السبت، 2 مايو 2015

فصولٌ في موسيقى الشعر

بسم الله الرحمن الرحيم

فصولٌ في موسيقى الشعر


 "فصولٌ في موسيقى الشعر" هو عنوان كتابي الجديد، الذي اخترت أن أنشره، كسابقه(فصول في الشعر المُحدَث)، في صورة رقمية، كي يتسنى وصولُه إلى جمهور واسع من الباحثين الدارسين وغيرهم من القراء المهتمين بموضوع موسيقى الشعر العربي وما يتعلق به من موضوعات تخص أساسا علميْ العروض والإيقاع.
ترجع الأصول الأولى لفصول هذا الكتاب إلى التسعينيات من القرن الماضي حينما كنت أهيّئ أطروحة الدكتوراه.
ولم أزل، منذ ذلك الوقت، أراجع المادة العلمية النقدية لهذه الأصول، وأعمّق النظر فيها، وأشذبها على ضوء ما كان يقع بين يدي من كتب ودراسات، وما كنت أطالعه من أفكار ونصوص جديدة، حتى أصبحت هذه المادة اليوم-فيما أرى وأقدر-ناضجة لإخراجها إلى الناس في كتاب.
يدور مضمون هذا الكتاب على بحث نقدي في "موسيقى الشعر"، ركزت فيه على تبيان أهمية "الوزن" في الإبداع الشعري، وأن الشعر العربي، منذ اكتمل نضجه، لم يزل لصيقا بصناعة الألحان، نظما وإنشادا ودندنة. ووقفت فيه وقفات حاولت فيها بيان تهافت دعوى الحداثيين المتطرفين أن الحداثيّة قد حكمت حكمها المبرم أن يموت "الوزن" أصلُ كل الشرور، في زعمهم وحكمهم الإيديولوجي النهائي الظالم، ليحل محله "الإيقاع" بما حمّلوه من مفهوم فضفاض لا علاقة له بصناعة الشعر، وإنما هو، عند التحقيق، الادعاءُ والفوضى والتحرر من كل قاعدة أو مقياس أو ضابط أو ميزان.
فمنذ بدأت تجتاح حياتنا الأدبية جائحةُ "الشعر الحداثّي" الذي لم يتردد أصحابُه، منذ بدء ظهور أمرهم، في المجاهرة بعدائهم الصريح لعلم العروض، ومن ورائه لأوزان الشعر العربي السليقي، لم تفلح جميعُ المحاولات التي سعت لإيجاد بديل عن قواعد موسيقى الشعر العربي، التي أوجدتها السليقية العربية وطورتها وصقلتها عبر أزمان طويلة، حتى استقامت موازينَ فنية صالحة لأداء مشاعر الشاعر العربي، في مختلف مناحيها النفسانية، ورفرفاتها الروحية، ونزوعاتها العاطفية، وتأملاتها الفكرية، وتعبيراتها الحماسية، وألحانها الموسيقية.
فكل الدراسات التي اجتهدت أن تضع قواعد بديلة عن علم العروض للوفاء بمتطلبات الإيقاع الشعري، انتهت إلى الفشل، بعد أن ظلت محصورة في الكلام النظري، والأمثلة المجردة، والتمارين الافتراضية، فضلا عن خطاب الأماني والأحلام.
لم يستطع أحد إلى اليوم ممن يعادي الأوزان العمودية، أو، على الأقل، ممن يستثقل هذه الأوزان ويرى فيها قيودا وتكاليف لا يطيقها الشاعر الحديث، أن يأتيَنا بشيء جديد بديع تقبله السليقة، وتستريح له الفطرة، وتهتز له النفس، ويستجيب لحاجة الوجدان إلى اللحن الجميل والإيقاع المطرب.
لم يأتِنا من أعداء علم العروض وخصومه، مِن رافضيه ومنتقديه، على طول سبعين سنة تقريبا، شيء له قيمة في مجال الإيقاع الشعري. بل إن المحاولات الأولى للتجديد، كمحاولة نازك الملائكة(1923-2007)، التي بسطتها في كتابها "قضايا الشعر المعاصر"، لم تخرج عن القواعد التي استنبطها الخليل، بل ظلت تدور في فلكها لا تستطيع عنها فكاكا.
وأمام هذا العجز الفني لمواجهة علم العروض ببديل فني مقبول ومعقول، لم يبق أمام المعارضين الرافضين، وخاصة في وجههم الحداثي المتطرف-حسب ما انتهيت إليه في بحثي- إلا الاحتماءُ بخطاب الإيديولوجيا، وخطاب الرفض من أجل الرفض، ولو كان ذلك على حساب العلم والموضوعية، وأدى إلى هدم تراث تليد شاهق باذخ شاركت في بناء صرحه الماجد أجيال وأجيال من الشعراء عبر مسيرة امتدت لعدة قرون.
لقد انتهى الخطاب النقدي الحداثي إلى رفض علم العروض وما يعنيه هذا العلم من التزام وقواعد ومقاييس في صناعة الشعر وأوزانه، لا لسبب نقدي فني مفهوم ومعتبر، وإنما لأنه علم جاءنا من الماضي، وما يزال يسومنا ما نطيق وما لا نطيق من القيود-حسب ما يزعمون في تعليلاتهم الضعيفة الداحضة- ومِن ثَمّ وجب رفضه والتخلص منه نهائيا، وإن لم يكن عندنا بديل.
بلى، هناك عند الحداثيّين المتطرفين بديل يسهّل المشقات، ويقرب المسافات، ويبلغ الغايات، وهو الكتابة بالنثر على أنه "شعر" له "إيقاع"، وله كذا وكذا من الصفات والمميزات والإيجابيات، التي اخترعوها من عند أنفسهم، وروجوا لها بإعلامهم الحداثي الجبار، ومكنوا لها بما يملكون من وسائل ووسائط وإمكانيات في أوساط الباحثين الأكاديميين، والدارسين الجامعيين.
لقد وضعوا من عند أنفسهم نظرية لشعرهم الحداثي، واخترعوا له قواعد، جمعوها من هنا وهناك، ثم كان منهم أنفسهم "الشعراء" المثالُ، الذين يصدقون هذه النظرية الموضوعة، ويطبقون القواعد المخترعة.
فالغالب اليوم، وخاصة في أوساط الباحثين الجامعيين الشباب، هو هذه النظرية الحداثيّة، التي فرضت على الناس أن ينسوا أن هناك شيئا اسمه "علم العروض"، وأن الوزن هو من أعظم أركان موسيقى الشعر، وأن الإيقاع في الشعر العربي كان دائما ملازما للأوزان العمودية.
لا يكاد الباحث الشاب اليوم يعرف شيئا عن أوزان الشعر، وإنما معرفتُه باتت محصورة في الإيقاع، ولا شيء غير الإيقاع. وعندما تأتي تفتش عن هذا الإيقاع، مفهومه وصفاته ومحدداته ومقاييسه، فإنك لا تجد إلا الذوق الشخصي المتحرر من كل مقياس، الضارب في كل الاتجاهات، ولا تجد إلا التعبيرات الإنشائية، التي يجتهد أصحابها ألا تقول شيئا، والتأويلات والافتراضات والانطباعات، التي تتعدد بتعدد المؤولين، وتتباين بتباين المفترِضين، وتختلف باختلاف طبائع القارئين.
فالقارئ ملزم أن يجد لِما يسمونه "شعرا حداثيا" إيقاعا موسيقيا ما، وإن كان هذا "الشعر" غارقا في النثرية، لا يختلف عن الكلام العادي في شيء، بل قد ينقص عنه درجات حينما يتردى في حضيض البذاءات والزندقات والضلالات، وينزل إلى مستوى الركاكة والإسفاف والمعجم النابي السوقي.
فحينما يُفرض على القارئ أن يقرأ، مثلا، الكلامَ التالي لأدونيس:
"...وقال القرمطي:
الجسد صورة الغيب
وحمل الأرض في كتفيْ ناقة وأعلن
أنا الداعية والحجة

