الخميس، 21 مارس 2013

حكومةُ صاحبِ الجلالة!!


بسم الله الرحمن الرحيم

حكومةُ صاحبِ الجلالة!!

بقلم: عبد العالي مجذوب

الإضافةُ بين الحقيقة والمجاز
إضافةُ الحكومةِ إلى الملك، في التقاليد السياسيّة المخزنيّة، تعني أنها حكومةٌ تابعة مأمورة تنفّذ التعليمات السامية، وتتّبِعُ التوجيهات المولويةَ، وتجتهد- كلُّ وزارة في قطاعها- لتطبيق برنامج الملكِ وسياساته في مختلف المجالات، وذلك حسب ما يرسمُه مجلسُ الوزراء الذي يترأسه الملكُ، وحسب ما يراه الملكُ ويريدُه في خطبه ورسائله وتوجيهاته، الرسميةِ وغيرِ الرسمية.
فمعنى الإضافةِ إذن معنى حقيقيٌّ، يؤكدّه واقعُ الممارسة والأعراف والطقوس الموروثة، ولا سبيل، مع وضوح هذا المعنى، إلى تأويل الإضافةِ على أنها مجازيّةٌ بحكم ما يتمتع به الملك، في نظامنا السياسي، من رمزية وسلطان واعتبار، حسب ما يذهب إليه بعضُ السياسيين المخزنيين، وبعضُ الكتاب الموالين فيما يكتبونه وينشرونه من مقالات وتحليلات.
معنى إضافةِ الحكومةِ إلى الملك، في العُرف المخزنيّ، أن الحكومةَ لا سلطان لها إلا بالتبعيّة للملك، ولا سلطات تنفيذيةً حقيقيةً  إلا ما يفوّضه إليها الملكُ، ولا حريّة في وضع السياساتِ واتخاذِ القرارات إلا داخل الحدود التي يرسمها الملكُ، بصفته رئيسَ الدولة ورئيسَ الهيئات والمجالسِ الاستراتيجية التي تُقرّر في شؤون الدولة.
فمثلا، من التقاليد المخزنية المرعيّة، التي يجب على الوزراء احترامُها والتشبث بها أنهم -أي الوزراء- حينما يُستَدعون للكلام أمام الملك، في مناسبة من المناسبات، يكونون مُطالَبين بأن يجتهدوا لتقديم مشاريعهم وما أنجزوه في قطاعاتهم على أنه كان من وحْي التوجيهات والتعليمات والإشارات السامية.
ومن هذه التقاليد أن الملكَ دائما حرٌّ في أن يبادر إلى الاتصال أو الاجتماع برئيس الحكومة إن أراد أن يبلغه شيئا، متى شاء، وكيفما أراد. وبالمقابل، فإن رئيس الحكومة، إن رغب في لقاء الملكِ، فعليه أن يمتثلَ لِما تفرضُه (الأصول) المخزنية من عادات وبروتوكولات.
ومن هذه التقاليد أن الملكَ في تحركاتِه وأنشطته وزياراته وغيرِ ذلك من أوجه عملِه الرسمي، الذي لا يبخلُ علينا الإعلام العمومي بكل تفاصيله، يظهرُ وكأن الحكومة لا معنى لها أصلا إلا لتكون في خدمته، وطوعَ إشارته، وجزءا بسيطا أو لونا باهتا وسط ذلك الطّيف المتعدد من الألوان التي ترافقه وتسير خلف موكبه، والتي من أهدافها، في الأعراف والطقوس المخزنية، أن تُضفيَ على تحركات الملك الرسمية سِيماءَ الأبّهة والهيبة والجلال.

حكومةُ مُنتَخَبين أم حكومةُ مُوظَّفين؟
لو كانت حكومتُنا تمثل الشعبَ الذي انتخبَها، أو تمثّل، على الأقل، الهيئةَ الناخبةَ التي جعلت الأحزابَ المشاركةَ فيها تفوز بما فازت به من الأصوات، التي أهّلتها مجتمعةً أن تكوّنَ الأغلبيّةَ المطلوبة، لكان لها برنامجٌ واضحٌ في استجابته لِما وعدَت به هذه الأحزابُ الناخبين إبان الحملة الانتخابية، ولكان لها، مع هذا البرنامج، صلاحياتٌ سياسية حقيقية وسلطات تنفيذية واسعة، للسير في طريق التطبيق متحملةً المسؤوليةَ كاملةً فيما يكون منها من نجاح أو إخفاق أو تقصير أو سوء تقدير أو غير هذه من حصيلةِ العمل الحكومي، سلبا وإيجابا، ليتسنّى للناخبين في انتخاباتِ الولايةِ المقبلة أن يقرّروا ويحكموا ويختاروا ويصوتوا بناء على معطياتٍ واقعية، ونتائجَ يُمكن وزنُها وحسابُها بالأرقام، وأعمالٍ قابلةٍ للمعاينة والتقييم.
الناسُ صوّتوا في الانتخابات، نعم. تحالفُ أحزابٍ شكَّلَ الأغلبيةَ المطلوبة، نعَمْ. هذا التحالفُ اتفقَ على برنامج للحكومة، نعمْ، لكن ما علاقةُ هذا البرنامج بالوعود الانتخابية، إن كانت تلك الوعودُ ممّا يمكن تحقيقُه حسب ما كان يدّعيه الواعدون في أثناء الحملة الانتخابية؟ ما علاقةُ هذا البرنامج المتفَقِ عليه بين الأحزاب المشتَرِكة في الحكومة بما ينبغي أن يكون عليه برنامجُ تحالفٍ سياسيٍّ حقيقيٍّ في مختلف أبعاده، وخاصة في مجالاتِ السياسة الداخلية، والسياسة الخارجية، والاقتصاد، والأمن، وإن كانت المجالاتُ الأخرى، كالقضاء والتعليم والصحة والإعلام، لا تقل أهمية في البرامج السياسية التي تحترم إرادة الناخبين، وتسعى، ما أمكنها، للالتزام بالوعود الموعودة، والوفاء بالعقود المعقودة بين الأحزاب والناخبين.
لقد كَتَب كثيرٌ من المتخصصين في نُظُم الحُكْم والفقه الدستوري، فضلا عن السياسيين والإعلاميين المهتمين الموضوعيّين، في موضوع العِلَل التي يعاني منها نظامُنا السياسي، وفي مقدمتها علةُ السيادة الشعبية المسلوبة، وعلّةُ ادعاءِ تمثيلية هذه السيادة في مؤسسات الدولة. ومما كُتِب في هذا الموضوع أن نظامنا السياسيَّ لن يتعافى من هذه العلل ما دامت إرادةُ الأمة/الشعب مغيَّبةً، وما دام تزوير هذه الإرادة والتلاعبُ بها وادعاءُ تمثيلها هو قوام الفكر السياسي المسيطر، وروح الثقافة الدستورية التي يُراد لها الرسوخُ والدوام، وما دامت الطريقُ الديمقراطية السياسية السلمية إلى المراجعةِ والتصحيحِ والتغيير واستردادِ السيادة السليبة للأمة/الشعب، وبناءِ مؤسساتٍ تمثل هذه السيادةَ حقيقةً لا ادعاء وتزويرا، طريقا منعدمةً بالمَرّة، أو طريقا يعاني نقائصَ وتشوهاتٍ وانحرافات تجعلُه، في المُحَصِّلة، طريقا غير مسلوك، وحتى إن سُلك فإنه لا يمكن أن ينتهيَ إلى شيء.
فهذه الأبواق الرسمية المادحة الصادحة الزاعقة في كل الاتجاهات، بلا حدود ولا روادع، لا تفتأ تُروّج للتزوير الكبيرِ حينما تقدم الحكومةَ للناس على أنها حكومة سياسية مسؤولة، وأن لها برنامجَها الذي تعاقدت في شأنه مع الناخبين، وأنها سائرة في طريق تطبيقه بما تملكه من صلاحيات دستورية وسلطات تنفيذية، ومِنْ ثَمَّ، فإنها حكومة تمثل الإرادةَ الشعبية لأنها مستندة إلى شرعية انتخابية لا غبار من الشك على نزاهتها وصحتها ومصداقيتها.
وجهُ التزوير فيما تروّجه الأبواقُ والمنابر والأقلام الموالية للنظام المخزني والمدافعةُ عن شرعيته وصلاحيته للمغاربة إلى الأبد، أن حكومةَ صاحبِ الجلالة، التابعةَ المأمورةَ، بنصوص الدستور المكتوب وأعراف وطقوس الدستور العرفي، والتي ليس لها في لبّ الحُكم شيءٌ إلا الاتباع والسمع والطاعة، والتي كان الحسن الثاني، رحمه الله وغفر لنا وله، يصف وزراءها بأنهم أعوانُ الملك، تتحول في أبواق الدجل والتزوير، وفي مناظير السلب والاحتيال والخداع والدعاية الكاذبة، إلى مؤسسة مستقلة مسؤولة عن قراراتها وسياساتها وتطبيق برنامجها!!
أين هو هذا البرنامجُ وما يتعلق بتطبيقه من سياسات وقرارات؟
أليس برنامجُ الحكومة مجتمعةً في (مجلس الوزراء) برئاسة الملك، ومفرَّقةً في القطاعات الوزارية، هو البرنامج الذي يُصنع في المطبخ المخزني الأصيل بعيدا عن أيّ نوع من أنواع المتابعة والمراجعة والمحاسبة، ثم يُفرض من فوق فرْضا، ولا يملك الأعوانُ السامون إلا أن يجتهدوا في إيجاد الصيغ الملائمة للتطبيق، باقتراح النصوص القانونية المناسبة، وإصدار المراسيم التنفيذية؟
انظرْ، مثلا، إلى المشاريع الاقتصادية الكبرى التي هي قيد التنفيذ، والتي تكلف ميزانيةَ الدولة أموالا طائلة، أين هي رائحةُ الحكومة في ميلاد هذه المشاريع فكرةً واقتراحا ودراسةَ جدوى ومصادرَ تمويل وغيرَها من المتعلَّقَات قبل أن تصبح أوراشا مفتوحةً على الأرض تأكل جزءا مُعتبَرا من المال العام؟
أين هي بصماتُ الحكومة التي تميز سياستَها في العلاقات الخارجية؟ أين هي سلطةُ الحكومة في تدبير شؤونِ الأمن والداخلية عموما؟
باختصار، أين هي إرادةُ الحكومة الحرة، وأين هي قراراتُها  المستقلة، وأين هي سياساتُها المتميزة في كل المشاريع الاستراتيجية، وفي كلِّ المؤسساتِ والإدارات الحسّاسة والنافذة في سياسات الدولة العليا؟
حكومةٌ أعضاؤها موظَّفون سامون لدى الدولة، التي يرأسها الملكُ، والتي أساسُها نظامٌ مخزنيّ قوامُه ملكيةٌ وراثية تنفيذية تحتكر سلطةَ رسمِ السياسات واتخاذِ القرارات، بنصّ الدستور المكتوب وواقعِ الدستور العرفي- حكومةٌ بهذا الوصف لا يمكن أن يَنتظر منها المواطنون أن تمثلهم وتدافعَ عنهم وتُقدمَ مصالحهم على مصالح النظام، وإنما المُنتَظرُ منها-وهذا هو الواقع المعيش حقيقةً لا توهُّما أو تأويلا أو تَقوُّلا- أن تكون مدافعا عن النظام الذي هي موظفةٌ لديه، حريصةً على مصالحه أولا قبل أية مصلحة أخرى، وعاملةً ومجتهدةً لترسيخ سلطانه وتأبيد دولته.

