الاثنين، 14 يوليو 2014

حسبُنا اللهُ ونعم الوكيل




بسم الله الرحمن الرحيم

حسبُنا اللهُ ونعم الوكيل

الهمجيةُ الصهيونية تستأنف عدوانها الدموي اللاإنساني على غزَّة المحاصرة منذ سنوات، وما يُسمَّى بالمجتمع الدولي يتفرّج على المجازر اليومية التي ينقلها الإعلام عبر العالم، بالصورة الحية الشاهدة على نفاق هذا المجتمع الدولي، بل الشاهدة على حياده المتواطئ مع الصهاينة المجرمين.
وأين هي حقوق الأفراد والشعوب؟ وأين هي العدالة بين الأمم؟ وأين هي الأخوة الإنسانية وأخوة الجوار، وأخوة الدين والجغرافيا والتاريخ؟
غزة المحاصرةُ المُجوَّعَة لم تستسلم، ولن تستسلم بإذن الله الواحد القهار. فهي ثابتة صامدة رافعةٌ رأسَها، تقاوم العدوان الهمجي الصهيوني، وتواجه الآلة العسكرية الصهيونية الجهنمية بوسائل بسيطة شبه بدائية بالقياس إلى آلة العدو، التي تفتك جوا وبرا وبحرا.
وأنظمتُنا العربية المتخاذلة واقفةٌ تنتظر بين نظامٍ ضعيف عاجز، ونظام متواطئ مُتشَفٍّ، ونظامٍ مُناور مُسَوِّف منافق، ونظامٍ محايد حيادا يزكّي الظالمَ ويقوّي عضُدَه.
أَلاَ إن روح الاستبداد الساكنة في مفاصل أنظمتِنا السياسية لا يمكن أن ينتج عنها، اليوم وغدا، إلا الفشلُ والهزائم والخذلان.
إن أهل غزة لهم اللهُ، تعالى قاصمُ الجبارين، هو حسْبُهم، وهو الذي نصرهم سنة 2008، وسنة2012، وسينصرهم سنة2014، وفي كل المعارك والأوقات ما داموا معتصمين بالله، ثابتين صابرين محتسبين. (ألا إن نصر الله قريب).
(الذين قال لهم الناسُ إن الناسَ قد جَمَعُوا لكم فاخْشوْهُم، فزادهُم إيمانا، وقالوا حسبنا اللهُ ونعم الوكيل).

******

حسبُنا اللهُ ونعم الوكيل


صهيونُ، في ملتي، أعدى أعادينـا

وأهل غزّةَ عنوانُ المُحَـبـِّـيـنـــــــــا
فأنـتمُ الضوء في أنـفاقِ واقعنـــــــا

وأنتــمُ النجمُ في صحراءَ يَهــدينــــا
مأساتكمْ من مآسينا وإنْ عظُمــــت

وقد تهون لجُـلاّكُـم مآسينــــــــــــــا
دماؤكم، أهلًنا، في الظلم دافِـقــــــةٌ

وليس معتصمٌ يُرجى لأهــــلينـــــــا
يا غَـــزّةَ العزِّ، هــذا العارُ يتبعنـــا

والذلُّ يخجل للــذّل الذي فـينـــــــــا
يا غزّة الثغرِ، إن الحق يحفــــــزنا

حقُّ الأُخوة في الأقصى ينادينـــــــا
يا غـزّةَ الصبرِ، هذا الجبرُ يحبسنا

وواقع الجبْر فينا ليس يُعفينـــــــــــا
يا أهل غزّةَ، هذا العجزُ يكشفنـــــا

ولا من التوت أوراقٌ تُغطّينــــــــــا
يا غزّة الجرجِ، لا شكوى تُبرئنــــا

ولا بيانٌ وشجبٌ من ذرارينــــــــــا
يا غزّة النّزْف، هذا الظلمُ يحصرنا

كي لا تُمدّ إلى المحصور أيدينــــــا
يا غزّةَ الشرفِ المغدور مـــعذرة،

فالقمع يُكرهنا، والوهْنُ يُلهــينـــــــا
قد ألزمونا بأوراق تقيّـدنــــــــــــــا

