الاثنين، 6 فبراير 2017

"هذا هو اسمي" أو مجمع التفاهات الحداثيّة

بسم الله الرحمن الرحيم



"هذا هو اسمي" أو مجمع التفاهات الحداثيّة

"هذا هو اسمي" هي "تجربة" أدونيسية كتبها سنة 1969؛ وهي ثالثة ثلاثِ تجارب "طويلة" ضمها ديوان "وقت بين الرماد والورد"، الذي ظهر سنة 1970. والتجربتان الأخريان هما: "مقدمة لتاريخ ملوك الطوائف"، و"قبر من أجل نيويورك".
الملاحظ أن هذه التجربة الأدونيسية لها ذكر كبير في كلام النقاد والمحللين، وتعليقات المهتمين والمتتبعين، فضلا عن كلام المادحين والمنوهين والمقرظين.
وكلام المتكلمين، وتعليقات المعلقين، في تقديري، لن يزيد بنا، ولو خطوة صغيرة، في طريق فهم تجربة أدونيس خاصة، وفهم التجربة الحداثية عامة، بَلْهَ نقدها وتقويمها.
وأرى أن أقترح على القارئ الكريم بعض المقتطفات من هذه التجربة، ليحصل التواصل المباشر، فيكون الانطباع والإحساس والتقويم، بعد ذلك، عن قراءة من غير وسائط ولا حجب.
ولعل أثقل هذه الحجب وأكثفها حجاب انتقاداتُ الخصوم المعارضين، ومدائحُ المعجبين المتولّهين.
يقول أدونيس[1]في مطلع هذه التجربة[2]:

ماحيا كل حكمةٍ /
              هذه ناريَ /
              لم تبقَ آيةٌ – دميَ الآيةُ /
                             هذا بدئي /

دخلتُ إلى حوضكِ /
                   أرضٌ تدور حوليَ أعضاؤكِ نيلٌ يجري /
طَفَوْنا ترسّبْنا /تقاطعتِ في دمي قطعَتْ صدركِ أمواجيَ
انصهرت لِنبْدأْ: نسيَ الحبُّ شفرَةَ الليلِ / هل أصــــــــــرخُ
أنّ الطوفان يأتي؟ / لِنبْدأ: صرخةٌ تعرج المدينةَ والناسُ
مرايا تمشي / إذا عبَر الملحُ التقينا هل أنتِ؟ /

ويقول فيها[3]:
...وقفت خطوة الحياة على باب كتـــابٍ محــــــوتـــه
بسؤالاتيَ: ماذا أرى؟ أرى ورقاً قيل استراحت فيه
الحضارات (هل نارًا تبكي؟) أرى المئة اثنيــــــــــــــــن
أرى المسجدَ الكنيسةَ سيّافيْن والأرض وردةً /

نَسْرٌ / قدَّستُ رائحة الفوضى /ليأتِ الوقت الحزين
لتستَيْقِظْ شعوب اللهيب والرّفض / صحرائيَ تنمو/
أحببتُ صفصافةً تحتارُ بُرْجاً يتيـــــهُ مِئْـــــذنةً تهرمُ
أحببتُ شارعاً صَفَّ لبنانُ عليه أمعاءَهُ في رسومٍ
ومرايا وفي تمائمَ /

ومنها قوله[4]:
                                                ذُبْتِ في جنسيَ
جنسي بلا حدودٍ ولا سيفٍ تلاَشيْ لاشِي تلاشـــــــيتُ وجـــهٌ
واحدٌ نحن لا قميصيَ تفّاحٌ ولا أنتِ جنّة نحن حقل وحــــــصادٌ
والشمس تحرسُ أنْضجْتُكِ جيئي من ذلك الطرف الاخضر هذا
قطافنا جسدانا زارع حاصدٌ/ وحيدةَ أعضائيَ جيئي من ذلك
الطَّرَفِ/ استحضرتُ موتي/وسلسليني ملْكــــــنا جَمْرةَ الوقـــــتِ
والحنين ملكنا رَغَد الكون وهو يلتحف الناس اهتدينــــــا.../

                                                 قرأتُ في ورقٍ
أصفرَ أنّي أموت نفياً تنوَّرت الصَّحارى شعبـــــي يشــــطّ.../
نبشنا كلماتٍ دفينة طعمها طَعمُ العذارى/ دمشق تدخـــــــل في
ثوبيَ خوفاً حباً تخالط أحشائيَ تلغو... /