أمثلة
ومن الأمثلة التي تؤكد أن حكومة صاحبِ الجلالة ليس لها من أمر الحكم شيءٌ، وأنها حكومة مأمورة مُنفِّذة، وليست حكومة مُقرٍّرَةً آمِرةً، مثالُ ملفاتِ (الحزب الديمقراطي الأمازيغي)، و(حزب الأمة)، و(حزب البديل الحضاري)، التي لا شك في أنها ملفات سياسية مائة في المائة، إلا أن الحكومةَ لا تستطيع أن تقتربَ منها وتحسمَ فيها بالقرار السياسي الواضح الذي يُعيد الأمور إلى نصابها، ويُرجعُ الحقوقَ المغتصَبة إلى أصحابها، لأن هذا القرار السياسيَّ الحاسمَ ليس بيدها، وإنما هو بيد دولةِ المخزن التي تملك السلطاتِ الحقيقية للحسم في الملفات السياسية.
أحزابٌ ممنوعة لأسباب سياسية لا علاقة لها بالقانون والقضاء، وإنما المخزنُ هو الذي يعمل، بأساليبَ قديمة معروفة وأخرى جديدة مُستحدثة، ليجعلها تظهرُ على أنها ملفاتٌ ذاتُ طبيعة قانونية، والقضاءُ، في زعمهم المناور الماكر، هو المُخوَّل بالحسم فيها، وفي دولة الحق القانون، حسب شعارات المخزن في واجهته "الديمقراطية الحداثية"، ليس أمام الناس إلا أن يقصدوا القضاء "العادل" ويُذعِنوا لقراراته وأحكامه!
مثلُ هذه الملفات كانت تُعالج في عهد (تازمامرت)، و(سنوات الرصاص)، بخشونة القمع الصريح، وسوْقِ الناس إلى مسالخ التعذيب والموت البطيء، وغَيَابَاتِ المعتقلات العلنية والسرية، وصناعةِ مُحاكمات فاضحة تنتهي بأحكام ظالمة قاسية.
أما في سنوات هذا العهد، عهد (تازمارة)، فقد حصل اجتهادٌ وتطورٌ في طرق المعالجة ووسائلها- وإن بقي الجوهر والهدف في العهدين واحدا لم يتغير- فأصبحت ملفاتُ المعارضين المسخوط عليهم تُعالَج بنعومة سياسية ولغة قانونية مُراوغة ومُخَاتِلة، حيث يتمّ رفضُ ملفات تأسيس الأحزاب التي لا يرغب النظامُ المخزنيّ في وجودِها، مرةً بحجة عدم استيفاء الوثائق المطلوبة، ومرة بسبب عدم الالتزام بمقتضيات قانون الأحزاب، ومرة بحجة عيب في عبارة أو رقم أو تاريخ، وهكذا في دوامة مسطرية تنتهي بحكم قضائي مُعلَّل بالرفض. وهذا الحكمُ القضائي هو البديل الناعم للغة القمع والمنع والإرهاب في وجهها البشع الكالح السافر التي طبَعَتْ عهدَ (تازمامرت).
ومن الأمثلة أيضا على تبعيّة الحكومَة ووقوفِها عند الحدود التي ترسمُها لها دولةُ المخزن لا تتجاوزها، ملفُّ مَن يُعرفون بـ(معتقلي السلفية الجهادية)، وخاصة أولئك الذين تم اعتقالهم ومحاكمتهم بعد انفجارات 16 ماي 2003 الإجرامية بالدار البيضاء، لأنه ملف شابته الكثير من التجاوزات والخروقات، بشهادة النظامِ نفسه، وتم فيه الحكم ظلما على أبرياء في قضية جنائية واضحة. ورغم ما كان من مبادرات من هنا وهناك، وما كان من مساعٍ من عدة جهات، ومنها جهاتٌ حقوقية، كان وزيرُ العدل والحريات الحالي السيد مصطفى الرميد واحدا من العناصر النشيطة فيها، من أجل إحقاقِ الحق وإطلاق سراح الأبرياء وإصلاح ما اعترى الملف برمته من نقائص شكلا ومضمونا- قلت رغم ما كان من مبادرات ومساع، فإن القضية-فيما نعلم من الأخبار الرائجة، ومن بيانات عائلات السجناء- لم تعرفْ أيَّ تقدم إيجابي لصالح الأبرياء المظلومين. واليومَ لا تستطيع حكومةُ السيد بنكيران، وفيها المناضلُ الحقوقي السيد الرميد وزيرا للعدل، أن تفتح هذا الملف وتعالجَه المعالجةَ السياسية المطلوبةَ، وكأنّ عصا المخزن تقول للحكومة: اِلْزَمِي حدودَك المرسومة، ولا تنبشي في ما لا يعْنيكِ.
ومن الأمثلة أيضا، في موضوع المعتقلين دائما، ملفُّ ما عُرف بـ(خلية بلعيرج). فرغم إطلاقِ سراح السياسيين الستة، الذين اشتَهَروا من بين المعتقلين في هذا الملف، فإن غموضا كثيفا ما يزال يلف هذه القضية، وهو ما يقتضي معالجةً سياسية أساسا، قبل المعالجة القضائية، من أجل مراجعة شجاعة وعادلة، ترفع الالتباس والغموض، وتميز بين الوقائع الحقيقية والروايات المُختَلَقَة، وغير ذلك ممّا الشأنُ فيه قرارٌ سياسيٌّ لا تملك الحكومةُ التابعة أن تتخذَه.
أمثلةٌ أخرى كثيرة يمكن أن نجدها في قطاعات عديدة، كوزارة الخارجية، التي ليس للحكومة، وإن كان منها وزيرُ الشؤون الخارجية والتعاون، في شأنها سياسةٌ مستقلة، وإنما هي تابعةٌ ومنفِّذة بالحرف ما يرسمه النظامُ من سياسات في هذا الباب. ونفسُ الشيء يُقال عن وزارة الداخلية، التي كانت، وما تزال، الذراعَ الأمنية الضاربة للمخزن، ولا يمكن أن يَسمح  النظامُ أن يكون للحكومة سياسةٌ فيما يخص هذه الوزارة ووظائفِها تخالف، ولو في حرفٍ واحد، ما يخطّطه وما يراه وما يقدّره وما يستشرفه، فضلا عن أمور يعدّها النظامُ من أسرار الدولة ستبقى بعيدة عن علم الحكومة ولو من باب الإخبار.
وبعد، فهذه هي حكومةُ صاحبِ الجلالة، باختصار، في وظيفتها وتبعيتها ومأموريتها وضعفها أن تكون حكومةً منتَخَبة تمثل المواطنين، حرةً مستقلةً، تتمتع بسلطات وصلاحيات حقيقية، وتنفذ برنامجها، كيفما كان هذا البرنامج، بكل مسؤولية، وتتحمل عواقب عملها، لأن ربط المسؤولية بالمحاسبة، عندئذ، سيكون له معنى.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

