السبت، 10 نوفمبر 2018

كيف يكون الشعرُ بمعزل عن الدين؟



بسم الله الرحمن الرحيم

كيف يكون الشعرُ بمعزل عن الدين؟


ما علاقةُ الشعر بالزندقة واللغو والبذاءة والغوغائية والطلاسم اللغوية؟

الحداثيّةُ اللادينيةُ المتطرفة فرضت علينا أن نقبل أيَّ كلام، وإن كان ركيكا غثا وعاميا نابيا، على أنه شعر، لأن الشعر، عند هؤلاء الحداثيّين، ليس له قواعد، ولا معايير، ولا أصول، ولا أسلاف.
لقد فرضت علينا هذه العصابةُ أن نقبل بالنثر البارد الهزيل المرذول على أنه "شعر" يستحق التنويه، وما هو بشعر ولا نثر، وإنما هو كلماتٌ ضُمّ بعضُها إلى بعض على وجه اللعب والعبث، لا تفيد شيئا، لا مضمونا ولا شكلا، كقول كبيرهم (أدونيس) من إحدى تجاربه العبثية:

"نتحاور بالأرجل
بحبر المسام وكلماتها
فجأة
تجيء الصاعقة
نستيقظ ويجري كلانا وراء رأسه
في حنين السكن والإقامة
وأمواج الركض
وراء الوطن الآخر
الضائع الدائم..."

لقد فرضوا علينا أن نقبل التجديف والتدنيس والهرطقة وغيرَها من متعلَّقات الجحود والإلحاد، على أنها من "الشعر" الجميل البارع، الذي يهز ويطرب ويُعجب، وما هي كذلك، وإنما هي لغو وجرأة على مقدسات المؤمنين ومعتقداتهم وأخلاقهم، كقول أدونيس على لسان قدِّيسه الشلمغاني:

"اتركوا الصلاة والصيام وبقية العبادات
لا تتناكحوا بعقد
أبيحوا الفروج
للإنسان أن يجامع من يشاء..."

لقد فرضوا علينا أن نقبل، غصبا وكرها، بالكلامِ الساقط السوقي الغوغائي على أنه "شعر"، يَفرض علينا أن نبْتدره ونتذوقه ونعشقه؛ وما ثمّةَ شيءٌ يُبتدر ويُتذوق ويُعشق، وإنما هي الحقارة والسفالة والدعارة في القول، كقول أحد كبرائهم، وهو(مظفر النواب)، من كلام له بعنوان "في الحانة القديمة":
"سأبول عليه وأسكر...ثم أبول عليه وأسكر
ثم تبولين عليه ونسكر"

ويقول آخر، واسمه (ايفان زيباري)، وهو من الجيل الجديد، من كلام بارد بعنوان "الفودكا والطائر الإغريقي"، يُسمّيه قصيدة:

"كأس فودكا
بضع حبات من الليمون
سيجارة عذراء لم تطأها نار الهوى
النتيجة."

ويقول آخر، واسمه (خالد صدقة)، وهو أيضا من الجيل الحداثي الجديد، من كلام نشره بعنوان "كلهم يركضون خلفك: الصياد والغزالة والغابة"، ويا له من عنوان حداثي هائل!!؛ يقول مخاطبا امرأة:

"يهيأ لي أنني اخترعتُكِ
اخترت لكِ تاريخكِ
جاراتك الفضوليات
حارس بنايتك
واخترعت لك زوجا لتقومي بخيانته معي(...)
أنا حددتُ لكِ مواعيد دورتك الشهرية
ثم جعلتها غير منتظمة."

في جملة، لقد فرضت علينا الحداثية العبثية المتطرفة أن نقبل بالهباء والجفاء والخواء على أنه شيء ذو قيمة يستحق الثناء والإعجاب.
والسؤال الطبيعي والضروري الذي يفرض نفسه، ونحن نتجرّعُ الغُصصَ بقراءة هذه الرذالات من الكلام: كيف نبتت نابتةُ هؤلاء الحداثيّين اللادينيين العبثيّين، حتى بات بيدهم أن يفرضوا على أذواقنا القبحَ الصراح على أنه الجَمال الذي ما بعده جَمال؟
كيف تردّى بنا هؤلاء إلى هذا الحضيض من البذاءة والسفالة والعبث، وفرضوا بحديد الإيديولوجا اللادينية المتطرفة ونارِها أن نقبل هذا الحضيض على أنه قمةُ فنّ القولِ وشموخُه وبذوخُه؟
الإعلام الحداثي اللاديني، وقبله وبعده ومعه جوقاتٌ من جنود إبليس، من كل الدرجات والمستويات والاعتبارات، لا يزالون يسعون بكل الوسائل، وبكل ما يستطيعون من خطابات مغالطة، وشعاراتٍ خادعة مراوغة، وأساليب ماكرة مموهة-لا يزالون يسعون بكل ما في جهدهم، لإسقاط الاعتبار العقدي الديني والمعيار الأخلاقي في تقويم أعمال المسلمين ووزن ما يصدر عنهم من أفكار وسلوكات وأخلاق؛ يسعون ليفرضوا بأيِّ وسيلة، ومهما كان الثمن، أنَّ معيار الدين والأخلاق لم يعد له قدْرٌ ولا اعتبارٌ ولا مصداقية في حياة الناس ومجتمعهم، وفيما ينتج في هذا المجتمع وهذه الحياة من علاقات ومعاملات وتفاعلات.
ومهما سعَوا، ومهما أحدثوا من جَلَبَة ولَغَط، ومهما كان منهم من تشكيك وتخليط وجحود وإلحاد في دين الله، فلن يستطيعوا أن يُطفئوا نور الله بأفواههم.

كيف يتلقى المسلمُ الشعر؟
حديثي هنا عن المسلم الملتزم بدينه، إيمانا وعملا، المتشبع بأخلاق الإسلام وآدابه، صفة وسمتا وسلوكا، المسلم الذي (يحْذَرُ الآخرةَ ويرجُو رحمةَ ربّه)، لا عن المسلم الغافل اللاهي الشاك اللاعب الذي يخوض مع الخائضين ويستهزئ بيوم الدين، والذي يستوي عنده الخير والشر، والطاعة والعصيان، والطيبات والخبائث.
فأنا المتلقي المسلم، حينما أرفض، مثلا، شعر المجون والتهتك والسخف والفحش-ومن حقي أن أفعلَ-فإن رفضي لا يتعلق بالشعر بما هو أدبٌ وفن وتعبير جميل، وإنما هو رفض تقوم وراءه دواع دينيةٌ عقدية أخلاقية. معنى هذا الكلامِ أن الرفضَ مني كان لسلوك-والشعر نوعٌ من السلوك-لا تجيزه مبادئ الاعتقاد، ولا تسوِّغه قواعدُ الأخلاق. ولن يفرض عليّ أحدٌ أن أقبل شيئا لا يرضاه لي دينٌ ولا مروءة ولا أخلاق، مهما تكن تفسيراتُ الناس وتأويلاتُهم وتبريراتُهم لتسويغ قبول أدب الإباحية والتفحش والمجون.
فرفضي، مثلا، لشعر أبي نواس الماجنِ الخليع، حسب ما بيّنت، لا يعني، بأي حال، رفضي لأبي نواس الفنانِ الشاعر المبدع؛ فهو شاعر بارع من طبقة الفحول، في ميدانه، لم يملك العلماءُ والأدباء النقاد إلا أن يعترفوا له بالدرجة العالية التي ارتقى إليها بإبداعه. وكذلك كان حكمُهم على امرئ القيس الشاعر المبدع رغم استبهاره بالفاحشة[أي إعلانها] وتهتّكه وخلاعته في شعره. وكذلك فعلوا مع الحطيئة(جرول بن أوس) حينما صنفوه في فحول الشعراء، واعترفوا ببراعته الفنية، مع أن المصادر قد أجمعت على أنه كان من أقبح الناس خِلقة وخُلُقا. قال الأصمعي، فيما أورده صاحب الأغاني: "كان الحطيئة جشعا، سؤولا، مُلحِفا، دنيء النفس، كثير الشر، قليل الخير، بخيلا، قبيح المنظر، رثَّ الهيئة، مغموزَ النسب، فاسدَ الدين."(الأغاني:2/163) وقال عنه صاحب الأغاني: "وكان ذا شر وسفَه، ونسبُه متدافع بين القبائل."(نفسه: 2/157). ووصفه ابن قتيبة بأنه "كان رقيق الإسلام، لئيم الطبع."(الشعر والشعراء، ص199) ومع هذا الإجماع على وصفه بأقبح النعوت، فإنهم قد اعترفوا له بمكانته الشعرية العالية، فوصفوه بأنه كان "متين الشعر، شرود القافية"(طبقات فحول الشعراء، لابن سلام: ج1/ص104)، وأنه "من فحول الشعراء ومتقدميهم وفصحائهم، متصرّف في جميع فنون الشعر من المديح والهجاء والفخر والنسيب، مجيد في ذلك أجمع."(الأغاني:2/157).
 والأمثلة على هذا الصنف من الشعراء-أي الذين اعترف لهم النقاد ببراعتهم الفنية رغم مَجانتهم ورِقّة دينهم وقلَّةِ ورعهم-لا حدّ لها ولا حصر.
فأبو الطيب المتنبي(أحمد بن الحسين) كان شاعرا كبيرا، وسيظل كذلك، رغم ما رماه به خصومه من تهم في دينه؛ قال القاضي الجرجاني(علي بن عبد العزيز) رادا على هؤلاء الخصوم، مبيّنا أن الشعر، بما هو فن وإبداع، لا علاقة له بالدين: "والعَجَب ممن ينقص أبا الطيب، ويغضّ من شعره لأبيات وجدها تدل على ضعف العقيدة وفساد المذهب في الديانة كقوله:
يترَشفْن من فمي رشَفاتٍ