وواجبٌ فسخُ عقدِ المستـبدّيـنـــــــــا
ذوو الجلالة، والألقابُ تعجبهــــم،

استمْرأوا الذل، يا عارَ المُذَلِّيــــــنا!
حكام جبْر، وسيف القمع حكمــهمُ،

مبذرون، فقد باعوا فلسطينـــــــــــا
مالٌ وأنظمةٌ، والنفطُ نقمتُهـــــــــا،

من مال ثروتنا الأعداءُ تأتينــــــــــا
جبنٌ وأسلحة أَلصّدْءُ يُتلفهــــــــــــا

واعْجبْ لجبنهمُ نال النياشينــــــــــا
صهيونُ سيدهم، لا "لا" لسيدهــم،

قد أصبحوا كلهم إسرائليينـــــــــــــا
قد استعانوا بهم من أجل عرشهـمُ؛

بئس المعينُ، وبئس المستعينونــــــا
سخَوْا بأمتهم من أجلِ كرسيهــــم

وقدّموا أرض أقصانا قرابينــــــــــا
قد أسخطوا الله إذْ أرضوا صهاينـةً

وكيف يُنْصَرُ من أرْضى الملاعينـا
وصدّقوهم، فألقَوْا للعدى سَلَمـــــــاً

وهل يُصدَّقُ قومٌ حرّفوا الدّينـــــا؟!
قالوا: سلامٌ، وقتلُ النفس ديدنُهـم؛

هذي مجازرهم في الأرض تُغنيـنـا
قالوا: اتفاقٌ، ونقض العهد عادتهم

ولا عهودَ لمن خانوا النبيئينــــــــــا
قتلٌ وغدرٌ ونكْـثٌ، ذاك دينهـــمُ،

وفضحُ جرمهمُ في الوحي يكفينـــــا
قد فرّقوا ليسودوا، ويحَ ساستنـا،

تنكّبوا الدينَ واختاروا الشياطينـــــا
يخوفونكمُ واللهُ مُؤْمنكـــــــــــــــم

يُثبّت القلب تغشاه الطمأنينــــــــــــا
إن تستغيثوا يجئـْكم رفدُه مــــــددا،

وإنه نعم مولى المستغيثينــــــــــــــا
وإنه حسْبكم في كل نازلـــــــــــــة

وهْو المجيرُ لكلّ المستجيرينـــــــــا
يا أهل غزّةَ في الجنّات مسكنُكــــم

وفي السّعير عدوُّ الله؛ آمينــــــــــــا

الجمعة، 11 يوليو 2014

في المرجعيّة الإسلاميّة المخزنيّة



بسم الله الرحمن الرحيم

في المرجعيّة الإسلاميّة المخزنيّة

(1)
أذكِّر، حتى لا ننسى، أن المخزن، في الاصطلاح السياسي السائد، وأيضا في الاستعمال الشعبي الشائع، هو النظام الذي يحكم حياتَنا السياسية، والذي يقوم، في أساسه، على مَلكيّة وراثية، يسود فيها الملكُ ويحكمُ بسلطات شبه مطلقة، لا يترَتّب عليها، في حقّه، أيُّ شكل من أشكال المتابعة والمحاسبة. فالمَلك، في الدستورَيْن الممنوح والعرفيّ، هو فوق المؤسسات، وليس هناك في قوانيننا مؤسسةٌ فوق الملك، تملكُ سلطةَ مساءلَته، ومراجعتِه، وانتقاده، بلْهَ متابعتَه ومحاسبَته.
هذا هو النظام الذي يحكمنا، والذي نجح، في تقديري، نجاحا باهرا في جرّ معظم التنظيمات والنّخب السياسية والفكرية، بمختلف أساليبِ الترغيب والترهيب، لِجَعْلها تدور في فلكه، وتدافعُ عن أطروحاته، وتصفّقُ لسياساته، إلى حدّ التملّق المنفّر، والنفاق المقزّز، والانبطاح المقيت. ويكفي أن نتذكَّر هنا أن هذه النخبَ المجرورةَ هي الذي وَضعَت، بتوجيهٍ مِن الملك، مُسوَّدَةَ مشروع دستورِ ما بعد عواصف الربيع العربي، الذي تمَّ إقرارُه في استفتاء فاتح يوليوز2011، على الطريقة المعهودةِ في استفتاءات عهد "تازممارت" وسنواتِ الرصاص.
ويُعدُّ الدين/الإسلامُ، بما خالط منابعَه الصافيةَ مِن شوائب، وبما أُضيفَ إليه من أعراف وطقوس مخزنية، علاوةً على المتن الفقهي، الموروث والمستحْدَث، الذي يُسوّغ دولةَ الاستبداد، ويجوّزُ بيْعَة التغلّبِ والإكراه-يُعَدّ هذا الدّينُ المَشوب مِن الأسس القوية التي يَبني عليها النظامُ المخزنيُّ شَرعيتَه ويفرض سلطانَه.

