الجمعة، 20 يونيو 2014

مُستَنَد "البيعة" في خطاب الإسلامِيِّين المشاركين(3)

بسم الله الرحمن الرحيم



مُستَنَد "البيعة" في خطاب الإسلامِيِّين المشاركين(3)



(1)

البيعة بين الواقع والأماني

حقيقة "البيعة"، في واقعنا السياسي، هي ما شهد به الأمير (مولاي هشام) في يومياته، وهي شهادة لها وزن واعتبار، لأن صاحبها من العائلة الملكية، وأحدُ الموقعين على البيعة.

المخزنُ القويُّ الآمرُ يُصَفّر، فإذا المأمُورُ الضعيف يسارع إلى التوقيع على عقْد الطاعة والخضوع، من غير أنْ ينْبِسَ ببِنْتِ شَفَة.

أمّا البيعةُ التي يتحدث عنها الإسلاميون الموالون-وأنا أفترض دائما فيهم حسنَ النية- ويبنون عليها مواقفهم السياسية، إنما هي بيعة "افتراضية"، لا وجود لها إلا في النصوص المجرّدة، والأماني النظرية، والتنظيرات المثالية، كقول الدكتور عبد الكبير المدغري، وهو ملكي مخزني قحّ، في كتاب "الحكومة الملتحية"(ط2006، ص103)، حينما يصف عقْد البيعة الذي تنعقد به إمارة المؤمنين بأنه "العَقْد الذي يسمح للأمة أن تشترطَ شروطها، وتحددَ الالتزاماتِ والمواثيقَ، وتفرضَ على أمير المؤمنين الالتزامَ بتحقيق الشروط والوفاءَ بالعهود...".

أرأيتم الفرقَ الواسع بين الواقع، الذي شهدَ به الأميرُ، وبين هذه الأماني والأوهام التي يتحدث عنها وزيرُ الأوقاف والشؤون الإسلامية السابق السيد العلوي المدغري؟

إنه فرق ما بين السماء والأرض.

الأمير يشهد بأن حقيقة عَقْد البيعة المخزنية هي توقيعٌ على الخضوع بلا نقاش، والسيدُ المدغري يتحدث عن عَقْد، يتوهمُه ويتمَنّاه، (تشترط فيه الأمةُ شروطَها، وتفرضُ على أميرِ المؤمنين الالتزامَ والوفاءَ بالعهود)!!

ألم يكن السيدُ المدغري مِنْ بين الموقعِين على بيعةِ محمد السادس؟

نسألُه، وقد كان، بلا شك، من المشاركين في صياغة مضمونِ عَقْد هذه البيعة: أين هي، في مضمون هذا العَقْد، الشروطُ التي اشترطتها الأُمةُ، على افتراض أن الموقعِين كانوا يمثلون الأمةَ بحق؟

أين هي، في هذا العَقْد المخزني الجبْري القَهْري، إرادةُ الأمة التي تفرضُ على أمير المؤمنين الالتزامَ والوفاءَ؟

في جملة، أين هي رائحةُ إرادةِ الأمة وسيادتِها وكرامتِها في مضمون هذا العَقْد الذي وقّعه السيدُ المدغري يوم 23 يوليوز 1999؟

نسأل السيد المدغري، الذي نفترض أنه وقّع على البيعة بصفته واحدا من ممثّلي الأمة، وليس واحدا من ممثلي السلطة الآمرة القاهرة الغالبة-نسأله إن كان قد جرت قبل صياغة عقْد البيعة وتوقيعه مشاوراتٌ ومفاوضاتٌ وتوافقات عبّرت فيها الأمةُ عن إرادتها، وفَرَضت شروطَها؟

بل نسأله إن كان هو نفسه له رأيٌ أو شبهُ رأي فيما تضمنه عقْدُ البيعة، أم أنه كان مأمورا لينفذَ ما يُمْلَى عليه، لا غير؟

الجواب على مثل هذه الأسئلة معروف طبعا؛ فالسيد العلوي المدغري وغيرُه من الموقّعين، لم يكن لهم من اختيار إلا الاستجابةُ لصوت الصفّارة، كما عبر الأمير (مولاي هشام)، وتنفيذُ الأمر بالتوقيع على عهد السمع والطاعة بلا شروط.

وهل يمكن أن ننتظرَ من أحدِ خُدّام المخزن الأوفياء، مثلِ الدكتور عبد الكبير المدغري، أن يقول كلمةً، بل حرفا واحدا، لا يفتِلُ في حبلِ الدولة المخزنية؟ هل يمكن أن ننتظر منه، اليوم أو غدا، ولو تلميحا إلى تلميحٍ إلى تلميحٍ إلى شبهِ نقدٍ للبيعة التي تمتْ لمحمد السادس؟

إذن، فَلْنتوقّفْ أن نذهبَ بعيدا في الحُلْم، وإلا أوشَكْنا أن نبتعدَ عن الجدّ والمعقول.