هنّ فيهِ أحلى من التوحيد

(...)وهو يحتمل لأبي نواس قوله:
قلت والكاس على كـ


ـــــ
فَّيّ تهوي لالتثامي

أنا لا أعرف ذاك الـ

ـــــ
يوم في ذاك الزحام

وقوله:
يا عاذلي في الدهر ذا هجْرُ



لا قَدرٌ صحّ ولا جبْرُ

ما صحَّ عندي من جميع الذي


يُذكر إلا الموتُ والقبرُ

فاشرب على الدهر وأيامه


فإنما يُهلكنا الدهرُ

(...)
وقوله:
فدع الملامَ فقد أطعتُ غَوايتي



ونبذتُ موعظتي وراء جداري

ورأيت إيثارَ اللذاذة والهوى


وتمتعاً من طيب هذي الدارِ

أحرى وأحزمَ من تنظّر آجل


ظنّي به رجْمٌ من الأخبارِ

إني بعاجل ما ترين موكَّل


وسواه إرجافٌ من الآثارِ

ما جاءنا أحدٌ يخَبِّر أنه


في جنةٍ مذْ مات أو في النار

فلو كانت الديانة عاراً على الشعر، وكان سوء الاعتقاد سبباً لتأخر الشاعر، لوجب أن يُمحى اسمُ أبي نواس من الدواوين، ويُحذف ذكره إذا عُدّت الطبقات، ولَكان أولاهم بذلك أهل الجاهلية، ومن تشهدُ الأمة عليه بالكفر، ولوجب أن يكون كعب بن زهير وابن الزِّبَعْرى وأضرابُهما ممن تناول رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وعاب من أصحابه بُكْماً خرساً، وبِكاءً مفحمين؛ ولكنّ الأمرين متباينان، والدين بمعزل عن الشعر"(الوساطة بين المتني وخصومه، ص63-64.) بِكاء جمْع بكِيء، وهو من قل كلامه خِلقة.
وفي المعنى نفسه ما ردّ به أبو بكر الصولي على منِ اتهم أبا تمام بالكفر، "للطعن على شعره وتقبيح حسنه"، حيث قال: "وما ظننت أن كفراً ينقص من شعرٍ، ولا أن إيماناً يزيد فيه..."(أخبار أبي تمام، ص172).
وينبغي هنا توضيح أن ما ورد في النقد القديم من إشارات إلى أن "الدين بمعزل عن الشعر" لم يكن القصدُ منه-كما يفهم الحداثيون اللادينيون-أن الدين يُفسد الشعر، وينزل به إلى درك الرداءة، وإنما القصد كان هو تأكيد أن فنية الشعر ليست مرتبطة بالمعتقدات، وإنما هي مرتبطة ببراعة الفنان وقدرته على اختراع التعبير الجميل، والتصوير البديع. وهذا يعني، بعبارة أخرى، أن الشاعرَ يمكن أن يدرك في شعره درجةً عالية في الجمال والتفنن والاختراع، وهو في معتقده، أو أخلاقه، أو سلوكه، عموما، فاسد، أو جاحد، أو ملحد، أو غير ذلك من صفات الانحراف العقدي وتجلياته.
وإلى مقالة جديدة إن شاء الله.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

السبت، 3 نوفمبر 2018

الدينُ ليس بمعزلٍ عن الأدب


بسم الله الرحمن الرحيم

الدينُ ليس بمعزلٍ عن الأدب

الإيديولوجيات الحداثيّة اللادينيّة باتت تحتكر لنفسها الكلام في شؤون الآداب والفنون، وتنصّب نفسها، غصباً وبِزِّيزَى، وصيةً على أذواق الناس ومشاعرهم ومعاييرهم في النظر إلى الفن وتقييم الجمال، وتفرض بهواها، بغير علم ولا مُوجِب مقنع، مهما كانت درجته من الإقناع، أن الدينَ والفن نقيضان لا يجتمعان.
وبسبب هذه الأهواء الإيديولوجية اللادينية، اقتُطعت مقولةُ القاضي الجرجاني(علي بن عبد العزيز): "الدين بمعزل عن الشعر"(الوساطة، ص64)، من سياقها النقدي الخاص، كما اقتُطعت من سياقها الحضاري العام، لتُوظَّف وتُستغل استغلالا إيديولوجيا لا علاقة له بالفن ولا بالأدب، كما استُغلت مقولة: "الشعر نكدٌ بابُه الشرّ، فإذا دخل في الخير ضعف"، المنسوبة للأصمعي.
ويغلط كثير من الناس حينما يفسرون المرجعيةَ الدينية-والمقصود هنا المرجعيةُ الإسلامية بالتحديد-في معالجة قضايا الأدب والنقد، على أنها تعني جوهرَ الإبداع الأدبي، بما هو نشاطٌ إنسانيّ فنيّ ترجع قواعدُه وخصائصه ومعايير تمييز جميله من قبيحه إلى معدن غير معدن الأديان والشرائع والأحكام القطعية. ووجهُ الغلط أنه لا يمكن لأحد أن يزعم أن الدين الإسلامي، مثلا، قد تناول في مصدريه الرئيسين، الكتابِ والسُّنةِ، جزئيات فنٍّ من فنون الأدب، كالشعر، على سبيل المثال، كما تناول جزئيات بعض الموضوعات الفقهية كالزواج، والطلاق، والإرث، والصلاة، والصوم، والحج. لكننا نجد في القرآن الكريم والسنة الصحيحة الشريفة عرضا شافيا للقواعد الإيمانية الكلية والتصورات العقدية والأخلاقية العامة التي بها يمكننا تفسير السلوكات الإنسانية وتقويم وظائفها وغاياتها في الحياة والمجتمع.
هذه الأصولُ الإسلامية الإيمانية والأخلاقية، وكذلك الأحكامُ التشريعية القطعية، مثلُها، في القيمة المرجعية النظرية الفكرية، مثلُ سائر أصول الفلسفات والنظريات والمذاهب الوضعية، تُعْنَى بشؤون النظر في تفسير الظاهرة الإنسانية وتحليل خصائصها وتعليلها، وكذلك النظر في مسألة الكون والوجود الإنساني، وتطور العمران البشري، ومعنى وجود الإنسان في الأرض ومصيره بعد الموت، إلى غير ذلك من المباحث النظرية التي لازمت الإنسانَ منذ عَرف الإنسانُ الإيمانَ والتفكيرَ والتأمل، ومنذ كان للإنسان شعورٌ وسمع وبصر وفؤاد.
 فالمقصود إذاً بالمرجعية الإسلامية في نقد الأدب والفكر والفلسفة والعلوم وغيرها من النشاطات الإنسانية هو هذه التصورات الكلية في شأن الإنسان والكون والمجتمع والدنيا والآخرة والشر والخير وغير أولئك من الموضوعات والقيم والأفكار. أما جزئياتُ الإبداع الأدبي، فلا بد أن يُرجع في البتِّ فيها إلى القواعد الفنية والتقنيات الجمالية التي تتعلق باللغة والصياغة والتركيب والتشكيل، والتخييل والموسيقى والإيقاع، وما إلى ذلك من الأدوات والصفات التي تمتاز بها صناعة الأدب من غيرها من الصناعات.
الأدبُ سلوكٌ بشريّ
إن الأدب، مهما قال فيه المفكرون والفلاسفة والشعراء والنقاد، لا يعدو، عند التأمل والتحقيق ومعاينة الواقع، أن يكون سلوكا بشريا في مجتمع بشريّ تحكمه عقائدُ وقوانين وأعراف وعادات. نعم، إنه سلوك يمتاز بأنه فنيّ له قواعده وخصائصُه، لكن هذا الامتياز لا يعطي، بأي وجه من الوجوه، لهذا السلوك قيمةً تجعله فوق العقائد والقوانين، متحررا من أيِّ دِين أو عُرْف أو خُلُق، منزّهًا عن أي نوع من أنواع المراقبة الاجتماعية والمحاسبة القانونية.
 في جملة، إن الأدب، مهما بالغنا في تقدير خصائصه وتعمّقنا وتمحّلنا في تسويغ تفرده وامتيازه، لا يمكن، في النهاية، أن يخرج عن نطاق النشاط الإنساني الاجتماعي المسؤول، وإلا فإن لكل مجتمع بشري قوانينَه وآدابَه وتقاليده التي تحمي كيانه وتصون تراثه وقيَمه.
فالأديب إنسان عاديّ قبل أن يكون فنانا متميزا، ومِن ثَمّ فإن أعماله-ومنها عملُه الأدبي-تجري عليها القوانين التي تجري على سلوكات غيره من الناس الذين تجمعهم به آصرةُ التاريخ والمجتمع والظروف السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها من العوامل التي لا تُنكرُ آثارُها في طبيعة العمل البشري.
إن علاقة الدين بالأدب-وهو سلوك فني وعملٌ إبداعي-تُعنى فقط بالنتائج البعيدة لهذا السلوك. أما المقصد الفني، فمسألةٌ يُنظر فيه في حدود ما تعارفه الناس، وكرّسته التجارب الإنسانية، عبر قرون طويلة، من قواعدَ ومعايير وأساليب تخصّ صناعةَ الأدب.
إذاً، فلا شأن للدين بخصوصيات الأدب، بوصفه فنا من فنون التعبير. وإذا كان من الدين اعتناءٌ بأشكال العمل الأدبي وأصباغه وتجلياته التعبيرية الأسلوبية، فلأن تلك الأشكال والأصباغَ والألوان والأساليب تَعرض، في جوهرها، سلوكا إنسانيا تكمن وراءه نيّةٌ ومقاصد وإرادة واقتناعاتٌ، قد تكون من الدين، وقد لا تكون، لكنها، في كلتا الحالتين، لا تعدم قيمةً لها في المجتمع وعند الناس، ويكون صاحبُها، أي الأديبُ السالكُ، مسؤولا أمام قوانين المجتمع وشرائعه وآدابه وأعرافه، قبل أن يكون مسؤولا أمام قوانين الفن والجمال.