مراكش: 21 مارس2013  

الخميس، 7 مارس 2013

تأويلُ الدستور بين الواقع والأماني


بسم الله الرحمن الرحيم

تأويلُ الدستور بين الواقع والأماني

بقلم: عبد العالي مجذوب

لبابُ الموضوع وقشورُه
هناك كُتّاب موالون لحكومة السيد بنكيران،يسعون بكل ما أوتوا من معرفةٍ وجدل وبرهان وحيلة-وهذا من حقهم- أن يدافعوا عن مواقف السيد رئيس الحكومة، وخاصة فيما يخص علاقتَه بالملك، أميرِ المؤمنين، ورئيسِ الدولة، ورئيسِ المجلس الوزاري، ورئيسِ المجلس الأعلى للأمن، ورئيسِ المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ورئيسِ القوات المسلحة، ورئيسِ المجلس العلمي الأعلى، باختصار، رئيسِ كلِّ المؤسسات الحساسة والاستراتيجية في الدولة.
يصرّ بعضُ هؤلاء الكتاب، ومنهم تلامذةٌ قدامى للسيد بنكيران، تعلمُوا على يديه وتخرّجوا من مدرسته في الدعوة والفكر والسياسة، على ألا يقرأوا الواقع السياسي كما هو   بقسماته الواضحة الصارخة الحارقة، بل قد نجدهم، في بعض الأحيان، يذهبون بعيدا في الجدال والاحتيال حتى لا يقتربوا من "صميم الموضوع" ويبقوا دائما حائمين حول قشوره، يناوشون الهوامش والجزئيات، وإن هم تظاهروا، في بعض المناسبات وبضغط من بعض الأحداث، بشيء من الجرأة في الاقتراب من "الصميم"، فلكي يُضفوا، في رأيي وتقديري، المصداقيةَ على نظراتهم الجزئية وتحليلاتهم القشورية، التي تخشى أن تُسميَ الأشياء بأسمائها.
أما الصميمُ الذي يتفادى هؤلاء الكتابُ الموالون تناولَه هو هذا "الدستور العُرفيّ" غيرُ المكتوب، الذي ما تزال حياتُنا السياسية ترزح تحت سلطانه من غير أن يكون هناك طريق واضح وسالك للاعتراض على هذا الدستور أو إبعاده والتخلّص منه.
ننظرُ في الدساتير الممنوحة المكتوبة، فنقرأ مِنْ بين السطور حضورا قويا للدستور العرفي، الذي يرفع النظام المخزنيَّ إلى حيث لا تصله يدُ النقد والمراجعة والمتابعة والمحاسبة.
ننظرُ في الواقع، فنرى ممارسات النظام المخزني بطقوسها القرونية وتجلياتها الاستبدادية وأوصافها الاستعبادية- نرى هذه الممارسات معبرة عن رسوخ الدستور العرفي في مختلف مفاصل حياتنا رسوخا يَظهر منه أنه دستور يُراد له أن يدوم إلى الأبد، وأن من يطلبون زوالَه ويتمنون إلغاءه إنما يطلبون مستحيلا ويتمنون بعيدا.
هذا هو الصميم الذي يتركه الكتابُ الموالون ليشتغلوا بهوامشه وجزئياته، والذي لا يقربه الخطابُ الرسمي، الذي بات السيد بنكيران، بعد انتخابات 25 نونبر2011، أحدَ الناطقين باسمه.
عبارةُ "النظام المخزني" باتت قليلة جدا، إن لم نقل منعدمة،  في كتابات المؤيدين الموالين، وهو ما يجعلنا نستنتج من هذه الكتابات أن مشكلاتنا السياسية لم تَعُد مع النظام بما هو معدن الاستبداد وحاضن الفساد، وإنما هي مع كيانات سياسية وشخصيات نافذة ومؤسسات ولوبيات و"عفاريت" لا علاقة لها بالمخزن بما هو روحُها وقوامُ مشاريعها وأصلُ نشأتها وعرّابُ وجودها واستمرارها. وهكذا تنحاز هذه الكتاباتُ، من حيث لا تريد، إلى تزكية الدستور العرفي، وتعملُ على ترويج خطاب القشور على حساب خطاب اللب والحقيقة الحارقة في الواقع والممارسة.
 حينما نقرأ للكتاب الموالين، في بعض مقالاتهم، أن التجربة السياسية بالمغرب، بعد عاصفة الربيع العربي، التي تجلّت عندنا في حركة 20 فبراير، ما تزال تحتاج إلى تطوير وإغناء وإصلاح وتقدم إلى الإمام حتى نصل إلى إنتاج نص دستوري يستجيب للتطلعات، ويحقق مطالب الشعب في الحريات الحقيقية وممارسة سيادته في أعمق معانيها ومختلف أبعادها، والتمتع بحقوقه من غير وصاية ولا قمع ولا قيود، وفي مقدمتها الحقوقُ السياسية وما يترتب عليها من بناء دولة المؤسسات، والانطلاق في حياة ديمقراطية مدنية، روحُها العدلُ والكرامة وسيادة القانون-
حينما نقرأ للكتاب الموالين مثلَ هذه المقالات، وحينما نسمع رئيسَ الحكومة يصرح في مناسبات كثيرة بأن المغرب ما يزال أمامه أشواطٌ أخرى قبل أن يصل إلى النظام الديمقراطي المنشود، فإننا نفهم ضمنيا أن أصحابنا يقصدون أن نظامنا السياسي ما يزال نظاما ناقصا ومائلا لصالح الاستبداد السياسي، ومن ثَمَّ فإن الحاجة إلى "الإصلاح في إطار الاستقرار"، حسب أدبيات حزب "العدالة والتنمية" ومَنْ وراءه من الكتاب، ما تزال قائمة.
نعم، رئيسُ الحكومة ومَنْ يذهب مذهبه في الاعتراف بالنقص والعيب والفساد في حياتنا السياسة، يبتعدون عن التشخيص وتحديد الجهات المسؤولة بالاسم أو الصفة، ويتحدثون دائما حديثا عاما، لكننا يمكن أن نفهم من بين سطور هذا الحديث العام أن الأمرَ يتعلق بالنظام المخزني، الذي ما يزال يمثل العمود الفقري للدولة ومؤسساتها، والذي ما يزال الملك يلعب فيه دورا محوريا من حيث تمتعه بأهم السلطات، إن لم يكن كل السلطات، وخاصة في القطاعات الحيوية، والمجالات الاستراتيجية سياسيا واقتصاديا وإعلاميا وأمنيا وعسكريا.
ومع هذا الغموض المتعمد في خطاب رئيس الحكومة، ومعه الموالون المؤيدون، في شأن تسمية الجهات المسؤولة عما يطبع حياتنا السياسية من عراقيل ونقائص وقُوىً تَجُرّ نحو تكريس هيمنة النظام المخزني على هذه الحياة، نجد خطابا آخر واضحا في الدفاع عن النظام المخزني باسم الدفاع عن الملك والنظام الملكي، إلى درجة يتحول معها السيد بنكيران إلى كائن مسكون بالدفاع عن النظام، غير آبِهٍ بالانتقادات الموجهة لهذا النظام، ولا مهتمٍ بممارسات النواة الصلبة لهذا النظام لتبقى له اليدُ العليا على كل شيء، ولا معترضٍ على مناورات المخزن ومراوغاته ومخادعاته لعرقلة الإصلاحات الحقيقية أو تأجيلها إلى أجل غير مسمى.
العرقلة، والتحكم، والإقصاء، والاستبداد، والفساد، والرغبة في الرجوع بنا إلى الوراء، إلى ما قبل 20 فبراير2011، وغيرُ هذه من الاتهامات والسلوكات والأوصاف التي يميز بها رئيس الحكومة وموالوه خصومَهم السياسيين، النظامُ المخزنيُّ بريءٌ منها في خطاب الإسلاميين المشاركين، وإنما التّهم عندهم باتت موجهة إلى كيانات سياسية وأفراد معروفين بنفوذهم وقربهم من أصحاب القرار؛ لكن الذي يعرفه الجميع، ومنهم السيد بنكيران ومعه الإسلاميون المشاركون والكتاب الموالون، أن هؤلاء المتهمين لم يكونوا ليفعلوا ما فعلوا، قبل 20 فبراير، وما يفعلون اليوم بعد 20 فبراير، لولا علاقتُهم بالنظام، سابقا ودائما، ولولا ما راكموه من نفوذ سياسي ومالي اقتصادي، وما أسّسوه من شبكات واسعة من العلاقات والاتصالات التي تشمل مختلف طبقات المجتمع، وتشمل خاصة النخبَ من أصحاب الفكر والسياسة والثقافة والمال والأعمال.
الدنيا كلُّها تعرف أن هذه الجهات التي يتهمها الإسلاميون المشاركون، من غير أن يعينوها بالاسم، في الغالب، ما هي إلا البديلُ الجديد لما كان يسمى بـ"الأحزاب الإدارية"، وهي الأحزاب التي كانت تشكل أساس "اللعبة الديمقراطية"، كما تصورها ووضع قواعدَها ورسمَ حدود ملعبها وبيّنَ أهدافَها النظامُ المخزنيُّ على عهد "تازممارت".
اليوم، وخاصة بعدما حققته الشعوبُ من مكاسبَ بفضل الربيع العربي، حصلت تطوراتٌ في سياسات الدولة المخزنية وأساليبِ عملها ومضامينِ شعاراتها  وطبيعة ممارساتها، لكنها تطوراتٌ ما تزال تحوم حول القشور، لأن الروح ما زال باقيا كما هو لم يتغير. وقد ظهرت هذه الحقيقة بجلاء في أثناء الأحداث التي عرفها الربيع العربي بالمغرب، وخاصة منذ ظهور حركة 20 فبراير في الواقع، حيث كانت هذه الأحزابُ المواليةُ هي رأس الحربة في الدفاع عن "المخزن"، ومحاربة حركة 20 فبراير بكل الأساليب المشروعة والخسيسة، وكانت بعد ذلك بوقا صارخا في التنويه بخطاب 9 مارس2011 وما تلاه من مبادرات وقرارات انتهت بإقرار دستور فاتح يوليوز، وتنظيم انتخابات 25 نونبر، وتعيين حكومة جديدة في يناير2012.
فالفصل بين هذه الكيانات السياسية التي توصف بأنها تقاوم الإصلاحَ والتغييرَ والتطوير وبين النظام المخزني، بمعناه السلبي بما هو أصل الداء وبؤرة الفساد، هو فصلٌ تعسفي لا أظن أن أصحابه أنفسهم مقتنعون به، إلا أن يكونوا من طينة المخزنيين الخلص الأقحاح. هو فصل تعسفي يجعل خطاب الإسلاميين المشاركين الذين يتبنونه يعاني اضطرابا واضحا لا يملك مقومات الصمود أمام نقد الناقدين.
      
فقهٌ دستوريٌّ أم أماني دستورية؟!
يجدُ الكتاب الموالون حرجا كبيرا في تأويل مضامين نصوص الدستور المكتوب وهم يحاولون أن يجدوا لسلوكات رئيس الحكومة ووزراء حكومته مخرجا قانونيا وتفسيرا يبرر عملَهم، لأنهم، مهما فعلوا وفسّروا وبرّروا، لا يستطيعون أن يُنكروا الوجود الفعلي القوي لـ"الدستور العرفي" في حياتنا السياسة، لأنهم يعرفون أن رئيس الحكومة ووزراءه مُجبرون أن يخضعوا للعرفيِّ قبل المكتوب. بل هناك وقائعُ وَقعت، وأخبارٌ نُشرت، وحكاياتٌ رُويت، تؤكد أن تعامل المخزن مع مؤسسات الدولة ومسؤوليها الكبار ما يزال، في جزء كبير منه، خاضعا للأعراف المخزنية الموروثة، وإن حاول بعضُ الكتاب الموالين أن يحتالوا ليجدوا المخارج والمسوغات والمُلطِّفات، التي تخفف عنهم الحرج، وتحافظ للدستور المكتوب على هيبته ومركزيته وسلطته القانونية السامية، ولو ظاهريا على الأقل.
هناك فرق بين الأماني والأحلام والتطلعات والرغبات والتشهّيات، وبين ما هو واقع بالفعل، ظاهر للعيان، راسخ بالممارسة.
أن يقومَ الملكُ بدور تحكيمي هو من الأماني التي يتمناها بعض الناس، ومنهم باحثون مختصون في الفقه الدستوري، يدفعُهم ولاؤهم ودفاعهم وتعصبُهم للتجربة السياسية التي أسفر عنها الربيع العربي في المغرب، والتي رفعت الإسلاميين المشاركين لأن يرأسوا أول حكومة في زمن هذا الربيع- قلت يدفعهم ولاؤهم ليتكلفوا خطابا في تفسير نصوص الدستور وتأويل بعض مضامين هذه النصوص ليرسموا صورة وردية للتجربة ليس لها وجود إلا في أحلامهم وأمانيهم.
كتّاب وفقهاء دستوريون ومفسرون ومؤولون ومتكلِّفون يشتركون في الحلم والتمني، لأنهم يقفزون على الواقع المعيش، وهم واعون يحسون وينظرون، ليقرروا معانيَ ومفاهيمَ ومقاصدَ لا يُسعف النص المكتوب بها ولو في أقصى حالات التأويل وأبعد حالات تقويلِ النص ما لا يقوله، وتحميله ما لا يحتمله.
أن يكون الملكُ حَكَما بين اللاعبين وليس طرفا في اللعبة هو من الأماني التي كرسها الفكرُ الدستوري المغربي الأكاديمي الموالي أو المهادن والمسالمُ، ليس لها في الواقع ولا في ما هو مكتوب أيُّ سند ولا دليل، بل كلُّ ما عندنا من الواقع والنصوص أن الملِكَ لاعب مركزي في الساحة السياسية، والمؤسسةُ الملكية طرفٌ في اللعبة يتمتع بسلطات تنفيذية واسعة فاعلة ومؤثرة.
فالملك، مثلا، هو القائد الأعلى للقوات المسلحة؛ فهذه القيادة مسؤوليةٌ تنفيذية لا غبار عليها، بل إن رئيس الحكومة نفسَه يعترف بأن الجيش وما يتعلق به هو مجال محفوظ للملك، لا يناقشُه ولا يشاركه فيه أحد. وهذا يعني أن القرارات والسياسات والمبادرات التي تُتَّخذ في هذا المجال تَفرض أن الملك هو المسؤول الأول عنها، وإنْ فوَّض في شأنها لمرؤوسيه من الرتب الدنيا، وإن كان في الحكومة منتدَبٌ مكلَّف بإدارة شؤونها. فكيف يَسمح فقهاؤنا الدستوريون الموالون أن يتأولوا نصوصا واضحة الدلالة، ليعطونا مضمونا جديدا بعيدا عن الواقع يستجيب لمتمنياتهم ويحقق أحلامهم؟
مثالٌ آخر في الأوقاف والشؤون الإسلامية؛ فهذا أيضا مجال يحتكر الملك، بنص الدستور المكتوب والعرفي، القرارَ في كل كبيرة وصغيرة من شؤونه. وقد وَسّع العرْفُ من مدلول "إمارة المؤمنين"، التي هي في أصلها صفةٌ لا تترتب عليها أيةُ امتيازات ولا سلطات، حتى بات "أمير المؤمنين" يتمتع بصلاحيات مطلقة في الشأن الديني، بل بات هو وحده من دون الناس من يحقُّ له أن يجمعَ بين السياسة والدين. فهل الملك هنا يلعب دورا تحكيميا لا علاقة له بالسلطة التنفيذية، ولا يقتضي لا متابعةً ولا محاسبة؟
الملك عندنا يمارس سلطاتٍ تنفيذية حقيقية، بمقتضى الدستورين المكتوب والعرفي، لكنه لا يُحاسب ولا يُناقش فيما يفعلُ وفيما لا يفعل، وهذا الوضعُ المتميزُ للملك في الدستور والعرف والواقع المعيش هو الذي يَعجز الكتّابُ الموالون ومَنْ على هواهم من فقهاء الدستور عن مواجهته ونقدِه ورفضِه، فيعوّضون عن عجزهم بالهروب إلى الأماني والأحلام، بصناعة تأويلات غاية في البعد والغرابة. وقد تجد بعضَ هؤلاء الكتاب، ومنهم متعصبون لرئيس الحكومة ومواقِفه واختياراته، قد استحلى صناعةَ الأحلام والأوهام، وبات شبهَ متخصص في الحديث عن الدستور الحالي وتأويل مضامينه، وخاصة فيما يتعلق بصلاحيات الملكِ وعلاقته بالمؤسسات الدستورية الأخرى، وكأنه الدستور الديمقراطي الذي طالما ارتقبنا بزوغَ فجره، إلا أنه يحتاج منّا دائما إلى "تأويل ديمقراطي" عند التطبيق.
وبعد،
فبحكم الواقع المعيش، وبحكم الأعراف والعادات والممارسات التي رسختها عهودٌ طويلة من الاستبداد بالسلطة والقرار والحكم ووضعِ السياسات الاستراتيجية، فإن الملك يمارس سلطات تنفيذية واسعةً بصلاحيات مطلقة، بعضُها مذكور في الدستور، وبعضُها غيرُ مذكور، لكنه مفهوم بالعرف والأمر الواقع. وسيظل هذا العرفُ المخزني القروني في ممارسة الحكم والاستبداد بالسلطة واقعا ما دامت الطبقةُ السياسية، في غالبيتها، تقبل بأن تلعبَ اللعبةَ بقواعدَ وشروطٍ وحدودٍ هي أول من يعلم أنها لعبة لن تنتهيَ بنا إلى تحقيق الحلم الديمقراطي الذي تتطلع له الأفئدة ويتمناه المواطنون.
فالخلطُ بين إمارة المؤمنين، التي تبسط يدَ الملك في الشأن الديني ومتعلقاته، ومنها ما هو اقتصادي وسياسي واجتماعي، من غير أن يكون لأي أحد، مهما كان شأنُه، أن ينتقدَ أو أن يقترح، أو أن ينصح، وبين رئاسة الدولة، التي تجعل الملك على رأس المؤسسات الأساسية في صناعة القرارات ووضع السياسات وتنفيذها، وفي مقدمة هذه المؤسسات المجلسُ الوزاريُّ الذي يُعد بمثابة المِصْفاة التي لا يمر منها إلا ما يخضع للمقاييس المحددة، والسياسات المرسومة، والأهداف المرجوة، وبين "البيعة"، التي يستند إليها علماءُ السلطان ومن على شاكلتهم من خدّام الدولة ورجالاتها الأوفياء، ليضاعفوا للملك بالفعْلِ والعُرف ما يأخذُه منه الدستورُ المكتوب لفظا وشكلا-بل إن "البيعة" عند فقهاء النظام، وبالصورة التي نعرفها، شكلا ومضمونا، هي عَقْدٌ يجعل للملك حقوقا على الرعية يُلخصها حقُّ السمع والطاعة والولاء في كل الأحوال، في المنشط والمكره، والعسر واليسر-
قلت إن الخلط بين هذه الأمور والمجالات والصلاحيات إلى حدّ يتعذر معه التمييز والفهم، هو الذي يجعل الكتّابَ الموالين الحالمين مرتاحين في أحلامهم، لا يخشون تنغيصا يقضّ عليهم مضاجعهم، ولا يخافون تشويشا يحرمهم من نومهم العميق.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

