‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات سياسية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات سياسية. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 29 سبتمبر 2019

مراجعاتٌ في الفكر والسياسة(10)


بسم الله الرحمن الرحيم

مراجعاتٌ في الفكر والسياسة(10)

الدعوةُ الإسلاميّةَ في مواجهة العواصف
يجب الاعتراف بأن جماعة العدل والإحسان-رغم ما اشتهرت به من اختيارات سياسية ثورية-ما تزال تمسك بالجمر، وتَحضُن الدعوةَ وسط عواصف هوجاء تحيط بها من كل جانب؛ ما تزال تسعى وتجتهد في السعي، لكي تبقى الروحُ الدعوية مشتعلة رغم الرعود القاصفاتِ والرياح العاصفاتِ من كل الاتجاهات، لا تمرّ بشيء في طريقها إلا اقتلعته وجرفته.
أقصد بهذه العواصف الهوجاء والرياح العاتيات هذه السهامَ المسمومةَ التي تُرمى بها المرجعيةُ الإسلامية في العمل السياسي بغرض القتل والإبادة، أو التجريح والتشويه والتشكيك في أضعف الأحوال.
ما كان لأنظمة الجور والطغيان، قبل الاستكبار العالمي، أن تهتم بشأن الحركات الإسلامية لولا ما بات لهذه الحركات من حضور مشهود وصوت مسموع في المضمار السياسي، فضلا عن حضورها في سائر المضامير الفكرية والاجتماعية والأدبية والفنية.
وفي تقديري أن هذا الاهتمام بالشأن الإسلامي إنما عظم واتسع نطاقه بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979، وتأسيس الجمهورية الإسلامية على أنقاض حكم الشاه محمد رضا بهلوي الاستبدادي، الذي كان يدور في فلك الغرب بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية.
بعد هذا التاريخ، تغيرت المعايير، واختلفت السياسات، وتبدلت الرؤى في شأن التعامل مع هذا "المارد" الذي خرج من القمقم، وبات له دولةٌ يَخشى الخصومُ والأعداء أن تتحول إلى نموذج يُغري بالاتباع، ويدعو بالنموذج الحي والفعل الواقع الآخرين المستضعَفين، وخاصة الواقعين تحت نير الأنظمة الاستبدادية، إلى الثورة على نهجه والنسج على منواله.
كانوا يظنون أن هذا "المارد" قد أصبح من التاريخ-تاريخ الفتوحات الإسلامية، وتاريخ الحروب الصليبية، وتاريخ حركات التحرر الوطنية-فإذا به يبعثُ حيا ثائرا نشيطا مؤثرا طموحا، شاهدا ومؤكدا أن الإسلام-مهما اختلفت المذاهبُ الإسلامية والاجتهادات الفقهية-كان، وسيظل دائما، حاضرا في قلب اهتمامات الإنسان، ومنها الاهتمامات السياسية وما يتعلق بها من شؤون الدولة وخطط الحكم والنظام.
ظنوا-وهم مخطئون-أن الإسلام/الدولةَ والحضارة والعمران قد انتهى، ولم يبق منه إلا هذه المظاهر والرسوم والذكريات التي تحتفل بها هذه الدويلات الفاشلة الناشئة في كنف الاستعمار، والتي هي أشبه بالتراث الفلكلوري، الراسخ في العادات والتقاليد، ليس لها علاقة بروح الدين وصحيح الاعتقاد وقويم السلوك، إلا في الأسماء والأشكال.
ظنوا، وما يزالون يظنون ويحلمون ويتمنون.

التطرف والغلو والعنف آفة على الدعوة الإسلامية
في الحديث الصحيح: (أن الله يُعطي على الرفق ما لا يُعطي على العنف) و(أن الرفقَ ما كان في شيء قطُّ إلا زانَه، ولا نُزِع من شيء قطُّ إلا شَانَه).
لقد ابتُليتِ الدعوةُ الإسلامية، منذ القديم، بهذه الآفة التي يمثلها أهل التشدد والغلو؛ وهي آفة عرفتها جميع الديانات، وستظل موجودة إلى ما شاء الله؛ والدليل على أنها كانت موجودة، وستستمر، التحذيرات التي وردت في السنن الصحيحة، والتي تحض على الرفق وترغب فيه، وتحذر من العنف وتدعو إلى اجتنابه. وقد كتب العلماءُ كثيرا في هذا الموضوع، مما يؤكد أن المسألة ليست مسألة فكر ونظر ونصوص، وإنما هي مسألة إيمان وتربية وسلوك.
"التطرف" و"العنف" و"الجهاد" و"الإرهاب" مفرداتٌ أصبحت تتصدر المبررات التي تُقدَّمُ لمواجهة أي نشاط سياسي يستند إلى المرجعية الإسلامية، وإن كان هذا النشاط صافيا من شوائب العنف والتشدد والغلو، وكان أصحابه ملتزمين بنصوص القوانين التي تنظم الحياة السياسية.
وهذه المبرراتُ قد يكون لها ما يُعضِّدها من الحقائق والأفعال والمعطيات التي يشهد عليها الواقع المعيش، كالعمليات الدموية التي أعلن تنظيم "القاعدة" عن مسؤوليته عنها، وكذلك أعمال التقتيل والتحريق والتدمير والتخريب التي تنسب لتنظيم "داعش"(مختصر "الدولة الإسلامية في العراق والشام"؛ وقد تغير اسم هذا التنظيم ليصبح "الدولة الإسلامية" فقط).
هذا النوع من التطرف والتشدد والعنف الذي يطبع هذه التنظيماتِ والحركات والجماعات التي تحمل شعار السلفية والجهاد، واضحٌ وصريحٌ، ولا نحتاج إلى كبير جهد لإثبات مُوجِبات تجريمه ورفضه وإدانته، قانونيا وإسلاميا وإنسانيا، وإن كان لأصحابه-المتطرفين المتشددين العُنُف-نصوصٌ وتفسيراتٌ واجتهاداتٌ لتجويزه وتسويغه.
المُهمُّ هنا أن هذا النوعَ من العنف والتطرف بيّنٌ في اختياراتٍ واجتهادات وعباراتٍ وأعمال وسلوكاتٍ ومظاهر تعبر عن نفسها بلا التفاف ولا روغان، ويمكن معرفتُه وتمييزُه بلا كبير عناء. أما النوع الآخرُ من التطرف والعنف، في اعتقادي، هو الخفيُّ، الذي يصعب معاينته بسهولة، لما يمتاز به من تخفٍّ والتفاف والتباس.
هذا النوعُ الخفيُّ من العنف قد يتزيّى بزِيِّ نقيضه، فيأتي في معرض الرفق والحكمة واليسر واللين، وهو ما يوَلِّدُ في شأنه الالتباسَ والغموضَ والاضطراب.
مثلا، قد يكون عالمٌ من العلماء معروفا باعتداله واجتهاداته ومواقفه التي تدين العنف وترفض الغلو والتطرف، ثُمَّ يأتي عالمٌ آخر، فيحيل عليه ويسوق اجتهاده على أنه الكلمة الفصل والرأي النهائي الصحيح؛ ففرضُ رأيٍ اجتهاديٍّ على أنه الرأي الصحيح الوحيد الذي لا يقبل النقاش، ولا يمكن تناوله إلا بالتصديق والتسليم، هو، في تقديري، نوعٌ من العنف، لا يقل في خطره وأثره البعيد عن العنف المادي الدموي، وإن كان مسوقا في معرضٍ يندِّد بالعنف ويدينه.
فالإحالة على الماضين-مهما كانت درجتهم في الفهم والعلم والاجتهاد-الذين اجتهدوا لزمانهم، وأفتوا على ضوء أحوالهم وأوضاعهم، وأبدعوا وطوّروا وجدّدوا بحسب مستجدات وقتهم وملابسات ظروفهم-الإحالةُ على هؤلاء على أن كلمتهم هي الكلمة الفصل في الموضوع، وأن اجتهادهم هو النهاية التي ما بعدها اجتهاد، هي، في رأيي دائما، نوعٌ من العنفُ الذي أصفه بأنه خفيٌّ، لأنه يأتي متلبسا بسياقات توهم بنقيض العنف، ومدسوسا في خطابات وأدبيات وكتابات تدّعي الرفق والرحمة والتيسير، وترفع شعار الدفاع عن حرية الانسان في الفكر والاختيار، ومناهضة التشدد والغلو وكل أشكال العنف والإكراه.
كم من عنف مورس-وما يزال-باسم الأئمة-تمثيلا لا حصرا-مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل، رحمهم الله، في الفقه والفتوى؟
كم من إرهاب مورس-وما يزال-باسم الأئمة-تمثيلا لا حصرا-ابن القيم والشوكاني والجويني، رحمهم الله، في الأصول؟
كم من إكراه مورس-وما يزال-باسم الأئمة-تمثيلا لا حصرا-ابن جرير وابن كثير والقرطبي، رحمهم الله، في التفسير؟
كم من عنف عنيف مورس-وما يزال-باسم العلماء المجتهدين، من القدماء والمحدثين، في غير الفقه والأصول والتفسير من العلوم والمباحث والنوازل؟
ولا بأس أن أؤكد هنا-حتى لا يفهم رأيي على غير وجهه-أن هذا العنف الخفيَّ الذي أقصده إنما هو قائم، أساسا، في اعتبار اجتهاد المجتهد في زمن معين اجتهادا ملزما وصالحا لسائر الأزمنة من غير اعتبار لما يكون بين الأزمنة من اختلافات في الظروف والأحوال والملابسات والأعراف والتقاليد والعادات.
وبهذا المعنى، يمكن أن أزعم أن من الإسلاميين منْ يمارس هذا العنف الخفيَّ، وإن كانوا يعلنون أنهم ضد العنف، ويصنفهم المصنفون في المسالمين المعتدلين.
وقد تكون لهذا العنف الخفيِّ تبعاتٌ ومضاعفات قد تصل في مخاطرها وآثارها ومفاسدها درجة قد تفوق، في بعض الظروف والحالات، ما يترتب على العنف المادي الصريح من نتائج مذمومة وحصاد مر قاتل. 