الأديب إنسانٌ مسؤول عن أعماله
الأديب، في الإسلام، إنسان مسؤول عن أعماله، ومنها أدبُه، مثلُه، في ذلك، مثلُ الأستاذ، والطبيب، والمهندس، والبقّال، وغيرِ هؤلاء من الناس والحيثيات والمراتب والمهن والتخصصات. فخاصياته التي تصنفه في دائرة الفنانين لا تُعفيه من واجباته، ولا تشفع له، إن هو قصّر في أداء المهمة المنوطة به، بصفته عضوا حيا في جسم اجتماعي بشري.
ففي إطار المقومات العقدية والتشريعية والأخلاقية، التي يمتاز بها الدين الإسلامي، لا أحد يستطيع أن يقنعنا بأن عمل الأديب مُعفى من المسؤولية والمحاسبة-بما هو سلوكٌ من إنسان مسؤول ومكلف، شرعا وقانونا، وبما هو عملٌ من فنان يتطلب الجمالَ في الأداء والجودة في الإبداع.
في الإسلام، الشرُّ شرٌّ، والخيرُ خيرٌ، والحقُّ حقٌّ، والباطلُ باطل؛ فالفنون، ومنها فنُّ الأدب، لم تكن لتسّوغَ مفاسدَ الأخلاق، وقبيحَ المشاعر والأفعال، ولم توجد لتكونَ فوق القانون، تُستغلُّ لإذاعة أصوات الشذوذ والمروق والعصيان، ونشرِ الفواحش والرذائل والمنكرات. وهل يستطيع أحدٌ-مهما كانت قدرته على الخداع والتلبيس والتدليس-أن يفرق في الإنسان الأديب بين شخصين، أحدُهما محاسَب على فعله وسلوكه، وهو الإنسان العادي، والثاني أكبرُ من المتابعة والحساب، وهو الإنسان الفنان؟ فالشخصان معا يمثلان كيانا واحدا، لا فرق بين أعضائه ومكوناته، والمسؤوليةُ والحسابُ إنما يقعان على الكيان، بصفته كلاّ، وليس فقط على أحد مقوماته أو إحدى صفاته.
وفي هذا الاتجاه نفهم مواقفَ عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، مثلا، بإزاء سلوك بعضِ الشعراء؛ فهو، رضي الله عنه، لم يسجن الحطيئةَ لأنه شاعرٌ فنان، وإنما سجنه لأنه كان يسلك بشعره سلوكا تفرض الشريعة/القانونُ وقواعدُ العدل المعاقبةَ عليه، لأنه سلوكٌ ينتهك حقوق الآخرين، ويسومهم الأذى والحرج.
فالأمر إذن يتعلق بسلوك يجرّمه القانونُ، ويتعارض مع مصلحة المجتمع، والدولة/السلطانُ-وليس الناقد الأدبي-هي المسؤولة عن معالجته بالزجر، أو النفي، أو الحبس، أو غير ذلك من أحكام القانون.
فالأدب الذي يزدري الإسلام، وينتهك المحرمات، ويمتهن كرامةَ الإنسان، ويهبط بالأخلاق إلى حضيض الدناءة والإسفاف، ويكسّر الحواجزَ القائمة بين المقدس والمدنَّس، هو، بالمنظار الإسلامي، أدبٌ قبيح، وإن بلغت صياغتُه الشكلية، ونظمه اللغوي، أقصى درجات الحسن والجمال، لأنه سلوكٌ مخالفٌ للحق وملابسٌ للباطل.
فمن ذا-مِنَ المسلمين طبعا، لأن الملحدَ اللادينيَّ غيرُ معنيٍّ بهذا الكلام-يستطيع أن يثبت أن العمل الأدبي لا يدخل في مدلول لفظة "كلام" في قول الرسول، صلى الله عليه وسلم: "الشعر بمنزلة الكلام، حسنُه كحسن الكلام، وقبيحُه كقبيح الكلام"، وفي قوله، صلى الله عليه وسلم: "كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمرٌ بمعروف أو نهيٌ عن منكر أو ذكر الله"؟ طبعا، لا أحد يستطيع أن يفعلَ، أمّا الملحدون والمنكِرون ممّن لا دين لهم، فهم مستثنوْن من هذا الحكم، لأنهم خارج الدين، يستطيعون أن يقولوا بأهوائهم ما يشاؤون.
وملخَّصُ الكلام في هذه المقالة أن العمل الأدبي، بالمنظور الإسلامي-وأؤكد هنا على هذا المنظور-هو سلوك إنسانيٌّ يمتاز بأنه فني، وقيمتُه بحسب مضامين الرسالة التي يحملها، وأيضا بحسب غايات الاستجابة التي يعبر عنها، فضلا عن قيمته الجمالية. وقد يتفق لهذه القيمة أن تسموَ إلى أعلى الدرجات، وقد يتفق العكسُ، فتهبط إلى حضيض القبح والإسفاف.
وإلى المقالة القادمة إن شاء الله.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.