مراكش: 7 مارس2013

الاثنين، 21 يناير 2013

مقالةٌ في تلَبّس السياسيِّ بالدّينيّ


بسم الله الرحمن الرحيم




مقالةٌ في تلَبّس السياسيِّ بالدّينيّ



من معاني التلبّس في اللغة التعلّقُ والتداخلُ والاختلاطُ والتَمَثُّلُ والاشتباهُ.

مِنْ دروس الحياة
تُعلّمُنا التجاربُ السياسية، التي نقرأ عنها في التاريخ القريب والبعيد، عند المسلمين وعند غير المسلمين، وكذلك التجاربُ التي عشناها أو عاصرناها-إلا مَنْ ركب مركَبَ الجحود والعناد، وأعماه الغلوُّ والتطرفُ، فإنه لن يتعلّمَ هذا الدرسَ أبدا- تعلمُنا هذه التجاربُ درسا واضحا وبليغا، ملخصُه أن السياسة حينما تُمارس باسم الدين، أيِّ دين، وحينما يَلْبَس الاجتهادُ السياسي لَبُوس المقدس، أيِّ مقدس، فإن حصاد ذلك لا يمكن أن يرجع على الإنسان بغير الوبال والفتنة والخراب والظلم والفشل وذهابِ الريح.
وهنا وجب أن أوضح أن هذا الدرسَ البليغ الذي لخصتُه في العبارات الأخيرة لا يعني أنه يَحْرُم على الإنسان أن يرجع إلى الدّين، في أصوله وكلياته ومبادئه، ليتخذ منه مصدرا للاستلهام والاستنباط والاستئناس. الدرسُ الذي تحدثت عنه لا يعْني، بأي وجه من الوجوه، ألاّ يكون للدين أيُّ نوع من الحضور فيما يعالجه الإنسان من شؤون الفكر والسياسة والاقتصاد والاجتماع وغيرها من شؤون الحياة والعمران، كما يذهب الملحدون واللائكيون(العلمانيون) اللادينيون.
لا، إنما قصدت بالدرس أن الفتنةَ كلَّ الفتنة، والفشلَ كلَّ الفشل، والخرابَ كلَّ الخراب، حينما يُفرضُ الاجتهادُ الإنساني النسبي، الذي يحتمل الخطأ والصواب، والرأيُ الإنساني الظني، الذي قد يصح وقد لا يصح،  على أنه من الدين، أي أنه مما يتوجب تقبلُه بالتسليم والتصديق والتأمين.
أظن أن قصدي قد بان بهذا التوضيح.  
ومن المفيد أن أُذكّر هنا بما قاله الإمام الشهرستاني(أبو الفتح محمد بن عبد الكريم(479هـ-548))، صاحبُ كتاب "المِلَل والنِّحَل" في عبارات موجزة تُلخّص لنا السببَ الرئيس وراء معظم المآسي التي عرفها تاريخ المسلمين؛ قال الشهرستاني، رحمه الله، في "الملل والنحل"، ج1، ص22:
"ما سُلَّ سيفٌ في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سُلّ على الإمامة في كل زمان."
والمشهور عند علماء السنة أن موضوع الإمامة إنما هو من الموضوعات السياسية الاجتهادية. أمّا عندما أصبح هذا الموضوعُ عند بعض المسلمين مسلوكا في مباحث العقائد والأصول الإيمانية، فإنه تحول إلى قوة عاطفية قاتلة ماحقة، ولدت الكراهية، وأجّجت الأحقاد والعداوات، وتسببت في إزهاق ما لا يُحصى من نفوس المسلمين.

مصيبةُ تأبيد المؤقت
الاجتهادُ السياسي هو بطبيعته مؤقت بزمان، ومظروف بظروف، ورجحانُ صلاحيته إلى حين معيّن، وليس إلى الأبد.
ومن المصائب التي جرّت على المسلمين في الماضي، وما تزال تجر عليهم في الحاضر، الويلاتِ والمآسي والتخلف والظلم والاستبداد، مصيبةُ تخليد ما ليس بخالد، وتأبيد ما طبيعتُه وأصلُه وفصلُه التوقيت والنسبية.
لقد كان الملك الحسن الثاني، رحمه الله وغفر لنا وله، يقول في بعض أحاديثه، إن النظامَ الملكي في المغرب وُجِد ليدوم!
ولم يزلْ هذا النزوعُ نحو جعلِ الملكية في المغرب نظاما خالدا يتملَّكُه حتى جعل النظام الملكيَّ والدينَ الإسلامي في مرتبة واحدة من القداسة والنزاهة، بحيث لا يجوز تناولهما بالمراجعة، كما نصت دائما الدساتير الممنوحة، ومنها دستور فاتح يوليوز 2012 في الفصل 175، وحتى رفعَ الملكَ إلى قداسة اسم الجلالة في شعار المملكة: الله، الوطن، الملك.        
ما معنى أن يَنظر بعضُ المسلمين اليوم إلى الملك/وليّ الأمر على أنه "ظل الله في الأرض"، وإلى "البيعة" التي عُقدت له على أنها من جنس "بيعة الرضوان" التي عُقدت للرسول، صلى الله عليه وسلم؟
ما معنى أن يكون للملك سلطاتٌ وصلاحياتٌ واسعة على رأس الدولة، من غير أن يكون هناك سبيل، ولو على الورق، إلى متابعته ومراجعته ومحاسبته؟
معنى هذا أن ما كان في أصله اجتهادا بشريا مؤقتا ومشروطا، أصبح معدودا في الثوابت المقدسة، والحقائق المطلقة، التي يُراد لها الدوامُ إلى الأبد!!
هذا هو التطرف الذي يولّد العضَّ والجبر والاستبداد في كل زمان؛ اختيارٌ بشريٌّ تاريخيٌّ مشروطٌ ومظروف يستحيل مع الزمن، بفعل فلسفة الاستبداد وسيف الجور والاستعباد، إلى نظام مُخَلَّد إلى الأبد!
أما عند النظر والتحقيق، فالنظامُ الملكي المغربي، كغيره من أنظمة الحكم، هو اختيار سياسي تاريخي، كانت له ظروفه التي فرضته، وكان له فقهاؤه الذين سوّغوا للناس قبولَه، وكان له دعاتُه ودعايتُه التي زيّنت للناس سيرتَه، وأظهرت محاسنَه وأخفت عيوبه، إلى آخر ما هنالك من أسباب ومبررات ومرجحات ومسوغاتٍ ودعايات ومِقْمَعَات، كانت وراء اختيار تأسيس هذا النظامَ، وجعله يستمر إلى اليوم.
فالأمر إذن سياسةٌ، واختيارٌ، وظروف، ورجالٌ، وموازين قوى، وفقهٌ، وترجيح، وغيرُ أولئك مما يرجع الأمرُ فيه إلى الإنسان عِلْماً وفهما وفقها وسيفا ودهاء ومكرا، ولا علاقة له بالدين من حيث هو عقائد وأصول وإيمان ومقدسات يجب في حقها التسليم والرضا والخضوع.
فلا علاقة للإسلام بهذا النظام السياسي أو ذاك حتى يُصبح هذا النظامُ معدودا في الثوابت والمقدسات، هو والدينُ في مرتبة واحدة، وأيُّ خروج عليه، أو مطالبة بتغييره أو زواله، هو خروج على الدين. وما زلنا نرى كيف أن كثيرا من المواطنين يُتابعون أمام المحاكم، ويُحكم عليهم بأحكام قاسية، بتهمة المس بالمقدسات، ولا يكون المقصودُ في الحقيقة من جمعِ "المقدسات" إلا مفرد "النظام الملكي".
قد نَفهمُ ونقبلُ أن يتحدث الناسُ عن نظام سياسي ما بأنه اختيارٌ فرضَ نفسه على الناس بالغلبة والجور والإرهاب، أو أنه اختيارٌ ارتضاه الناسُ وتوافقوا عليه، أو أنه اختيار فرضته الضرورة، لأن الناس لم يكن أمامهم اختيارٌ غيرُه، أو أنه غيرُ هذا من النعوت والمبررات والمُحسّنات والمرجِّحات.
قد نتفهّمُ ونتقبّلُ أن يتحدث الناسُ عن نظام سياسيٍّ مَا بأيّ شيء، وأن يصفوه بما شاؤوا من الأوصاف، ما دام الأمر يرجع في النهاية إلى إرادة الإنسان وفكره ورأيه واجتهاده.
أما الذي يصعبُ تفهّمُه وتقبّلُه هو أن يتكلم الناس على أنظمة سياسية بأنها اختيارٌ "فوق إنساني"، فرضته على الناس قوة علوية مقدسة، لا يملكون أمام إرادتها إلى التسليم والإذعان.
فحينما يرضى حاكمٌ في العصر الحديث لنفسه-والزمانُ زمانُ الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة إرادة الشعوب- أن يكون فوق المؤسسات، وفوق المراقبة والمحاسبة، بناء على أنه يستمد شرعيته من الدين/السماء، فهذا يعني بكل بساطة أننا ما زلنا نرسف في أغلال الثيوقراطية الكريهة التي أذاقت الإنسان كل أنواع المذلة والمهانة والاستغلال، وما زلنا مهددين أن يجتاحنا البوار والدمار والفتن في أي وقت، ومن كل جانب.