(2)
لقد أسقط الإسلاميون الموالون مِن قاموسهم السياسي كلمةَ (مخزن) لِنعتِ نظامنا السياسي، بعد أن باتت عندهم مفردةً مهجورة تنتمي إلى الماضي البعيدِ المتجاوَز. والنظامُ الملكي القائمُ على البيعة الشرعية، حسب توجههم السياسي واختيارهم الفقهي، هو أساس الدولة الإسلامية في المغرب منذ قرون. إذن، فالمرجعيةُ الإسلاميّة للنظام هي عندهم مِن باب تحصيلِ حاصِل.
حزبُ العدالة والتنمية، وهو رأسُ الإسلاميِّين الموالين المشاركين، حزبٌ يعرّف نفسَه، في قانونِه الأساسي، بأنه حزب سياسيٌّ يعمل بمرجعيّة إسلامية.
وفي الممارسة السياسيّة الحزبية، لا يكفي أن تتجلّى بعضُ مظاهر هذه المرجعية في السلوكاتِ الفردية، وفي الحياة الخاصة للمسؤولين، وإنما المطلوبُ، في رأيي، أن تتجلى في برامجَ وقراراتٍ وسياسات وأهداف مرسومة، يمكنُ بها الحكمُ بأن هذا القرارَ، أو هذه السياسةَ، أو هذا الهدف، هو عاكس، حقيقةً وفعلا، مرجعيةَ الحزب الإسلامية.
بعبارة أخرى، أين تتجلّى مرجعيةُ حزب العدالة والتنمية الإسلامية في عملِه الحكومي والبرلماني والجهوي والإقليمي والمحلي؟
أين هي بصماتُ هذه المرجعية الإسلامية فيما يصدرُ عن الحزب من سياسات وقرارات ومشاريع قوانين واقتراحات واعتراضات وبيانات؟
أين هي مرجعيتُه الإسلاميةُ في عملِه السياسيّ العام، في عمله الحكومي، في عمل الوزارات التي يديرها، وليس في الكلام والشعارات والمناكفاتِ الإعلامية والخطابات الاستعراضية؟
المعروفُ ممّا هو موثَّق ومنشور من أنشطة الحزب السياسية أن الحزبَ لم يكن له أيُّ أثر فعليٍّ واقعيٍّ تظهر فيه مرجعيتُه الإسلامية بكل وضوح؛ فليس هناك قانون، ولا مرسوم، ولا قرار إداري، ولا غيرُها من الوثائق والأفعال تظهرُ فيها المرجعيةُ الإسلامية للحزب.
أَذْكُر، مثلا، أن السيد مصطفى الرميد كان صرّح، في نونبر2011، مباشرةً بعد نجاح حزب العدالة والتنمية بالمرتبة الأولى في انتخابات 25 نونبر2011، أن حزبَ العدالة والتنمية لن يغلق الحانات الموجودة، لكنه لن يسمح بفتح حانات جديدة.
فماذا كان بعد هذا التصريح؟
الذي كان هو أن حزبَ العدالة والتنمية أصبح على رأس الحكومة الجديدة، وأن السيد مصطفى الرميد عُيّنَ وزيرا للعدل والحريات في هذه الحكومة، وأن محلات جديدةً لبيع الخمور قد حصلت على الترخيص القانونيّ في ظل هذه الحكومة التي يترأسها الأمينُ العام لحزب العدالة والتنمية. فماذا يعني هذا؟ وأين هي مصداقيةُ تصريحات أو وعود السيّد الرميد؟
هذا يعني، في رأيي، واحدا من أمرين، إمّا أن السيد الرميد قال ما قال في نشوةِ الانتصار الانتخابي، وهو يجهل كلَّ شيء عن عمل الحكومة التي سيصبح عضوا فيها، ويجهل أساليبَ الدولةِ المخزنية في شأن إعطاء الرخص ومنعها، وإمّا أنه قال ما قال عن الحانات والخمور بحسن نية، لأنه كان يعتقد، يومئذ، وهو ما زال محسوبا على المعارضة، أن أيَّ مسؤول إسلامي في الحكومة لا يمكنُه أن يرخص لبيع أمِّ الخبائث للمسلمين. لكنه،  عرَف، بعد ذلك، بفعلِ الممارسة والاحتكاك بدواليب الدولة، أن الحكومةَ لا تملك سلطةً حقيقية في شأن واقعِ صناعةِ الخمور وتجارتِها وترويجها واستهلاكها، وأن السلطةَ الحقيقية لتدبير هذا القطاع(قطاع الخمور) إنما هي بيد المخزن، لا تملك معها الحكومةُ إلا السكوت والإذعان.
وواقعةٌ أخرى تحْضرني في هذا السياق، ولعلها تؤكد ما قلته قبل قليل، وتتعلق بإشهار الخمور. ففي شهر ماي 2012، تَقدّم فريقُ حزب العدالة والتنمية في مجلس النواب بمشروع قانون لمنعِ إشهار الخمور. واليوم، وبعد مرور أكثر من سنتين على التقدم بهذا المشروع، لا يعرف أحدٌ شيئا-فيما أعلم-عن مصير هذا المشروع التشريعي، وهل ما يزال مقترحا للنظر والمناقشة، أم أنه أهمل وألغي، أم ماذا؟
ولا بد أن نتذكَّر هنا ذلك الموقفَ الصارم الذي وقفه لوبياتُ الخمور في البلاد(السياحة، الفنادق، المطاعم، وكالات الأسفار) ضد مشروع هذا القانون. أيكون هذا الموقفُ الرافضُ مِن هذه اللوبيات وراء إقبار المشروع، كما كانت لوبياتٌ أخرى وراء إقبار مشاريعَ أخرى رأوها لا تساير مصالحهم؟