السبت، 27 أكتوبر 2018

(الأدب الإسلامي) بين القبول والرفض(2/2)


بسم الله الرحمن الرحيم

(الأدب الإسلامي) بين القبول والرفض(2/2)

في الجزء الأول من هذه المقالة تحدثت عن الصنف الأول من الرافضين لـ(الأدب الإسلامي)، جملة وتفصيلا، أي تسميةً ومضمونا، وذكرت أنه يستحيل التواصل مع هؤلاء بأي نوع من أنواع الحوار والنقاش، لأنهم، في آرائهم ومقالاتهم ومواقفهم، "عدميّون" متطرفون إلى أقصى الحدود في التعامل مع الإسلاميّين، إلا أن يكونوا "إسلاميّين" على دينهم الحداثيّ اللادينيّ. وهذه العدميّةُ من هؤلاء ليست مقصورة على مجال الأدب، بل هي عامة تشمل مختلف الفنون، وخاصة فيما له علاقة بالمعتقدات والأخلاق.

رفضٌ مُعَلَّل في حوار أدبي مثمر
أما الصنف الثاني من المعترضين على تسمية (الأدب الإسلامي)، فيشهدُ له خطابُه ولغتُه في النقاش والحِجاج بأن الحوار والتفاعل والتواصل معه ممكنٌ، لأنه لا يعترضُ ولا يرفض من منطلق إيديولوجي أعمى، ومن موقف لاديني جاحد، وإنما هو اعتراضٌ قائم على اعتباراتٍ، منها ما هو شرعي وتاريخي، ومنها ما هو فني ونقدي.
ويمكن أن أمثل لهذا الصنف بالأديب الباحث السعودي الدكتور (مرزوق بن صنيتان بن تنباك)، الذي حاور أنصارَ (الأدب الإسلامي) وناقشهم نقاشا واسعا وغنيا ومفيدا، عموما، وإن كان حادّا ومتحاملا، في بعض الأحيان، في بعض ما قال وكتَب في نقاشه، لكنه لم يجرح العواطفَ والمشاعر، أو يتطاول على المعتقدات والمقدسات، بل إنه ناقش واعترض ورفض من داخل الدائرة الإسلامية، اعتقادا وأحكاما وأخلاقا، وتاريخا وأدبا ونقدا.
وقد نتج عن حوار الدكتور بن تنباك مع الدكتور وليد قصاب، وهو عضو في رابطة الأدب الإسلامي العالمية، وأحدُ أعلام الأدب الإسلامي الحديث، مادةٌ أدبية نقدية مهمة نُشرَت، باسم المتحاورَيْن، في كتاب بعنوان "إشكالية الأدب الإسلامي"، ظهر في طبعته الأولى سنة 2009، عن دار الفكر بدمشق.
أذْكر هنا أن تمثيلي بالدكتور مرزوق بن تنباك إنما هو للوقوف على نموذج من نماذج الحوارات الأدبية النقدية، التي اشتهرت، منذ تأسيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية، بين أنصار الأدب الإسلامي ومناوئيه. وليس من غاية هذه المقالة أن تتحدث بتقصّ واستفاضة عن شبهاتِ الرافضين المُعترضين وما ردَّ به المؤيدون المدافعون، لأن هذا الموضوعَ-أقصد شبهاتِ الرافضين وردَّ المؤيدين عليها-قد كُتب فيه الكثير، بين مختصَرٍ مُركَّز ومطَوَّل مُفصَّل، وهذه الكتابات منشورة وميسَّرة لكل طالب باحث ومتابِع مهتمّ. مثلا، يمكن مراجعةُ المئات من العناوين المتعلقة بموضوع الأدب الإسلامي، إبداعا ونقدا، في الجزء الأول من (دليل مكتبة الأدب الإسلامي في العصر الحديث)، الذي أعده الدكتور عبد الباسط بدر، والذي صدرت طبعته الأولى سنة 1426هـ/2005م، عن مكتبة العبيكان، بالرياض.
لكن الذي يجب تسجيلُه هنا هو أن أنصار الأدب الإسلامي قد كتبوا ما لا يُحصى من المقالات دفاعا عن اختيارهم، وشرحا وتوضيحا واحتجاجا وتبريرا لحقِّ وجود كائن اسمه (الأدب الإسلامي)، ونشروا، كذلك، خلال ثلاثة عقود، العديد من الكتب والدراسات الأدبية والنقدية في مجالي التنظير والتطبيق، فضلا عن الأبحاث والأطاريح الجامعية، في الاتجاه نفسه، مُنظّرين ومدافعين ومُحاجّين، حتى ملُّوا من كثرة الردّ؛ يقول الدكتور عبد القدوس أبو صالح، وهو اليوم رئيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية، في أحد حواراته الصحفية: "نحن مَلِلْنا من كثرة ما ردّدناه في وسائل الإعلام المختلفة حول التهم والشبهات التي أثارها معارضو الأدب الإسلامي..."[من حوار منشور في موقع (لها أون لاين)، بتاريخ 27 جمادى الآخرة 1429هـ//02 يوليو 2008].
أما خصومُهم، فلا نعثر لهم إلا على آراءٍ ومقالاتٍ مبعثرة هنا وهناك، لا تُسعف الباحثَ في الوقوف على حقيقة آرائهم وحقيقةِ الأسس الأدبية والنقدية التي بنَوْا عليها اعتراضَهم ورفضهم. وقد أشرت، في الجزء الأول من هذه المقالة، إلى أن أصحابَ الموقف الإيديولوجي المتطرف، ليس عندهم إزاء "فكرة" الأدب الإسلامي وأصحابها إلا الرفض القائم، في جوهره، على رفض الدين بما هو دعوةٌ تشمل الحياةَ والإنسان والمجتمع، وبما هو عقائد وشرائع وأخلاقٌ تخصُّ الإنسان، في خاصة نفسه ودخيلة عواطفه وقناعاته، كما تخصّه في علاقاته مع الناس، في مجتمعه، وفي العالم الذي يعيش فيه، كما تخصّه في إيمانه وعمله، في معتقده الباطني وسلوكه الخارجي، في حاجاته الروحية والمادية، في شؤونه الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والتربوية والفنية، أي في جميع مناحي وجوده الروحي والمادي، وجميعِ تجليّات هذا الوجود في الدنيا حياةً، وفي الآخرة بعد الممات.
قلت لقد نَشر أنصار الأدب الإسلامي، على الأقل منذ تأسيس الرابطة إلى اليوم، كمّا هائلا من الكتابات، في الردّ على دعاوى الخصوم وشبهاتِهم وتخوفاتهم وانتقاداتهم، وقد تراوحت ردودهم بين المقالات الإنشائية القصيرة والبحوث الأكاديمية المتعمقة المستقصية المعتمدة على لوائح طويلة من المصادر والمراجع والشهادات والمقالات، لتفنيد مزاعم الخصوم، وتثبيت رؤيتهم وتقوية حجتهم.
ولست أشك في أن الذين قرأوا هاتِه الكتابات وتابعوها، الواحدة تلو الأخرى، وتأملّوها ووقفوا عندها بما تفرضه الدراسةُ الجادة والبحث الموضوعي، قبل إصدار أيِّ حكم أو اتخاذ أي موقف، يمثلون قلة القلة، بل أكاد أزعم، بحكم ما وقفت عليه من كتاباتِهم المنشورة، على ندرتها، أنهم يُعدّون على رؤوس الأصابع.
وهذا هو المؤسف حقا؛ أحكامٌ ومواقف واتهامات بناء على ماذا، إن لم تكن بناء على تتبع وبحث واهتمام، وبناءً على قراءة علمية متأنية، وفحص علمي موضوعي؟ وأين الرافضون المعترضون من كل هذا؟ وأين هم من الدراسة العلمية والتتبع الموضوعي؟
وأوضّح لقارئ هذه السطور أني لا أقول هذا في حق رافضي الأدب الإسلامي ومناوئيه، لأني من أنصار هذا الأدب. كلاّ، أنا أقول ما أقوله في حق هؤلاء الرافضين الإيديولوجيّين المتطرفين، لأني أرى-ومقالاتُهم وتصريحاتُهم بين يدي- أن موقفهم لا علاقةَ له بالموضوعية والإنصاف، بل لا علاقة له أصلا بالعلم وقواعده وأخلاقه، والبحثِ وأدواته ومعاييره. إني أنتقدهم لهذا أساسا، أما موقفي أنا من الأدب الإسلامي ومقالات أنصارِه، فسيظهر، شيئا فشيئا، في أثناء مقالاتي القادمة إن شاء الله.