أخلص من كل هذا إلى أن عقْد البيعة المخزنية لا علاقة له بالعقود الطبيعية القانونية السليمة، التي تتوافر فيها كل مقومات الصحة والشرعية والمصداقية. إنهُ تقليدٌ وطقوس ومظاهر واحتفالات لتكريس سلطة النظام على الدولة، والتمكين ليد القهر والاستبداد.



(2)

مبايعةٌ أم إذعان؟

يمكن أن نتبيّنَ بعضَ سمات الإكراه في البيعة المخزنية من نواح ثلاث، على الأقل:

الناحية الأولى هي أن الدولة/القصر، وهو الطرف الداعي إلى هذه البيعة، يملك أسبابَ القوة والبطش والإكراه وفرضِ إرادته.

الناحية الثانيةُ تتعلق بمضمون عَقْد البيعة. فالموقِّعون، وهم الطرفُ الضعيف الخاضع، لم يشاركوا، ولو برائحة حَرْف، في صياغة هذا المضمون، ولا طُلِب إليهم، بأيِّ شكل من الأشكال، أن يُبدوا ما عندهم من رأي.

والناحية الثالثة أن الموقِّعين لم يكن أمامهم إلا اختيارٌ واحد، وواحد فقط، وهو ما يطلبُه الطرفُ القويُّ، وهو التوقيعُ.

إن عَقْد البيعة، في ظل النظام المخزني، يُشبه، في كثير من نواحيه، ما يُعرفُ، في مجال المعاملات، بـ"عَقْد الإذعان"؛ والفرق بين العَقْدين، أن "عَقْد الإذعان"، في المعاملات، يترك للطرف الضعيف أن يختارَ بين الرفض والقبول، من غير تفاوضٍ ولا نقاش. أما "عَقْد البيعة"، في النظام المخزني، فليس فيه للطرف الضعيف إلا اختيارٌ واحد، وهو التسليمُ والتوقيعُ.

ولا بد أن نُذكِّر في هذا السياق أن التوقيعَ في شروط متلبِّسَةٍ بمعاني الإكراه، وفي أجواءٍ توحي بالرهبة والاضطرار، يُعرٍّضُ صحةَ هذا العَقْد للطعن، من الناحية القانونية والفقهية، فضلا عن الناحية السياسية. ويمكن أن نشيرَ هنا، على سبيل الاستئناس، إلى أن الإمامَ مالكا، رحمه الله، كان يُفتي ببطلان طلاق المكره. وقد كان إمامُنا بهذه الفتوى يُعرِّضُ بما عُرف بـ"أيمان البيْعة"، حيث كان الولاةُ يأخذون البيعةَ للحكام بالعسف والإكراه، ويُحلِّفون الناس، مثلا، بطلاق الأزواج وإعتاق الرقاب والتصدّق بالمال، إن هم نكثوا العهد، وخَلعوا البيعة من أعناقهم.



(2)

نوايا الإسلاميِّين وبلاّعةُ الدولة المخزنية

نياتُ الناس وما تُخفي صدورُهمْ علمُها عند الله، هو وحده، تعالى، الذي (يعلم خائنةَ الأعين وما تُخفي الصدورُ).

قد يكون دفاعُ الإسلاميِّين المشاركين عن النظام المخزني عن حسن نية، وعن اجتهاد فقهي وسياسي، كما يدّعون في خطابهم. لكن هذا لا يمنعنا أن نرى-بما نطالعه، في التاريخ القريب، من وقائع وأحداث وأخبار، وبما نقرأه فيما هو منشور من دراسات واعترافات ووثائق- أنهم كانوا مَسُوقين، بالرغم عنهم، بإرادة مخزنية وَفْقَ مخططات وسياسات وغايات مرسومة سلفا.

إن حسنَ نوايا الإسلاميِّين وبراءَة مقاصدِهم لا يُسقط سوءَ نيّة المخزن، ولا يبرّئ مخططاتِه وسياساتِه مما اشتَهَرَت به من مكر ومخادعة وعسف وطغيان.

لا يُمكن للمتابع المنصف أن ينكرَ أن هؤلاء الإسلاميِّين، في بداياتهم، في الثمانينيات من القرن الماضي، قد عانَوْا من الظلم المخزني، كما عانَى غيرُهم ممن كانت تلاحقهم تهمةُ المعارضة وشبهةُ التشكيك في ولائهم التام للنظام المخزني. لكنهم، وبغضِّ النظر عن نياتهم الحسنةِ ومقاصدهم البريئة، كانوا يُمْتَحنون، بوعي منهم أو بغير وعي، ويُسْتَدْرجون، حتى تَمَّ الإيقاع بهم في جوف بلاَّعة الدولة المخزنية، حيث لا حيلةَ ولا فِكاك.

ولْنرجعْ، مرة أخرى، إلى فقيه الدولة المخزنية، السيد عبد الكبير العلوي المدغري، الذي عُمّرَ على رأس وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية حوالي تسعة عشر عاما.