(3)
إن قطاعَ الخمور وما يتعلق به من قوانين ومراسيم ورخص، فلاحةً وصناعةً وتجارة وإشهارا وتسويقا واستهلاكا، واحدٌ من الأمثلة على أن الحكومة، بعكس ما يدعيه الموالون، لا تملك سلطةَ التصرف والقرار في بعض المجالات، إلا بضوء أخضر من النظام المخزني. فهي إذن حكومةٌ مقيَّدةُ الحركة في كثير من القطاعات، وخاصة الاستراتيجية والحسّاسة منها. هذا من جهة.
ومِن جهة ثانية، فإن المرجعية الإسلاميةَ في الفقه المخزني تمتاز بإضافاتٍ واجتهادات وانحرافات كثيرةٍ عن المرجعية الإسلامية الأصليّة، كما تبسطها المصادرُ الإسلامية المعتبَرة عند جميعِ العلماء والفقهاء والمجتهدين.
ومما تمتاز به المرجعيةُ الإسلامية المخزنية، أيْ كما تتجلّى في ممارسات النظام، أن الملك، بصفته "أميرا للمؤمنِين"، هو وحده الذي يملك حقَّ الجمع بين السياسة والدّين في أنشطته وسياساته وقراراته وغيرِ ذلك مما يصدر عنه من سلوكات وآراء. وهذا يعني، في دولة المخزن، أن الحكومةَ لا تملك حقَّ النظر في شؤون الدولة استنادا إلى خلفية دينيّة، إلا تابعةً ومأمورةً ومُنفذَةً، وإن كان مِن بين أعضائها وزيرٌ مكلّف بالأوقاف والشؤون الإسلامية. فهذا الوزير، في الحقيقة-وهذا مِنَ الغرائبِ التي تميزّ حكوماتِنا المخزنية-ليس مسؤولا أمامَ هذه الحكومة إلا عن الإخبار والتبليغ وإصدار المراسيم وتوقيعها. أما المضامين والسياسات والقرارات، فإن الوزارة تتلقى الأوامرَ فيها والتوجيهاتِ والتعليماتِ مِن رئيسها الفعليّ، الذي هو "أميرُ المؤمنِين".
ومِن جهة ثالثة، فإن النظامَ المخزنيَّ يمنع قيامَ أحزاب "إسلامية"، وهذا ما يَفرض على الأحزاب الموجودة أن تمارسَ السياسةَ بمعزل عن الإسلامِ وما يعنيه الإسلامُ مِن عقائدَ وشرائعَ وآدابٍ وأخلاق.
وينبغي أنْ نَذْكرَ هنا أن فريقَ حزب العدالة والتنمية في مجلس النواب حينما تقدم بمقترحه في شأن منعِ إشهار الخمور وضَّح أن مقترحَه  مبنيٌّ على أساس قانوني وليس على أساس ديني، وذلك حتى لا يُتّهم بحشْر الدين في السياسة. وحزبُ العدالة والتنمية كان دائما حريصا على أن يبتعدَ عن الخوض في الأمور السياسية بخلفية إسلامية واضحة، بل كان يسعى دائما، وخاصة بعد تفجيرات 16 ماي 2003 الإجرامية، أن يَظهر بصورة الحزب السياسيِّ الخالصِ حتى لا يجرَّ عليه غضبَ النظام المخزني، فيعرّضَ نفسه للاتهام والحلّ.