الجمعة، 13 سبتمبر 2019

مراجعاتٌ في الفكر والسياسة(9)


بسم الله الرحمن الرحيم
مراجعاتٌ في الفكر والسياسة(9)

الفرعُ "السياسيّ" يطغى على الأصل "الدعويّ"
إن كانت "مراجعاتي"، في ظاهرها ومواضيعها وأمثلتها، تتناول بالنقاش والنقد والتقويم بعض الجوانب في منهاج جماعة العدل والإحسان، فإنها، في حقيقتها وعمقها، مراجعاتٌ تتناول أفكاري أنا وقناعاتي واختياراتي. وهذه المراجعاتُ قد بدأت حينما كنت في الجماعة، وفي حياة الأستاذ المرشد، رحمه الله. واسألُوا الأحبةَ أهلَ السابقة والمعرفة، تجِدُوا عندهم الخبرَ اليقين في هذا الشأن، ولا أقول هنا أكثرَ من هذا.
إنها مراجعاتٌ تقع في سياق أوسع وأكبر من جماعة العدل والإحسان، وهو سياق الفكر السياسي الإسلامي الحديث وإشكاليات قضايا الدولة وأنظمة الحكم وتدبير الشأن السياسي.
الدعوةُ الإسلامية-كانت هي الأصل وستظل هي الأصل-هي اليوم متهَمةٌ ومتابَعة ومحاصَرة بسبب اختيارات سياسية واجتهادات فكرية وآراء فقهية. فقد أصبح الشأنُ الدعويُّ تابعا للشأن السياسي بالرغم عنه، وإن كنا ما نزال نقرأ في أدبيات معظم الحركات الإسلامية أن الدعوةَ هي الأصل وهي أكبر وأرفع وأشرف أن تخوض في أوحال السياسة وتنشغل بمشكلاتها وتتيه في دروبها وتعْلَق بحبائلها وتتْلَفَ في ألاعيبها.
ماذا بقي من الدعوة عند الإخوة "الإسلاميين" في حزب العدالة والتنمية، بعد أن سَرَطتْهم بلاّعةُ الدولة المخزنية وروَّضتهم دواليبُها الطاحنة؟
ماذا بقي من الدعوة عند الإخوة "الإسلاميين" في حركة التوحيد والإصلاح؟
ماذا بقي من الدعوة عند الإخوة "الإسلاميين" في حزب البديل الحضاري؟
ماذا بقي من الدعوة عند الإخوة "الإسلاميينّ في حزب الأمة؟
مثَّلْتُ بهذه الحركات، لأنها جميعا خرجت من رَحِمٍ واحدة، وهو الدعوة الإسلامية، لكن انظروا ماذا فعلت السياسةُ بها، وأين أوصلتها.
(العدل والإحسان)، وفي قلبها الأستاذُ المرشد عبد السلام ياسين، رحمه الله وأجزل له الأجر والثواب، في أصلها وفصلها، تنظيمٌ تربويّ روحُه الدعوةُ ثُمَّ الدعوةُ ثُمَّ الدعوةُ، فكيف أصبحت الجماعةُ اليوم مشهورةً بعنوانها السياسيّ الفرعيّ المتغيّر أكثر من شهرتها بعنوانها الأصلي الثابت؟
كيف بات السياسيُّ يُغطِّي على الدعويّ إلى درجة الغَمْر والطَّمْر والذوبان؟
كيف بات الناس اليوم يعرفون الجماعةَ باختياراتها ومواقفها السياسية المعارِضة "الثورية" أكثر من معرفتها بمنهجها الدعوي الأصيل وعطائها التربوي الكريم؟
ولا بد أن أنبه هنا أنني أتحدث عن معرفة الجماعة وشهرتها في أوساط الدائرة الواسعة من الناس، داخل البلاد وخارجها، وليس في أوساط الدائرة الضيقة من الأعضاء والأنصار والمتعاطفين.
الدعوةُ الإسلامية اليوم محاصرةٌ بسبب السياسة، في معظم بلدان العالم، بل هي متهمة بالإرهاب ابتداءً وأصلا عند كثير من اللادينيِّين المتطرفين والملحدين المناضلين، وفي كثير من الدول الأوربية، وخاصة عند تيارات اليمين العنصري ومناهضي الهجرة.
وقد أصبحت هذه التهمُ المختلَقةُ مطية وطيئة لتبرير سياسات القمع والمنع والحصار التي تنتهجها الأنظمة الاستبدادية تجاه الحركات الإسلامية.
لقد استغل المتربصون بالدعوة الإسلامية، بكل تياراتها وتوجهاتها، في العصر الحديث، الاجتهاداتِ المتطرفةَ والعمليات العنيفة الدموية لبعض الفصائل المحسوبة على الإسلام، والتي تدّعي الاجتهادَ والجهاد والانتسابَ لـ"الدعوة السلفية"-مثل "القاعدة" و"داعش"(الدولة الإسلامية في العراق والشام)ـ فأعلنوا حربا شعواء، ما تزال مستعرة إلى اليوم، على جميع الحركات الإسلامية، باسم محاربة "الإرهاب" و"التطرف".
سبيلُ الدعوة الإسلامية، في جوهرها وأساسها، سبيلُ الحرية والرضا والاختيار، وسبيلُ التيسير واللين والرفق، وسبيلُ الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، وهو سبيلٌ يناقض سبيلَ التكفير والتقتيل والإكراه والعنف والغلو والتشدد والتطرف.
طبعا، الاستبدادُ وتوابعُه هو المسؤول الأول عما آلت الدعوة الإسلامية في الوقت الراهن، وخاصة بعد أن أعلن تحالفُ الاستكبار العالمي، بقيادة أمريكا، حربَه على ما يسمّيه "الإرهاب"، وساق في ركابه أنظمةَ الجور والفساد، وسائرَ الكارهين للإسلام من ملاحدة مناضلين وحداثيين لادينيّين متطرفين وحاقدين متربصين.
الدعوةُ الإسلاميّةُ لا يمكن أن تزدهرَ وتنموَ نموا طبيعيا إلا في أجواء الحريّة؛ وهذه الأجواء التي هي بمثابة الأوكسجين الضروري للتنفس والحياة مفقودةٌ، كليا أو جزئيا، في ظل الأنظمة الديكتاتورية، وعلى السياسيين الإسلاميين أن يجتهدوا، ما وسعهم الاجتهاد، وأن يعملوا بكل الوسائل المتاحة، وأن يبدعوا ويخترعوا ويطوّروا أساليبَ جديدةً تناسب الزمن وملابساتِه وأحوالَه وظروفه ومستجداتِه، من أجل "تسليك القافلةِ"، وسط جغرافية ومناخ وتضاريس ليست سهلة ولا مواتية، بل قد تشكل، في كثير من الأحيان، عوائق مقاوِمةً وحواجز خطيرة وموانع عنيدة في الطريق.
في اعتقادي أن السياسةَ ينبغي أن تكون في خدمة الدعوة، تمهد لها الطريق، وتيسّر لها الوسائل والإمكانيات، وتهيئ لها الأجواء المناسبة للسير في الناس وإبلاغ الخطاب إلى حيث يجب أن يبلغ من غير معوقات خانقة، ولا موانع قامعة، ولا قيود رادعة.