استغونا أيها السيد استدرجنا
قل لنا من كذَبَ ومَخْرَقَ
 مَنِ البليّةُ
                  مَن خدع الجسد بنواميسه؟"

                               (مفرد بصيغة الجمع، لأدونيس، ص79)

حينما يُفرض على القارئ أن يقرأ مثل هذا الكلام على أنه شعر بديع من شاعر حداثي كبير، فإن هذا القارئ الواقع في أسر الحداثيّة المتطرفة العبثية، علاوة على إلزامه باعتبار كلام أدونيس شعرا، ملزمٌ كذلك بأن يجد لهذا الكلام ما يُثبت ما يُدَّعَى له من إيقاع وشعرية، وإن كان هذا الكلام، في حقيقته، لا يمت إلى الشعر بأي صلة.
ويجتهد المجتهدون من القراء المأسورين، والنقاد المؤيدين المتواطئين، ليجدوا قواعد، من أي نوع، وإن كانت عبثية لا تقوم على أي أساس، لإثبات أن ما يقرأون إنما هو شعر له إيقاع بديع فاتن، وفيه من الصفات الموسيقية ما يرفعه إلى قمة الإبداع.
والكثرة الكاثرة مما ينشر اليوم في موضوع الإيقاع الشعري-حسب النماذج التي اطلعت عليها- هي من هذا النوع؛ فهذا يكتب عن الإيقاع في شعر السياب، والآخر في شعر أدونيس، والثالث في شعر درويش، ورابع وخامس إلى ما لا يُحصى من الدراسات والأبحاث والأطروحات.
إنك قد تجد المؤلف أو الباحث في غالبية هذه المنشورات، التي تبحث في الإيقاع، كمن أُتِي بأصوات مختلطة كلها نشاز في نشار، وطُلب إليه أن يجتهد، معتمدا، أساسا، على ذوقه وتخمينه وتأويله ووهمه، ليجد لهذه الأصوات التي لا يجمعها جامع إلا الضوضاء والتخليط والنشاز، قواعدَ-كيفما كانت هذه القواعد- تسوّغ نشازها، وتبرره، وتُجمّله وتقدمه على أنه تأليف موسيقي جميل، ولحن فني بديع.
فكذلك هي معظم تجارب الحداثيين اليوم، التي تنشر، ويروج لها على أوسع نطاق، على أنها "شعر"؛ نثر عادي-وقد يكون أقل من العادي- مؤلفٌ من أصوات لا يكاد يكون فيها شيء يربطها بالإيقاع الفني الشعري، يُفرض على أنه "شعر" له إيقاع، وعلى الباحث القارئ الناقد، أن يبحث عن هذا الإيقاع المزعوم، وأن يخلقه خلقا مِن عدم، وأن يحتال، من هذا الطريق أو ذاك، لإيجاد قواعد وتفسيرات ومبررات، تثبت أن هناك، حقيقة وفعلا، إيقاعا شعريا يسلك هذا "النثر" المدروس في الأشعار الرائعة!
هذا هو باختصار مشهدنا الشعري اليوم؛ نثرٌ عادي-وقد يكون في غموضه وعبثيته وبذاءة مفرداته وركاكة تعابيره، لا يساوي قطميرا في موازين نقد الكلام-بات مفروضا بالإيديولوجيا الحداثيّة على أنه "شعر"، وعلى الناس أن يقولوا أي شيء، ويتوهموا أي شيء، وأن يفسروا ويؤولوا كيفما يحلو لهم، ليثبتوا ما يستحيل إثباته. ولن تكون أقوالهم وأوهامهم وتفسيراتهم وتأويلاتهم إلا مقبولة ومقوّمة أحسن تقويم، بل وحائزة على أكبر الميزات والتقديرات.
وبعد، فقد توزعت مباحث هذا الكتاب على ثمانية فصول، عناوينها، على التوالي، هي:  "الشعر والغناء"، و"رُكنيّة الوزن في صناعة الشعر العربي"، و"وقفة سريعة مع علم العروض"، و"خاصية التساوي الكمي في الوزن الشعري"، و"علم العروض وحركات التجديد"، و"التجديد في "شعر التفعيلة" أو "الشعر الحر"، و"انقلاب من أهل الدار"، و"قوام الشعر بين قانون الوزن وفوضى الإيقاع".
وقد سعيت من خلال هذه المباحث، أن أثبت، بالأساس، كما ذكرت في مطلع هذه السطور، أن إيقاع الشعر العربي كان دائما نابعا من الوزن، أساسا، ومعه عناصر أخرى قد أولاها النقاد القدماء من اهتماماتهم الشيء الكثير، وأنه لا إيقاع لشعر غير موزون، إلا أن يكون من قبيل الإيقاع العامي المبتذل الذي نصادفه في كلام الناس اليومي، وأن الوزن سيظل ركنا من أركان الشعر، يميزه عن الكلام المنثور، وإن كان الصوت المرفوع الطاغي اليوم، في الساحة الأدبية النقدية، هو صوت الحداثية الإيديولوجية الهدمية المتطرفة.
وقد أثبت في خاتمة الكتاب أهم الخلاصات التي انتهيت إليها في بحثي، والتي أوجزتها فيما يلي:
أولا: إن جميع المحاولات التي رامت إيجاد بديل فني وعملي تطبيقي حقيقي لعلم العروض، أي للأوزان السليقية التي استنبطها-أقول استنبطها ولم يفرضها من عنده- الخليلُ بن أحمد الفراهيدي من الشعر العربي لم تنته إلى شيء ذي بال، ولم تفلح، ولو قيد أنملة، أن تزيح الأوزان العمودية عن عرش موسيقى الشعر العربي، وإنما ظلت حبيسة النظريات والافتراضات والأمنيات، ومنها ما بقي دائرا في فلك الخليل لا ينفك عنه.
ثانيا: إن الأسباب التي ذكرها المجددون، ومن بعدهم الحداثيون، بمختلف اتجاهاتهم، لرفض الأوزان العمودية، والتشكيك في مؤهلاتها الفنية، لا تصمد أمام النقد الجاد والتمحيص العميق. بل يمكن القول بأن بوصلة البحث عن أسباب تدهور الإبداع الشعري ينبغي أن تتوجه إلى ذوات الشعراء؛ فضعف المواهب وقلة المبدعين الكبار، وليس العروض وأوزانه وقواعده ومقاييسه، هي المعدن الأساس الذي منه تتشكل الأسباب الحقيقية لتدهور الفن الشعري.
ثالثا: إن النقد الحداثي المتطرف، الذي يتبنى اليوم إزاء علم العروض موقف الرفض من أجل الرفض، هو نقد غير مسؤول، بل قل إنه، بموقفه الإيديولوجي العبثي هذا، نقد مسؤول عن التردي الذي بات عليه الإبداع العربي في مجالات الآداب والفنون. وإنه لمن أعمال التخريب الصريح-كما عبر عباس محمود العقاد-أن نعمل معاول الهدم في صرح تراث موسيقي شامخ خالد، شهد على رسوخه وصلاحياته لحمل معاناة الشعراء، في كل الأزمان، أجيال وأجيال من الشعراء، من مختلف الاتجاهات والفلسفات والحساسيات الشعرية، عبر مسيرة قرونية ما تزال موصولة بالزمن الحديث.
رابعا: لقد أحل النقد الحداثي الإيديولوجي المتطرف "الإيقاع"، بالمفهوم العامي الفضفاض-وليس بالمفهوم الفني الموسيقي المنضبط-محل الوزن، ولم يعد هناك ذكر لعلم العروض، في الخطاب الحداثي، إلا في سياقات القدح والرفض والتجريح والتشنيع. ولن يكون "هذا الإيقاع الحداثي" بديلا عن الأوزان العمودية، لأن الفوضى والتسيّب لم يكونا قطّ، ولن يكونا، بديلا للقانون والنظام والانضباط. هذا هو الإيقاع الذي يبشر به الحداثيون؛ فوضى جامحة في الذوق والنظر والتحليل، لا تقوم على أي أساس من القواعد والمقاييس والضوابط. إنها "الشيء" الذي لا يعني شيئا!
وبعد، فإن كثيرا من النقاد والباحثين يعتقدون اليوم، إما عن تقليد وموقف محفوظ، وإما عن اجتهاد واقتناع، أن المعركة الأدبية النقدية التي اشتعلت، في نهاية النصف الأول من القرن الماضي، حول أوزان الشعر العمودي قد انتهت منذ زمان، وأنها حُسمت لصالح "الشعر الحداثي"، الجاحد بعلم العروض.
لكني، وأنا ما زلت في بحث مستمر، لم أجد من المعطيات ما يقنعني بأن هذه المعركة قد انتهت وحسمت، فعلا وحقيقة. والذي ما زلت أعتقده إلى اليوم هو أن المعركة حول الأوزان السليقية العمودية ما تزال مستمرة. نعم، كان هناك حسمٌ، لكنه لم يكن حسما أدبيا فنيا، بل كان حسما إيديولوجيا إعلاميا، كما شهد بذلك شاهد من أهلها، غلبتْ فيه الضوضاء والأضواء والشعارات والأصوات العالية.
وفي رأيي أن هذا الضعف والانحسار والتقهقر والانحدار الذي يعانيه الإبداع الشعري اليوم، إنما هو من مضاعفات هذه الغلبة الإيديولوجية الإعلامية الحداثية على مجالات الآداب والفنون. ورجوع العافية إلى
 فن الشعر، في تقديري، مرهون برفع الوصاية الحداثية الإيديولوجية عن الإبداع، لترجع الكلمة الفصل، في التقدير والتقويم، إلى مقاييس نابعة من الفن نفسه، يعرفها ويقدّرها أهلُ الفن والصنعة والاختصاص، لا أهل الإيديولوجيا والضوضاء والهدم الصراح.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

ملاحظة: الكتاب متاح مجانا على الرابط التالي:
/http://www.alukah.net/literature_language/0/86208





السبت، 28 فبراير 2015

فصولٌ في الشعر المُحدَث(نص الكتاب الكامل)