وأرجع، بعدَ هذا الاستطراد، إلى مثال الدكتور مرزوق بن تنباك. فهذا الباحث واحدٌ من القلائل، الذين كتبوا ما كتبوا عن الأدب الإسلامي عن معرفة وتتبع وقراءة واعية فاحصة ناقدة، لا عن هوى إيديولوجيّ، أو عَداء مُبيَّت، أو عصبيّة عمياء.
لقد ذكرت أنه اشترك مع الدكتور وليد قصاب، أحدِ أعلام رابطة الأدب الإسلامي العالمية، في إصدار كتاب (إشكالية الأدب الإسلامي)، سنة 2009، الذي ضم دراسةً لابن تنباك عرضَ فيها رأيه بشيء من التفصيل تجاه "مصطلح" الأدب الإسلامي، وضمَّ أيضا عرضا للدكتور وليد قصاب، يردّ فيه على أبرز الانتقادات والشبهات والاعتراضات التي وردت في دراسة الدكتور بن تنباك.
ولا بد أن أذكر هنا أن مشاركة الدكتور بن تنباك في هذا الكتاب "الحواري" لم تكن المرة الأولى التي يكتب فيها بن تنباك في هذا الموضوع، لأن موقفه من "مصطلح" الأدب الإسلامي قديم، عبر عنه في مقالة مطولة نشرها في مجلة (الدارة) السعودية الفصلية قبل صدور الكتاب المشرك مع الدكتور قصاب بحوالي سبع عشرة سنة.[نُشرت هذه المقالة بعنوان "مصطلح الأدب الإسلامي"، في العدد الثالث، السنة الثامنة عشرة، ربيع الثاني/جمادى الأولى/جمادى الثانية، 1413هـ(1992م)، ص75-121.]
الدكتور بن تنباك، في كتاباته وحواراته، لا يرفض الأدب الإسلامي جملة وتفصيلا، كما يفعل أصحاب الإيديولوجيا اللادينية المتطرفة، وإنما اعتراضُه يتركز على التسمية/المصطلح؛ يقول في هذا المعنى: "الاعتراضُ كان على مبدأ تصنيف الأدب إلى إسلامي وغيره، وقد كان رأيي ينطلق من هذا المعنى(...)لم أنظر للمضمون، لأن المضمون في الأدب يعبر عنه في جملته وضمن المعنى العام. وقد وُجدت المعاني والمضامين الإسلامية وغير الإسلامية منذ القدم، ولم يعترض النقاد على الاتجاهات أيا كان موضوعها، وإنما التصنيف هو موضوع الاعتراض(...)إنني لا أصادر حق المبدعين في مضامين الأدب ورسالته الإنسانية إن كان محتواه يحمل رؤية إسلامية..."[جريدة (الشرق الأوسط)، الملحق الثقافي، الاثنين، 17 رجب 1437هــ//25 أبريل 2016م.]
يلخص لنا الدكتور بن تنباك، في الجزء الأول من كتاب (إشكالية الأدب الإسلامي)، أسباب رفضه لمصطلح الأدب الإسلامي في ثماني نُقط:
الأولى: المصطلح خروجٌ على كل ما أقرته الأمة الإسلامية وقبلته من فنون الآداب، ولم يكن للمصطلح مسوغ شرعي أو نقدي، ولم يُعرف مثله في تاريخ الآداب الإنسانية والعربية والإسلامية.
الثانية: المصطلح يعلن الأسسَ الطائفية والمذهبية في الأدب، الأمر الذي لم يسبق مثله في كل العصور وفي كل الأمصار، ولا يمكن إقرارُ مثل هذه الطائفية الأدبية.
الثالثة: قتلُ ملكات الإبداع لدى الشباب بما يسمّونه الالتزام، وتحديدُ أطر ضيقة للشعر والنثر لا يتجاوزها المبدع إلى غيرها من فنون الأدب كلها إلا ما يسمونه الاتجاه الإسلامي، وهو اتجاه يخصصُ شمول الإسلام برؤية ضيقة محدودة.
الرابعة: تضييق دائرة المباح أمام الناس، بينما القاعدة الشرعية تنص على أن الأصل في الأشياء كلها الإباحة.
الخامسة: حمل الناس على محامل الشك، وتلمس الأخطاء وتفسيرُها بسوء الظن، وتصنيفُ عامة المسلمين في الحاضر والماضي إلى أصناف لا يقبلون منهم إلا صنفهم وحده.
السادسة: التشويش على الماضي الذي لا يوافق منهجهم، والتوجه إليه بالتزييف والتجريح مهما كان معناه، ومهما كان حظ قائله من العلم والفقه والتقوى.
السابعة: حمل الناس في الأدب والدين على رأي محافظ ضيق الأفق أحادي النظرة، شديد التزمت والانغلاق، بعيد عن سماحة الإسلام وسعة رحمته بالناس، والهوس النفسي بتزكية الرؤية الخاصة وعدَّها الصواب وغيرها الخطأ.
الثامنة: أثبتت التجربة الإبداعية عند أدباء هذا المنهج فشلَها، وتحجّر معانيها، وضعف قدرتها على القيام بأدنى درجات القبول الفني فيما قدموا من صور الإبداع الفني في الشعر والنثر.
لقد كان اعتراض الدكتور مرزوق بن تنباك على "مصطلح" (الأدب الإسلامي) قائما، أساسا، على رفض تصنيف الأدب إلى أدب إسلامي وأدب غير إسلامي، حيث وصف هذا التصنيف بأنه بدعة، وأن أصحابه يبنون رأيهم على تقديم النظرية على التطبيق، أي أنهم ينظّرون لأدب لمّا يوجدْ، على أمل أن يوجد مستقبلا وفق الحدود المرسومة، والنظرية السابقة.
ومما له علاقة بتقدم النظرية على التطبيق موضوع "الالتزام" في الأدب؛ وهو موضوع، عند المعترضين على مصطلح (الأدب الإسلامي)، يحدّ للأديب حدودا، ويفرض عليه الالتزام بها وعدمَ تعدّيها، وهو ما يخنق الإبداع، بل قل يضيق عليه واسعا، ويحرم عليه مباحا.
ومن انتقادات المعترضين على التسمية/المصطلح أن خطاب أنصار المصطلح تغلب عليه العاطفة، وليس يستند إلى حجج قوية من الدين والتاريخ والسلف وقواعد الفن والإبداع.
ومن هذه الانتقادات أن أنصار المصطلح ينجرّون، في كثير من آرائهم، إلى الحكم على مَطويات ضمائر السالفين والخالفين، وتصنيفِهم، على ضوء المعايير التي وضعوها، وهي تصنيفاتٌ قد يكون فيها كثير من الرجم بالغيب، والتطاولُ والجرأة على الأعراض، والنبشُ في السرائر، والتشكيكُ في المقاصد والنيات المغيَّبة، فضلا عما يكون في هذا التصنيف من تحقير وانتقاص لأقدار الناس.
ومما يأخذه المعترضون على مُناصري مصطلح (الأدب الإسلامي) أنهم يردون الروايات التاريخية المتواترة، ويشككون في الأخبار التي تسير على غير هواهم، بل ومنهم من يرفض أو يشكك أو يتأول تأولا بعيدا، وبغير موجب قوي، ما أقره الرسول، صلى الله عليه وسلم، وصحابتُه ومن سار على نهجهم من التابعين وأخبار سلف الأمة.
ويرى المعترضون أنه، في مجال التجريب والتطبيق والإنجاز الإبداعي، تبدو حصيلة الأدب الإسلامي، هزيلة في موازين الفن والإبداع، رغم مرور عقود على بداية التنظير، وبالتحديد منذ الإعلان عن تأسيس رابطة الأدب الإسلامي العالمي سنة 1984.
في الجزء الثاني من الكتاب المشترك، ردٌّ للدكتور وليد قصاب على اعتراضات الدكتور بن تنباك، ومناقشةٌ لأهم ما أورده من شبهات.
 في المقالة القادمة، إن شاء الله، قضيةٌ أخرى من القضايا المتعلقة بموضوع (الدين والأدب).
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.