لفظتِ جلدكِ خلّي شفتيك
اصهريهما بين أسناني أنا الليل والنهارُ أنا الوقتُ انصهرنا تأصّلي
في متاهي... /

ويقول في نهاية هذه التجربة[5]:

     عليٌّ أبدُ النار والطفولةِ / هل تسمع برق العصور تسمــــــــع
آهاتِ خطاها؟ هل الطريــــــقُ كتابٌ أو يــــــدٌ/ إصبــعُ الغبـــــار
كدرويشٍ يغنّي ملكَ الأساطير / هاتوا وطنــاً قرّبـــــوا المدائـــــن
هزّوا شجر الحلم غيّروا شجر النوم كلامَ السماء للأرضِ /

طفلٌ تائه تحت سرّةِ امرأةٍ سوداء بحثاً
طفل يشبُّ
وللأرضِ إله أعمى يموت.../

                              ســــــــــــلامٌ

   لوجوهٍ تسير في وحدة الصحراء للشرق يلبس العشب والنارَ
سلامٌ للأرض يغسلها البحر سلامٌ لحبّــــــها...

                                       عُريُك الصاعقُ أُعطىَ
امطاره يتعاطانيَ رعدٌ في نهديَ اختمر الوقتُ تقـــــــــــدَّمْ هذا
دمي أَلقُ الشرق اغْترفْني وغِبْ أضِعْـــني لِفخذيــــك الــــدويّ
البرق اغترفني تبطّن جسَدي/ناريَ التوجّه والكوكب جرحي
هدايةٌ أَتهجّى... /

        أَتهجّى نجمةً أرسمُها
         هارباً من وطني في وطني
         أَتهجّى نجمة يرسمها
         في خطى ايامه المنهزمه
         يا رماد الكلمه

         هل لتاريخيَ في ليلك طفلٌ؟

                           لم يعدْ غير الجنونْ 

         انني ألمحه الآن على شبّاك بيتـــي
         ساهراً بين الحجار الساهره
         مثل طفلٍ علمتــــه الســـاحره
         أنَّ في البحر امرأه
         حمَلتْ تاريخه في خاتمٍ
         وستأتي
         حينما تخمدُ نارُ المدفأة
         ويذوب الليل من احزانـــــــه
         في رماد المدفأة... /

         ...ورأيت التاريخ في رايةٍ سوداء يمشي كغابةٍ / لم أُؤرِّخْ /

         عائشٌ في الحنين في النار في الثورة في سحر سُمِّها الخـــــــــلاّقِ
         وطني هذه الشرارة، هذا البرق في ظلمة الزّمان الباقـي...
                                        (أوائل كانون الثاني، 1969)