بسم الله الرحمن الرحيم
(فصولٌ في الشعر المُحدَث) هو عنوان كتابي الأخير، الذي آثرت أن أنشره في صورة رقمية، ليتسنى له الوصولُ إلى جمهور واسع ومتنوع من القراء.
إنه كتابٌ في النقد الأدبي، وهو ما يعني أنه موجه، أساسا، إلى شريحة معينة من المهتمين من الباحثين والدارسين المتخصصين. لكن موضوعه، وإن كان يدور حول ما عُرف بالشعر المُحدَث في تاريخنا الأدبي، فإنه وثيق الصلة بموضوع أعم وأشمل وأعمق، هو موضوع الحداثيّة(الموديرنيزم)، التي تغزو اليوم، بالحديد والنار، حقيقة ومجازا- وخاصة في مجالات الفكر والآداب والفنون- عقولنا وقلوبنا وأذواقنا، وتجتاح ناشئتنا في المدارس، وشبابنا في المعاهد والجامعات، وتستنزف طاقاتنا وأموالنا وأوقاتنا- وهي غالية لا تقدّر بثمن عند من يعرف قيمتها- في مراكز الأبحاث والدراسات.
والمتتبع لكتاباتي ومقالاتي يعرف أن الحداثيّة التي أقصدها إنما هي الحداثية في وجهها المتطرف الهدمي التخريبي العبثي، التي تنبع من خلفية عقدية فلسفية إيديولوجية عمادُها ما أسميه بالإلحاد المناضل، الذي يسعى معتنقوه، بالليل والنهار، لا يكلون ولا يملون، من أجل إطفاء نور الله، (والله متم نوره ولو كره الكافرون).

وهذه مقتطفات من مقدمة الكتاب:
لقد زوّر الحداثيّون اللادينيّون-وما يزالون يفعلون- الأخبارَ والحوادثَ والروايات التاريخية، واقتطعوا النصوصَ من سياقاتها الطبيعية، لتوافق هواهم ومقاصدَهم، وانتقوا من الأسماء والأحداث والوقائع، بعد تأوليها حسب ما يناسب مبتغاهم، والتصرف فيها بالزيادة والنقصان، والتلاعب ببعضها بالتحريف والاختلاق، ما يخدمُ أهدافهم، ويُصدّقُ مسلّماتهم التي وضعوها بداية، وانطلقوا يبحثون لها عن المثال، ويجلبون لها ما يسوّغها من النصوص والأخبار.
ومن معدن هذا التزوير المُنكر صاغ أدونيس(علي أحمد سعيد إسبر) ما أسمّيه "مُسَلَّمَتَه الحدَاثيَّة"، التي ترى أن الإلحاد، في تاريخنا العربي الإسلامي، كان "أول شكل للحداثة". وقد بنى على هذه المسلمة أن جميع كبار شعراء العربية، كبشار بن برد، وأبي نواس، وأبي تمام، والمتنبي، وأبي العلاء المعري، لم يكونوا مؤمنين بالوحي، بل-في زعمه- كان لهم وحيهم الخاص، و"أن جميع العباقرة العرب الذين نبغوا في الإسلام، من أبي نواس إلى المعري، وجميعَ كبار الشعراء والفلاسفة، كانوا لادينيّين. ولم تَخرُجْ من الدّين مباشرةً ولا فكرةٌ واحدةٌ، مثلما يخرج العطرُ من الوردة. فالمفكرون والشعراءُ خلقُوا ورودا جديدة للحصول على عطر آخر"، وأن "الشعر، على طول تاريخه، كان معاديا للدين".
والغالب على هذا التزوير الحداثيّ ركوبُ مركب التنَكّر والتمويه والمغالطة أسلوبا في المجادلة والحجاج، من أجل الغلبة والإقناع، فضلا عن الخلفية الإديولوجية اللادينية التي لا تغيب. بل إن هذا التزوير كان يظهر، في بعض الأحيان، في صورة في غاية الوقاحة والدناءة والافتراء، وهو ما ينبهنا إلى هذا الحضيض الذي بلغه الحداثيون اللادينيون المتطرفون المزوِّرون في الجراءة على مقدسات الإسلام، وثوابت التاريخ، وحقائق العلوم، ونزاهة العلماء.
فالشعر المحدث بمنظار هذا التزوير الحداثي هو الرحم الشرعي الذي فيه تخلّق الشعر الحديث. كيف؟ وبأي حجة أو مقياس أو مسوّغ يقرر الحداثيون هذا؟
ليس هناك من حجة ولا مقياس ولا مسوغ علمي يقبله المنطق، وتسلم به العقول إلا الهوى الجارف والإيديولوجية العمياء...
لقد بلغ البهتان الحداثي أوْجَه حينما  تمّ وصفُ شعراء مُحدَثين مُسلمين، كأبي نواس وأبي العلاء، مثلا، بأنهم كانوا مُلحدين. وهذا البهتانُ إنما يفضحه أن أشعار هؤلاء الشعراء، وما وصلنا من أخبارهم الموثوق بها، وليس الأخبار الموضوعة المدسوسة، تشهد بإيمانهم، رغم ما اشتهر عن بعضهم من خلاعة ومجانة وسخافة. أما مطويات ضمائرهم، وسرائر قلوبهم، فأمرها إلى الله، سبحانه، الذي (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور).
فليس بين الشعر المُحدَث، الذي تحدث عنه نقادنا القدماء، وبين "الشعر" الحداثي الذي يجتاح حياتنا اليوم، في اعتقادي، أي علاقة قرابة، وإنما هو التزوير الحداثي الذي فرض أن هناك علاقة "عائلية" "فنية" "إبداعية" عريقة بين الاثنين. وقد لا نستغرب هذا السلوك المنكر من "لقيط" ناتج عن حرام، يريد أن يثبت لنفسه نسبا شرعيا، وهو يعلم حق العلم أنه مولود غير شرعي. إذن، سيجتهد في فعل كل شيء، بالحق والباطل، من أجل أن يدفع عنه التهمة والنظرات المريبة التي لا تني تلاحقه.
وبعد، فإني أرى فصولَ هذا الكتاب خطوة جديدة في الطريق، أتمنى أن تتبعها خطوات وخطوات، من أجل فضح هذا التزوير الحداثي الذي بات يخنق حياتنا الأدبية، ومن أجل تحطيم أصنام النقد الحداثي اللاديني المتطرف، التي بات لها سطوة على العقول والقلوب والأذواق، في المدارس والجامعات، وفي مراكز التأطير والبحث، وفي غير أولئك من مناحي حياتنا، وبالخصوص في مضمار الفكر والثقافة والفنون والآداب.
ومن الله، تعالى، العون والتيسير والتوفيق.