تقاتلٌ مُؤجَّل
تأملْ معي، أيها القارئ الكريم، الصورةَ التالية:
هذا حزبُ العدالة والتنمية، ومن ورائه حركةُ التوحيد والإصلاح، وكثيرٌ من التيارات والشخصيات والتنظيمات المحسوبة على "السلفيين"، يقولُ بشرعية النظام الملكي، الدينية والتاريخية والدستورية السياسية، وبشرعيةِ بيعةِ أمير المؤمنين الذي هو الملكُ رئيسُ الدولة، ويقولُ بأن كل خروج على هذه الشرعية إنما هو خروجٌ على النظام، وخروجٌ على الدولة، وخروج على القانون. وعلى هذا، فكل ساعٍ لزوال الملكية بالمغرب هو، بالضرورة، متعدٍّ على الشرعية، وساعٍ لزوال النظام، وإشاعة الفتنة والاضطراب والفساد.
وفي مقابل هذا التوجه، هناك جماعةُ العدل والإحسان، التي ترى أن كلَّ الشرور إنما مصدرُها النظام الجبْري، ومن ثَمَّ، فلا خلاص لنا إلا بزوال هذا النظام، الذي يمثله النظامُ الملكي الوراثيُّ الاستبداديّ، الذي هو نظامٌ مرفوضٌ ومُدانٌ في الإسلام، حسب مذهب الجماعة-والأصحُّ حسبَ اجتهادِ مرشدها، رحمه الله- في فهم بعض النصوص القرآنية والحديثية، وتأويلِ معانيها وفقه مقاصدها وأحكامها.
إذن، فنحن أمام توجُّهَين مُتقاتلين قتالا مؤجلا إلى حين، لأن أحدَهما يرى أن شرعيةَ الملكية ودوامَها من الدين، وله نصوصُه وتأويلاتُه وفقهُه وترجيحاتُه، والآخرُ يرى أن عدمَ شرعية الملكية وحتميةَ زوالها من الدين، وله هو أيضا نصوصُه وتأويلاتُه وفقهُه.
والصراحةُ أن ما نراه من لقاءات وعناقات وتبادلٍ للابتسامات والتحيّات بين الطرفين إنما هو من باب المجاملات وآداب العلاقات العامة، التي تطبع سلوك السياسيين في كل زمان ومكان.
فهذا ملكيٌّ أكثر من الملك، والآخر على النقيض إلى أقصى الحدود، وكلاهما يزعم أن موقفه مستمد من الدين؛ فأين حقيقةُ الدين من كل هذا؟ أليس الأمرُ كلُّه، من أوله إلى آخره، سياسةً في سياسة؟
ولْنَنْظرِ الآنَ للصورة من زاوية مختلفة؛ هذا حزبُ العدالة والتنمية يختار الدفاعَ عن النظام الملكي، ليس لأنه نظامٌ يفرضُه الدينُ، لقيامه على بيعةٍ شرعية يرضى عنها اللهُ ورسولُه، كما يقول الفقهاءُ المُسَوّغون المُوالون، وإنما لأنه نظامٌ تقبله وترضَاه الغالبية من الناس لما له من سلطان وشوكة، ولأنه نظامٌ يحافظ على لحمة المغاربة أن تمزقها النعراتُ القبلية والاختلافاتُ الإديولوجية والصراعات المذهبية، ولأنه نظامٌ يتمتع بشرعية سياسية يجسدُها دستور مكتوبٌ حاز غالبيةَ أصوات الناخبين في استفتاء شعبي طبعَته الحرية والنزاهة.
وفي المقابل، جماعةُ العدل والإحسان تعارض النظامَ الملكي، ليس لأنه نظام جبري فاقدٌ للشرعية الدينية، وإنما لأنه نظامٌ وراثيّ استبدادي، يستحوذ فيه الملك على أهم السلطات والصلاحيات، والملكُ هو واضع السياسات الاستراتيجية، وصاحب القرارات السيادية، وكلُّ مؤسسات الدولة، المنتخبةِ وغيرِ المنتخَبةِ، هي في خدمة مشروعه، وتنفيذ تعليماته، وهو، مع كل هذا، فوق المراجعة والمتابعة والمحاسبة، ليس في الدستور ولا في القوانين التي تحكم البلاد نصٌّ تُشتمّ منه رائحة إمكانية متابعةِ الملك ومحاسبته إن هو أخلّ بواجباته، أو تجاوز صلاحياته، أو ارتكب أخطاءً، أو اتخذ قرارا ظالما؛ وحتى في نصِّ البيعةِ، الذي يُفترض فيه أنه عَقْدٌ بين الملك والشعب، لا نجد ولو إشارة واحدة، إلى ما يجب على الملك، وإنما هناك فقط ما يجب على المبايِع/الرعية من السمع والطاعة والانقياد.

في خاتمة المقال
أعتقد أن النظرَ إلى النظامِ الملكي من الزاوية التاريخية/السياسية، وليس من الزاوية الدينية، سيعيدُنا إلى السياق الطبيعي للنضال والتدافع، مهما تكن الاختلافاتُ بين مرجعيّات المناضلين والمتدافعين، وسَيرجعُ بالمعركة السياسية إلى الدائرة البشرية النسبية، حيث تتنافس المشاريعُ، وتتناظر الرؤى، وتتواجه الأفكار، وتتغالب الحججُ، بعيدا عن المقدّسات الدينية والمتعاليات الإديولوجية، وحيث يكون الناسُ في هذه المعركة أحرارا في أن يصدروا في رؤاهم ومشاريعهم واختياراتهم واجتهاداتهم عن المرجعية التي يرتاحون إليها، والمبادئ التي يؤمنون بها.
لا يستطيع أحدٌ أن يمنع حضورَ الدين في التدافع السياسي بما هو مبادئ ومقاصد وكليات. وكذلك، لا يستطيع أحد أن يمنع "المقدس" الشيوعي الماركسي أن يكون حاضرا في ساحة المنافسة، بما هو روحٌ ومصدرُ إلهام، لا بما هو المشروعُ الكامل الذي يُفرض على الناس على أنه الرؤية المطلقةُ الخالدة، وغيرُه الرجعيّةُ والضلالُ الذي حقُّه الإقصاءُ والاستئصال.
لقد كتبْتُ في أكثرَ من مناسبةٍ أن من خطايا السياسيّين الإسلاميين المُوالِين المُشاركين أنهم اختاروا الدفاعَ عن النظام المخزني باسم الدين، حيث تكلّفوا في التأويل وتمحّلوا وتعسّفوا حتى جاؤوا بشيء غريب وعجيب، تردّه واضحاتُ الدين، وتنقُضه بديهيات السياسية، وتعارضه دروسُ التاريخ ومعطيات الواقع المعيش.
وفي رأيي أن التكفير عن مثلِ هذه الخطايا-إن اعترف الإسلاميون الملكيون أنها خطايا- إنما يكون، ببساطة، بالرجوع إلى القواعد السليمة للممارسة السياسية، والدفاع عن النظام بما هو اختيار بشري تاريخي لا علاقة له بالدين ومقدساتِه. وبهذا الرجوع، تتساوى الأطروحاتُ المتنافسة، ويصبحُ الاختلاف في النظر والاجتهاد والترجيح مطلبا محمودا لا تحكمه رغبةٌ في المنع والقمع والاستئصال، وعملا بشريا يُقَوّم بغاياته وإنجازاته وعطاءاته، وليس بشعاراته ومقدساته ومتعالياته.
  أما المعارضون للنظام المخزني، من الثوريين والإصلاحيين، الذين جمعتهم حركة 20 فبراير غداة الربيع العربي المغربي، والذين كان بينهم تواصلٌ وتنسيق واحتكاك في تجربة لم تُعمّر طويلا، فسيظلون، في رأيي، في تدابر وتنافر وتشتّت واختلافٍ ما لم يكن منهم، من عقلائهم، مبادرةٌ جريئةٌ لمدّ حبالِ تواصلٍ حقيقيٍّ، يقطع مع الفكر الأناني، والتعصبِ الإديولوجيّ، والتوجهِ العدائي، ويبني علاقاتِ تفاهم وتقارب وتعارف وتعاون سليمة من شوائب الحزبية الضيقة، والإديولوجية المتطرفة، والنظرةِ المتعالمة المتعالية، تكون أساسا لبناء متين ثابت راسخ في مواجهة الاستبداد والفساد. فمتى ثبت الأساسُ وقويَ وترسّخ، فإن البناء سيصبح هينا، وسمِّه عندئذ "ميثاقا جامعا"، مثلا، أو "جبهة" أو "تحالفا" أو غير أولئك من الأوصاف والأسماء.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

يناير2013

الأحد، 30 ديسمبر 2012

حينما يصبح الاجتهادُ السياسيُّ مُقَدّسًا!!(2)


بسم الله الرحمن الرحيم

حينما يصبح الاجتهادُ السياسيُّ مُقَدّسًا!!(2)