الأربعاء، 4 سبتمبر 2019

مراجعات في الفكر والسياسة(8)


بسم الله الرحمن الرحيم                               

مراجعات في الفكر والسياسة(8)

تعليقاتٌ وردودٌ مقتضَبة
(1)
التواصل والتحاور والتفاهم هو الأساس، وليس لكاتبٍ مثلي لا يملك إلا قلما ورأيا ووِجهةَ نظر إلا أن يغمره الفرحُ وهو يرى حبلَ التواصل والتحاور والتفاهمِ موصولا بينه وبين قرائه، مهما كان رأيهم وموقفهم مما أكتب.
قد يختلف الناس، وتتباين آراؤهم، وتتباعد وجهاتُ نظرهم، لكن الإصرار على طَرْق باب التواصل والتحاور لا بد أن يؤتي أكله، عاجلا أو آجلا، ولا بد أن ينتهيَ التحاورُ-إن حسنت النيات وعزمت الإرادات وسمَت الغايات-إلى نتيجة ما، تكون بديلا إنسانيا حضاريا راقيا عن التخاصم والتباغض والتشاحن.
وفي اعتقادي أن الشرط المشروط ليكون التحاورُ مثمرا ومفيدا أن تُتَجَنَّب اللغةُ الإيديولوجية الجافة والحجاجُ العقديُّ المتعالي، لأن هذا الحجاج المتعاليَ وتلك اللغةَ الجافة ليس وراءهما، في نهاية المطاف، إلا الصدام والعداوة والجفاء.
أعرف أن المناضلَ المسلمَ لا يمكنه أن يتجرد عن هويته الإسلامية، وما تمثله عنده هذه الهويةُ من روح وقوة دافعة. لكن الخوض في القضايا السياسية يحتاج من السياسيين التحليَ بكثير من المرونة والصبر وحُسن التلطّف والتأتّي، لأن إشكاليّات الميدان السياسي-في الفكر والممارسة-لا يمكن معالجتها بالثنائيات الجازمة الحاسمة القاطعة، مثل: إيمان/كفر، حق/باطل، جنة/نار، ملك/شيطان، وإن كنت أقولُ، وأؤكد وأكرر وألحُّ في التَّكرار، أن المرونة والتلطف وحسن التأتّي لا تعني التخلِّيَ عن المبادئ، ولا المساومةَ والمداهنةَ والبيعَ والشراء على حساب ثوابت المعتقدات وقواطع الأحكام ومكارم الأخلاق. 
(2)
أريد أن يكون واضحا للقراء الأفاضل، ولكل المتتبعين والمهتمين، أني لا أريد بكتاباتي أن أفتح بابا للجدالات العقيمة التي لا تنتهي، كما لا أريد أن تكون آرائي سببا لتكريس الانقسامات الإيديولوجية التي ما زلنا نكتوي بنيرانها، فضلا عن نيران الاستبداد وما ينتجه من ظلم وفساد.
أيها السادة والسيدات، يا إخواني، ويا أخواتي، التعصبُ الأعمى في أمرٍ ظنيٍّ اجتهاديٍّ خلافيٍّ لا يورّث إلا التحجر والقسوة والعنف بوجهيه المعنوي والمادي.
أيها الناس، يا إخواني، ويا أخواتي، إن من أمارات التعصب المقيت والتحيز الإيديولوجي الوبيل التحرّجَ مِن كل مقالة فيها نقدٌ، والتضايقَ من كل رأي فيه اعتراضٌ، والغضبَ من كل صوت مخالف.
لقد كتبت في موضوع "المراجعات" عشرات المقالات، فصّلتُ وأطلتُ في بعضها، ولخصّت وأوجزتُ في أخرى، والقراءُ الأفاضل الذي يتابعون كتاباتي يعرفون هذا. وأنا أنصح قرائي الجدد أن يرجعوا إلى هذه المقالات حتى يتسنى لهم فهمُ كلامي في هذه الملخصات التي كتبتها بين يدي نشر كتاب "المراجعات"، الذي سيظهر قريبا، إن شاء الله، في نشرته الرقمية الأولى.
بعضُ الإخوة-وخاصة ممن يُسلمون المَقادةَ لعواطفهم، ولا يحتَفِلون كثيرا بالعقل والمنطق والمعطياتِ الواقعية والموضوعية-يُعلّقون على كلامي وكأنني لم أبدأ الكلامَ في موضوع "المراجعات" إلا اليوم. أقول لهؤلاء، بكل أخوة وصدق وصفاء سريرة-أقول لهم إن كنتم حديثي الاهتمام بالسياسة، فنصيحتي إليكم أن تتركوا جانبا العواطفَ الجياشة والانفعالَ والغضبَ والتعصبَ، لأنها لن تفيدكم شيئا في المعرفة والنظر والفهم؛ اسألوا أهلَ السابقة، واطلبوا إليهم أن يَدُلُّوكم ويَهدُوكم وينوِّرُوكم في هذا الباب.
النقدُ الحقيقيُّ البناءُ والمفيدُ لا يكون إلا بعد اطلاع وتحصيل وتدقيق واستيعاب. اقرؤوا، أيها السادة الأفاضل ما كتبْتُ، واستوعبوه وأحيطوا بمضامينه وغاياته، ثُمَّ بعد ذلك، هاتوا ما عندكم من نقد وتصويب وتصحيح، وما أنا إلا صاحبُ رأيٍ أتحرّى الصوابَ فيما أراه وأقدّره وأظنّه وأرجّحه، وقد أخطئ في الرأي والتقدير، وقد أصيب، وأنا في الحالتين أكتبُ بصفتي باحثا ومهتما ومتتبعا، وليس بصفتي كنت في الجماعة، وأنا اليوم خارجها.
إن الذين يقرأون مقالاتي ويقوّمون آرائي بهذا الميزان المختل، أيْ ميزان "في الجماعة/ليس في الجماعة"، لن يصلوا إلى طائل، لأنهم يشتغلون عن اللب بالقشور، ويلهون عن صُلْب المَتْن بالهوامش والحواشي والقيل والقال.
جرّبوا مرة، وكونوا جادّين في التجريب، وانظروا إلى ما أقول، وناقشوه وانتقدوه بمعزل عن كوني كنت أو لم أكن في الجماعة؛ اُسْمُوا وارتفعوا في نَظَرِكم ونقدكم، يرحمكم الله، ولا تكونوا إمّعاتٍ ترفضون مع الرافضين، وتغضبون مع الغاضبين، وتنوهون مع المنوهين، وترضون مع الراضين.
وأنا هنا لا أعمّم، ولهذا وجَب عليّ أن أعتذر للقراء الأفاضل، الذين ينتقدون مقالاتي ويرفضون آرائي على أساس أنها اجتهاد من باحث صاحبِ رأي، وإن هم استحضروا في بالهم علاقتي بالجماعة، فإنهم لا يتعدّون بهذا الاستحضارِ دائرةَ الأخوة والمودّة التي ما زالت تربطني بالجميع، ولا يجعلون من هذه العلاقة معيارا فاصلا في النظر والتحليل والحكم.
ومن الناس-سامحهم الله-من يطلب التعكير من أيِّ وجه، لأنهم لا يجدون لصيدهم حلاوة إلا في الماء العَكِر. قال الله، عز وجل: (وَقُل لعِبَادِي يَقُولُواْ التِي هِيَ أَحْسَنُ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ، إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا)، وقال الرسول، صلى الله عليه وسلم: "ليس المؤمن بالطّعّان ولا اللّعّان ولا الفاحش ولا البذيء". (يتبع)