وبعد، فإن هذه التجربة الأدونيسية، في رأيي، لم تنل ما نالته من الاهتمام لدى النقاد الحداثيين، فضلا عن المدح والتنويه من المعجبين، إلا بسبب ما امتازت به من "خروجات" جريئة على مقاييس صناعة الشعر العربي التليدة، و"تجاوزات" صارخة لخصائصها المميزة، في التعبير، والتركيب، والتصوير، والوزن، واللغة، والفصل والوصل بين الجمل والعبارات.
وقد اتفق هؤلاء النقاد الحداثيون، المعتدلون والمتطرفون، الناظرون بعين النقد أو الناظرون بعين الرضا الكليلة عن كل عيب-اتفقوا على فرادة هذه التجربة في "خروجاتها" المتعددة، لكن أساليبهم اختلفت في فلسفة هذه الخروجات وتأويلها، حتى انتهوا إلى وصفها بأنها كلها، أي هذه الخروجات، أمارات الإبداع والتفرد، والثورة الحداثية عند أدونيس.
ولعل خالدة سعيد، زوج أدونيس ورفيقته في النضال القومي الشيوعي، ثم النضال الحداثي، كانت السبّاقة إلى تناول هذه التجربة بالنقد والتحليل[6]. لكن الملاحظ على هذه الأديبة الناقدة أنها، في كتاباتها عامة، وفي تحليلها لهذه التجربة الأدونيسية خاصة، تكاد تكون صدى لآراء أدونيس ومقولاته وأذواقه. بل إني أكاد أزعم أنها، في أعمالها الأدبية والنقدية، نسخة طبق الأصل الأدونيسي.
وليتأمل القارئ الكريم المقتطفات التالية من كلامها على هذه التجربة:
"قصيدة "هذا هو اسمي" هدم لمبدأ الاستقرار الشعري، لمبدأ الأسلوبية ولكل اتباعية. هي إعلان شرعية التغيير. ينبغي أن تتجاوز كل قصيدة ما سبق من منجزات الشعر، وما حققه الشاعر نفسه، بحيث تصبح كل قصيدة أرضا جديدة تضاف إلى العالم المعروف."[7]
"القصيدة هنا إثارة، دعوة إلى المغامرة والإبداع، والقارئ جزء لا ينفصل عنها. القصيدة إمكان، خميرة، لا تكتمل بغير القارئ. إنها تفاعل معلق، طموحها أن تحيا بالقارئ. بمثل هذا تنادي جماعة Tel Quel [8]، التي تقول إن الكاتب واضع نص(script)، وكل قارئ يخلق هذا النص من جديد…هي قصيدة عدائية…لأنها تهاجم القارئ في عقر طمأنينته وكسله. والقارئ كسول، أعني القارئ العربي خاصة…رفع شعار "القناعة كنز" واستراح عن طلب المغامرة في المجهول والمصيري."[9]
"…هكذا تجيء هذه القصيدة مليئة بشهوة النقض والخلق، شهوة الحركة والبحث والتجاوز، وتؤكد سلطة الجنون، أي سلطة الشعر."[10]
"هذه القصيدة تمحو الحكمة وتبشر بالجنون…بالمواقف المتخطية الناقضة، الرافضة حدود العقل، وحدود الصبر والقناعة والتروي، وحدود القيم والنُّظم، وحدود المرئي المعروف، وحدود اللغة والفن، وحدود التراث والحب، وحدود الإيمان والدين. تبشر بالجنون…الذي شرعته الهدم-الحلم-الشوق-الموت-التحول-المتاه-الخرق-الابتكار…"[11].
وهذا نموذج آخر من نقد هذه التجربة، وهو من كلام الباحث والأديب الدكتور محمد بنيس.
يقول: "هذا هو اسمي ذو صلة مباشرة وفورية بالقرآن [تأمل هذه الجراءة على مقدسات المسلمين، ومعها هذه التمحلات في النقد والفهم والتفسير والتأويل] وخاصة "أسماء الله الحسنى". تتحول الأسماء إلى اسم. وهو تحول يتدخل فيه قانون الحوار الذي أساسه القلب والنفي والتعارض، أو المحو، كما تعلن عنه السلسلة الأولى من النص "ماحيا كل حكمة". يتصدى المحو للحكمة فتتغير الآية عن دلالتها الدينية. وفي نهاية المقطع الأول تنضاف القدرة إلى المحو، والقدرة هنا مرتبطة بالتغيير، فلم تعد من أسماء الله الحسنى، "قادر أن أغير"."[12]