لقد كان من أبرز إنجازات هذا الرجلِ في هذه الوزارة التي تأتمر مباشرة بأمر الملك/أمير المؤمنِين، أنه استطاعَ، بتخطيطٍ وتعاونٍ وتنسيق مع وزير أمِّ الوزارات إدريس البصري-رحمه الله وغفر لنا وله- إخضاعَ مؤسسةِ العلماء، وما يتبعها مِنْ تعليم عتيقٍ وإمامة وخطابة ووعظ وإرشاد، لإرادة النظام، وترويضَ جزء من الإسلاميِّين-وكانوا في غالبيتهم مُنَظَّمين في حركة الإصلاح والتجديد، قبلَ أن يتوحدُوا مع رابطة المستقبل الإسلامي، سنة 1996، في تنظيم واحد باسم حركة التوحيد والإصلاح- وتأهيلَهم خطوةً خطوةً، وبأسلوب الجرعات، ليصلُحوا للاندماج في الحياة السياسية، وَفْق خطة مخزنية مدروسة، انتهت بقبولِهم، سنة 1996، في حزب الدكتور عبد الكريم الخطيب، الذي كان معدودا في خدّام المخزن الصرحاء الأوفياء، رحمه الله وغفر لنا وله.

ومن الأدوات التي استُعملت في هذا الترويض والتأهيل والإعداد المخزني ما عُرف في عهد المدغري بـ(الجامعة الصيفية للصحوة الإسلامية)، التي كانت بمثابة الطاحون الإديولوجيِّ المخزنيِّ، الذي طُحِن فيه الإسلاميّون طَحنا، والخلاّط الذي عُجِنوا فيه عَجْنا، والقالَبِ الذي شُكِّلُوا فيه تشكيلا، حتى تمكنت الروحُ المخزنية من جِينَات وعيهِم السياسي، فلا تسمع منهم بعدئذ-مِنْ رؤوسهم وأعلامِهم-ومنهم اليوم وزراء وموظفون سامون في الدولة-إلا المدحَ والتبجيلَ والتعظيمَ لأمير المؤمنِين، والإشادةَ والتنويهَ بالنظام المخزني.

لا أحدَ يجهلُ اليوم، إلا مَنْ يتعمّدُ التجاهلَ، كيف كانت تجري الأمور السياسيةُ في عهد الحسن الثاني، رحمه الله وغفر لنا وله. ولم يَعد خافيا أن المخزنَ، بطبيعته الاستبدادية، كان، وما يزال، يحرص على التحكم في الشاذّة والفاذّة مما يعتمل في الساحة السياسية، لا يقبلُ أن يفوته معرفةُ الصغيرة والكبيرة مما يجري في واقع الأحزاب والجماعات والجمعيات، من كل الألوان والتيارات، الموالي منها والمعارضِ. أما فبركةُ الأحزاب، وصناعةُ الرموز والقيادات، وتقريبُ هذا وإبعاد ذاك، وتزويرُ الانتخابات، واصطناعُ الواجهات الديمقراطية، وغيرها من مميزات "الديمقراطية الحسنِيّة"، فحدّثْ عنه ولا حرَج.

لقد أصبح ترويضُ الإسلاميِّين، وتدجينُهم، وتهييئهم لوظيفتهم المحددة في اللعبة السياسية التي يتحكم المخزنُ في كل خيوطها، من أهدافِ الدولة المخزنية منذ نجاح الثورة الإسلامية في إيران سنة1979. ويمكن أن نحددَ بدايةَ هذه السياسة المخزنية الغاشمة بنَكْبَة عائلةِ الفقيه العلامة الشيخِ محمد الزيتونيّ، رحمه الله، في فاس سنة1980. وقد توفي هذا العالم الجليل مظلوما في السجن المركزي بالقنيطرة سنة 1990، وقد بلغَ من الكِبَر عتيا.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

الثلاثاء، 17 يونيو 2014

مُستَنَدُ "البيعة" في خطاب الإسلاميِّين المشاركين(2)



بسم الله الرحمن الرحيم


مُستَنَدُ "البيعة" في خطاب الإسلاميِّين المشاركين(2)