السبت، 31 أغسطس 2019

مراجعاتٌ في الفكر والسياسة(7)


بسم الله الرحمن الرحيم

مراجعاتٌ في الفكر والسياسة(7)

هل لِنَفَقِنا السياسيّ نهايةٌ؟
عندنا في المغرب، ما تزال عقدةُ العُقد في العمل السياسي، عند المعارِضين الثوريين بالتحديد، هي الموقف من النظام الملكي. أما من جهة النظام المخزني، فإن عقدة العُقد، في تقديري، هي الاستبدادُ والنظرُ إلى كلِّ مكونات الحياة السياسية على أنها توابعُ خادمةٌ وأدواتٌ منفذة، ليس لها من الأمر شيءٌ إلا أن تسمع وتطيع!
سيظل مستقبلُنا السياسيُّ في مهبّ الريح ما دام النظام المخزني، وعمادُه المَلكيةُ الوراثية "التنفيذية"، يرفض ألاَّ يرى فِيمنْ حوله إلا أصداءً لإرادته وتعليماته ورغباته، وما دام معارضوه-وأخصّ هنا المعارِضين الثوريِّين-لا يرون لمغربنا السياسي مستقبلا مع بقاء النظام الملكي.
هل من وصفة "سحرية" تضيّقُ الشُّقة بين الطرفين؟
هل عند الناس، في كلا الجانبين، إرادةٌ للبحث عن أرضية للتواصل والتفاهم والتقارب والإصلاح؟
أليس الأمر، أولا وآخرا، سياسةً؟ فإلى متى العَداءُ والتصادمُ والتنافر والتدابر؟
أليس في الناس، أكانوا ملكيِّين مخزنيِّين أو معارِضين ثوريِّين، مَنْ يقدر أن يبدع شيئا-كيفما كان هذا الشيء-يفتح لنا طريقا نحو الخلاص من هذا الداء العضال الذي لا يني يهدد حياتنا السياسية بكل الآفات والمصائب والفتن، داءِ الكراهية والعداوة والتنابذ والتزايُل؟
أنا أعرف أن الطريق إلى التصالح والتفاهم بين المخزن ومعارضيه ليس مُعبّدا ولا سهلا، بل إن الأمر، عندي، ما يزال من الأماني البعيدة، وسيظل كذلك ما دامت إرادةُ التقريب والإصلاح غائبةً لدى الطرف القوي المهيمن، الذي هو النظام المخزني، وروحُه الملكية الوراثية التي تسود وتحكم بسلطات وصلاحيات شبه مطلقة، إن لم نقل مطلقة.
ومع كلِّ هذا، فلا بد أن يكون هناك بداية؛ لا بد من خطوة أولى على الطريق للوصول إلى النهاية.
النظامُ الذي لا يقبل من الناس إلا أن يكونوا عبيدا، يسمعون ويطيعون-مع ما تعنيه العبودية من ذل ومهانة وسلب للإرادة-نظامٌ ذاهبٌ، عاجلا أم آجلا، مهما طال عمره، ومهما كان منه، من حين لآخر، من أصباغ ومساحيق ومناورات وترميمات لغرض التمويه والتدليس.
وقد يغُرُّ المستبدَ أن الناس باتوا عبيدا طوع البنان؛ لا، إنه غُرور يشبه السراب، لأن الناس مهما أصابهم من ذل وهوان وصَغار وخضوع للسلطة الغاشمة، فإلى حين، لأن جمرة الحرية والانعتاق والثورة على قيود الاستبداد والاستعباد ستظل كامنة تحت الرماد، تنتظر-وقد يكون الانتظار طويلا، لكن له نهاية مُجزية-من يُذكي لهيبَها ويؤجّج نارها، لتخرج من الضعف والكمون والهمود والخمود إلى الحياة والقوة والتوقّد والتلهُّبِ والأجيج.
إن في الناس دائما، ومهما كانت قوةُ القمع وضراوةُ البطش وفظاعةُ الغَشْم، أحرارا شرفاء أمناء يأبون حياة الدُّونِ، وحياة العبودية المقيتة، وحياة القيود المهينة، ويستشرفون حياة الحرية والكرامة والعزة والاستقلال.