"المنهاج النبوي" كتابٌ كسائرِ الكتب
تحدّثت في فقرة من فقرات مقالتي السابقة عن "المنهاج النبوي" من جهة كونِه كتابا ليس كسائر الكتب، وبيّنت سببَ هذه الميزة لهذا الكتاب. وفي هذه الفقرة أُذَكِّرُ بأن "المنهاج"  النبوي" هو كتابٌ لا يختلف عن سائر الكتب، التي تعرِض على الناس فكرا ورأيا واجتهادا ورؤية وموقفا، للناس أن يؤيدوه أو يعارضوه، ولهم أن ينتقدوه ويقوّموه أو يقرّظوه ويصوّبوه.
"المنهاج النبوي" هو من وضع الأستاذ عبد السلام ياسين، رحمه الله، فكرة وتأليفا. هو من اجتهاده منذ أن وُلد  فكرةً جنينية في مرحلة الزاوية البودشيشية، في صحبة الحاج العباس، رحمه الله، ثم اشتدّ عودُه، في التصور والنظرِ، في أثناء الثلاث السنوات والنصف التي قضاها الراحلُ مرشدُ الجماعة محجوزا، ظلما وعدوانا، في مستشفى للأمراض العقلية بمراكش بسبب رسالة "الإسلام أو الطوفان"، إلى أن ظهر مستويا ناضجا مكتوبا مفصلا منشورا في أربعة "أعداد خاصة" من مجلة "الجماعة"، وهي الأعداد(8و9و10و11)، ما بين يونيو1981 وماي 1983.
وقد كان الأستاذُ عبد السلام ياسين، رحمه الله، يتعهّد المنهاجَ "الوليد" بالنظر وإعادةِ النظر، يُغذّيه بتجميع مادته وتهذيبها وتصنيفها، ويرعاه بتنسيق أجزائه وترتيب مواد فصوله وفقراتِه، بلْ ويعرض بعضَ عناوينه، ويُحاضر في بعض مواده وأطروحاته، كلّما سنحت الفرصةُ، كمَا فعل في رسالة "الإسلام أو الطوفان"، حينما اقترحَ على الملك طريقا للرقيّ إلى نموذج عمر بن عبد العزيز، رحمه الله، وكما فعَل في الدروس التي كان يشارك بها في الحلقات التي كانت تعقدها (دار الدعوة) بالرباط، قبل بداية نشر "المنهاج".
"المنهاج النبوي" كتابٌ ككلّ الكتب، لأن كاتِبَه لم يكن فيما عالجه فيه من قضايا، وفيما عرَضه من رُؤًى وأطروحات، وفيما سطّره من معالم، وما رسمه من آفاق ــ لم يكن بمعزل، بصورة أو بأخرى، عن بيئته العامة بكل ما يروج فيها، وما يموج، وما يغلي، ولم يكن لِينفكَّ عن وعيِه بمحيطه، ورؤيته للعالم من حوله؛ وهكذا، لا يمكن لقارئ "المنهاج النبوي" أن يفوتَه، مثلا، ملاحظةُ الحضورِ القويّ لأثرِ المشهد العالمي الذي كانت تهيمن عليه، وقتئذ، قوتان متنافستان، تتحكمان في السياسة العالمية من خلال حرب باردة نتَجَت عنها حروب ساخنة طاحنةٌ في كثير من مناطق العالم.
ولا يفوت القارئَ أيضا أن يقرأ، في ثنايا كتاب "المنهاج النبوي"، وباللفظ الصريح أحيانا، ذلك الأملَ الكبيرَ الذي أحيته الثورةُ الإسلامية الوليدة، يومئذ، في إيران، في قلوب المسلمين على طول العالم الإسلامي وعرضِه، وكذلك الأمل الكبير الذي كان يمثله الجهاد والمجاهدون في أفغانستان. وأيضا، لا يفوت قارئ "المنهاج النبوي" أن يُحس، بين السطور، بل وفي كثير من العبارات الصريحة، انعكاسَ أثرِ ذلك الثّقلِ السياسيِّ والثقافيّ والاجتماعيّ، الذي كانت تمثله الحركةُ الشيوعيّة النابتةُ في مجتمعاتنا الإسلامية الواقعة تحت نِيرِ أنظمة القمع والاستبداد.
"المنهاج النبوي" كتابٌ كسائر الكتب، لأن كاتبَه يعرض فيه على الناس اجتهادَه في فقه التربية والتنظيم والقيامِ على أنظمة الجور، ويبسط فيه ما أدّاه إليه تفكيرُه ونظرُه على طريق الدعوة إلى الله وإعلاء كلمة الله ونصرة دين الله. وعملٌ اجتهادي كهذا لا يمكن لأيٍّ كان، فضلا عنْ صاحبه، أن يدّعي له الكمالَ، وأن يجعلَه فوق المراجعة والنقد، بل هو عملٌ يفرض نفسه، بطبيعة المادة التي يعالجها، موضوعا للمناقشة والأخذ والردّ. وقد قالوا قديما: "من ألَّفَ فقد اسْتـَهْدَف". استَهْدَف(بالبناء للمعلوم، بفتح التاء والدال، وهو هنا فعلٌ لازم) أيْ انتَصَب للرماة ليكون لهم هدفا. ومعنى هذا القول في سياقنا أن الكاتبَ بمجرد أن ينويَ الكتابةَ، يكون قد وضعَ نفسه هدفا للنقاد والمقوّمين.
والأستاذ عبد السلام ياسين نفسُه، رحمه الله، هو الذي كتبَ، وهو يعرض "المنهاج النبوي" على الناس لأول مرة، في العدد الثامن من مجلة "الجماعة" سنة1981: "ما كتبناه مطروح للمناقشة والأخذ والردّ. فإن وضوح المنهاج لدينا وتعديلَه وإغناءه ضرورة عملية".
وهو نفسُه، رحمه الله، القائلُ، بعد نهاية نشرِ "المنهاج النبوي"، في العدد الحادي عشر من مجلة "الجماعة" سنة1983: "أرجو أن يعتبر القارئ الكريم محتوى "المنهاج النبوي" آخر ما وصل إليه فكري".

تصديقٌ وتسليم
لقد كانت "أسرةُ الجماعة"، وهي النواةُ الأولى لجماعة العدل والإحسان، كما ذكرت في المقالة السابقة، قائمةً على التصديق والتسليم؛ وثقَ الأصحابُ بالمصحوب، فصدّقوه وسلّموا له في كلّ ما كان يقوله ويكتبه ويدّعيه، لم يكن منهم ذرةٌ من اعتراض أو تشكيك أو تردد، حسب شهادات كثير ممن عايشوا عن قرب ميلاد هذه النواة. نعم، لقد كان هناك استثناء واحدٌ، وهو الأستاذُ محمد بشيري، رحمه الله، سأتحدث عنه في الفقرة الأخيرة من هذه المقالة.
لقد كان الأصحابُ الأولون مخطوفين بما كان لصاحبِهم من جاذبية في الحال والمقال، وبما كان له من قوة في المنطق والبرهان، وبما كان يميزه من زهد وبساطة وسمت في السلوك والمظهر والمعاش. ولهذا لم يكن منهم إلا أن استقبلوا نشرَ "المنهاج النبوي" بالاحتفاء والتّزكية والتأييد، وإن لم يشاورهم الأستاذُ ياسين، ولا استمع إلى رأيهم فيه قبلَ نشره.
لقد كان الأستاذ محمد بشيري، رحمه الله، استثناءً متميزا من بين الأصحاب المؤسسين، لأنه، بعد اطمئنانه إلى ما عرضه عليه الأستاذُ ياسين، رحمه الله، كان في نيته، كما صرح هو بذلك في رسالة منشورة في الصفحة 102 من العدد الخامس من مجلة "الجماعة"، أن يتعاون مع الأستاذ ياسين فيما عرضه عليه من خدمة الدعوة الإسلامية.
وفيما يخص الشقَّ السياسي من المنهاج النبوي، الذي يُحددّ النظام الجبريَّ هدفا للقومة/الثورة الإسلامية المنشودة، فلم يكن الأصحاب المؤسسون ليعارضوه أو ليستعظموه ويتهيّبوه، وذلك، أولا، لما كان يحدوهم من غيرة على الإسلام وحرماته، وهم يرون ما آل إليه حالُ أمتهم من هوان وتخلف وتبعية وانحدار إلى الحضيض، بعد معاناة طويلة في ظل المستعمر الكافر البغيض، وما باتت تعانيه على أيدي تلامذة الاستعمار من أبناء المسلمين الحاكمين المُقيمين.
وثانيا، لأن هذه الفترة من نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي كانت تشهد ميلاد صحوة إسلامية في كثير من ربوع البلاد الإسلامية، وكان من تجليات هذه الصحوة الباهرة وقتئذ الانتصاراتُ العظيمة المتتالية التي كان يحققها المجاهدون الأفغان على الجيش السوفييتي الذي كان يحتل بلادهم، وكذلك نجاحُ الثورة الإسلامية في إيران بزعامة آية الله الخميني، رحمه الله.
لقد كان الوقت يومَها وقتَ انتفاضات متعددة المشارب والألوان، فيها اللونُ الإسلامي، واللونُ الشيوعي، واللون القومي، واللون العسكري الانقلابي، وكان من مقاصد هذه الانتفاضات، في الدرجة الأولى، الإطاحةُ بالأنظمة التي كانت توصف بالرجعية، في القاموس اليساري، وفي مقدمتها الأنظمة الملكية.