السبت، 20 أكتوبر 2018

(الأدب الإسلامي) بين القبول والرفض(1/2)


بسم الله الرحمن الرحيم

(الأدب الإسلامي) بين القبول والرفض(1/2)

هناك اليوم، في الساحة الأدبية والنقدية، وكذلك في الساعة الفكرية، نقاش حول (الأدب الإسلامي)، حول التسمية والاصطلاح والمفهوم. وهذا النقاش ليس محصورا بين أنصار الأدب الإسلامي وبين خصومهم، بل نجده موجودا داخل معسكر المؤيدين أنفسهم.
الخوض في تفصيلات هذه النقاشات والصراعات والجدالات القائمة بين مؤيدي الأدب الإسلامي وخصومهم، أو بين المؤيدين أنفسهم، في تقديري، لا يفيدنا شيئا كثيرا، فضلا عن أنه لن ينتهي بنا إلى نتيجة ذات وزن، ما دام النقاش والجدال محصورا في الجوانب النظرية والإيديولوجية، وما دام لكل طرف من الأطراف المشاركة في هذا النقاش والجدال دوافعُه وقناعاتُه وأهدافه التي تفرض عليه أن يستمر في الحِجاج والتدافع، وفي بعض الأحيان، أن يشتدَّ في الخصام، لا يَلين ولا يُظهر ميلا لاعتدال أو موقفٍ وسط.
وما يمكن تسجيله في هذا الباب، وهو من المعطيات الثابتة التي لا سبيل إلى إنكارها أو التشكيك فيها، هو أنه لم يكن هناك أيُّ اختلاف بين النقاد، ولا أيُّ انقسام وسط الباحثين والدارسين، في شأن اصطلاح أو تسمية (الأدب الإسلامي)، حينما كان مفهومُ النعت الإسلاميّ مقصورا على المفهوم الزمني المنقطِع، الذي يحصر زمان الأدب الإسلامي بين زمان المخضرمين وزمان المحدَثين، كما هو مشهور في التقسيم الذي وصلنا عن القدماء بخصوص العصور الأدبية. وما تزال، إلى اليوم، كثيرٌ من جامعاتنا تدرّس مادة (الأدب الإسلامي) بتحديد الفترة الزمنيّة في عصر صدر الإسلام، أي في عصر النبوّة والخلافة الراشدة، وهناك من يجعل هذه الفترةَ تمتد لتشملَ العصرَ الأمويّ.
لم يبدأ الخلاف والانقسام بين الأدباء والنقاد والدارسين المحدثين حول تسمية (الأدب الإسلامي)، إلا بعد أن تجاوز مفهومُ العبارة/التسمية الدلالةَ الزمنيّة للعبارة، وأصبح يُحيل على الإسلام، بما هو قرآن وسُنّة، وبما هو إيمان وشرائعُ والتزامٌ ودعوة ونضال، وبما هو أحكام وواجبات وحقوق والتزامات وأخلاق وآداب.
قبل الإعلان عن تأسيس (رابطة الأدبي الإسلامي العالمية)، في سنة 1984، لم يكن هناك نقاشٌ ذو بال حول (الأدب الإسلامي)، وإن كان هناك صراعٌ إيديولوجيٌّ حادّ وخصامٌ فكري محتدم بين "الإسلاميّين"، من جهة، وبين "اللادينيّين"، بكل ألوانهم ومشاربهم وتوجهاتهم، من جهة أخرى.
نعم، كانت هناك كتاباتٌ تَظهر بين الحين والآخر، وخاصة في شكل مقالات ودراسات قصيرة، في بعض الجرائد والمجلات، تناقش موضوع إسلاميّة الأدب وموضوعَ الإسلام والفن بصفة عامة، في ظروف سياسية واجتماعية كان يطغى فيها الصوتُ "اللادينيّ" المناوئ للإسلاميّين، تتقدّمهم حركةُ (الإخوان المسلمون)، في مصر وخارجها.
لكن حدّة الاعتراض على (الأدب الإسلامي) ستزداد-بل سيصبح الرفضُ والاعتراضُ والاتهام هو الأصل والمَقصِد في مواقف الخصوم اللادينيّين- حينما ستتحول الأماني والرغبات المتعلقة بالأدب الإسلامي مِن مجرد مقالات في ثنايا بعض المنشورات ذاتِ الانتشار المحدود، ومِن مجرد خطابات وطموحات يعبَّرُ عنها في بعض المحافل واللقاءات، إلى رابطةٍ عالمية، لها أهدافها ومبادئها، وإلى منظمة إسلامية لها قانونها الأساسيّ، ولها هيئاتٌ ومجالس ومكاتب، محليةٌ ومركزية، للتشاور والتداول والتقرير، وإلى مِنبرٍ مسموع وآلياتٍ إدارية وإعلامية للدعوة وللتواصل والنشرِ على نطاق واسع.
يقول الدكتور حسن الأمراني-وكان يومها عضوا بمجلس الأمناء برابطة الأدب الإسلاميّ العالمية-في التقديم الذي كتبه، في شتنبر1991م//ربيع الأول 1412هـ، لـ(دليل الأدب الإسلامي في العصر الحديث)، الذي أعدّه الدكتور عبد الباسط بدر: "في أقل من عشرين سنة، صار للأدب الإسلامي مريدوه، كتّابا وجمهورا، ووجد طريقَه إلى القلوب، وصار، في نظر الخصوم، يمثل-على الأقل-ظاهرةً أدبية من الصعب تجاهلُها. وتوالت الكتابة في الأدب الإسلامي، إبداعا ودراسة، وظهرت-لأول مرة-مجلاتٌ متخصصة للأدب الإسلامي، فظهرت (المشكاة) بالمغرب، ثم تبعها (الأدبُ الإسلامي) بالهند، ثم مجلة (الأدب الإسلامي) في تركيا، وبدأت تتحقق عالميةُ هذا الأدب عموديا وأفقيا، ودخل الأدب الإسلامي الجامعاتِ، وأصبحت تُنجز بحوث ورسائل وأطروحات تتناول هذا الأدب، مما جعل وجودَ دليل لمكتبة الأدب الإسلامي ضرورةً ملحَّة".
مِن الكتابات التي ظهرت قبل تأسيس (رابطة الأدب الإسلامي العالمية) أذكر، على سبيل المثال، كتابَ السيد قطب (النقد الأدبي أصوله ومناهجه)، وخاصة في طبعته المتأخرة، التي عرفتْ بعض الزيادات والتعديلات، مقارنة بالطبعة الأولى، وكتابَ الأستاذ محمد قطب (منهج الفن الإسلامي)، وكتاب الدكتور نجيب الكيلاني (الإسلامية والمذاهب الأدبية)، وكتاب الدكتور عماد الدين خليل (في النقد الإسلامي المعاصر).
إذن، الأدب الإسلامي، بعد تجربة سنوات من التنظير والإبداع والنقد والنشر، بات، في عين خصومه، في أضعف التقديرات، "ظاهرة أدبية يصعب تجاهلها"، بعد أن كان وجودُه في الستينيات والسبعينيات، وكذلك بعض سنوات الثمانينيات، من القرن الماضي، لا يتعدى حدود الأماني والكتابات الإنشائية الطامعة الطامحة.

فيمَ الخصامُ والجدالُ؟
يمكن تصنيفُ الرافضين للأدب الإسلامي، كليّا أو جزئيا، إلى فريقين: الرافضين من منطلَق إيديولوجيٍّ لادينيّ، يغلب عليه التطرفُ في كثير من الأحيان، والرافضين بدافع يغلب عليه الجانبُ الأدبي النقدي الفني، أي أنهم لا يرفضون من أجل الرفض، كما هو حال أصحاب الإيديولوجيا اللادينية، وإنما يُقدّمون بين يدي رفضِهم تعليلاتٍ وتفسيرات ومبررات لها أصلٌ، أو ما يُشبه الأصل، في الأدب ونقده.