الجمعة، 30 أغسطس 2019

مراجعاتٌ في الفكر والسياسة(6)


 بسم الله الرحمن الرحيم
مراجعاتٌ في الفكر والسياسة(6)

وبعد، فقد لخصت في "زبدة مقالات الكتاب" ثلاثَ نِقاط تمثّل المادة الخام التي استمدتْ منها مقالاتُ كتاب "المراجعات" موضوعاتها، وأدارت عليها نقاشاتِها وانتقاداتِها.
ورغم مرور سنوات على تاريخ كتابة هذه المقالات-بين خمس وتسع سنوات-فإني ما زلت أرى العطبَ قائما في المنهاج السياسي لجماعة العدل والإحسان، وفق منظاري وتشخيصي، وما زلت أعتقد أن الإشكاليات التي تطبع هذا المنهاجَ-طبعا، هناك من الناس مَنْ لا يرى في منهاج الجماعة إلا القوةَ والصوابَ والوضوحَ والغَناء، وهو رأيٌ مسموع ومحترم، ما دام الموضوعُ يحتمل تعددَ الآراء واختلافَ وجهات النظر والتحليل والتعليل-
قلت ما زلت أعتقد أن الإشكاليات التي تطبع منهاجَ الجماعة-وكلَّ عملٍ سياسيٍّ عموما-لن تعرف طريقا إلى الحل المطلوب ما دامت النقط الثلاثُ التي لخصتها في هذه الزبدة تقع فوق المراجعة والنقد، وما دام الناسُ لا يجرؤون على نقد الأفكار الاجتهادية السياسية للأستاذ المرشد، رحمه الله، وما داموا لا يُنزلون تراثَه المكتوبَ منزلتَه الطبيعيةَ، كما أراد له صاحبُه، من حيث هو رأيٌ وفكرٌ ونظرٌ قابلٌ للأخذ والرد، وموضوعٌ للنقد والتقويم، والتحوير والتعديل، وما دام الناسُ لا يجرؤون على إصلاح حقيقيٍّ في هياكل الجماعة، لتحتلَ مجالسُ الشورى والقرار المكانةَ التي تليق بها، وليُصبحَ لرأي الناس معنىً، ولأصواتهم وزنٌ وقيمة، ولقراراتهم أثرٌ وشأن.
لقد أراد الأستاذُ المرشد، رحمه الله، لـ"المنهاج النبوي"، بما أودعَه مِن نظرٍ واجتهاد وفقه ونقد، أن يكون مفتاحا للعقول والفهوم، ومغلاقا للتقليد وللجمود، ورائدا للاجتهاد والإبداع، ودافعا للإمّعيّة والصّنميّة. لكن الرياحَ جرَت بما لا تشتهيه السفن، فأصبح تراثُ الأستاذ المرشد مَتْنا "مقدسا" لا يجرؤ أحدٌ أن يقترب منه بنقد أو بشبه نقد.
قال الأستاذ المرشد في كتاب "العدل" (ص150): "كلّ عملٍ رائدٍ وفكرٍ وطيد إما أن يكونا مفتاحا لمزيدٍ مِن التقدم في الفهم والممارسة، وإما أن يكونا "سلفا" إليه ينتهي إدراكُ العقول المقلِّدَة وفيه تنغلق. وما مِنْ إمامٍ من أئمتنا الصالحين إلا ويقول لسانُ حاله ومقاله: افعلُوا كما فعلت، واجتهدوا لزمانكم كما اجتهدت، وارجعوا إلى مُنبثَق العلم ومنطلَق الوحي كما رجعت."
رحم الله الأستاذَ المرشد رحمة واسعة طيبة مباركة، وكتبه عنده في السعداء المرضيِّين الفائزين، ورفعه، بفضله وكرمه، مكانا رضيّا عليّا مع الذين أنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم آمين.
(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ، وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (الحشر/10)
(رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (آل عمران/8)
(يتبع)

الخميس، 29 أغسطس 2019

مراجعاتٌ في الفكر والسياسة(5)


مراجعاتٌ في الفكر والسياسة(5)
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى بعض القراء الأفاضل
إني أدعو القراءَ الأعزّاء الذين فاتهم الاطلاعُ على مقالاتي النقدية في إبان نشرها خلال ما يقارب خمس سنوات(2010-2014) أن يصبروا حتى يطلعوا على بعض هذه المقالات مجتمعةً في كتاب "مراجعات في الفكر والسياسة"، الذي أخبرتُ أنه سيظهر قريبا، إن شاءَ الله تعالى ويسّرَ وأعان.
اصبروا، أيها السادة، ولا تتسرّعوا في إصدار الأحكام في موضوع لا تملكون عنه إلا القشورَ وحكاياتِ القيلِ والقال. اصبروا حتى تقرؤوا مقالاتي مجتمعة، أو ارْجعوا واقرأوها حيث هي منشورةٌ متفرقة، وعندئذ مرحبا بانتقاداتكم، وتصحيحاتكم، وتنبيهاتكم، ونصائحكم؛ وليس يضيرني ألاَّ يتفق الناسُ معي، وأن يرفضوا آرائي، ويستضعِفوا نقدي، وإنما الضيرُ كلُّ الضير أن يرميَني الناس بسهامهم الجارحة المؤذية، وليس هناك من سبب إلا العصبيةُ العمياءُ، والتحيز الإيديولوجي الضيقُ، والحماسةُ "التربوية" الهوجاء.
وأرجع إلى سياق الفقرات التي أقدّم بها كتاب "المراجعات".