الأحد، 9 نوفمبر 2014

"شعراء" آخر الزمان



بسم الله الرحمن الرحيم

"شعراء" آخر الزمان


(1)
من مظاهر انحطاط الأدب في هذا الزمان، وفي الشعر بصفة خاصة، أن بعض الناس يُمسي إنسانا عاديا، فيُصبح "شاعرا"، ينشر له الناشرون، وينوّه به الناقدون، ويتحدث عنه الصحافيون!!
هكذا، وبلا مقدمات، ولا مقومات، ولا معرفة بالقواعد الضرورية، ولا امتلاك للمعارف والأدوات اللازمة، يحلمُ أحدُهم أنه أصبح شاعرا-قلت: يَحْلُمُ، أيْ يرى في المنام- وعندما يستفيق من نومه، يعتقد أنه أصبح شاعرا بالفعل، فيمسك بقلمه، ويُبَسْمِل، ثُمّ يُخرْبش خربَشات على الورق، أيِّ ورق، وإن كان من نوع (كلينيكس)، بتشتيت كلمات على أسطر بطريقة عبثية، قد لا يجمعها معنى محسوس ولا تصوير معقول، وبلغة قد تَرِكّ إلى درجة من السخف لا يُطاق، فإذا "الدفقةُ الشعرية" قد تشكّلت، و"الإبداعُ" قد تَمّ، و"القصيدةُ" قد اكتملت. وقد تسمع، عن هذا الحالم المنتحل المُخَرْبِش، بعد أسابيع أو أشهر، أنه أصدر ديوانَه الأول، ثم بعد أسابيع أو أشهر أخرى، ديوانه الثاني، وهكذا، حتى تقرأ عنه، غدا أو بعد غد، أنه من كبار "الشعراء"!!
هذه الصورة الكاريكاتورية الساخرة تبين حقيقة ما بات عليه الإبداع الشعري في زماننا، حيث تسلط على الميدان مدعون حالمون منتحلون، ومنهم نصّابون محترفون، فبات بإمكان كلِّ من هب ودب أن يقول "الشعر"، ما دام الأمر لا يحتاج إلى معرفة، ولا يتطلب آلات، ولا يقتضي التزاما بقواعد وحدود ومعايير.
لقد بشّرت نابتةُ الحداثيِّين، منذ النصف الأول من القرن الماضي، بـ"شعر" لا يُحوج إلى أصل ولا إلى نسب ولا سلف، ولا يقتضي موهبة ولا دربة ولا مهارة، ولا يفرض احترام القواعد المقرّرَة في التعبير والبيان، ولا يشترط التقيُّدَ بقيود الصناعة وخصائصها ومتطلباتها. وها هي ذي البشرى اليوم تؤتي أكلها المرّ، بجائحات تجتاح المواهب والقرائح والأذواق، وبجدب يصيب الأمة العربية في علمها الأول، وهو الشعر، الذي لم يكن لها، في جاهليتها، علمٌ أصحّ منه، كما جاء في طبقات ابن سلام الجمحي.
وقد يسألني سائل أن آتيَ هنا ببعض الأمثلة من هذا الكلام الذي يسمونه "شعرا حديثا". وجوابي أن معظم ما يُنشر اليوم باسم الشعر الحديث هو من هذا الطراز، أمّا الاستثناءات فهي من القلة، بحيث لا تكاد تراها في هذا الخضمّ الهائج المائج من الإسفاف والرداءة والإنشاء الصبيانيّ.
لقد قوّض الحداثيّون المتطرفون صرحَ القريض، ومَسخوا السليقةَ العربية بما أحدثوا فيها من تشويهات وتحريفات، حتى بات حِمى الشعر مستباحا لمَنْ لا شغل له، ولكلِّ فاشل يبحث عن شيء يُخفي به فشله. وفي ركابِ هذا التقويض والمسخ والتزوير، نشط "نقاد آخر الزمان"، بين مُقرِّظ للتفاهة، ومنوِّه بالغثاثة، ورافعٍ للرداءة إلى قمة الإبداع.
لقد تمّ الانحرافُ عن الأصل السليقي، وإلغاءُ قواعد الصناعة وأدواتها وسائر مستلزماتها الأساسية المعرفية والفنية. وما هي إلا عقود معدوداتٌ حتى تحول هذا الانحرافُ، بفعلِ إيديولوجيا الهدم والمسخ والعبث، وبفعل وسائل الإعلام والطبع والنشر الهائلة، إلى أصل مؤصَّل، له شرعيّتُه التي لا تُدفع، وله منابرُه وأعلامه وإنتاجه الذي غزا الأذواق والأفكار، حتى غدا جزءا من الغزو الثقافي والأدبي والفني، الذي عمّ أمتنا العربية الإسلامية، وفي قلبها ناشئةُ الشباب، في المدارس والجامعات.
وفي الدراسة العميقة والشاملة للباحثة البريطانية (فرنسيس ستونور ساندرز)، التي نشرتها، سنة 1999، بعنوان (من يؤدي أجر الزّمّار؟ (سي.أي.يي) والحرب الثقافية الباردة) (Who Paid the piper? CIA and the Cultural Cold word)-
في هذه الدراسة الأكاديمية المتميزة فضحٌ، بالأسماء والأرقام والتواريخ، لسياسات الغزو الثقافي والأدبي والفني، التي كانت تتبعها الولايات المتحدة، معتمدة أساسا على ذراعها الاستخباراتي، المشهور اختصارا بـ(CIA). وفي هذه الدراسة، يظهر أن موجة الحداثية التي اجتاحت أمتنا منذ نهاية النصف الأول من القرن الماضي، وخاصة في مضمار الفنون والآداب، إنما كانت موجة مصنوعة وموجهة، تكمن وراءها أيدي خفية تدير خطة مدبرة، هدفها إخضاع الأمم والأفكار والمشاعر والأذواق.