وأتوقف هنا توقفا اضطراريا لأسأل، في دهشة وامتعاض، أين هي رائحة الإبداع في عبارة "'قادر أن أغير"[13]، وفي اللازمة التي بعدها: "لغم الحضارة-هذا هو اسمي"، حتى تستحق كلَّ هذه الفلسفة من التأويلات والتفسيرات التي تفيض من الوقيعة في المقدسات؟ بل لست أراها، بالمقاييس اللغوية والأدبية المتعارف عليها منذ عدة قرون، وحسب المعايير المصطلح عليها في نقد فنون القول، إلا شذرة من نثر بارد لا حياة فيه من أدب أو إبداع، وإلا فإلى أي معيار، من تعبير مثلا، أو تصوير، أو تخييل، أو معجم، أو وزن، يستند الدكتور محمد بنيس وأمثاله من النقاد والأدباء المعجبين، في إثبات شاعرية مثل هذه العبارات النثرية الباردة، في رأيي وذوقي وحكمي، غير الكلام الإنشائي المدافع عن مقولات الحداثية العنفية الهدمية؟
ويستطرد محمد بنيس في هذه التأويلات البعيدة الحاطّة على المقدس الديني، ابتذالا وتجريحا وامتهانا، إلى أن يقول: "في المقطع الخامس يصعّد قانون الحوار صرخة تريد (رؤية ما لا يرى)، ليستمر فعل المحو "لأمحو ما يجمع بيني وبينه"، ولا يتوانى التحويل عن الفعل، فيكون الكتاب كفنا ويكون الله [أقول تعالى الله وتنزه عن ابتذالات الغافلين وتدنيساتهم] كالشحاذ مآله السقوط في "تابوته"."[14]
أين هي معالم النقد أو القراءة المتذوقة في مثل هذا الكلام؟
كل ما هناك دفاع غير مشروط عن الأطروحات الأدونيسية الحداثية في صورتيها النظرية والتطبيقية.
وقد بالغ بعض الدارسين، فلم يأل جهدا في تأويل حتى شكل الكتابة، كترك الفراغات والبياضات، وتصفيف الكلمات، وطريقة استعمال علامات الترقيم، وحمل كل ذلك على أنه من الإبداع الأدونيسي.
يقول أحد هؤلاء الدارسين: "إن مكان بداية السطر في الصفحة المطبوعة مهم جدا لفهم شعر أدونيس. فهو لا يبدأ السطور من نفس المكان وبنفس البعد عن الهامش الجانبي للصفحة، بل يستغل الفراغ على الصفحة ليحدد أو يوضح بعض النقاط التي عبر عنها في سطر سابق مثلا."[15]
ويقول عن فاتحة التجربة، مجتهدا في تأويل دلالة رتبة بعض الألفاظ في تركيب الكلام: "في هذه الفاتحة يبدأ أدونيس عبارة "هذه ناري" تحت كلمة "حكمة" تحديدا، كما لو أنه يريد أن يبين أن الحكمة هي ناره. فاسم الإشارة "هذه" يشير، في رأينا، إلى "حكمة"، وإلا فإن القارئ قد يفكر أن الشاعر قد قال جملة شعرية أخرى بعد الأولى ليس غير."[16]
إلى أن يقول في نفس السياق، وهو يحاول أن يعطي للفراغات والبياضات، وشكل ترتيب الكلمات معنى إبداعيا: "…فالخلق(الحداثة) يجب أن يبدأ من بداية جديدة. لذا يضع الشاعر آخر سطر من هذه الفاتحة "هذا بدئي" تحت "دمي الآية" بالتحديد. هذا التشكيل العنقودي للكلمات والجمل الشعرية على الورقة المطبوعة يمكن أدونيس من التعبير عن الأفكار الأساسية في تصوره للحداثة."[17]
وهذا النوع من التأويل نموذج للمبالغات التي ركبها بعض النقاد الحداثيين، ليثبتوا، وليستنتجوا، مهما تكن هشاشة القاعدة التي يقفون عليها، أن ما جاء به أدونيس، حتى في الأشكال الخالية من المعنى، هو عين الإبداع الشعري الحديث.
وحتى إذا افترضنا أن الفراغات في صفحة الكتابة، ومكانَ الكلمات في الأسطر، وغيرَ ذلك من الأشكال، يمكن أن يكون لها معنى ما في التجربة الإبداعية، فإن التواصل مع المتلقي يقتضي أن يكون هناك، على الأقل، أرضية اصطلاحية يشترك في الوقوف عليها كل من المبدع والقارئ. أما أن نضع على القارئ المتلقي، باسم خصوصية الإبداع الحداثي، عبء اكتشاف معاني هذه الأشكال، فذلك، في رأيي، يعني فتح أبواب التيه والفوضى والتخمينات إلى ما لا نهاية، أي فتح أبواب اللاتواصل واللاتلاقي واللاتفاهم، وذلك، في رأيي دائما، هو العبث في أبشع مظاهره المكتوبة.
وللحديث تتمة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.