زُبْدَةُ مقالاتِ الكتاب
"المنهاج النبوي" عملٌ اجتهاديّ فرديّ، أعمل فيه الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، رحمه الله، ما استطاع من أدوات النظر والتفكير والنقد، وصاغه، وهو مستحضِرٌ وملاحظٌ ومعتبرٌ بما كانت تمور به الساحة الفكرية والسياسة، في زمانه، قطريا وإقليميا ودوليا، وكتبَ فيه ما كتَبَ، ورأى ما رأى، واقترح ما اقترح، ولم نقرأ له، ولو كلمة واحدة يُشتمّ منها أن الرجل يَدعي لاجتهاده التنزّهَ عن النقد والمراجعة والتحوير والتطوير، بل العكس هو الصحيح؛ فقد تكلم الرجل، رحمه الله، في "المنهاج النبوي"، وفي غيره، بعبارات واضحات تقول للناس-وفي مقدمتهم رجالُ العدل والإحسان ونساؤها: انظروا كما نظَرت، واجتهدوا لزمانكم كما اجتهدت، وانتقدوا وطوّروا وأبدعوا، حسب ما يستجد من معطيات، وعلى ضوء ما يجري في الزمان من تقلبات وتغيرات.
اليوم، ما تزال جماعة العدل والإحسان ترى، بل تصر أن ترى في اجتهاد مرشدها في المضمار التدافعي السياسي اجتهادا صالحا لكل الأزمنة، لا تؤثر فيه الأحداث، ولا يُبليه التقادم وكَرُّ الليالي واختلافُ الأزمنة والظروف والملابسات.
وقد بيّنت في بعض مقالات كتاب "المراجعات" أن خلطَ الناس-وأقصد الأتباع والمريدين والمحبّين-في شخص الأستاذ المرشد، رحمه الله، الجانبَ التربوي الإيماني الإحساني، والجانبَ السياسي الاجتهادي الظرفي، جعلهم ينظرون إلى آراء المرشد السياسية وبَدَوَاتِه الفكرية-أي ما يبدو له عند النظر في أمر-ونظراتِه الاجتهادية الظنية، على أنها من جنس سلوكه الرباني وفضله الإحساني وعطائه التربوي، وهو ما يفرض، على من يريد الانتماءَ إلى الجماعة أن يسلّم بأن تراثَ الأستاذ المرشد السياسي لا ينفصل عن تراثه السلوكي الإحساني، بل بات الناس ينظرون إلى آراء المرشد السياسية على أنها من تجليات فتوحاته الربانية! هذه نقطة أولى في هذه الزبدة.
النقطة الثانية، وهي مبنيةٌ على الأولى، شديدةُ الارتباط بها، وهي أن جميع اختيارات الجماعة السياسية ومواقفها المختلفة إنما تنبع من فكر المرشد وآرائه ونظراته التي سطرها في كتاباته. فحسب علمي، لا يوجد قرارٌ من قرارات الجماعة اتُّخِذ بمعزل عن فكر المرشد الذي هو الأصل والمنبع. فما من صغيرة ولا كبيرة في "أدبيات" الجماعة السياسية، منذ ظهور الجماعة إلى اليوم، إلا ولها نَسَبٌ عريق بأفكار المرشد، وكأن المرشد، رحمه الله، قد أجاب عن كل الإشكاليات السياسية، التي كانت، والتي ستكون، ومن ثَمَّ، فليس على الناس إلا أن يحفظوا ويتبعوا ويشرحوا ويُحَشُّوا-أي يضعوا الحواشي-ما دام "متن" "المصنف"، رحمة الله، قد أحاط بكل شيء، فلم يبق إبداع، وإنما هو اتباعٌ في اتباع.
والنقطة الثالثة في هذه الزبدة أن مجالس الجماعة، الشورية التقريرية، لا تصنع أكثر من البناء على أصل المرشد، لا تتعداه، وإن هي فعَلَتْ، فلا تقترب من جوهر هذا الأصل، وتبقى مهتمة بالجزئيات الشكلية والتفصيلات المسطرية وما شابه هذا مما هو أقرب إلى الروتين الإداري منه إلى العمل التشاوري الحقيقي العميق.
لقد قرر المرشدُ، رحمه الله، أن ينشرَ "مذكرة إلى من يهمه الأمر"، مع ما لهذا العمل من خطورة ووزن سياسي، وأيضا لما يمكن أن يترتب عليه من تكاليف وتبعات.
هل تشاور المرشدُ مع أحد قبل أن يقرر كتابةَ "المذكرة" ونشرَها؟ هل تشاور مع مجلس الإرشاد، مثلا؟ مع الأمانة العامة للدائرة السياسية، مثلا؟ لا، لم يفعل.
هل عُرِضَت "المذكرة"، قبل قرار نشرها، على مجلس شورى الجماعة، وهو يومئذ أعلى هيئة تقريرية؟ لا.
هل تداول المجلسُ القطري للدائرة السياسة في شأن "المذكرة"؟ هل طُلب من هذا المجلس، الذي يمثل وجهَ الجماعة السياسي، رأيُه في الأمر؟ لا.
ومرت الأيام، فهبّت علينا عواصف "الربيع العربي"، فقررت الجماعة المشاركةَ في فعاليات هذا الربيع، والانخراطَ النشيط في حركة 20 فبراير. وما هي إلا أشهرٌ معدودات حتى قررت الجماعةُ الخروجَ من الحركة، ومغادرةَ فعاليات الربيع المغربي خالية الوفاض-في ظني وتقديري-بعد أن تحمّل الناس-الأعضاءُ والمسؤولون من مختلف الدرجات-كثيرا من الأعباء، بسبب ما أُنفق من جهد ووقت ومال. وكان يمكن أن تكون التكاليفُ أثقلَ وأصعب وأخطر، لكن الله سلّم، فبقيت محصورةً في الوقت والجهد والمال.
الشاهدُ من كل هذا هو السؤال التالي:
مَنْ قرر مشاركةَ الجماعة في حركة 20 فبراير؟ ومن قرر مغادرةَ الجماعة؟
المعلومُ أن مجلس الشورى في الجماعة، وكذلك المجلس القطري للدائرة السياسة، لم يقررا في أمر المشاركة، ولا في أمر المغادرة. وإنما القراران كانا فوقيّيْن، شارك فيهما أفراد يُعدّون على رؤوس الأصابع، ثُم نزل الأمرُ بالتنفيذ.
ما قيمةُ مجلس الشورى إن لم يُدع للتداول في شأن عظيم خطير ذي بال، كان يمكن أن يخلّف ضحايا في الأرواح، والوقتُ كان وقت حماسة وفوَرَان وثَوَرَان وتصادم؟ لا شك أن قيمة هذا المجلس ستكون منقوصة، إن لم نقل معدومة.
والمجلسُ القطري للدائرة السياسة؟ أليس هو القوة السياسية الضاربة للجماعة؟ أليس هو من يتحمل العبء في مجالات التأطير والتحشيد والتنظيم؟ أليس هو وجه الجماعة السياسي؟ لماذا لم يُستمع إلى رأيه في قراريْ المشاركة والمغادرة؟ والمعلومُ أن هذا المجلس (مقدس) قد عَقد دورتين، عادية واستثنائية، في فترة نشاط الجماعة في حركة 20 فبراير، لكنهما لم تكونا من أجل مشاركة الجماعة أو عدمها، ولكن كانتا لموضوعات أخرى تخص مشروع الدستور والاستفتاء وانتخابات 25 نونبر 2011!

الأربعاء، 28 أغسطس 2019

مراجعاتٌ في الفكر والسياسة(4)


بسم الله الرحمن الرحيم

مراجعاتٌ في الفكر والسياسة(4)

المفكرُ العالمُ الفقيهُ المجتهدُ مأجورٌ في حالَتَيْ الصواب والخطأ.
الأصلُ في الفكر السياسيّ أنه فكرٌ ظنيٌّ اجتهاديٌّ ترجيحيّ، لا علاقة له بالقطعيات والمطلقات والمقدسات. وقد يُرجِّح الفكرُ السياسيُّ اليوم ما يردُّه غدا، وقد يستحسن الفكرةَ والرأيَ ويقبلهما في ظروف معينة، ويستقبحهما وينفيهما في ظروف أخرى مغايرة؛ وهكذا، لا يستقر الفكرُ السياسيُّ على حال واحدة في جميع الظروف والأحوال، بل هو متغير بحسب هذه الأحوال، وإن بقيت الأصولُ والثوابت والمبادئ والكلّيات التي يقوم عليها الاجتهاد والترجيح هي هي، في جميع الأحوال والملابسات.
ومن هنا يجب التنويهُ بالقواعد التي استنبطها الأصوليون، والتي جعلوها بمثابة الموازين الثابتة في عِيَارِ الأفكار وترجيح الأحكام، والتمييزِ، عند النظر والاجتهاد، بين الأصل الكلي الثابت، وبين الفرع الجزئي المتغير.
لقد اجتهد الأستاذُ عبد السلام ياسين، رحمه الله، لزمانه، وكَتب ما كتب، منتقدا ومُنظّرا ومحلِّلا ومرجِّحا، وهو، في كل ذلك، لم يدَّعِ أن ما كتبه لا يجوز عليه النقدُ والمراجعةُ والتطويرُ والتمحيصُ، بل صرّح بالعبارة الواضحة التي لا تقبل التأويل، أن ما كتبه إنما كان أَقْصَى ما وصل إليه نظرُه واجتهادُه، ولِمَن سيأتي بعده أن يجتهدَ لزمانه، ويزيد وينقص، ويحوّر ويطور، بحسب ما يستجد من معطيات، ووفق ما يشهده الواقع من تغيرات وتحولات.
فكيف أصبح "المنهاج النبوي" منهاجا فوق النقد والتطوير والتحوير؟
مَنْ هذا الذي قَضَى أنّ فكرَ الأستاذ المرشد السياسيَّ الظنيَّ الاجتهاديَّ هو المقالةُ الفصلُ التي تنتهي عندها كلُّ المقالاتِ، وهو الاجتهادُ النهائيُّ الذي تقف عنده مختلفُ الاجتهادات، وهو الرأيُ القاطع الذي يَجُبُّ جميعَ الآراء؟
مَنْ حوَّل فكرا بشريا إلى صنمٍ مقدَّس؟
مَنْ حوّل تراثا سياسيّا غنيّا أراد له صاحبُه أن يكون مفتاحا للاجتهاد والإبداع والتحرر إلى فكر محنَّط جامد منغلق؟
إني هنا أتحدث عن فكر سياسيّ، لا عن هذا الشخص أو ذاك؛ فمقالاتُ كتابي تدور حول أفكارٍ سياسيةٍ، تُراجعُها وتناقشُها وتنتقدها على أساس أنها أفكار اجتهادية، تصيب وتخطئ.
وهل يمكن للمفكر العالم الفقيه المجتهد أن يخطئ؟
نعم، وذلك بصريح العبارة في الحديث المتفق عليه المشهور عن الحاكِم إذا اجتهدَ فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحد؛ فالمجتهد المصيبُ والمجتهد المخطئُ كلاهما مأجور، لأن خطأ المجتهد لم يكن في أمر ممنوع محرم، ولا كان خطأ مقصودا، وإنما كان في أمر فكري علمي فقهي ترجيحي استنباطي، فاستحق الأجرَ، وإن لم يُصِب، لِمَا يكون منه من جهد وتقصٍّ في النظر وتتبّع الأدلةِ واستعراضِ الأشباه والنظائر وسائرِ ما يتوَسّل به المجتهد لتحرير الدليل واستنباط الحكم.