(2)
كلامٌ مبتدَع سخيفٌ يسوِّقُه منشِئوه وشركاؤهم في المسخ والتزوير والتخريب الحداثي على أنه إبداعٌ شعري حديث، لكنه "شعر" بغير قراء، إلا من ألجأته الضرورةُ أو كان مُكرَها وقلبُه كاره، وصدرُه ضائق، وذوقه عائف.
مَن يقرأ اليوم لهؤلاء "الشعراء" المنتحِلين المزورين؟
كم يبلغ عدد مبيعات ما يسمى بـ"دواوين"
هؤلاء العابثين؟
وهل استطاعوا أن يفرضوا بدعتهم على الذائقة العربية؟
وهل تجد من الناشئة من يحفظ شيئا من "دواوينهم"؟
وهل تجد لهم ذكرا خارج مختبرات الفحص والدرس والتقويم؟
وهل هم موجودون إلا بالمناسبات والأمسيات والحفلات-على طريقةِ مهرجانات التخدير-التي يتم إخراجها على صورة تسلط الأضواء على المجاهيل، وتُجمّل وجه المقبوحين، وتسعى بكل جهد لتركز في العقول والقلوب والأذواق أن "الشعر الحداثي" قضاء وقدر، وما علينا إلا أن نقبل به، راضين أو كارهين، وإن كنا نجد صعوبات جمةً في هضمه والاقتناع برؤاه ومقولاته واستشرافاته، وأطروحاتِ زعمائه ورعاته والذائدين عن حماه؟
في جملة، لقد جمعت هذه "البدعة" الحداثية التي يسمونها "شعرا حديثا" كلَّ الصفات والخصائص والأسباب، التي تجعلها بدعة منفرة، وعملا لا يمكن أن يقبل عليه أحد، إلا من كان مِن العصابة، أو تدفعه إلى التعاطف معها مصلحةٌ من المصالح، العاجلة أو الآجلة. وأذكر أن وصف "البدعة" ليس من عندي، وإنما اقتبسته من نازك الملائكة، التي استعملته لإنكار التجاوزات والتحريفات والرداءات التي تردّت فيها صناعةُ الشعر باسم "قصيدة النثر"، أو "النثيرة"، أو "الشعر المنثور"، أو غيرها من الأسماء التي صنعها النقد الحداثي، وروج لها نقادُ آخر الزمان على أوسع نطاق.
"أنقذونا مِن هذا الشعر"، زفرةٌ لم يطق أن يحبسها في صدره طويلا واحدٌ من أبناء البيت الحداثي اللاديني، ورأسٌ من رؤوس الشعر الحداثي، وهو محمود درويش. زفرةٌ تمثل شهادةَ (شاهد من أهلها) على الحضيض الذي وصل إليه الشعر في ثمانينيات القرن الماضي.
أما اليوم، بعد أن عمّ البلاء وطَمّ، فيمكن أن نقول، بلا أدنى تردد، إن السيلَ قد تجاوز الزبى، بعد أن أصبح الميدان نهبا لكل بطّال لا يجد عملا مفيدا يشتغل به.
"شعر"-زعموا أنه حديث- لا يحمل أي رسالة، ولا له غرض مضموني محدد، وإنما هو لغو من الكلام يتبعه لغو، يقرؤه اللاغون من نقاد آخر الزمان-وهم أعضاء في العصابة الحداثية- ويحللونه ويقدمونه على أنه "شعر" بديع، يتميز بكذا وكذا من الصفات، ويرمي إلى كذا وكذا من المعاني والغايات، إلى آخر ما نقرؤه من لغو وعبث في "نقد" نقاد آخر الزمان، ليس لهم في ذلك من مستند ولا أصل ولا معيار إلا أنفسهم وأهواؤهم وما يحفظونه من آراء أساتذتهم في التزوير والتشويه والتخريب.
"شعر"-زعموا أنه حداثي- خال من أي تشكيل فني بديع، يفتقر إلى مقومات التصوير الشعري الجميل. وإنما هي مفردات مضمومة إلى مفردات، في تشكيل عبثي، ونظام لا يقوم على أي أساس إلا هوى النفس وطيشها ونزقها وادعاءها وتطاولها وتجرؤها.
"شعر"-زعموا أنه إبداع- متحلِّل من كل قواعد الصناعة وضوابطها ولوازمها، وفي مقدمة هذه اللوازم، التي لا يكون الشعر شعرا إلا بتوافرها، الوزنُ. فقد ردد نقاد آخر الزمان ما حفظوه من انحرافات معلميهم على أنه "الحقائق" التي ما بعدها حقائق، وقالوا إن الوزن ليس من لوازم الإبداع الشعري العربي، وطعنوا في تراث عمره أكثر من أربعة عشر قرنا، ورفضوه، وشككوا في أصوله ورسوخ أساسه ومصداقيته التي ما تزال تزكيها وتثبتها وتؤكدها قرون طويلة من الممارسة الشعرية العالية، ودواوين ما لا يحصى من الشعراء، بمختلف مستوياتهم.
وهل يبقى لنا من شعر بعد سقوط أعمدته الثلاثة: الرسالة والغرض، والتصوير والبيان، والوزن والتطريب والتنغيم؟
وهل يبقى لنا، بعد إلغاء هذه الأعمدة، شيءٌ سوى الخواء والجدب والبوار؟
هل يكون شعرٌ بلا وزن، ولا مضمون، ولا تصوير، إلا عند الأدعياء من عصابة "القرد الفنان ونقاد آخر الزمان"؟
هل يكون شعرٌ بلا قراء؟
هل يكون شعرٌ لا يُبلِّغ شيئا، ولا يحرك شيئا، ولا يساوي شيئا؟
أين هي في هذا "الشعر" الدعيّ الشواردُ من التشبيهات والاستعارات والكنايات؟
أين هي في هذا "الشعر" المزور السوائرُ من الحكم والأمثال؟
أين هي في هذا "الشعر" اللقيطِ النوادرُ من الصور والمجازات والتخييلات؟
أين هي في هذا "الشعر" المنبوذ لذاذاتُ الأوزان السائغة، والأنغام الساحرة، والألحان الفاتنة، والأجراس الجاذبة المطربة؟
أين هي في هذا "الشعر" المسخ الروائعُ من التعبيرات الشفيفة، والمفردات العذبة، والأسلوب السهل الممتنع الآسر؟
أين هو الشعرُ في هذا المخلوق المشوه، الذي يسمونه شعرا حداثيا؟
لقد بات هذا "الشعر الحداثي" المبتدَع اليوم بلا قراء، بل بات "أصلا تجاريا" مسجَّلا لمصلحة عصابات تحتكر فينا الحديث باسم الثقافة والفن والإبداع، لا تنتج إلا الرداءة والغثاثة والإسفاف.
وبعد، فما أسهلَ أن تُخضع أمةً بعد أن يتمّ لك إفسادُ ذوقها، وتمييع أخلاقها، وتشويه مشاعرها، وتزوير وعواطفها، وإضعاف لغتها، تفكيرا وتعبيرا وإبداعا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