[1] لقد حرصت على نقل هذه المقتطفات حرفيا، بالتشكيل الذي توجد عليه في الديوان، لم أزد ولم أنقص، وذلك لأنقل شكل الكتابة، وترتيب العبارات، وتنظيم الأسطر، وتقديم الفقرات، طبقا للأصل من غير تصرف.
[2] الآثار الكاملة، المجلد الثاني، ص615.
[3] نفسه، ص618.
[4] نفسه، ص636.
[5] نفسه، ص640-643.
[6] وذلك في دراستها "حول قصيدة "هذا هو اسمي""، في العدد الرابع من مجلة "مواقف"، 1970. ثم نشرت، مع دراسات أخرى، في كتابها "حركية الإبداع-دراسات في الأدب العربي الحديث"، من ص87 إلى ص119.
[7] حركية الإبداع، ص93.
[8] Tel Quel مجلة تصدر في باريس منذ 1960، تعنى بالبنيوية والسيميائية، وهي مجلة راديكالية تنشر كتابات ثورية في النظرية والتطبيق، في القصة، الفلسفة، العلوم، السياسة…ومن كتابها الرئيسيين والمهتمين أيضا "دريدا، سولير، كرستيفا، فوكو وآخرون". ومن مدرسة (تيل كيل) استقى أدونيس روح تصوراته حول "القصيدة الكلية"، التي تقوم، أساسا، على "الكتابة"، بالمفهوم الذي رسخته مجلةTel Quel، والذي تبناه أدونيس وغيره من أدباء المدرسة الحداثية العربية ونقادها، حيث "الكتابة Ecriture تعني كتابة النص دون أن يكون في ذهن الكاتب القصد لكتابة قصيدة-قصة-أو مسرحية، بالمعنى التقليدي. وطبقا لرولان بارت، أحد كتابها المهتمين، فإن كل نص هو نموذج نفسه."(عن "الحداثة فكرة في شعر أدونيس"، لمحمد الخزعلي، في مجلة "عالم الفكر"، المجلد 19، العدد 3، أكتوبر، نونبر، دجنبر، 1988، ص100، هامش رقم(2).)
[9] نفسه، ص94.
[10] نفسه، ص95.
[11] نفسه، ص97.
[12] الشعر العربي الحديث، ج4، ص191.
[13] وبعد هذه العبارة: "لغم الحضارة، هذا هو اسمي"، وهي بمثابة العبارة اللازمة التي تكررت ثلاث مرات في هذه التجربة: ص617، وص623، وص632.
[14] الشعر العربي الحديث، ج4، ص192.
[15] "الحداثة فكرة في شعر أدونيس"، لمحمد الخزعلي، في "عالم الفكر"(مرجع سابق)، ص110.
[16] نفسه.
[17] نفسه.