رفضٌ إيديولوجيٌّ لادينيّ
الملاحَظ على هذا الصنف مِن الرافضين أن آراءهم في موضوع الأدب الإسلامي لا نجدها إلا كلمةً هنا وهناك، وتصريحاتٍ مقتضَبة مبعثرةً في هذا الحوار أو ذاك، وإشاراتٍ مختصرةً مبثوثةً في كلام على هامش لقاء، أو في مقالة مضمومة إلى مقالات أخرى في هذا المنشور أو ذاك المطبوع. وهذه الصورة التي تظهر بها آراءُ هؤلاء الرافضين إنما هي، في تقديري، دليلٌ على أنها آراءٌ لا تستند إلى أساس نقديٍّ علميٍّ قائمٍ على البحث والتحري والتتبع والاهتمام، وأن أصحابها لم يُكلِّفوا أنفسهم أن يعرفوا حقيقةَ الموضوع الذي يَحكمون فيه، ولا أن يقرأوا أدبياتِ هذا الخصم الذي ليس له عندهم إلا الرفضُ والاتهامُ والإنكار. وقد يتعذّر على الباحث أن يجد لهؤلاء دراسةً جادة منشورةً، تعتمد قواعدَ البحث الأكاديميّ، أو كتابا مطبوعا ينمّ على مجهودٍ معتَبر في البحث والنقاش والحِجاج، وإنما الأمر، باختصار، كلامٌ إنشائيّ مُلقىً على عواهنه، تحكُمه العداوة الإيديولوجية العمياءُ، وتستدعيه أهدافٌ لا علاقة لها بالأدب والنقد، ولا بالحوارات الفكرية الجادة، والنقاشات الفنية المعقولة المقبولة.
مِن الكتب القليلة المطبوعة التي وقفت عليها لهؤلاء الرافضين المتطرّفين كتابُ الدكتور سعيد علوش (نقد المركزية العقائدية في نظرية الأدب الإسلامي)، الصادر عن دار أبي رقراق للطباعة والنشر، بالرباط، 2002. وهو كتاب قائم، من أوله إلى آخره، على الاختلاقِ والتلفيق والاتهامات الباطلة والأحكام الجائرة المنحطة في حق الأدب الإسلامي ومؤيّديه والمدافعين عنه، مِن الكتّاب والنقاد والأدباء. كتابٌ يجري على لغة هي أقربُ إلى السباب الدنيء وفجورِ السوقة والعوّام في الخصام منها إلى لغة العلم والنقد والأمانة والموضوعية. كتابٌ، في تقديري، لا علاقة له بموضوع النقد والأدب، ولهذا لم أرد أن أثقل على القارئ بالوقوف عنده.
هذا هو حال المعترضين على (الأدب الإسلامي)، لأسباب إيديولوجية؛ فهم، في غالبيتهم، ينتمون إلى التيار اللاديني-وهو تيار يجمع الملحدين الأقحاح إلى جانب المسلمين المتذبذبين المتشككين والغافلين اللاهين-ومن ثَمّ فهم يرفضون هذا الأدب، لأنه يحيل على الدين، الذي يعتقدون-طبعا بمنظارهم الإيديولوجي-أنه والفن ضدان متعاديان متنافران لا يلتقيان.
وأسوق فيما يلي مثالا على مقالات هؤلاء الرافضين اللادينيّين المتطرّفين الحاقدين، التي لا علاقة لها بالبحث البناء، والنقد الموضوعي، والكلام المسؤول.
فهذا محمد بنيس، أحد أعلام "الحداثة"، الذين رفعهم الإعلامُ اللادينيّ إلى مصاف المشهورين-وأيُّ شهرة؟ وأيُّ حداثة؟ وأيُّ إنتاج؟ وأيُّ شعر؟!!-يصف، في مقالة له بعنوان "أولياءُ بدون ولاية"، الدعوةَ إلى الأدب الإسلاميّ بأنها "حركة يؤلِّف أصحابُها كتبا يدعون فيها إلى أدب المؤمنين، تمييزا له عن أدب الكافرين، المفسدين، المغضوب عليهم"[لاحظ الطّنْزَ والكلامَ اللامسؤول](ص124)، ويُسمّي دعاةَ الأدب الإسلامي "أولياء بدون ولاية"(نفس الصفحة)، "وهمْ من مظاهر المرحلة الحالية، في الثقافة العربية، التي تتخلى عن القيم الكبرى للحداثة"(ص125) ، ويصف الدعوة إلى أدب إسلامي بأنها "ردّ فعل جاهل بالأدب، وبالأدب العربي، وبالثقافة العربية..."(ص126)، و"أن أهل الأدب الإسلامي خارجون عن الأدب. وبخروجهم أعفونا من النقد والنقاش والسجال. إنهم من أهل اللاأدب". وينتهي، في آخر المقالة، إلى أن دعاة الأدب الإسلامي "جاؤوا إلى الثقافة العربية والأدب العربي من خارجهما. والذي يجعل من نفسه الأديبَ الإسلاميَّ في العالم العربي ليس صديقَ الأدب، ولا صاحبَه، ولا قريبه، ولا حليفه، ولا ناصحه. إنه من خارج الأدب يتكلم، جاهلا بأسس ومعرفة، ونحن ساكتون."(ص128)
هذه المقالة منشورة في كتاب "الحداثة المعطوبة" لمحمد بنيس. وهذا الكتاب عبارةٌ عن مقالات وخواطر وكتابات إنشائية، جُمعت بالإكراه تحت عنوان "حداثي"، وطُبعت في صورة كتابٍ، في رأيي وتقديري وتقويمي، لا تُرجى منه فائدة، بميزان الفن والأدب والنقد؛ وهل من فائدة في الهذر؟ وهل الثرثرةُ شيءٌ غيرُ اللغو والهَباء؟
 لاحظْ، في هذه المقتطفات، أولا، هذه الجرأةَ في الحكم على الآخر، وهذا التعالمَ والأستاذيّةَ المزيّفةَ في النظر إلى مخالفيه ممّن اختاروا غيرَ اختياره، واجتهدوا في غير سبيله، واستندوا إلى غير مرجعيّته وهواه. ولاحظْ، ثانيا، مستوى هذه اللغة والتعابير التي يصوغ بها ضغائنه وسخائمَ صدره، التي تنزل، في أحيان كثيرة، إلى مستوى الكلام الركيك.
سئل مرة عن الأدب الإسلامي فأجاب بأنه "دعوةٌ إيديولوجية عمياء ومتعارِضة مع جوهر الأدب"[من حوار أجرته معه "طنجة الأدبية"، حاوره يونس إمغران، 12 أبريل2010].
"رمتني بدائها وانسلّتْ"، مثلٌ عربيٌّ يُضرب لمَنْ يسبق إلى تعْيير خصمِه بعيْب هو أولى بأن يُعَيَّر به.
هل يُعقل أن يصدرَ مثلُ هذا الجواب مِن رجل يزعم أنه "شاعر"، وأنه "منفتِح"، وأنه من أهل العاطفة والذوق والوجدان؟
"شاعر حداثيّ"، عند نفسه، وفي الأبواق الحداثيّة الصاخبة الهائجة المائجة، لسانُه حديدٌ ونارٌ على الإسلاميّين من أهل المسجد، وقلبُه حنانٌ ورقةٌ و"شاعريةٌ" ناعمةٌ فياضةٌ للخمر، أمِّ الخبائث، وبالطبع، لشرّابها من روّاد الحانات، بالليل والنهار؛ اقرأوا ما كتبه في مقالة بعنوان "الشعرُ والحبّ والنبيذ"[(القدس العربي)، 12 أبريل2013].
وهذا مثال آخرُ من مقالةِ كاتبٍ لادينيٍّ مغمور، لا يزال يسعى ويجتهد في السعي، ليصبح مشهورا، على طريقة مثالِه الأعلى، الذي لا يفتأ يدافع عنه، وهو أدونيس وأمثالُه من الملحدين المناضلين المحترِفين.
اسم هذا الكاتبِ محمد بودويك، ولا عجبَ أن يكون مُصنَّفا في "الشعراء"، لأن الشعر في هذا الزمان بات حِمىً مستباحا لكل مَن هبّ ودبّ، يدّعيه هيُّ بنُ بيّ، وطامرُ بنُ طامر، وصَلْمعة بنُ قلْمعة، وأمثالُهم مِن المجاهيل، ما دام الأمر فوضى، والباب مُشْرَعا يدخله كلُّ من شاء، بلا قواعد، ولا مقاييس، ولا مفاهيم، ولا أهداف.