(1)
أذكّر القارئ الكريم أن موضوع "البيعة" له أهمية كبرى في فهم الفارق الجوهري بين موقف الإسلاميِّين الموالين المشاركين، الذين يمثلهم حزبُ العدالة والتنمية، ومعه حركةُ التوحيد والإصلاح وسائرُ المدافعين عن النظام الملكي بخلفية دينية، وبين موقف الإسلاميِّين المعارضين الثوريِّين، بخلفية دينية أيضا، بقيادة جماعة العدل والإحسان.
أمَّا المدافعون الموالون، فيرون أن البيعة أساس في الشرعية الدينية التي يحظى بها النظامُ الملكي-وهو قوامُ دولة المخزن-والتي توجب على الشعب/الرعية السمعَ والطاعة لـ"ولي الأمر"، في العسر واليسر، وفي المنشَط والمكرَه، وألا ينازعَ الأمرَ أهلَه. ولأصحاب هذا الاختيار مستنداتُهم من نصوص القرآن والسنة، وكذلك من اجتهادات العلماء وفتاوى الفقهاء، كما لهم لمساتُهم الخاصةُ التي تَظهر، أساسا، في فهم النصوص وتأويلها وتكييفِ مضامينها لتستوعبَ مستجداتِ واقعنا السياسي الحديث.
أمّا المعارضون الرافضون، فيرون بطلان "البيعة" القائمة على القهر والإكراه، والتي يُفرض فيها على الناس التسليمُ والخضوع من غير أن يكون لهم في الأمر اختيارٌ ولا رأيٌ ولا مشاركةٌ.
يقول الأستاذ عبد السلام ياسين، مرشدُ جماعة العدل والإحسان، رحمه الله، في رسالة "الإسلام أو الطوفان"، مميزا بين "البيعة" والمبايعة": "البيعةُ منذ يزيد بن معاوية قهرٌ يُنطق عدولَ المسلمين بوعد الطاعة المطلقة. والمبايعةُ التزامٌ من جانبين، عقدٌ بين أحرار يبطُل إن عصى الأميرُ اللهَ ورسولَه. وقد جعلها عمرُ بن عبد العزيز مبايعةً بعد أن كانت بيعة. البيعةُ بدعةٌ وتعَدٍّ واستعباد، والمبايعةُ عقدٌ يزكيه الله ورسوله".
ويقول في كتاب "العدل": "ميزةُ الحكم الإسلامي الشرعي أن الطاعةَ واجبةٌ لأولي الأمر منَّا بناءً على بيعةٍ تُلزم الحاكمَ والمحكومَ بأمر الله ورسوله، شرطاها الشورى في الاختيار والحكمُ بما أنزل الله...
"تلك الميزةُ في الحكم الإسلامي الشرعي، أعني ميزةَ الشورى والبيعةِ والطاعةِ الواجبةِ لأولي الأمر، هي التي انفتَقَتْ ففسدَ الحكمُ منذ الانقضاض الأموي، وغاب عن أفق المسلمين مدى أربعة عشر قرنا من الطاعة القهرية الشرطان الواجبان في العَقد السياسي حتى أصبحت الطاعةُ إلزاما قهريا محضا، عواملُ القهر فيه القوةُ العنفيةُ التي يتدرع بها في كل زمان ومكان الملوكُ العاضّون والجبريون، ثم العادةُ القرونيةُ التي ألِفَ بمقتضاها الناسُ الخضوعَ للحاكم أباً عن جدّ، ثُم الوهمُ أن في طاعة المسلمين للحاكم المتسلط وفاءً لبيعةٍ هي في ميزان الشرع تزويرٌ محض".
ونقرأ في كلامه، رحمه الله، قوةَ النقد ومرارةَ السخرية من طقوس حفل البيعة، حينما يصف هذا الحفلَ، في "مذكرة إلى من يهمه الأمر"، بأنه وثنِيٌّ "تقام فيه شعيرةُ البيعة المخزنية التي تُلزم كبارَ الشخصيات في البلد بالركوع خمس مرات أمام الصّنم البشري قبل أن يدفعهم الخدمُ المُطَرْبَشون ، ويسارعوا إلى رصّ صفوفِ باقي العبادِ الخاشعين."
إنها "طقوس بهلوانية لا تمتّ بأية صلةٍ إلى الميثاق الإسلاميِّ الجليل الذي يُلزم الشعب الحرَّ بطاعة الحاكم، ويُلزم الحاكمَ المنتخبَ بالعدل نحو الرعية. إن الحكم العاضَّ الذي يُلقِي للمسلمين الأمرَ بالركوع لغير الله وصمةُ عار على جبين التاريخ الإسلامي الذي يطبعه الاضطراب."