الثلاثاء، 31 يناير 2017

لا حدود للفن، ولا قواعد، ولا رسالة!!

بسم الله الرحمن الرحيم

لا حدود للفن، ولا قواعد، ولا رسالة!!

هل للفن التشكيلي قواعد؟
هل لفن النحت قواعد؟
هل لفن الشعر قواعد؟
يجيبنا أدونيس بأن من خصوصيات الفن أنه لا تحده حدود، ولا تضبطه قواعد.
وماذا عن فن المعمار؟ ماذا عن الفن القوطي، مثلا، في هندسة الكنائس والكاتدرائيات؟
إن نحن وافقنا أدونيس فيما يدعيه، فإننا سنقبل، ضمنا، بإمكانية وجود فن معماري بلا قواعد، وذلك هو الخبل والجنون بعينه؛ وكذلك فن الموسيقى، إن نحن تابعنا أدونيس في دعواه، سيتحول إلى فوضى في الأصوات، ونشاز في الأنغام.
وكان عباس محمود العقاد من النقاد الكبار الذين تصدوا بقوة وحزم لأنصار "الشعر الحر"، في بداياته الأولى، الذين كانوا يزعمون أن الشعر يمكن أن يبقى شعرا وإن لم يكن موزونا، وزادوا في زعمهم أن "التفعيلة" في "الشعر الحر" هي أساس الوزن. كان هذا قبل أن تجتاح أدبنا العربي، وفي مجال الشعر خاصة، تيارات الفوضى والعبث والهدم بلا بناء بديل.
لقد وصلت هذا التيارات اليوم على يد الحداثيين المتطرفين، وعلى رأسهم أدونيس، الحد الأقصى في العبث واللامعقول، لأنها حطمت جميع الحدود والقواعد، وكفَرت بكل ما يحيل على الأصول أو النموذج أو المعايير؛ فالفنان عندهم هو الذي يصنع نموذجه، ويضع قواعده، ويفرض معاييره.
فالنثر البارد الفارغ من أي معنى يمكن أن يسمى عندهم شعرا، لأنه لم يعد هناك مقياس أو قاعدة أو مثال يمكن أن يحتكم إليه في الحكم والتقويم.
فأدونيس، مثلا، يكتب اليوم ما يريد، وبأي طريقة يريد، وعلى الناس أن يقبلوا عمله، وإن كان لا يساوي شيئا في موازين النثر والشعر، على أنه إبداع جميل، وشعر حداثي بديع، وطريقة في التعبير لا أصل لها، ولا مثال، ولا قاعدة!
"إن العبقرية والمقدرة لا تظهران إلا إذا خضع الإنسان للقوانين الطبيعية أو القواعد الوضعية. فإذا فاز، وقد ألقيت عليه تلك القيود، فمن الحق أن يقال فيه، بعد ذلك، عبقري أو مقتدر. أما إذا تُرك الإنسان يفعل ما يشاء في الوقت الذي يشاء، ومن غير حدود في المكان والزمان، ثم جعل هو من نفسه حكما على نفسه، فإن لكل إنسان الحق، حينئذ، في أن يدّعي العبقرية والمقدرة."[1]
حينما نتعمد هدم الحدود القائمة بين مفاهيم المصطلحات، فذلك يعني تعمّد الإساءة إلى نظام الحياة، والاستهانة بالمنطق الإنساني، الذي قضى، وسيقضي دائما، على الرغم من دعاة الهدم والفوضى والعبث، بأن هناك حدودا مفهومية تخص استعمال كل كلمة، سواء في اللغة أو في الاصطلاح.
"إن اللغة، التي هي محصول الذهن الإنساني عبر عشرات القرون، لا تضع الأسماء اعتباطا ولا عبثا، وإنما هناك مفهوم فلسفي عام يكمن وراء كل تعريف وتسمية في كل لغة."[2]
وماذا يمكن أن تجني الإنسانية عامة، وآدابها بصفة خاصة، من هذه المذاهب العبثية الهدّامة، التي ليس في قاموسها إلا لغة الرفض، والسلب، والتجاوز، والقطيعة، وما إلى هذه الألفاظ في لغة العبث واللامعقول- ماذا يمكن أن تجني الإنسانية من هذه المذاهب غير الفوضى والانحطاط والتفاهة وغيرها من النتائج السلبية التي تخرج الإنسان من إنسانيته، وتفرض عليه، بالوهم المغرق في الوهم، الموشّى بشعارات المعرفة الحداثية، أن يعطّل جميع حواسه من أجل معرفة هي اللامعرفة، وعقل هو اللاعقل، ومستقبل هو اللامستقبل، وغاية هي اللاغاية، ومعنى هو اللامعنى، وأفق إنساني هو اللاأفق، وحرية هي اللاحرية- في جملة، من أجل شيء هو اللاشيء؟