اعتراضاتٌ على سلطة المُربّي
وقد تمثّلت هذه الاعتراضات في حالة الأستاذ محمد بشيري، رحمه الله(توفي في شهر نونبر1999)
لقد كان جميع الأصحاب الأولين السابقين مُجمعين على صدق دعوة مصحوبهم، كما كانوا مجمعين على أفضليّته وربانيّته وعالِميّته(من العالِم بكسر اللام). الفرقُ بينهم إنما كان بين سامعٍ للمرشد مطيع بلا قيد ولا شرط، مُسَلِّمٍ بكل ما يأتي من الرجل، وهمْ الغالبية العظمى، وبين سامع ومطيع، مع شيء من التحفظ والسؤال والمراجعة، بل والاعتراضِ في بعض الأحيان، وهذه كانت حالة الأستاذ بشيري، رحمه الله.
 لقد كان في كتاب "المنهاج النبوي"، وفي الكتابين اللذين سبقاه، "الإسلام بين الدعوة والدولة"(1972)، و"الإسلام غدا"(سنة1973)، أمورٌ لم يكن الأستاذ بشيري، رحمه الله، ليقبَلَها ويستسيغَها، وخاصة في الأمور المتعلقة بالتربية وسلطة المربي وغيرها من الموضوعات والطقوس والموروثات والمرويات المتعلقة بالتصوف.
لقد كان، رحمه الله، يعتقد، بعد أن توثّقت صحبتُه بالأستاذ عبد السلام ياسين، رحمه الله، أن زمنَ "الإسلام بين الدعوة والدولة"، و"الإسلام غدا"، ومعهما زمنُ الزاوية البوتشيشية، قد ولّى إلى غير رجعة. هذا ما كان يعتقده، رحمه الله، ومِنْ ثَمَّ كان غالبا ما يتجنب إثارةَ هذا الموضوع لِمَا فيه من حساسيّة وإحراج، ويتجنب النقدَ العلني، وخاصة في اللقاءات العامة، لِمَا كان يرفضه من بعض آراء المرشدِ ومبادراته وتوجهاته، وخاصة فيما كان له علاقة بسلطات المربّي، التي لم يكن الأستاذ ياسين، رحمه الله، يقبل في شأنها مراجعة أو اعتراضا.
وقد ظل، رحمه الله، يسبح ضد التيار الغالب، يُظهِرُ ذلك تارةً، ويُخفيه تاراتٍ، إلى أن أُقيل في شهر شتنبر من سنة1996 بطريقة عدّها، رحمه الله، وهو يومئذ عضو بمجلس الإرشاد، مؤامرةً وطردا مهينا. 
لقد كان الأستاذ بشيري من المؤسسين للجماعة بنِيّة التعاون مع الأستاذ ياسين لخدمة دعوة الإسلام، وليس ليكون مريدا تابعا ومأمورا سامعا مطيعا.
لقد كان للرجل، في اللقاءات الأولى بينه وبين الأستاذ عبد السلام ياسين، أيْ قبل تكوّن النواة الأولى للجماعة، اعتراضاتٌ من جانِب ما كان يُشاع عن دعوة الأستاذ ياسين "الصوفية"، وما كان يُثار حول هذه الدعوة من شبهات وانتقادات، وخاصة من الناحية العَقـَديّة. ولكن هذه الاعتراضاتِ سرعان ما اختفت، أو قلْ خفَتَت وتراجعت، بعد نقاشات وحوارات دامت أياما طويلة، اقتنع بعدها الأستاذُ بشيري بأن ما كان يروّجه الناسُ عن الرجل إنما هو محض ادعاء وافتراء، وانضم إلى صف الرجل للتعاون معه من أجل صالح الدعوة؛ ومما قاله الأستاذ بشيري، رحمه الله، في هذا الصدد(والكلام المنقول من رسالة له منشورة في العدد الخامس من مجلة "الجماعة"، ص102): "إني أعتقد جازما أن تعاوني مع الأخ عبد السلام ياسين هو في صالح دعوتنا المباركة جميعا. فليس في عنقي بيعة لأحد إلا العهد الذي قطعته على نفسي لأحملَها على إخلاص النية لله. ولست سُنّيا تصَوَّفَ، كما يخطر بأذهان البعض، كما أني لست صوفيا نبَذ الصوفية ليتمسك بالسنة...".
وفي هذا الصدد، ومن باب معرفة أقدار الرجال ومعادنهم، يمكن المقارنةُ بين رسالة الأستاذ محمد عبادي، الأمين العام الجديد للجماعة، المنشورة في العدد الرابع من مجلة الجماعة، ص70، وبين رسالة الأستاذ بشيري المنشورة في العدد الخامس، ص98، لمعرفة الفرق بين نوعين من الرجال، ونوعين من الإرادات، ونوعين من الخطابات والمطالب والطموحات، وقد كان الرجلان معا صادقين فيما عبرا عنه، وفيما أعلناه وهما يضعان يدَهما في يد الأستاذ ياسين. رحم الله الموتى، وغفر لهم، وتقبل منهم، ورفع مقامهم، وبارك في عمر الأحياء، ووفقهم إلى الخير وأعانهم عليه.
ولكن مع الأيام، وبحكم المخالطة عن قرب، وبحكم النقاشات التي كانت تدور في اجتماعاتِ مجلس الإرشاد، ظهرت الاعتراضاتُ مرة أخرى إلى السطح، ثم تطورت، ثم ازدادت حدّتها، حتى وصل الأمر إلى القطيعة وافتضاح المكنونات.
تفصيلاتُ هذه الاعتراضات "البشيرية"، وما كان يبدر منه، رحمه الله، من "انتفاضات" ضد سلطة المرشد المربي، كانت محصورةً في مربّع مجلس الإرشاد، لا يكاد يعرف عنها مَنْ هم خارج هذا المربع شيئا. ولكن، وبعد قرار الإقالة الذي اعتبره الأستاذ بشيري قرارا ظالما في حقه، وفسّرَه بأنه مؤامرة ضده حبكتها يدُ المرشد بمساعدة بقية أعضاء مجلس الإرشاد، بدأ الرجلُ في فضح المكنونات، وشرَع يكشف ما كان مخبوءا في صدره تجاه سلطة المربي في أحاديثَ مكتوبةٍ ومسموعة ومرئية، منها-وهو ما يهمّنا في هذه الفقرة- أحاديثُ عن "الطاعة والاستبداد"، وعن "المربي المستبد".
ولعلّ اعتراضاتِ الأستاذ بشيري المستمرةَ والمقلقة والمُحرجة والمشاغبة داخل مجلس الإرشاد، هي التي كانت وراء خُفوت حضورِ السلطة التربوية للمرشد داخل الجماعة، بل لِنقُلْ- وهو التعبير السليم والدقيق- كانت وراء وقوف هذه السلطة عند حدود القصد والاعتدال، وعند حدود الاجتهادات التي لا تتعارض مع الأصول الشرعية.
ولعل هذه الاعتراضات "البشيرية" أيضا هي مما يمكن أن يُفَسِّرَ لنا خفوتَ صوْلة سلطةِ المُربّي بعد خروج الأستاذ عبد السلام ياسين، رحمه الله، من السجن في دجنبر1985، وخفوتَ حضور هذه السلطة أيضا في الدليل الذي أعدّه مجلس الإرشاد بتوجيه من المرشد، وهو عبارة عن كُرّاسة تضمّنت "توضيحات" فيما يخصّ معالمَ خطّ الجماعة الدعوي والفكري والتربوي والسياسي، و"برنامجا مرحليا" بشقيه التربوي والتعليمي. وقد كانت هذه الكُرَّاسة من أساسيات ما يتدارسه الوافدون على الجماعة في أسر التنظيم. والذي يطلع على محتويات هذه الكرّاسة يمكنه أن يقرأ بين السطور حضورَ شخصية الأستاذ بشري المتحفظةِ الحريصةِ على تجنّب كلِّ شبهة من شأنها إعطاءُ الخصوم الحجةَ المكتوبةَ، كما يُعطيهم إياها "المنهاج النبوي"، في زعم هؤلاء الخصوم، لتأكيد ما يدّعونه على الجماعة من كونها دعوةً "صوفية" "بدعية" "خرافية"، تقوم على "تقديس الشيخ المربي"، والخضوع المطلق له.
ومن جهة أخرى، فإن غيابَ اعتراضاتِ الأستاذ بشيري بإبعادِه من الجماعة، هو مما يُمكن أن يُفسّر لنا هذه الانتعاشةَ الكبيرة التي سيعرفها الجانبُ التربوي في أوساط الجماعة، والتي تجلّت، أول ما تجلت، في استحداث "مجالس النصيحة"، محليا وإقليميا وقطريا، ثم بلغت أوْجَها في قرار السماح بنشر رؤى الرائين ومشاهدات المشاهدين، على نطاق واسع، مما جرّ على الجماعة حملة شعواء، وخاصة بعد ما عُرف بـ"رؤيا 2006"، ما تزال آثارها وذيولها مستمرة إلى اليوم.
ولا ينبغي أن يُحمل كلامي هنا على أنه تحقيرٌ للرؤيا واستخفاف بشأنها، وذلك لسبب بسيط، وهو أنني من المؤمنين بأن "الرؤيا" سُنّة لها أصل مكين في الشرع. نعم، لقد عارضْت، وما زلْت أُعارض، أن تصبح الرؤيا مركوبا لتقديس فلان أو فلان من الناس، أو لتزكية الاجتهادات البشرية، وتسويغ المواقف السياسية.
رحم الله الأستاذ محمد بشيري، وجزاه أكبر الجزاء وأوفاه، على ما قدّم من عمل لخدمة دعوة الإسلام.
وإلى مقالة جديدة، إن شاء الله.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

مراكش: 30 دجنبر2012

الأربعاء، 26 ديسمبر 2012

حينما يصبح الاجتهادُ السياسيُّ مُقَدّسًا!!


بسم الله الرحمن الرحيم


حينما يصبح الاجتهادُ السياسيُّ مُقَدّسًا!!



بعد تردّد طويل، أرجعُ اليومَ إلى الكتابةِ والتعبير عن آرائي مباشرة، لأني رأيت أن التعبيرَ والتصريحَ والحوارَ من خلال بعض وسائل الإعلام لا يقرؤه الناسُ دائما من جميع جوانبه على الوجه المطلوب، بل هناك من الناس، وبدافع نفسي خاص، من يُصرّ على ألاّ ينظرَ إلى الأمر إلا بعين السوء، التي من طبيعتها الأزلية أنها لا ترى إلا المساوئ.
أرجع اليومَ، في هذه المقالة، وفي مقالات أخرى، إن شاء الله، لأعبّر عن رأيي بلا واسطة ولا حجابٍ قد يتسبب في تضبيب الرؤية عند بعض الناس، وقد يحمل آخرين إلى الذهاب بعيدا في سوءِ الظن وفساد التأويل.
فهذا رأيي مكتوبا يقرؤه الناسُ في عباراته الأصليّة واضحا جليا، يقبلونه أو يرفضونه، يؤيدونه أو يعارضونه، يتعاطفون معه أو ينفرون منه، يُزكّونه أو ينتقدونه؛ لا يهم. المهم هو أن أحس بأني حرّ في إبداء رأيي وإن تضايق منه بعض الناس، وتمنوا أن يظل رأيا مدفونا إلى الأبد.

جوهر القضية
إن جوهرَ قضيّتي مع إخواني في جماعة العدل والإحسان أني تجرأت ذاتَ يوم، فانتقدت اختيارا كنت أراه اجتهادا سياسيا، مثلُه مثلُ سائر الآراء البشرية الظنية، فاكتشفت أن غيري كان يعدّ هذا الاختيارَ وكأنه أصل من الأصول الدينية المقدسة، التي يجب في حقها الخضوعُ والتسليم وحَنْيُ الرأس.
اكتشفتُ أن ما كنت أنظر إليه على أنه اجتهادٌ مؤقت إلى حين، واختيارٌ مظروف بظروف، وتوجّهٌ ألجأت إليه الضرورةُ وواقعُ الحال، هو في اعتقاد بعض إخواني من الأصول الثابتة التي لا يجوز المساس بها، بل هو، عند بعضهم، من الدين وفق قراءة معيّنة لبعض النصوص القرآنية والحديثية.
وبطبيعتي، لم أكن لأستسلم ولا لأسلّم للرأي الآخر ما دمت غير مقتنع به، وما دمت أراه رأيا متهافتا يخالف أبسط قواعد المنطق والسياسة، فضلا عن قواعد الأصول الفقهية ومسالك الرأي والاجتهاد.