(2)
وإلى جانب هذين الاختيارين المتباعدين المتناقضين في موضوع "البيعة"، التي يزعم الموالون أنها أساس الشرعية الدينية للنظام، ويراها المعارضون طقوسا وتقاليد لتكريس دولة الاستبداد باسم الدين، نجد صنفا ثالثا من السياسيِّين، الذين يرون ضرورةَ التخلص من تقاليد دولة المخزن، ومنها البيعةُ وما يتعلق بها من طقوس وممارسات، وتأسيسِ دولة مدنية على أسس ديمقراطية، يحتكم فيها الناسُ، مِن رأسِ الحاكمين إلى قاعدة المحكومين، إلى الدستور والقانون، ويَخضع فيها الجميعُ إلى المتابعة والمحاسبة، بعيدا عن كل أشكال الدولة الثيوقراطية.
وهذا الاختيار الثالثُ هو الغالب عند اللادينيّين-وهناك مَن يسمِّيهم بالعَلْمانيِّين- من اليساريّين، الثوريِّين والإصلاحيِّين، ومِن غيرهم من الحداثيِّين المُغَرَّبين، الذين يرون ضرورةَ إبعاد الدين عن شؤون السياسة والاقتصاد والاجتماع والحريات والفنون والآداب.
ويمكن أن نلاحظ أن هناك تقاطعا بين هذا الاختيار الثالث وبين اختيار الإسلاميِّين الثوريِّين، وفي مقدمتهم جماعةُ العدل والإحسان، في رفض البيعة كما هي متجلية في ممارسات الدولة المخزنية وطقوسها وتقاليدها، وخاصة في الصورة التي تظهر عليها في حفل الولاء السنوي، هذا الحفل الذي ارتفعت أصواتٌ كثيرة، بعد تولية محمد السادس، وازداد ارتفاعُها، بعد الربيع العربي، منادية بإلغائه بسبب ما يمثله-عند معارضيه- مِن طقوس وتقاليد عَفَّى عليه الزمن، ولِما يكون فيه من ممارسات وإيحاءات وسلوكات تمجّد قيّم الاستبداد، وتمس بالكرامة الإنسانية.
وهذا التقاطع بين الاختيارين في الرفض والمعارضة لا ينفي ما وراءه من تناقضٍ بين الاختيارين في المرجعية الإديولوجية، وتباينٍ في معايير النظر والتقدير والتقويم، واختلافٍ في تصور العمل السياسي وما يتعلق به من قضايا الحكم ومسائل الحقوق والحريات.
وقد نجد من اللادنيِّين مَنْ يقبل بالبيعة، ولو في صورتها الحالية وما توحي به هذه الصورةُ وترسخُه من قيم وسلوكات تناقض معتقدَهم الإديولوجيَّ، لأن غاية سدِّ الطريق على الإسلاميِّين، والتضييقِ عليهم، ومنعِ خطابهم أن ينتشرَ في الناس، تبرّر عندهم كلَّ الوسائل. فهم مع البيْعة المخزنيّة وإن لم يكن لهم بالدين أيُّ سَبب، ما دام فيها قمعٌ وتضييق وإضعاف للإسلاميِّين.
أرجع، بعد هذا الاستطراد، إلى ما عندي من انتقادات على مُستَنَد البيعة في خطاب الإسلاميِّين المشاريكن.

(3)
شهادةُ أمير من دار المخزن
الأمير هو (مولاي هشام)، وأهميةُ شهادته في هذا الموضوع تأتي من وجهين، الأول أنها شهادة من واحد من أبناء العائلة الملكية، والثاني أنها شهادةٌ من أحد الموقِّعين على بيعة محمد السادس.
فإذا كان يسهل على الإسلاميِّين الموالين أن ينتقدوا موقفَ جماعة العدل والإحسان من البيعة بأنه موقف يستند إلى اجتهاد فقهي متطرف، ويعكس الاتجاهَ الثوري المعارض الذي تتبناه الجماعة في منهاجها السياسي، وكان يسهل عليهم، أيضا، أن يردّوا على الموقفَ الذي وقفه السيدُ أحمد بن الصديق، في رسالته المفتوحة إلى محمد السادس، في يوليوز 2010              [يمكن قراءة نص الرسالة على الرابط http://www.hespress.com/politique/35135.html]، حينما أعلن أنه يخلع البيعةَ من عنقه، وينقض كلَّ عروة تربطه بالملك، حسب عبارته، بعد أن لخّص الأسبابَ التي فرضت عليه أن ينتهيَ إلى الموقف الذي اتخذه-
قلت إذا كان يسهل على الإسلاميّين الموالين أن يردّوا على موقف السيد أحمد بن الصديق بأنه موقف فردي طائش، ويجدوا أكثر من مبرر للطعن عليه، شكلا ومضمونا، فإنه، في رأيي، سيصعب عليهم أن يجدوا مبررات معقولةً ومقبولة لنقض شهادة الأمير (مولاي هشام) في مسألة البيعة، التي كان من الموقعين عليها، ومن الشهود الذي حضروا مراسيم التوقيع الذي تم بقلمه، كما يحكي في يومياته، التي صدرت في أبريل 2014.
وشهادةُ الأمير في موضوع البيعة لا يمكن للمحلل الفاحص أن يعزلها عن موقفه الأساس من نظام الحكم بكامله. فهو يرى أن مشكل الدولة المغربية، في جوهره، هو استمرار الملكية متلبِّسةً بالنظام المخزني. وحلُّ هذا المشكل، عنده، هو التخلص من المخزن، لأنه لا مستقبل للنظام الملكي إلا من هذا الطريق.
وتداخلُ النظام الملكي بالنظام المخزني هو الذي جعل البيعةَ وما يجري معها من طقوس وممارسات عبارةً عن تقليد لا روح فيها، يكرس الاستبدادَ والبعدَ عن قيم العصر، وفي مقدمتها قيمُ الحرية والديمقراطية.
وأنا هنا لست معنيا بعرض التفاصيل التي أوردها الأمير في يومياته، وإنما الغرض في هذا المقالة أن نعرفَ ملخص شهادة الأمير في مسألة البيعة.
وملخص هذه الشهادة في يوميات الأمير، أن البيعة، التي هي في أصلها الإسلامي توافق تعاقدي بين الحاكم/أمير المؤمنين وبين المحكومين ممثَّلِين بالعلماء والأعيان وكبار رجالات الدولة وغيرهم من ذوي الاعتبار والنفوذ، تحولت اليوم إلى هيكل بلا روح، حيث لم يعد هناك مشاورات ولا تفاهمات ولا توافقات قبل توقيع العقد.
وأكتفي هنا بإيراد جملةٍ من كلام الأمير، في يومياته، في وصف مشهد التوقيع على عقد البيعة لمحمد السادس، تلخص لنا روحَ مآخذه على النظام المخزني، فضلا عن نظرته الساخرة إلى هذا التوقيع، الذي هو، في نظره، شكلٌ فارغ من أي معنى؛ يقول الأمير في جملته، ص215:
"عَقْد البيعة كان موعدا كبيرا للأخذ والعطاء، فأصبحَ مناسبة مُفرغَة من أي معنى. فلم تعد هناك مشاورات ومفاوضات تسبق توقيعَ العقد، بل تقلّصت المناسبة إلى إطلاق الصفّارة، ليتمَّ التوقيع على عقْد الخضوع بلا نقاش سابق".
 وبعد، فهذا واحدٌ من أبناء دار المخزن، وأحد الموقعين على عَقْد بيعة محمد السادس، يقول لنا، بلا تلَجْلُج ولا تَغَمْغُم، إن هذه البيعةَ هي هيكل بلا روح، وأن الموقعِين عليها إنما اسْتُدْعُوا ليوقّعوا على الإذعان والانقياد بلا نقاش.
فماذا يقول الإسلاميّون الموالون في شهادة هذا الأمير المتمرّد؟
ألا تُثبت هذه الشهادةُ أن الموقعِين على عَقْد البيعة، ومنهم الدكتورُ عبد الكريم الخطيب، رحمه الله، الذي وقّع باسم حزب العدالة والتنمية، إنما فعلوا استجابةً لصّفّارة القصر، ولم يكن لهم في الأمر رأيٌ ولا اختيار. فقد استجابوا لأمرِ الصَّافر كما يستجيب المرؤوس لرئيسه؟
وهل كان يملك أحدُهم أن يفتح فمَه باعتراض، أو نقاش، أو رفض، أو غير هذا من أشكال إبداء الرأي؟
لم يكونوا يملكون إلا الإذعانَ، لأن البيعة، في التقليد المخزني، فقَدت معناها الأصلي الشرعي التعاقدي، فتحولت إلى ممارسةٍ استبدادية تُكرس سلطة المبايَع(بفتح الياء) وخضوعَ المبايِع(بكسر الياء).
وللكلام تتمة في مقال قادمة، إن شاء الله.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