الثلاثاء، 27 أغسطس 2019

مراجعاتٌ في الفكر والسياسة(3)


مراجعاتٌ في الفكر والسياسة(3)

إشكاليةُ ارتباطِ التربويّ بالسياسيّ
ما تزال كتاباتُ المرشد عبد السلام ياسين، رحمه الله، عموما-ومنها كتابُ "المنهاج النبوي، تربية وتنظيما وزحفا" بوجه خاص-تمثّلُ المرجعَ الأسمى لاختيارات الجماعة ومواقفِها السياسية.
ومنهاجُ الجماعة، في الحقيقة، منهاجان متداخلان متعانقان متلازمان، أحدُهما تربويٌّ إحسانيّ، والثاني سياسيٌّ نضاليّ. ومعنى كونِهما متداخلَيْن متعانقَيْن متلازمَيْن أنهما صادران عن شخص واحد، تصوُّرا وتفكُّرا وتنظيرا وتأليفا، وهو الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، رحمه الله.
وإذا كان الشأنُ التربويّ، في منهاج الجماعة، هو الأساس الذي عليه البناء، وهو الأصل الذي إليه تَرجع كلُّ الفروع، فإن الشأن السياسيّ، في كتابات الأستاذ المرشد، وخاصة في كتبه التي تُوصف بالأمهات، قد ارتبط، في نشأته وتطوره ونضجه، بالشأن التربوي ارتباطَ التابع بالمتبوع، يلازمُه ولا ينفكّ عنه.
وهذا الارتباطُ الجوهريّ البنيويُّ بين التربويّ والسياسيّ، في كتابات الأستاذ المرشد، يطرح، في تقديري، قضيةً إشكاليّةً في الفكر السياسيّ الإسلاميّ الحديث، عموما، وفي منهاج جماعة العدل والإحسان، بوجه خاص، وخاصة بعد وفاةِ المرشد، رحمه الله، ومصيرِ المسؤولية عن تراثه إلى من خلَفَه على رأس الجماعة، من قيادات الصف الأول، يمثلهم، أولا وأساسا، مجلسُ الإرشاد، وفي درجة ثانية ثانوية، الأمانةُ العامة للدائرة السياسية، التي يرأسها عضوٌ من مجلس الإرشاد.
هذه الإشكاليةُ، في كلمة مختصرة، هي أن الأمر السياسيّ، بطبيعته، أمرٌ اجتهاديٌّ متغيّر، لأنه يقوم على النظر والظن والترجيح. أما الأمر التربويُّ، فهو في لبّه وطبيعته، راسخ في الدينيّ الإيمانيِّ الغيبيِّ، ولا شأن له بالاجتهاد، إلا في طُرُق التنفيذ، ووسائلِ العمل، وضوابطِ التنظيم، وهي أمورٌ لا تمسّ الأصولَ القطعية التي ينبني عليها العمل التربوي، وخاصة ما يرجع منها إلى القرآن الكريم والسنة الشريفة المطهَّرة.
فأصول التربية الإيمانية الإحسانيةِ ثابتة راسخة محفوظة، مهما تبدّلت الظروفُ والأحوال، ومهما غفل الناسُ وفرّطوا، ومهما غلا الغالون، وتشدد المتشددون، وأفْرط المفْرطون، وألحد الملحدون، ولَهَا اللاهون الفاسقون الظالمون. لكن الشأن السياسيّ، بطبيعته المشار إليها، وخاصة في جانبه النظريِّ الفكري، لا يمكن أن يوصف بالثبوت، إلا إن اعتبرناه تراثا محفوظا انتهى مِن السلف للخلف، وعَمَلاً من الأعمال المنجَزة، التي تشهد على زمانها، كما تشهد على اجتهاد صاحبِها وأسلوبه في النظر والفقه والاستدلال والاستنباط. أما أن يصبح هذا الفكرُ السياسيّ الاجتهاديّ، القائمُ على الظن والترجيح، والمظروفُ بظروف صاحبه وواقعه وزمانه وأحوال هذا الزمان، مرجعا لكل زمان ومكان، ومعيارا "مطلقا" "متعاليا" لمعالجة كلِّ أمور السياسة المتغيرة، اليوم وغدا، فذلك عين المستحيل، لأن طبيعة الفكر السياسيّ الاجتهاديّ تأبى هذا، وترفض أن يتحول المظنونُ إلى أصل قطعيّ، كما ترفض أن يتحول الرأيُ الناقص إلى حقيقة مطلقة كاملة.
فهناك فرقٌ كبير، مثلا، بين معارضةِ النظام الملكيّ بخلفيّة سياسية، وبين أن تعارضَه بخلفية دينيّة؛ ففي المعارضة الأولى، أفكارٌ تقابلُ أفكارا، واجتهادٌ يقابل اجتهادا، وفكرٌ بشريٌّ يعارض فكرا بشريا، وفي المعارضة الثانية، عقائدُ في مقابل عقائد، وإيمانٌ بإزاء إيمان، ونصوصٌ "مقدسة" تعارضُ نصوصا أخرى "مقدسة".
المعارضةُ السياسية فيها مجالٌ واسعٌ للحوار والتفاهم والتقارب والتعايش-هذا حينما تكون الظروفُ طبيعيةً، والأجواءُ سليمةً، والحقوقُ والحريات مرْعِيّة؛ أما في ظلِّ الاستبداد والقمع والمنع والقهر، فالحُكم مختلِف. أمّا المعارضةُ الدينيةُ، فالأمر فيها إما مع الدين أو ضده، وهذا هو المدخلُ الواسع للتكفير والتقتيل والترهيب باسم الدين ومقدساتِ الدين.
ولعل المطابقةَ بين الشأنَيْن التربويِّ والسياسيِّ، وجعلَهما متلازمَيْن، في منهاج جماعة العدل والإحسان، هو-في تقديري-السبب الرئيسيُّ وراء الكثير مما يطبع أنشطة جماعةِ العدل الإحسان اليوم، من جمود وانحسار وعزلة وانغلاق، في مجال التدافع السياسي، وكذلك في مجال التواصلِ مع مكونات الساحة السياسية المغربية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.
نعم، الاستبدادُ هو علّةُ العلل التي تسوم حياتَنا السياسية مِنْ كل ألوان الظلم والفساد والتخلف والتأزم والتعثر والاختناق، ومع ذلك، فالنقد الذاتيُّ واجب في جميع الأحوال، وإلقاءُ المسؤولية، كلِّ المسؤولية، على عاتق الاستبداد (النظام الجبْري)، هو، عندي، نوعٌ من التهرب من واجب مواجهةِ الذات ومراجعةِ المواقف، وتقويمِ الاختيارات، لأن من أسهل الأمور، في السياسة وغيرها، أن تبقى متقوقعا في اتهام الآخر، وتستقيلَ وتستريحَ من كل ما يمكن أن يكلّفه النقدُ الذاتيُّ من حرج وأعباء ومسؤوليات.