فعند هذا الرجل، "إضافةُ الأدب إلى "الإسلامي"، معناه تديِينُه، وإلباسُه جبّة الداعية، ووضعُ سبحة "النظم" والوعظ في يده، وقسرُه على أن يكون "بوقا" زاعقا للدين، ومشروطا-حتما-بالمناسباتية، ومنسلكا-بإجمال-في العرض والطلب. من هنا، تفطّن الأصمعيُّ بنباهة الناقد الحصيف، إلى معاني هذه الحقائق، لمّا اعتبر أن "الشعر شر بابه النكد إذا دخل باب الخير لاَنَ"..."[مقال بعنوان (الأدب والدين) منشور بالجريدة الإلكترونية المغربية (هسبريس)، بتاريخ 9 ماي 2018]
وقد نقل السيد بودويك كلامَ الأصمعي محرَّفا؛ وأذّكِر هنا، باختصار شديد، أن هناك روايتين مشهورتين لكلام الأصمعيّ، الأولى هي التي اعتمد عليها الكاتبُ، ونصها الأصليُّ، بلا تحريف: (الشعر نكد بابه الشرُّ، فإذا دخل في الخير ضعف)، وهي رواية ابن قتيبة في (الشعر والشعراء)(ج1/ص305)، والثانية هي رواية المرزباني في (الموشَّح)، وهي مختلفة في صياغتها ومضمونها عن رواية ابن قتيبة. وقد حقق الدكتور صالح أزوكاي في الروايتين، وانتقدهما، سندا ومتنا، بطريقة علمية موضوعية، وانتهى إلى ترجيح رواية المرزباني، التي لا يُفهم منها قطعا ما نفهمه من رواية ابن قتيبة؛ وهذا نصُّ رواية المرزباني: (حدثني عبد الله بن يحيى العسكري، قال: حدثني إبراهيم بن عبد الصمد، قال: حدثنا الكراني، قال: حدثني العباس بن ميمون طابع، قال: حدثني الأصمعي، قال: طريقُ الشعر إذا أدخلته في باب الخير لاَنَ؛ ألا ترى أنّ حسان بن ثابت كان علا في الجاهلية والإسلام، فلمّا دخل شعرُه في باب الخير، مِن مراثي النبي صلّى الله عليه وسلم وحمزةَ وجعفرٍ رضوان الله عليهما وغيرهم، لان شعرُه. وطريقُ الشعر هو طريق شعرِ الفحول، مثل امرئ القيس، وزهير، والنابغة، من صفات الديار والرّحل، والهجاء والمديح، والتشبيب بالنساء، وصفةِ الحمر والخيل والحروب والافتخار؛ فإذا أدخلته في باب الخير لاَن."(ص71).
هذا فيما يخصّ لفظَ رواية كلامِ الأصمعي وصحةِ نسبةِ هذا الكلام إليه. أما الاستشهادُ بالأصمعي، فهو استشهادٌ إيديولوجيٌّ لا علاقة له بالنقد الأدبي الفني، لأن الأصمعيَّ كان مشهورا بأنه من رواة اللغة وغرائبها ونوادرها، وكان هواه-مثلُه مثلُ غالبية الرواة من جيله-مع القديم؛ قال الجاحظ: "طلبتُ علمَ الشعر عند الأصمعيّ فألفيته لا يعرف إلا غريبه..."[الكشف عن مساوئ شعر المتنبي، للصاحب بن عباد(إسماعيل بن عباد، ت 385هـ)، ص31].
وقال السيد بودويك في موضع آخر من مقاله: "تنبغي الإشارة إلى أن "فرية" الأدب الإسلامي، نادى بها السيد قطب، ومصطفى صادق الرافعي في ما كتبوا ونظموا، ودبجوا. وتبعهم نجيب الكيلاني وغيره كثير، إلى أن طرحت الفكرة على بساط الجد والدعوة، والإيديولوجية العارية في منتصف القرن العشرين، فالتأم جمع الدعاة إلى هكذا "أدب"، فيما سموه بـ "رابطة الأدب الإسلامي العالمية"...".
ويشهد هذا الكلامُ على صاحبِه بأنه لا يملك معلومات صحيحة عن الموضوع الذي يتكلم فيه، فكيف يمكن إصدارُ أحكام موضوعية ومُنصِفة استنادا إلى معلومات غيرِ صحيحة؟ وكيف يمكن بناءُ استنتاجات مُعتبرَة ومقبولة على مقدمات مختَلقَة أو محرَّفة أو متخيلة؟ فهو يذكر هنا، مثلا، أن تأسيس (رابطة الأدب الإسلامي العالمي) كان في منتصف القرن العشرين، وهو خطأ يؤكد أن صاحبه لا يعرف عن هذه الرابطة إلا التخرّصات الناجمةَ عن التخيّلات والأوهام والإشاعات، ولا علاقة لها بالبحث العلمي والتحري الموضوعي والقراءة الفاحصة الناقدة المتتبعة.
ويختم مقاله بقوله: "لا يوجد أدبٌ إسلاميّ، ولا أدبٌ مسيحي، ولا أدب يهودي، ولا بوذي، ولا زَرادُشْتي...كدت أقول: بدأ الأدبُ وثنيا وسيظل، أيْ "لا َدينيا"، وتلك ميزته وتفرده.".
وهذا بيتُ القصيد من كلامه: "بدأ الأدبُ وثنيا وسيظل، أيْ "لا َدينيا"، وتلك ميزتُه وتفرّدُه."!!
وأختم هذه الأمثلةَ من مقالات الرفض الإيديولوجيّ المتطرف للأدب الإسلامي بمقتطف ممّا أجاب به سعيد عيوش حينما سئل عن التحفظ الذي كان منه على تسمية الأدب الإسلامي في كتابه (نقد المركزية العقائدية في نظرية الأدب الإسلامي)؛ قال: "تصوّرْ أن مائة سنة التي قضاها العربُ في النهضة، وفي البحث عن وسائل النهوض بالأدب العربي، ولم يتوصلوا رغم ذلك إلى نظرية عربية محضة، نجد دعاة الإسلاموية[تأمل هذه الصياغةَ وما تختزنه مِن شحنات إيديولوجية] يتوصلون إلى نظرية في عَقدين، تحت تسميّة نظرية الأدب الإسلامي. هل هذا يسمى نظرية؟ هذه النظرية دون مرجعية، أتحدّى أصحابَ هذا التوجه أن يقدّموا مرجعية أكاديمية أو جامعية، بل كل ما قاموا به مجرد تجميعات عقائدية، وأظن أنها دون المستوى الأكاديمي، بل تخدم توجهات إيديولوجيا وظرفية محددة".[من حوار مع جريدة (الخبر) الجزائرية، في29 ماي 2014.]
"التحدي"، و"تبريق العينين"، و"الجبهة" في الدفاع عن الباطل، فضلا عن الفجور في الخصام، خصالٌ ثابتةٌ في سلوك معتنِقي الإيديولوجية اللادينية المتطرفة.
هذا الصنفُ من الرافضين للأدب الإسلامي، في اعتقادي، لا مجال معه للنقاش والحوار والتواصل، لأنه ينطلق من موقف إيديولوجي "عدمي" تجاه الإسلام وكلِّ ما يتعلق به من معتقدات وتصورات وأحكام وأخلاق وآداب. ويضم هذا الصنفُ أخلاطا من الناس-مِن الملحد المناضل عن اعتقاد واقتناع إلى المسلمِ الغافل اللاهي المتّبِع عن تقليد وإمّعيّة-تجمعهم رابطةُ اللادينية، حيث العداوة للدين، وحيث كل الوسائل مباحة في هذه العداوة، بما فيها الاختلاق والتزوير والافتراء والرجم بالغيب، للطعن على الدين، والتشكيك في نوايا المتديّنين، والطعن على معتقدهم، وتناول مقالاتهم وسلوكاتهم ومساعيهم بالتشويه والاتهام.
فموقف هذا الصنف من المعترضين المناوئين لـ(الأدب الإسلامي)، في اعتقادي، بعيدٌ أن يوصفَ بأنه رأيٌ واجتهاد ونظرٌ من زاوية مختلِفة، وإنما هو رفضٌ من أجل الرفض، وتشكيكٌ واتهامات وتلفيقات من هنا وهناك، فضلا عن لغة السخرية والتجريح البذيء.
تتمة الكلام في الجزء الثاني من هذه المقالة، إن شاء الله.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.