نفهمُ مِن هذا أن حزب العدالة والتنمية هو حزبٌ "إسلامي"، اعتبارا لِما يقولُه عنه الآخرون، ولِما يروج في الإعلام وبين الناس. أمَّا إذا اعتبرنا الوجهَ السياسيَّ والقانونيَّ مِن المسألة، فإن حزبَ العدالة والتنمية ليس حزبا إسلاميا، وإن كان لمعظم قياداتِه مسار طويل في الحركة الإسلامية المغربية.
ومِن جهة رابعة، فإن حزب العدالة والتنمية لا يمكن أن يكون إلا على إسلاميَّةِ أميرِ المؤمنِين، لا يتعدّاها. ولهذا لا نجد عند هذا الحزب "الإسلامي" الموالي أيَّ اعتراضٍ أو رفض أو احتجاج أو غير أولئك مِن أشكال النقد والمراجعة لِما يصدر عن الملك مِنْ سياسات وقرارات في شأن ما يُسمّونه بالحقل الديني، الذي يحتكرُ الملك وحده، دستوريا وعرفيا، الكلامَ فيه.
فمثلا، لا يملك حزبُ العدالة والتنمية أن يناقشَ قرارَ الملك بمنع "القيِّمِين الدينيِّين" مِن مزاولة أيّ عمل سياسي أو نقابي.
ولا يملك أن ينتقد سياسةَ إبعادِ العلماء عن الشأن العام، ومنعِهم مِن الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر. ونتذكّر هنا حالةَ الأستاذ رضوان بنشقرون، الذي أُعفِيَ، سنة2010، مِن رئاسة المجلس العلمي المحلي بعين الشق، لأنه تجرَّأ على انتقاد مهرجان (موازين) في بيان علني.
ولا يملك الحزبُ أن ينظر بعين السوء إلى الرعاية السامية لبعض المهرجانات، ولو كان في هذه المهرجانات ما يخالف بعضَ أحكام الإسلام وفضائله، في الكلام والمظهر والسلوك، وما يستفز المسلمين، ويؤذي مشاعرَهم، وينتهك أخلاقهم، ويفسد أذواقهم.
ولا يملك الحزبُ "الإسلامي" أن يطلبَ مراجعةَ الظهير الصادرِ عن الديوان الملكي سنة1967، والذي ما يزال يُعتَبَر هو الأساس التشريعي في تقْنِين ترويج الخمور واستهلاكها في المجتمع المغربي المسلم.
ولا يملك أن يطلبَ جعلَ يوم الجمعة يومَ عطلة أسبوعية في مجتمعنا المسلم بدلا عن يومي السبت والأحد. كما لا يملك أن يطلبَ أن يُحدَّدَ ليوم الانتخاب والاستفتاء يومٌ غيرُ يوم الجمعة، حتى لا يُحرَم الآلاف من المسلمين مِن أداءِ الفريضةِ التي فرضَها الله عليهم.
ولا يملك أن يقول شيئا يعارض سياسةَ الدولة المخزنية في قطاع السياحة والخدمات الترفيهية، وإن كان لا يجهلُ ما يعرفُه هذا القطاعُ من انحرافات ومنكرات تمس سمعةَ المجتمع المغربي الإسلامي وكرَامَتَه في الصميم. وكلُّنا يذْكر الزوبعةَ التي أثارها كلامٌ للسيد مصطفى الرميد، وزير العدل والحريات، في إحدى زياراته لمدينة مراكش، في 2012، حين وصف مدينةَ مراكش بأنها باتت مقصدا للسياح لمعصية الله. وقد اضطر رئيسُ الحكومة، السيد بنكيران، للتدخل لإطفاء غضب لوبيات السياحة والترفيه، الذين احتجّوا بقوة على كلام السيد وزير العدل والحريات.