تناقضُ الخطاباتِ
من أجل التبسيط والتقريب، تصوّروا معي، أيها العقلاء الفضلاء، ما يلي:
هذا رجلٌ يريد أن ينضمّ إلى جماعة العدل والإحسان، فيسأل عن منهاجها السياسي، بعد أن اطمأن إلى منهاجها التربوي، فيكون الجوابُ الذي يسمعه أن منهاجَ الجماعة السياسي يتمثل في السعي إلى إقامة الخلافة الثانية على منهاج النبوة، التي ورد الوعدُ بها في حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم. ويضيف الجوابُ أن الطريقَ إلى هذه الخلافة لا يمر إلا من طريق زوال أنظمةِ العض والجبر، ومنها النظامُ الملكي الحاكمُ في المغرب.
والسؤالُ الذي يُمكن أن يطرحه هذا الراغبُ في الانضمام إلى الجماعة، وهو سؤال مشروع ومعقول، هو: هل النصُّ في منهاج الجماعة السياسي على أن من أهداف الجماعةِ القومةَ(الثورة) على النظام الملكي، لإقامة الدولة الإسلامية القطرية، تمهيدا للخلافة الثانية الموعودة- هل هذا النصّ اجتهادٌ سياسي ظنّي، أم هو من الأصول الدينية القطعية؟
في الجواب على مثل هذا السؤال المفتَرض تظهرُ العقدةُ والإشكال في المنهاج السياسي للجماعة، لأنه جواب يمتاز بكثير من الخلط والاضطراب والغموض.
في الخطاب الذي تواجه به الجماعةُ الرأيَ العام نقرأ أن الأمر يتعلق باجتهاد سياسي من بين اجتهادات أخرى، لها هي الأخرى نصيبُها من الصحة والمصداقية، ومن بين هذه الاجتهادات الأخرى، على سبيل المثال، الاجتهادُ الذي يأخذ بها الإخوةُ في حركة التوحيد والإصلاح، ومعهم إخوانُهم وجمهورُهم والمتعاطفون معهم في حزب العدالة والتنمية.
هذا الخطابُ الرسمي الذي نقرؤه في واجهةِ الجماعةِ سرعان ما يسقط أو يصبح مشكوكا فيه، أو يصبح غيرَ ذي مصداقية، حينما نعلم يقينا أن الجماعة كان قيامُها، أوّلَ ما قامت، على أن القومةَ/الثورة على الحكم الجبري هي من "المنهاج النبوي"، وأن أيّ وافدٍ جديد على الجماعة لا بد أن يعتقد اعتقادا جازما لا لَبْسَ فيه ولا تردّدَ أن مطلبَ زوال النظام الجبري مطلبٌ لا يقبلُ النقاش أو المراجعة، لأنه مطلب يشكل جزءا أساسا من النواة الصلبة التي بها قِوَامُ الجماعة.
مَنْ قال هذا؟ ومن قرّره على هذا الوجه من اليقين والقوة والجزم؟ ومن ذا الذي جعل مطلبَ زوال النظام، الذي هو في خطاب الواجهةِ مطلبٌ سياسي اجتهادي بشري نسبي، مطلبا مَسْلُوكا في المعتقدات المقدسة، والحقائق المطلقة التي تقع فوق النقد والمراجعة والتعديل؟
مَنْ فرضَ، داخل الجماعة، ألاّ يُناقش الناسُ هذا الموضوعَ على اعتبار أن القرارَ فيه من المُسلّماتِ التي لا تحتاج إلى نقاش؟

في الحقيقة
الذي أعرفُه، ويعرفه جميعُ المهتمين المتتبعين العارفين بشؤون الجماعة -والأمر هنا لا يتعلق بأسرار، وإنما يتعلق بشيء مكتوب ومنشور- أن مطلبَ زوال النظام الملكي لم يكنْ، في أصله، اختيارا صادرا عن تحاور وتشاور في مؤتمر تأسيسي، أو في مجلس جماعي شوري، بل هو مطلبٌ تبلورَ في فكرِ مرشد الجماعة ومؤسّسها، رحمه الله، قبلَ تأسيس الجماعة، ثم ظل يختمر في أثناء قراءاته وتفكّرِه وتدبّره وتجاربه مدّة تقارب، في تقديري، خمسة عشر عاما(1964-1979)، حتى خرج ناضحا، أولا، في كتاب "المنهاج النبوي، تربية وتنظيما وزحفا"، الذي بسط فيه الأستاذ ياسين، رحمه الله، تصورَه واجتهاده في مجالات الدعوة والتربية والسياسة والتنظيم، ثم في  غيره من الكتابات، من بعد ذلك، ثانيا.

"المنهاج النبوي" كتابٌ ليس كسائر الكُتب
"المنهاج النبوي" كتابٌ ليس كسائر الكتب، لأنه ما يزال إلى اليوم يُعدّ بمثابة "القانون الأساسي" لجماعة العدل والإحسان، ومِنْ شأن القوانين الأساسية في كل التنظيمات أن تكون مُلزِمة لجميع أعضاء التنظيم إلزاما يوجب عليهم احترامَها، ومراعاةَ مقتضياتها، والانضباطَ بضوابطها، والسيرَ على هدْيها.
وها هنا التباسٌ، قد يصل إلى حدّ التناقض في نظر بعض الناس، يحتاجُ إلى نقاش وتوضيح: فمِنْ جهة، "المنهاج النبوي" كتابٌ يَعرض اجتهادا بشريا للمناقشة والأخذ والردّ، ومِنْ جهة أخرى، يصبح هذا المنهاجُ نفسُه "قانونا" مُلزما!!!
لدفع هذا الالتباس، قد يقول قائلٌ إن "المنهاج النبوي"، بما هو فكرٌ واجتهادٌ ونظرٌ، كان دائما، وما يزال، مطروحا على الناس لينقدوه ويقوّموه، ويُغنوه ويطوّروه، ويأخذوا منه ويردّوا. أمّا مَن اختارَ من الناس الانتماءَ إلى جماعة العدل والإحسان، فإنه يصبح، بالضرورة، ملزَما بمبادئها وأهدافها وقوانينها، أي ملزما بـ"منهاجها"، الذي هو كتاب "المنهاج النبوي" نفسُه.
قد يعترض معترضٌ على هذا التفسير بأن المعروفَ في "القانون الأساسي"، عند الشروع في التأسيس، أن يكون في شأنه نقاشٌ وتداولٌ بين المُؤسسين قبل أن يحصل حوله توافقٌ أو اتفاقٌ أو تراضٍ أو ما شابَه هذا مما يفيد أن "القانون" قد تم إقرارُه بإرادة جماعية يطبعها الرضا وحريةُ الاختيار. أمّا في حالة "العدل والإحسان"، فإن المعروفَ أنه لم يكن هناك تشاورٌ وتداول، ثم اتفاقٌ أو تراض على "قانون أساسي" للجماعة قبل إعلان تأسيسها.

سلطان التربية
 مما تنبغي معرفتُه في هذا الصدد، حتى نَصفَ الأشياءَ كما هي في حقيقتها، أن الجماعةَ، عند تأسيسها، لم تكن على شاكلةِ الأحزاب السياسية، والمنتديات الفكرية، والجمعيات الثقافية، وإنما كانت تتميّز، وما تزال إلى اليوم، بأنها جماعة دعويّة أساسُها وجوهرُها وبوّابتُها التربيةُ ثم التربيةُ ثم التربية.
ومن حقّ سائلٍ أن يسأل هنا: وبِمَ تتميز "الجماعة الدعوية" عن غيرها من التنظيمات حتى يجوز تأسيسُها بلا "قانون أساسي" ارتضاه المؤسسون بعد نقاش وتحاور وتشاور، وحتى يجوز خضوعُها لـ"منهاج" لم يتشاور فيه واضعُه مع أحدٍ من أصحابِه المُؤسّسين، ولا استمع إلى آرائهم فيهم؟
كان الأستاذ عبد السلام ياسين، رحمه الله، هو النواة الصلبة، التي لولاها لما كان هناك اليوم كيانٌ اسمُه "العدل والإحسان". لقد كان اليَعْسوب الذي حوله كان الاجتماعُ، وبه ارتفع البناء. واليعسُوب في اللغة أميرُ النحل وذكَرُها، ويُطلق على السيد والرئيس والمُقَدَّم.
فدعوةُ العدل والإحسان، قبل أن تُصبح واقعا حيّا برجالها ونسائها، وتنظيمها ومواقفها، كانت حيّة في قلب صاحبِها، رحمه الله، وهو في بداياتِ نظرِه في فقهِ التجديد والتربية والتنظيم، وتفكيرِه في مسالك تكوين "جند الله"، والسيرِ بهم  لاقتحام العقباتِ صعودا إلى القيامِ لله، والقيامِ على طواغيت العضّ والجبر. كان هذا الخطُّ المنهاجيُّ، في تصور الرجلِ وتفكيرِه، واضحا، على الأقل في معالمِه الكبرى، قبلَ ميلاد الجماعة بسنوات.
وقد كان برهانُ صدقِ الرجل الداعيةِ، رحمه الله، يسبقه، ويسير بين يديه. برهانُ صدقٍ على ربّانيته العالية وتقواه، في أقواله وأفعاله، وعلى علمه، فهما وفقها ونظرا وتأليفا، وعلى صلابتِه في قول الحق والإنكارِ على الظالمين، وعلى ذلّتِه على المؤمنين وسلوكِه سبيلَ المُحسنين.
هذا هو مؤسسُ دعوة العدل الإحسان، رحمه الله، بشهادةِ مَنْ عرفوه وخالطوه وعاشروه وصحبوه وتتلمذوا له.
فأصحابُ الرجل المجتمعون حوله، في بدايات التأسيس، كان يكفيهم ما يرون من سلوك الرجل، وما يسمعون من كلامه، وما يشعّ عليهم من سمْته الإيماني وفضله العلمي، ليصدّقوه ويصحبوه ويطمئنوا إلى أن يكون لهم مربيا ومرشدا. صدقُ الرجل عند أصحابه كان يكفي، ومن ثَمّ لم تكن بالناسِ يومئذ حاجةٌ ليعرفوا أكثر، أو ليسألوا عن التفاصيل فيسيئوا الأدبَ مع رجل لا يشكّون في سلامة طَوِيّته وصدقِ دعوته وشرفِ مقصده ومبتغاه.
هكذا مضى الأمرُ في تلقائية وبساطة، وهكذا عُقِد العَقْدُ، وتَوَثّق العهدُ، فكان من هذه الصحبة جماعةٌ تُعتبر الأسرةَ الأولى التي بها كان التأسيس. وهكذا كانت البدايةُ، حتى إذا بدأت الأواصرُ بين المصحوب وأصحابِه تتمكن وتترسخ، جاء "المنهاج النبوي"، ليُنظم التربيةَ، ويَرسم معالمَ الطريق، ويحدد آفاق السير.
جاء "المنهاج النبوي"، فاستقبله الأصحابُ بلا نقاش ولا سؤال، لأنه منهاجٌ من وضع المُربّي الذي وثقوا به، وامتدادٌ طبيعيّ لسلطته التربوية التي سلّموا له بها. فلم يلتفِت أحدٌ، في البداية، إلى مناقشة المبادئِ التي ينبني عليها هذا المنهاجُ، والخطط التي يرسمها، والغاياتِ التي يحدّدها. كان يكفي الناسَ أن واضع هذا المنهاجَ هو المصحوب المربّي المرشد.
لقد كان مرشدُ الجماعة، رحمه الله، حسب ما هو مسطّر في "المنهاج النبوي"، وحسب الأمر الواقع أيضا، هو "المربي الأول"، و"هو الذي يتخذ القرارات التربوية والتنظيمية"، و"هو الذي يُمضي أو يرفض خطط التربية، وبرامج الدعوة، أو يعدلها". في جملة، وبنص "المنهاج النبوي" دائما، المرشدُ هو "صاحب الأمر والنهي في كل صغيرة وكبيرة".
وهذه السلطةُ المطلقةُ بوّأت المرشدَ بين أصحابه مكانةً لم يكونوا يملكون معها، وإن كانوا من دائرة المُقرَّبين، إلا السمع والطاعة في غلاف من المحبة والاحترام يناسبُهما، وجعَلَتْه المقررَ الأولَ في جميع شؤون الجماعة. هذا هو الواقع، أصفُه كما هو، لا أتلجلجُ ولا أتلعثمَ.
تتمة الكلام في مقالة جديدة إن شاء الله.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

مراكش: 26 دجنبر 2012