الاثنين، 21 يوليو 2014

(إنّما الأعمالُ بالنيات)



بسم الله الرحمن الرحيم



(إنّما الأعمالُ بالنيات)





(1)

لقد مرت مسيرةُ يوم الأحد 20 يوليوز للتضامن مع غزة الواقعة تحت نيران العدو الهمجي، وإدانةِ الوحشية الصهيونية، ومعها المجتمعُ الدولي المنحاز للعدوان، والأنظمةُ العربية الضعيفةُ والمتواطئة والمتخاذلة.

لقد مرت المسيرةُ، ورجع المشاركون، كلٌّ بحسب نيته. فمن كانت مشاركتُه، بحق، هي للتضامن مع غزّة وإدانة العدوان الصيهوني، فقد نال الأجر والثواب، الذي يناله المواطِن المحاصر المقموع الضعيفُ العاجز عن نصرة إخوانه إلا بالخروج للشارع، ورفع الصوت عاليا حتى يعرفَ العالمُ أن ما يجري في غزّة اليوم هو مذابح وإبادةٌ وقتل وحشي يشهد على أن العدو الصهيوني بات فاقدا لأبسط صفات الإنسانية.

ومَن كانت مشاركتُه من أجل أن يراه الناس، وتصوِّرَه الكاميرات، ويتحدث عنه الإعلامُ بأنه حضر وسار وتكلم، أو مِن أجل التمويه وخلط الأوراق وذرّ الرماد في العيون، للتغطية على موقف الدولة المخزنية المبدئي الاستراتيجي التابع لأمريكا وأوروبا، والدائر في فلك أغنياءِ إمارات الخليج، والمؤيد لنظام الإنقلابيِّين الدمويِّين في مصر، الذي يقف مع العدوان الصهيوني بتشديد الحصار على الفلسطينيِّين، وإغلاق معبر رفع، الذي يُعدُّ الرئةَ الوحيدة التي يتنفس منها أهل غزة، والنافذةَ الأساسية التي يتواصلون منها مع العالم الخارجي-

مَن كانت مشاركته من أجل التمويه وخلط الأوراق وتبييض الموقف المخزني المساند، مبدئيا واستراتيجيا، لسياسات أمريكا في المنطقة، ومِن هذه السياسات ضمانُ أمن العدو الصهيوني المغتصب، وحماية حرية الملاحة وتدفق النفط العربي عبر قناة السويس-مَن كانت مشاركتُه لمثل هذه الأهداف، فإن جزاءَه سيكون وفاقا لمَا نوَى، وما قصد، و(إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء)، سبحانه، (يعلمُ خائنةَ الأعين وما تُخفي الصدور).



(2)

إن الاعتداء الهمجيَّ على غزّة هو عديلُ الانقلاب الدموي على الشرعية في مصر. وإن مَن أيَّد الانقلابَ وما ارتكبه مِن مذابح-لقد قارب عدد الشهداء في هذه المذابح ثلاثة آلاف شهيد، فضلا عن آلاف الجرحى، وعشرات الآلاف من المعتقلين- لا يمكن أن يكون صادقا في تضامنه مع غزة، وإنما هو تضامنٌ "تاكتيكي" تمويهي، لامتصاص غضب الشارع المشتعِل، وكسب بعض النقط في الرصيد السياسي الذي يعاني مِن الهزال، والتشويش على مواقف المعارضين للدولة المخزنية.

النظام الانقلابي في مصر اليوم، يُعدُّ، كما كان سلفُه على عهد مبارك، بشهادة العدو الصهيوني نفسه، "كنزا استراتيجيا" للعدو المغتصب. وما كان للإنقلابيِّين أن يرتكبوا ما ارتكبوا في حقّ الشرعية الديمقراطية، التي كان يمثلها الرئيسُ محمد مرسي، مِن تلقاء أنفسهم، وبإرادة مستقلة، وإنما كان انقلابُهم ومذابحهم في حق الشعب المصري بمباركة مِن أمريكا وأروربا، ومعهما العدوُّ الصهيوني، علاوةً على الأنظمة الاستبدادية العربية.

إذن، الانقلابيون الحاكمون في مصر، ودولةُ الاغتصاب الصهيوني، وأمريكا وأوربا، والأنظمةُ العربية الاستبدادية، وفي مقدمتها إماراتُ الخليج النفطية- هؤلاء جميعا يشكلون تحالفا طبيعيا، ولا يمكن، بمنظار التحليل السياسي العميق، فصلُ ما يجري مِن عدوان على غزّة عما جرى ويجري في مصر على يد الانقلابيِّين الدمويِّين.