الاثنين، 26 أغسطس 2019

مراجعاتٌ في الفكر والسياسة(2)

بسم الله الرحمن  الرحيم

مراجعاتٌ في الفكر والسياسة(2)

ماذا أقصدُ بـ"المراجعة"؟
هل هناك من فرق بين "المراجعة" و"النقد الذاتي"، أم هما بمعنى واحد، أم أحدهما عام والثاني خاص بتجربة بعينها؟
أنا في مقالات كتابِ "المراجعات" لا أرى أن المسألةَ المتعلقةَ بمفهومي "المراجعة" و"النقد الذاتي" ذاتُ أهمية، ولذلك اكتفيت باستعمال كلمة "مراجعات" متضمِّنةً معنى النقد الذاتي، لأن من المعاني التي تُحيل عليها كلمةُ "مراجعة" في اللغة، معنى المُعاودةِ والمُساءلة وتجديدِ النظر والتدقيقِ والتمحيص والتصحيحِ والنقد. 
والمراجعةُ، في شأن الأفكار والمواقف، قد تحصل بتغيُّرٍ جذريّ، أو بتغيّر جزئي، أو بتعديل في بعض المواقف دون أخرى، أو بتطويرٍ في بعض الأفكار وأساليبِ العمل، أو بنقدٍ للذات وتصحيحِ بعض الأخطاء، إلى غير أولئك من المبادرات والسلوكات التي يمكن أن تُعدّ في المراجعات. وإذا عُرف المقصود، فلا مُشاحَّة في العبارات.
إني أعتقد-وهذا رأيي على أيّة حال، وقد أكون مخطئا فيه-أن التنظيم الذي لا يُراجِع نفسه من حين لآخر، ويقوِّمُ اختياراتِه، حسب الواقع، بملابساته ومتغيراته ومستجداته، ولا يقبل بالنقد الذاتي، هو تنظيم آيلٌ، عاجلا أو آجلا، إلى التعثر والاضمحلال، وهذه سنة كونية، ولنا في كتاب العالم أمثلةٌ ناصعة للدرس والاعتبار.
والذي أعرفه أن جماعة العدل والإحسان لم تدّع، في يوم من الأيام، أنها فوق المراجعة والنقد، وأن منهاجَها هو منهاجٌ مقدس ومعصوم لا يجوز عليه ما يجوز على الاجتهادات البشرية من إمكانية المراجعة والتعديل والتطوير.
هذا هو الأصل والمبدأ الثابت؛ ما مِن فكرٍ بشري، مهما بلغتْ درجتُه في الفهم والفقه والصحة والرجحان، وكيفما كانت مكانةُ صاحبِ هذا الفكر في الدين والعلم والإبداع والإحسان، إلا وهو، بطبيعته البشرية النسبية، قابل للأخذ والرد، والنقد والنقض، والمراجعة والتغيير والتحوير والتطوير.
لكن الإيمان بالمبدأ والتنويهَ به في الكلام والأوراق والخطب والشعارات شيءٌ، والعمل به والتصرف على ضوئه في واقع الممارسة واتخاذ المواقف وحسم القرارات شيءٌ آخر.

الأحد، 25 أغسطس 2019

مراجعاتٌ في الفكر والسياسة(1)


بسم الله الرحمن الرحيم

مراجعاتٌ في الفكر والسياسة(1)
"مراجعاتٌ في الفكر والسياسة" هو العنوان الذي اخترته لكتابي الأخير، الذي أنا بصدد مراجعته وإعداده للنشر، والذي سيظهر في نشرته الرقمية الأولى في شهر نونبر القادم، إن شاء الله.
يضمّ هذا الكتاب مقالاتٍ كتبتها بين سنتي2010 و2014، ناقشت فيها بعضَ المبادئ التي يقوم عليها المنهاجُ السياسي لجماعة العدل والإحسان، وانتقدت فيها أيضا بعضَ الاختيارات التي ما تزال الجماعةُ تتشبث بها في تدافعها السياسي.
لقد رأيت، بعد طول نظرٍ وتأملٍ وتردّد، أن أجمع هذه المقالاتِ في كتاب، لتكون سهلةَ التناول لكل من يعنيه الأمر، مِنَ المهتمين بالفكر السياسي للحركات الإسلامية عموما، وبالمنهاج السياسي لجماعة العدل والإحسان خصوصا.
لقد ناقشت الاختيارَ السياسي للجماعة، وانتقدت منه ما رأيت أنه يستحق النقد والتقويم، وذلك من أجل المشاركة-فيما أظن وأقدّر-في خلق نوع من الحيوية الإيجابية البناءة على مستوى نقد الفكر السياسي الإسلامي، وأيضا من أجل تسجيل ما أدّتني إليه تجربتي الشخصيةُ الطويلةُ في العمل السياسي الإسلامي من ملاحظات وانتقادات ومراجعات، وخاصة فيما يتعلق باجتهادات الأشخاص وآرائهم ونظراتهم، التي هي من بنات الظن والترجيح، وليست من المعتقدات القطعيات المطلقات التي لا يملك المرء إزاءها إلا التصديق والتسليم.
سجلت في هذه المقالات ملاحظاتي وانتقاداتي وآرائي التي كوّنتُها عبر تجربة ونظر، ومخالطةٍ وممارسة، ومعاينةٍ ومتابعة، لا أدعي فيها أن ما أقوله هو الحق والصواب، وإنما هي مقالاتٌ قائمة على العرض والتحليل والنقاش والنقد والترجيح، قد أكون فيها أصبت بعضَ الحقيقة، وقد لا أكون، لأن الموضوع السياسيَّ من الموضوعات التي تتعدد في شأنها الآراء والأفهام، وتتباين في تناولها زوايا النظر، وتختلف مناهجُ الاجتهاد وموجباتُ الترجيح والاختيار، ومن ثَمَّ، فإن مقياس الحق والباطل، مثلُه مثلُ مقياس الإيمان والكفر، لا يفيد شيئا في تقويم الفكر السياسي ونقده، لأنه سيكون مقياسا في غير طائل، لأن الفكر السياسيَّ الاجتهادي هو من الأعمال المباحة ما دامت الأصولُ العقدية محفوظة، والثوابتُ الإيمانية والمبادئ الأخلاقية مرعية ومعتَبَرة.
في جملة، مقالاتُ هذا الكتاب تُدافع عن التحرر من الإمعيّة والتبعية والتقليد الأعمى، بل إنها تُذكِّر بأمرٍ بديهيٍّ في مجال السياسة، بشقيها التنظيري والتطبيقي، وهو أن الجمودَ قاتلٌ، والتقليد مُخلِق ومُتلف، لأن السياسةَ، فكرا وممارسة، بطبيعتها، تأبى التحجُّرَ والتحنُّطَ والتكريرَ، لأنها مجال يمتاز بالحركة الدائبة، والتدافع المتجدد، والطوارئ والمفاجآت التي لا تكون في الحسبان.