ولا يملك حزبُ العدالة والتنمية أن يطلبَ تغييرَ القانون الذي يمنع تأسيسَ الأحزاب على أساس إسلامي، ونحن في مجتمع مسلم ليس له مشكل مع الإسلام. فماذا فعَلَ الحزبُ "الإسلامي"، وهو على رأس الحكومة، ووزير العدل والحريات هو قياديٌّ في الحزب-ماذا فَعَل في قضية حزب "البديل الحضاري" المحلول بقرار ظالم؟ وماذا فَعَل في ملف حزب "الأمة" الممنوع، أيضا، بقرار مخزني ظالم؟ وماذا فَعَل في ملف المواطنين المسلمين المظلومين في قضية ما يُعرف بالسلفية الجهادية؟
ولا يملك الحزب "الإسلامي"، وهو على رأس حكومة ما بعد الربيع العربي، أن يُغيّر، ولو جزئيا وشكليا، سياسةَ الإعلام العمومي، الذي يجاهر، في بعض ما يبثّه مِن برامج وأفلام ومسلسلات، بمعارضة الدين، وانتهاك حرمات الإسلام، وإيذاء مشاعر المسلمين. ألمْ يُنكر السيد مصطفى الخلفي، وزيرُ الاتصال أمام مجلس المستشارين، في جلسة رسمية، نقلها التلفزيون الرسمي، في شهر ماي الماضي، بعضَ ما يعرضه التلفزيون العمومي، ووصفَه بأنه عملٌ ينتهك الدستور والقانون؟ ثُمّ ماذا كان بعد هذا الإنكار والاتهام؟ لا شيء، لأن القرار السياسيَّ فيما يخصّ الإعلام العمومي ليس بيد السيد الخلفي، ولا هو بيد رئيس حكومته، ولا بيد أي عضو من أعضاء الحكومة، وإنما هو بيد المخزن. وكونُ الإعلام العمومي بيد المخزن يعني، مِنْ بين ما يعنيه، أن ما يبثُّه هذا الإعلامُ لا يتعارض مع المرجعيةِ الإسلاميّة المخزنية، بل هو انعكاس لها، وناطقٌ بحقيقتها ومضمونها وأهدافها.
وبعد، فأين هي إذن هذه المرجعية الإسلامية لحزب العدالة والتنمية، وهو لا يستطيع أن يتفوّه بكلمة واحدة يُشْتَمّ منها رائحةُ الاعتراض على سياسة الدولة في الشؤون الإسلامية؟
يحقُّ لنا، والحالة هذه، أن نستنتجَ أن المرجعية الإسلامية التي يتحدث عنها حزبُ العدالة والتنمية في أوراقه الرسميّة هي نفسها المرجعية الإسلامية المخزنية. وعلى هذا، فليس هناك أيُّ غرابة أن تكون مواقفُ الحزب فيما يخصّ السياسات التي تتبعها الدولة المخزنية-وليس حكومة السيد بنكيران- في مجال تجديدِ ما يُسمّونه بالحقل الديني وتأهيلِه، مواقفَ تابعةً ومؤيدةً ومصفقةً ومدافعةً عن سياسات إمارة المؤمنِين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين


الجمعة، 4 يوليو 2014

عَجبٌ في دجنبر



بسم الله الرحمن الرحيم
عَجبٌ في دجنبر

لو أن فاسقا فاجرا ماجنا، ينتسب، زورا وانتحالا، إلى الثقافة والفن والأدب، حُوكم بسبب فسوقه وفجوره ومجونه، لقامت قيامةُ اللادينيِّين ولم تقعد، ولنادَوْا بالويل والثبور، ولبَكَوْا حريةَ الفن والإبداع بدموعٍ للتماسيح لا تنقطع. أمّا المبدعون الإسلاميّون، في المغرب الحداثي، فلا بواكيَ لهم. فأبشروا، أيها الحداثيون اللادينيّون، بقوله تعالى: (فأما الزّبدُ فيذهب جُفاءً، وأمّا ما ينفع الناسَ فيَمكُثُ في الأرض).
وبعد، فقد نظمت هذه الأبيات بمناسبة محاكمة الأستاذ الشاعر منير ركراكي بسبب قصيدته "عجب في رجب"، في دجنبر 2010. تراجع القصيدةُ/الجريمةُ على الرابط التالي:
وشهر دجنبر - زعموا- هو شهرُ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
*****

محاكمةُ القصِيد[1] من الغبــــــــــــــــاء//وإنكارُ الضياء من العَمـــــــــــــــــــــاء
لقد كشف المنيرُ[2] عَوَار قـــــــــــــــوم//فأضحَوْا في العراء بلا كســـــــــــــــاء
عدوٌّ للظلام بلا نظيـــــــــــــــــــــــــرٍ//منيرٌ في الصباح وفي المســـــــــــــــاء
هُوَ الْأنوار في الظلماء تهـــــــــــــدي//هُوَ الْتّصديق في زمن المِــــــــــــــــراء
منيرٌ ليس يُطفئه سُعـــــــــــــــــــــــارٌ//ألَمّ بأهلِ بَغْيٍ وافتـــــــــــــــــــــــــــراءِ
فمخزَنُنا الغشوم[3] بلا دليــــــــــــــــــل//يُخَبِّطُ في الظلام بلا رجـــــــــــــــــــاء
وقد بلغ السَّفَاه إلى حضيـــــــــــــــض//وهلْ بعد الحضيضِ مِنِ ارْتِقـــــــــــاءِ؟
شعورُ الناس أصبح مستباحــــــــــــــا//ومُتهَمًا يُساق إلى القضــــــــــــــــــــاء
فهذِي "نكتةٌ" باتت مَعيشـــــــــــــــــا://قضاءٌ باتَ يحكم في الخَـــــــــــــــــواء
فهذا المدّعي "الغازي" عُميْـــــــــــــلٌ[4]//تحرّكه الأصابعُ للبكـــــــــــــــــــــــاء
فمَنْ أبكى عُميْلا، يا إلهـــــــــــــــي؟//ومن دفعَ الأمور إلى العِـــــــــــــــــداء؟
منيرٌ قال شعرا في غُــــــــــــــــــزَاةٍ//يُحلّون الحرامَ بلا حيـــــــــــــــــــــــــاء
وقد جَلَّى الحقيقةَ في بديــــــــــــــــع//من القولِ الجميلِ بلا طــــــــــــــــــــلاء
لقد خَطَفوا رجالا[5] فجرَ يــــــــــــوم//وعاثُوا في حقوق الأبريــــــــــــــــــــــاء
بكلِّ عنيفِ فعلٍ، لم يُبالُـــــــــــــــوا//وكلِّ بَذيءِ لفْـــــــــــــــــــــــــظٍ وازدراء
كـأنهمُ وحوشٌ ضاريــــــــــــــــاتٌ//كأنهمُ عصابةُ أشقيــــــــــــــــــــــــــــــاءِ
لقد نظمَ المُنيرُ بنفسِ حـُــــــــــــــــرٍّ//يدافع بالمديح وبالهجــــــــــــــــــــاء
