربية الإسلامية، خيرُ مثال على هذه الديمقراطية الهجينة المُشوهة، التي يسعى اليساريون لفرضها على الشعوب المسلمة.
لقد رأيناهم في مصر يتنكرون لاختيار غالبية الشعب، ويتحالفون، خزايا وصاغرين أذلاءَ، مع الانقلابيِّين الدمويِّين، في أبشع مذبحة في حق إرادة الشعب وسيادته.
لقد طبّلوا وزمّروا ورقصوا، في تبعيةٍ وذُلّ وصَغَار، لحكم العسكر، لأنهم لم يرضوا أن يكون الشعبُ حرا في اختياره، وتقرير مصيره السياسي. وها نحن نرى اليوم الشعبَ المصري، يُكره إكراها، بالحديد والنار، ماديا ومعنويا، على قبول حكم الطغاة المستبدين، بمباركة مَن يزعمون، بلا حياء، أنهم يساريّون مع  الديمقراطية وحريات الشعوب.
وفي تونس ما بعد الثورة، ما يزال اليساريون، مع حلفائهم في جبهتهم الشعبية، يناورون، ويعرقلون، ويصطنعون الأزمات تلو الأزمات، حتى لا يكون هناك وفاقٌ مع الإسلاميِّين. وقد استعملوا  كلَّ ما يملكون من أسلحة إديولوجية دعائية حقيرة، ضد الإسلاميِّين، واستغلوا كلَّ الفرص التي أتيحت لهم، ليضعوا العراقيل، ويختلقوا الأزمات، ويشوشوا على المسيرة، حتى لا يصل مركبُ المجلس التأسيسي إلى بر الأمان. لكن حكمة الإسلاميِّين، مُمثَّلين في حزب النهضة، ودهاءَهم وتبصرَّهم ومرونَتَهم في التعامل مع الأوضاع، فوَّتَ على اليساريِّين الفوضويِّين المتربصين كلَّ فرص النجاح في إحداث الفوضى، وإيجاد أسباب الانقلاب على إرادة الشعب التونسي، كما فعل رفاقُهم المصريون.
اليوم، ما تزال التجربةُ التونسية في المخاض، وما تزال أمامها تحدياتٌ كبيرة، قبل أن تنتهيَ الفترة الانتقالية الحالية إلى شاطئ النجاة، ويبدأَ الشعب مسيرته الديمقراطية، بمنأًى عن إيديولوجيا الرفض والهدم والفوضى.
وأختم بكلام يناسب هذا السياق، أقتبسُه من الجزء الثاني من مقالة كتبتها في أبريل2013، بعنوان "من قضايا الحوار بين الإسلاميِّين والعلمانيِّين"، جاء فيه:
(في اعتقادي أن الواقع السياسيَّ لا بدّ أن يفرضَ على الناس-إن كانوا، إيمانا وفعلا، يقدّمون المصلحةَ الوطنية العامة على المصلحة الحزبية الخاصة-أن يتخلّصوا من لباسهم الإديولوجي الخشن، وأن يبتعدوا عن لغة اليقينيّات والحتميّات، التي سادت الخطابات الثوريةَ في الماضي، وأن ينظروا بعيدا بمنظار السياسة وما تفرضه من جلبٍ للمصالح ودرء للمفاسد، وما تستدعيه من وجوب سدِّ الذرائع إلى اشتعال الفتن وشيوع المنكرات واختلاط الحق بالباطل، وأن يناقشوا ويقوّمُوا ويرجّحوا ويوازنوا، ثُمّ تكون عندهم الشجاعةُ ليقرّروا ويختارُوا، وهم المسؤولون، أمام الله، أولا، ثم أمام التاريخ ثانيا، عما يمكن أن يترتب على قرارهم واختيارهم من مواقفَ وأحداثٍ وسياساتٍ، في هذا الاتجاه أو ذاك، نحوَ التقدم والبناء والتصالح والتعايش والتعاون، أو نحو التمزق والتخاصم والتنابذ والخراب.
(قلت وأكرر أن الذهابَ إلى طاولة الحوار بعُدّة الإديولوجيا لا يمكن أن ينتهيَ بالناس إلى طائل. وإنما الطائلُ النافعُ يكون في الحوار السياسي المسؤول، الذي يبحث عن ملتقَيَات التوافق والتعايش والتراضي، والذي يبْغِي البناءَ والتعاون والنجاح في بلورة "ميثاق" أو "مذكرة تفاهم" أو "مرجعية مشتركة"، أو "برنامج حدٍّ أدنى"، أو غير هذه من الأشكال والصيغ التي يغلب فيها الأملُ على اليأس، ويطغى فيها النورُ على الظلام.)انتهى الاقتباس.
يمكن مراجعة مقالات كتبتُها، لها علاقة بموضوع هذه المقالة، على الروابط التالية:
"عن تحاور الإسلاميِّين واليساريِّين"(شتنبر2011)

"المعارضون للمخزن؛ مُعوّقاتُ التقارب والتحاور والتحالف"(مارس2013)

"من قضايا الحوار بين الإسلاميِّين والعلمانيِّين"(مقالتان) (أبريل2003)
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.