فمذاهب العبث والهزل "لا تتحدث بشيء غير الهدم والإلغاء: فلا لون، ولا شبه، ولا رسم، ولا قاعدة في التصوير، ولا لفظ، ولا معنى، ولا منطق، ولا مدلول في الشعر والنثر. وإنه لمن حسن الحظ أن تقصى هذه الدعوى عن الفنون التي ترتبط بها ضرورات المعيشة والاجتماع، فإنها لو تناولتها لسمعنا بفن المعمار الذي لا حجرات، ولا جدران، ولا حجارة، ولا طلاء فيه، وسمعنا بمجامع الموسيقى التي لا تميز بين الضوضاء والألحان، ولا محل فيها للمعازف والآلات."[3]
وما أجمل هذا الاحتجاج اللطيف من الأستاذ العقاد! فقد جمع بين المنطق الرصين والسخرية التي لا تفارقها رزانة العقل. كان هذا الاحتجاج من العقاد قبل أن يتفاقم أمر هؤلاء الحداثيين، فيدعيَ أدونيس أن الموسيقى من الفنون التي لا تحدها حدود، ولا تضبطها قواعد، ومن ثَمّ فإن "الضوضاء" باتت عندهم من الفنون الجميلة، التي تستحق منا الرعاية والإعجاب.
ومهما كانت الدواعي والشعارات، فإن الدعوة إلى نقض مفاهيم اللغة، وتجاوز قواعد الفنون التي تعارفتها أمة، بمختلف شعوبها، على طول تاريخ يعدّ بعشرات القرون، إن لم يكن أكثر، إنما هي، في أبسط غاياتها وأوضح معانيها، دعوةٌ إلى التقاطع، والتدابر، واللاتواصل، أي دعوة إلى موت اجتماعي وحضاري محتّم.
فما معنى أن يصطلح الناس طوال قرون ذوات العدد على أن الأبيض هو الأبيض، ويأتي آحاد الناس، في زاوية من الزمان، ليقولوا: لا، إنما الأبيض هو الأسود، ثم يتبعه ثالث، فيقول: لا، إنما الأبيض هو الأصفر، وهكذا في دوّامة من اختلاط المفاهيم لا تنتهي إلى طائل، بل تنتهي، حتما، إلى التضارب، والتنافر، والتباعد، واللاتفاهم.
وما معنى أن يدعي أدونيس-والناس يستمعون إليه اليوم على أنه واحد من أهل الفن والاختصاص، الذين لا يراجع حكمهم، ولا يناقش رأيهم-أن الشعر، مثله مثل الموسيقى والنحت، من الفنون التي لا يمكن أن تنبني على أسس، وتنضبط لقواعد، وتستجيب لمقاييس؟
فمثلا، حينما يصبح الشعر نثرا، والنثر شعرا، من غير اعتبار للفوارق الأساسية بين الفنين، وحينما يصبح الحديث عن الوزن حديثا إنشائيا لا يعترف بالقواعد والحدود والضوابط والمفاهيم المميزة للأشياء والمعاني بعضها من بعض، وحينما يصبح الاحتجاج لمثل هذه الفوضى في استعمال مفردات اللغة واصطلاحات الفنون والعلوم قائما، أساسا، على التخييل الجامح، والوهم البعيد، والتصورات والآراء العبثية اللامعقولة-حينما يقع مثل هذا، فإن كل شيء يصبح مباحا.
إذن، أين هي المسؤولية الإنسانية؟ أين هي مسؤولية الكلمة؟ أين هو احترام حق الإنسان، وكرامته، وعقله، وعواطفه، ومشاعره؟
الشعر الحداثي، عند أدونيس ومن سار على نهجه من الحداثيين المتطرفين، هو كل شيء، إلا أن يكون كلاما منظوما على طريقة ما، شعرية أو تصويرية، أو تخييلية، ومفهوما، بصورة من صور الفهم في الخطاب الشعري العربي، ومعبرا عن مقصد، ويرمي إلى أداء رسالة.
إن الشعر الحقيقي، عندهم، لا شأن له بما عرفه القدماء من أوزان عروضية، وقواعد بلاغية، وصياغات وفنون أسلوبية، وألفاظ شعرية، وغير ذلك من لوازم العمل النقدي الأدبي الشعري. إنما هو شعر يصنع شكله وقيمه، ومعاييرُه في خطواته، كما عبّر أدونيس. قواعده الأساس هي أن يمضي مع التجربة، لا يكرر، ولا يتشكل، ولا يتحدد، ولا يتصور، ولا ينتهي إلى صورة معلومة الحدود والمساحات والألوان والأبعاد.
فالفنان، عند أدونيس، هو الذي يضع قواعده؛ فـ"من خصوصيات الفن، شعرا كان أم نحتا أم تشكيلا، أنه بلا قواعد، وبلا حدود"[4]. "فالفنان هو الذي يضع القواعد، ويمكنه، في بعض الأحيان، أن يغير أصول الفن أو الشعر من أساسها. ليس لأحد أن يحكم إن كان عمله فنا أم لا. وليس من شك في أن من أعظم أسرار الإبداع أنه لا يمكن حصره في حدود وفي تعريفات. الفن هو في حركة أبدية؛ هو دائما جديد، وفي جدته قواعده. ولهذا السبب، أظن أنه لا حدود للشعر، وفي بعض الأحيان، اللاشعر يمكن أن يتحول إلى شعر"[5].