 


السبت، 14 يونيو 2014

مستَنَدُ "البيعة" في خطاب الإسلاميِّين المشاركين(1)



بسم الله الرحمن الرحيم




مستَنَدُ "البيعة" في خطاب الإسلاميِّين المشاركين(1)




(1)

أقصد هنا بالإسلاميِّين المشارِكين حزبَ "العدالة والتنمية"، ومعه "حركة التوحيد والإصلاح"، ومَنْ هم على منهاجهم في الدفاع عن النظام المخزني، وترجيحِ المشاركة في الحياة السياسية، التي يتحكم فيها هذا النظام، ويوجهُ مساراتها وفق فلسفتِه وسياساته ومخططاته وأهدافه المرسومة.

في كتابات الإسلاميِّين الموالين، لم نعُدْ نجد كلمة "مخزن" مستعملةً وصفا للنظام السياسي الاستبدادي، الذي ينبني، في أساسه، على ملكية وراثية تنفيذية، حيث الملك يسود ويحكم بسلطات شبه مطلقة، لا سبيل معها إلى مراقبته أو متابعته أو محاسبته. فعند هؤلاء الإسلاميِّين، المؤسسةُ الملكية بريئة من المخزن، بل عند بعضهم أن الملكية نفسَها هي ضحية هذا المخزن، الذي لا يسمونه باسمه، وإنما باتوا يستعملون أسماءً ونعوتا أخرى، اخترعوها للإشارة إلى مراكز النفوذ في الدولة، وإلى لوبيات أصحاب المصالح، وشبكات الفساد المستشري في مفاصل الدولة ومؤسساتها الحيوية.

فعند هؤلاء الإسلاميِّين المشاركين، ومَنْ على مذهبهم في الموالاة، الملكيةُ لا علاقة لها، من قريب أو بعيد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بهذه المراكز واللوبيات والشبكات، التي تُعَدُّ من تراكمات الماضي الموروثة، والملكُ اليومَ يسعى، جهدَه، للتخلص منها، وتطهير البلاد من أسبابها وآثارها، وما خلّفته من مظالمَ وجنايات ومآس، ما يزال كثير من الناس يعانون منها.

ويوضح بعضُ هؤلاء الكتاب الموالين أن بيعةَ الإسلاميِّين المشاركين إنما كانت من أجل التعاون مع الملك على الإصلاح في ظل الاستقرار، ومواجهة الأعداء والخصوم، النافذين في دواليب الدولة العميقة، المتربّصين بالملكية وبالأمة المغربية، وسدِّ الذرائع إلى الفتنة والفوضى والاضطراب.

ولا ينسى أصحابُ هذا الاختيار أن يُقوُّوا حجتهم بآيات وأحاديث مختارة، يؤيد ظاهرُ لفظها مذهبَهم السياسيَّ، واجتهادهم الفقهيَّ، ومنها، أساسا، النصوصُ المشهورة التي تحض على البيعة، وتُوعد بأشد العواقب من يموت وليس في عنقه بيعة.