يُعَرّي للحقيقة وجهَ قـــــــــــــــــــومٍ//ليظهرَ للعبادِ بــــــــــــــــــــلا غطاءِ
لقد نظمَ المشاعرَ كاشفـــــــــــــــاتٍ//عنِ الطغيانِ في زمن البـــــــــــــلاء
عنِ الظلماء تدفعُ كلّ نــــــــــــــــورٍ//عنِ الفتيان في نِعَم العَنــــــــــــــــاء
يقول الحقّ في عِقْدٍ نضيـــــــــــــــدٍ//يقدّره جميعُ الأسويـــــــــــــــــــــــاء
ويَجْحَده المحبُّ لكـــــــــــــــــل مُرٍّ//ويرفضُه العليلُ بكـــــــــــــــــــل داء
لقد رصد القصيدُ فجورَ قـــــــــــوم//بإحساسٍ مُدين واستيــــــــــــــــــــاء
وتعبيرٍ قويٍّ مستفِــــــــــــــــــــــــزٍّ//لمَنْ أمرَ العُميْلَ بِالاِدّعـــــــــــــــــاء
ومنْ حاك القضيّة في ظــــــــــــلام//ومن طبخَ الجريمة في خفــــــــــــاء
منيرٌ أنتَ متهَمٌ بســــــــــــــــــــــبٍّ//وقذفٍ بالقصيدة والغِنَـــــــــــــــــــاء
فهذا المشتكي الغازي عُميْــــــــــــلٌ//يريدُ إدانةً لِلْاِعْتِـــــــــــــــــــــــــداء
يريدُ الجعجعاتِ بلا طحيـــــــــــــنٍ//يريد الانتقامَ من الإبَـــــــــــــــــــــاء
يريد مُحرّكو العملاءِ شِعـْـــــــــــرا//يكون به الكـــــــــلام بــــــــلا رَوَاء
يريدون المشاعرَ في قيــــــــــــــود//تسبّحُ للسّخافة في انحنـــــــــــــــــاء
يريدون الورودَ بغير عطــــــــــــرٍ//يريدون الربيعَ بغير مــــــــــــــــــاء
يريدون الفنونَ بغيـــــــــــــــــر فنّ//يريدون النجومَ بلا سمـــــــــــــــــاء
يريدون السماعَ بغير صــــــــــوتٍ//يريدون الحياةَ بلا هــــــــــــــــــواء
يريدون الجماعةَ[6] بالتمنّـــــــــــــي//فتنخرط  العصابَةُ في العُـــــــــــواء
وإنهمُ لفي يأسٍ شديــــــــــــــــــــدٍ//وإنهُمُ لأحوجُ للرثــــــــــــــــــــــــاء
وإن الشعرَ في زمن الـــــــذراري//ليوشك أن يصيح من الغثــــــــــــاء
ويوشكُ أن يكون له أنيـــــــــــــنٌ//كما أنَّ المريضُ بـــــــــــــــــلا دواء
أَلاَ إنّ الجميلَ إلى خلـــــــــــــــود//أَلاَ إن القبيحَ إلى جُفـــــــــــــــــــــاء[7]
أَلا إنّ المُنيرَ إلى بقــــــــــــــــــاء//أَلاَ إن الظلام إلى فنــــــــــــــــــــــاءِ


[1]  المقصود قصيدةُ الأستاذ منير ركراكي "عجب في رجب".
[2]  الإشارة هنا إلى ناظم القصيدة الأستاذ الشاعر منير ركراكي.
[3]  أي الظالم.
[4]  تحقيرٌ لعَمِيل.
[5]  هم قياديو جماعة العدل والإحسان في فاس، الذين تم اختطافهم فجر يوم 28 يونيو2010. وبعد احتجازهم وتعذيبهم خارج أي مسطرة قانونية، تم تقديمهم للمحاكمة بتهم جنائية ملفقة من ألفها إلى يائها.
[6]  أي رأس جماعة العدل والإحسان.
[7]  الجُفاء: ما تقذفه السيول من زبد وأوساخ وزِبال.