تأمل هذه العبارة الأخيرة: "اللاشعر يمكن أن يتحول إلى شعر"!
كلام في كلام، وعبث في عبث، ولعب بالكلمات إلى أقصى مستويات اللعب.
وهذه نماذج من كلام أدونيس في محاولته في تعريف الشعر الحديث.
"فقوام الشعر الحديث[عنده] معنى خلاق توليدي، لا معنى تصويري وصفي. إنه، كما يقول الشاعر الفرنسي رنيه شارRené Char [تأمل السياق الذي يرد فيه ذكر هذه المرجعية الغربية]: "الكشف عن عالم يظل أبدا في حاجة إلى الكشف."[6]
"فجوهر الشعر، كما يقول بودلير[تأمل]، هو "السير دائما ضد الحداثة.""[7]
"فالأثر الشعري الذي لا يكون، بالنسبة للشاعر وللقارئ إلا اشتفاء أو إرواء للغليل، هو، في الحقيقة، كما يقول مارلوA.Marlaux[تأمل]، ضد الشعر."[8]
لقد أحال في صفحتين على ثلاثة من مصادر أفكاره وتقريراته وتنظيراته. ومع هذا الاحتماء بالمرجعية الغربية، نقرأ الإضافات الأدونيسية، في صورة عبارات إنشائية تطغى عليها النزعة الوثوقية التأكيدية القاطعة، بأسلوب أستاذي تحدوه سلطة تعليمية تقريرية توجيهية، من مثل عبارات: إن الشعر الحديث هو كذا وكذا… والشاعر الحق الحديث هو من يفعل كذا وكذا… وعلى الشاعر الحق أن يفعل كذا وكذا… ولا يجوز أن يكون كذا وكذا…ولا يمكن أن…إلى آخر مثل هذه التعابير العامرة بالوثوقية والأستاذية والنزعة الجبرية.
باختصار كبير جدا، وبعبارات أدونيس: "لن تسكن القصيدة الحديثة في أي شكل، وهي جاهدة، أبدا، في الهرب من كل أنواع الانحباس في أوزان أو إيقاعات محددة…"[9]، و"ليس الشاعر الشخص الذي لديه شيء ليعبر عنه، بل الشخص الذي يخلق أشياءه بطريقة جديدة."[10]
و"القارئ الحقيقي، كالشاعر الحقيقي، لا يُعنى بموضوع القصيدة [لاحظ، وكـأنه يتحدث عن مسلمات وحقائق مطلقة ونهائية]، وإنما يُعنى بحضورها أمامه كشكل تعبيري، أعني صيغة الرؤيا."[11]
و"على القارئ الجديد أن يتوقف عن طرح السؤال القديم: ما معنى هذه القصيدة، وما موضوعها؟…"[12]، لأن "الإصرار على أولية الموضوع، أي على وظيفة الشعر، إنما هي نفي للشعر."[13]
وخارج هذه الحدود الفلسفية الفضفاضة، والتأملات الذاتية المحلقة، والإنشاءات الرومانسية الغائمة العائمة، لا شأن للشعر الحداثي، عند النقاد الحداثيين المتطرفين، بالوزن، والبلاغة، والقواعد اللغوية والأسلوبية، وغيرها من الأدوات، والآلات، والمعارف، والعلوم، التي فيها رائحة الأجداد، رائحة الماضي، رائحة تجارب القرون والأجيال.
وفي المقالة المقبلة وقفةٌ مع تجربة أدونيسية بعنوان "هذا هو اسمي".
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.







[1] هذا الشعر الحديث، للدكتور عمر فرّوخ، ص173.
[2] قضايا الشعر المعاصر، لنازك الملائكة، ص220.
[3] اللغة الشاعرة، لعباس محمود العقاد، ص173.
[4] Conversations avec Adonis, mon père, p.139.
[5] نفسه.
[6] "محاولة في تعريف الشعر الحديث"، مجلة "شعر"، العدد 11، السنة 3، صيف1959، ص80.
[7] نفسه.
[8] نفسه، ص81.
[9] نفسه، ص83.
[10] نفسه، ص85.
[11] زمن الشعر، ص72.
[12] نفسه.
[13] نفسه. وبمنظار هذه النظرية الحداثية وصفت خالدة سعيد القارئ العربي بأنه "كسول ينام على حرير الأمجاد والكشوف الماضية؛ رفع شعار "القناعة كنز"، واستراح عن طلب المغامرة في المجهول والمصيري. ترعبه فكرة العودة إلى البدء، إلى البراءة…"(حركية الإبداع، ص94). ولا يخفى ما في مثل هذا الكلام من ادعاء وتعالم وأستاذية ونظرة احتقار إلى القارئ العربي عموما.