قلت النصوصُ في هذا الباب كثيرةٌ ومتفاوتة في صحة أسانيدها ومتونها، ومتباينةٌ في ألفاظها ومضامينها، وهذا ما جعل علماء المسلمين وفقهاءهم، منذ زمان، يختلفون في توجيه ظاهر هذه النصوص، وتتعدّد اجتهاداتُهم في فقه أحكامها وتنزيل هذه الأحكام على واقع مُعيَّن.

مهما اختلفت مواقفُ الناس من هذا الاختيار السياسي الفقهي، فإنه سيظل اختيارا قابلا للنقد والنقض، يؤيده مَن يؤيده، ويرفضه مَن يرفضه، والأيام كشّافة حاكمة، والأمورُ بمآلاتها.

وفي رأيي أن مما يعيب هذا الاختيارَ، في جوهره، أنه يخلط السياسيَّ بالديني، على نحو تصبح الغايةُ المتوخاة هي تسويغ واقع سياسيٍّ بسند ديني، مع أن الأمر كلَّه، من أصله إلى تفصيلاتِ فروعه، سياسةٌ في سياسة، إلا أن يَقصد قاصدٌ إلى تحويل الدين، لِما له من هيبة وحرمة وقداسة، إلى مطية تُركبُ للإخضاع والتحكم، وأداةٍ "إديولوجية" تُستغل لاكتساب الشرعية المطلوبة، أو لاستكمال شرعية منقوصة، أو لإضفاء صبغة القداسة والدوام على أنظمة بشرية اجتهادية مظروفة بظروف الإنسان والزمان والمكان، وما يجري في هذه الظروف من تحولات وتطورات ومستجدات.

وفي الفقرة التالية بعضُ ما عندي من انتقادات على مُستَند البيعة في خطاب الإسلاميِّين المشاركين. 



(2)

الإسلاميون الموالون يقولون إنهم "بايعوا"، والحقيقة أنه لم تكن هناك "مبايعة"، بصيغة المشاركة، التي تفيد التراضيَ والتوافق والحرية من طرفي العَقْد، وإنما كانت هناك "بيعة"، بمعنى "العهد على الطاعة"، كما نقرأ عند العلامة الخبير ابن خلدون، في مقدمته الشهيرة. وقوامُ هذا العهد، كما يقول ابن خلدون، "أن المبايِع يعاهد أميرَه على أنه يسلم له النظرَ في أمرِ نفسه وأمور المسلمين، لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعهُ فيما يكلّفه به من الأمر على المنشَط والمكرَه".

والملاحظُ على هذه "البيعة"، أنها طاعةٌ وتسليمٌ وخضوعٌ للمبايَع(بصيغة المفعول) من جانب المبايِع(بصيغة الفاعل)، ليس إلاّ. فهي إذن عَقْد بين طرفين، أحدهما قويٌّ غالب قاهر آمر، والثاني ضعيف مغلوب مقهور مأمور. وهذا مما يناقض روح التراضي والتشارك والتشارط، الواجب في كل مبايعة شرعية حقيقية.

مباشرة بعد إعلانِ وفاة الحسن الثاني، رحمه الله وغفر لنا وله، استُدعِيَ الأمراءُ، وكبارُ المسؤولين في الدولة، ورؤساءُ الأحزاب، وقياداتُ الجيش، لتوقيع عهد البيعة لمحمد السادس. وبهذه المناسبة، أصدرت حركةُ التوحيد والإصلاح، التي كان يرأسها، يومئذ، الأستاذُ أحمد الريسوني، بيانا تؤيد فيه البيعةَ التي تمّتْ لمحمد السادس.

ومما قلتُه، تعليقا على هذا الموقف الذي كان من حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية، في حوار جرى بيني وبين السيد مصطفى الخلفي، نشرَته جريدةُ "التجديد"، في شهري أبريل وماي من سنة 2002، (أنه في يوم 23 يوليوز 1999، وأثناء مراسيم تقديم البيعة للملك محمد السادس، تقدَّم الدكتور عبد الكريم الخطيب[رحمه الله، وغفر لنا وله]، ووقّع على عقد البيعة باسم حزبه. وبعدها بأيام، وفي أحد اللقاءات، سألتُ  أحدَ أعضاء الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية مستفسرا: كيف حصل أن وقّع الدكتورُ الخطيب على عقد البيعة باسمكم، وأنتم لم تطلعوا على مضمون هذا العَقد؟ فأجابني بسرعة وبلا تردد: لقد فوّضنا له في ذلك.

(كيف حصل هذا التفويضُ؟ ومتى؟ وهل كان التفويضُ قبل وفاة الملك أو بعد وفاته، رحمه الله؟

(لا يهم معرفةُ الجواب، ولكن يهم معرفةُ أن الدنيا كلّها تعلم أن "المبايِعِين المُحْدَثين"، عندنا في المغرب، لا يكون لهم أيُّ رأي، ولا يُستشارون عند صياغة مضمون عقد البيعة، فأحرى أن يَفْرضوا شروطَهم.

(وواضح أن هذا التفويضَ[الذي تحدث عنه القيادي في حزب العدالة والتنمية]، إنْ كان قد حصل فعلا، هو تفويض "على بياض"، وإلا فإن "البيعة" تعاقدٌ، والتعاقدُ تَشارُطٌ وتوافقٌ وتراض. وأقلُّ ما كان ينبغي أن يقوم به الدكتورُ الخطيب[رحمه الله] في هذا الصدد-لأن البيعةَ أمانةٌ ومسؤولية والتزام- هو أن يتشاورَ مع قيادةِ الحزبِ قبل أن يوقّع باسمهم. هذا أضعفُ الإيمان، لكنه لم يحصل، لأن "البيعة" عندنا أفرغتها الطقوسُ المخزنية الجبرية الموروثة من روحها التعاقدي، وأحالتها إلى شروطٍ تُفرضُ من جانب واحد، ولا يملك "المبايِعُ"(بصيغة الفاعل) إزاءها إلا الخضوعَ والتأييد.)

وقد ذكرت في هذا الحوار (أن السيد الخلفي وقَع في حرج كبير، وهو يحاول أن يدافع عن موقف التأييد الذي أعلنته حركةُ التوحيد والإصلاح لبيعة الملك محمد السادس، ولم يجِد مِن مَخرج لما هو فيه من الحرج إلا أن يتعصب للحركة التي ينتمي إليها ويدافع عن موقفها، وإن كان دفاعُه هذا لا مستَنَد له على الإطلاق، حيث كتب يقول: "وما أعلمُه أن حركةَ التوحيد والإصلاح عندما أعلنت تأييدَها للبيعة فقد بيَّنت أن هذا التأييد جاء على أساس العملِ بالكتاب والسنة والطاعةِ في المعروف...".

(وأقف من كلامه هذا على قوله: "على أساس الكتاب والسنة والطاعة في المعروف". فهذا شرطٌ لتأييد البيعة، لكن، هل هذا الشرطُ مكتوبٌ في نص عَقد البيعة؟ لا.

(هل أعلنت الحركةُ أن تأييدَها مرهونٌ بثبوت هذا الشرط في نص عَقد البيعة؟ لا.

(هل استُدعيت الحركةُ وطُلب إليها أن تُعطيَ رأيها وتطرحَ شروطَها قبل إمضاء العَقد؟ لا.

(إني تحدثت، وأتحدث دائما، عن "بيعة" تمَّتْ في أرض الواقع يوم 23 يوليوز1999، ولها نصٌّ مكتوب ومنشور لا ذِكْرَ فيه لأيِّ شرط من قِبَل المُبَايِع(بصيغة الفاعل) الموقِّع على العَقد، وإنما الأمر "بيعة" وتوقيعٌ على الطاعة المطلقة للملك من غير قيد أو شرط. وأنقلُ هنا بالحرف أهمَّ ما جاء في نص البيعة في هذا الخصوص: "... إن أصحابَ السمو الأمراء، وعلماء الأمة، وكبار رجالات الدولة، ونواب الأمة ومستشاريها، ورؤساء الأحزاب السياسية، وكبار ضباط القيادة العليا للقوات المسلحة الملكية المُوقِّعين أسفله... يقدّمون بيعتَهم الشرعيةَ لصاحب الجلالة والمهابة أميرِ المؤمنين، سيدنا محمد بن الحسن بن محمد بن يوسف بن الحسن... ملتزمين بما تقتضيه البيعةُ من الطاعة والولاء والإخلاص والوفاء في السر والعلانية، والمَنشَط والمَكرَه، طاعةً لله واقتداءً بسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، سائلين الله لأمير المؤمنين طولَ العمر ودوام النصر والعز والتمكين". انتهى النص المنقول.

(فواضح من هذا النص أن الالتزامَ المذكور إنما هو مِنْ طرف واحد، فأين هو إذاً هذا الشرطُ الذي ذكر السيد الخلفي أن قرارَ التأييد كان مبنيا عليه؟ هذا الشرط، مع الأسف، كان موجودا في أماني الإخوة، وبالتالي فإن تأييدهم كان اختيارا سياسيا لا علاقة له بالبيعة مضمونا وشكلا.)

بإمكان القارئ الكريم أن يراجع هذا الحوارَ الذي كان بيني وبين السيد مصطفى الخلفي، على الروابط التالية:



(قراءة نقدية في تصور الدائرة السياسيّة لجماعة العدل والإحسان لمسألة المشاركة في الانتخابات)، بقلم السيد مصطفى الخلفي:


 (تصحيح ونقد)، بقلم عبد العالي مجذوب:


(توضيح وتعقيب على ردّ ذ.عبد العالي مجذوب)، بقلم مصطفى الخلفي:


http://www.aljamaa.net/ar/document/405.shtml


(حوار مُستأْنَف)، بقلم عبد العالي مجذوب:




للكلام تتمةٌ في مقالة قادمة، إن شاء الله.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.