فلننظْرْ، مثلا، إلى ما سُمِّي بالمبادرة المصرية للتهدئة، والتي ما يزال الانقلابيون يصرون عليها، يؤيدهم، طبعا، الصهاينةُ والأمريكيون والأوربيون والدول العربية الاستبدادية؛

فقد أصبح من المعروف أن هذه المبادرة وضعها الانقلابيون في مصر بتشاور من العدو الصهيوني المعتدي، فضلا عن رئيس السلطة (أبو مازن)، الذي لا يملك إلا أن ينصاع لمصر، ومِن ورائها الإرادةُ الأمريكية الصهيونية، وحاولوا فرضَها فرضا على المقاومين الصامدين في الميدان، يواجهون همجيةَ أعتى آلةٍ عسكرية في المنطقة. وكأن الطريقةَ التي وُضعت بها هذه المبادرة، وفُرِضَت، كان القصدُ منها أن يرفضَها المقاومون في غزة، حتى يشكلَّ هذا الرفضُ غطاء سياسيا دوليا، ليستمرَّ العدو المعتدي في عدوانه، يقتلُ، ويحرق، ويهدم، ويخرب، لعله يحققُ أهدافَه بإخضاع المقاومين، وتدمير قواعدهم، وضرب معاقلهم، والتخلص من أسلحتهم.

لقد صُنِعَت المبادرةُ المصرية المتحيزة المتواطئة مع العدوان الصهيوني، بطريقة مراوغة ماكرة، لتعطيَ لهذا العدو ومَن يساندونه، علانيةً أو سرا، المبررَ الكافيَ لتظل آلتُه العسكرية العاتية الجبانةُ على ما هي عليه من همجيّة ودموية سيسجلها التاريخ عارا على هذا المجتمع الدولي المتواطئِ بسكوته، المشاركِ في الجريمة بتردده وتسويفه، الوالغِ في دماء الشرفاء الأحرار الأبرياء المظلومين بجبنه ونفاقه.

وكان مجلسُ جامعة الدول العربية-هذا الكيان المهترئ، العاجز منذ كان، الذي بات يتحكم فيه حكامُ الأنظمة العربية المستبدة، يتقدمهم أمراءُ الدول النفطية السفيهة المترفة- قلت كان اجتماعُ هذا المجلس العاجز الفاشل، على مستوى وزراء الخارجية، يوم 7 يوليوز2014، أي بعد سبعة أيام من بداية العدوان الغاشم على غزة-لاحظوا هذا التأخر في الاجتماع؛ بعد سبعة أيام!!- قد انتهى بقرار يتضمن اثنتين وعشرين نقطة، تدور كلُّها تقريبا حول الشجب، واستجداءِ تدخل المجتمع الدولي، وتسول الصدقات والالتفاتات لدى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وحول  مساعدات مالية لإعمار القطاع، تمَّ إقرارُها منذ سنوات، لكن لم يتم الوفاءُ بها، وحول ما يجب على الدول الأعضاء لمناصرة القضية الفلسطينية، والوقوف بجانب الحق الفلسطيني في مواجهة المعتدي الظالم، إلى غير ذلك مما معروف ومعهود في بيانات الشجب والكلام والتضامن التي تصدرها هذه الجامعة، والتي تبقى، في نقطها الجوهرية، حبرا على ورق.

قلت تضمن هذا القرارُ، على شاكلة القرارات السابقة، كلاما طويلا وعريضا عن إدانة العدوان والتعبير عن التضامن والوقوف مع الشعب الفلسطيني المظلوم، وهو كلام، كما قلت، يبقى كلاما، وخاصة في النقط التي تتطلب جرأة سياسية، وقرارات جماعية مستقلة ومسؤولة، ومواقف عملية محسوسة وحازمة. لكن مَربِط الفرس في هذا القرار هو النقطة المتعلقة بالمبادرة المصرية، التي جاء قرارُ المجلس المجتمع ليدعمَها، ويطالبَ "كافة الأطراف المعنية بإعلان قبولها للمبادرة والتزامها بما نصت عليه"، ويدعوَ "الأطراف الإقليمية والدولية إلى قبولها وتهيئة المناخ اللازم لاستدامة التهدئة". والفقراتُ بين قوسين مقتبسة من نص قرار مجلس جامعة الدول العربية.

وتضمن القرارُ أيضا نقطة تخصّ "شكر جمهورية مصر العربية على جهودها المبذولة لوقف العدوان الإسرائيلي، وتحقيق التهدئة، وتحركها لمواجهة الكارثة الإنسانية التي تواجه المدنيِّين في قطاع غزة، وتثمين قرارها فتحَ معبر رفح لاستقبال الجرحى، وتقديم العلاج اللازم لهم، وتوجيه الشكر للمملكة الأردنية الهاشمية لجهودها الرامية إلى وقف العدوان الإسرائيلي، وتحقيق التهدئة، وخصوصاً من خلال عضويتها الحالية في مجلس الأمن، وكذلك توجيه الشكر لكافة الدول العربية التي تقدم المساعدة للشعب الفلسطيني في محنته، والتأكيد على ضرورة استمرار هذه الجهود، وتقديم مساعدات إنسانية وطبية عاجلة وعلاج جرحى هذا العدوان".

كلامٌ في كلام، وبعضُه كذبٌ وبهتان.

الشكر لدولتين تحاصران أشقاءهما الفلسطينيِّين، بخضوعهما لمعاهدتَين وقّعهما نظامان مستبدان مع العدو الصهيوني المغتصِب، وتَمَّ فرضُهما على الشعبين المصري والأردني بالحديد والنار. وما يزال الفلسطينيون المظلومون، وفي قلبهم المقاومةُ الثابتة الصامدة المُشَرِّفة، يعانون الويلات مما جرَّت عليهم هاتان المعاهدتان. ثُم كانت اتفاقيةُ أوسلو المشؤومة سنة 1993، بين منظمة التحرير الفلسطينية والعدو الصهيوني، والتي تولَّد عنها ما يُسمَّى اليوم بالسلطة الفلسطينة، التي تحولت على عهد رئيسها محمود عباس إلى  أداة إضافية مِن أدوات قمع المقاومة ومحاصرتِها، بل وتجريمها وإدانتها. ولهذا، ليس غريبا أن يكون الرئيس محمود عباس عنصرا أساسيا لا يمكن الاستغناء عنه في مناورات الكبار مِن أجل إخضاع الفلسطينيِّين، ونزعِ أسلحة المقاومة، وفرضِ سلام بالشروط التي تضعها الدولةُ الصهيونية المغتصبة الباغية.

لقد حاولوا أن يُبعدوا المقاومة عن صياغة مبادرتهم المخادعة المزعومة، حتى يحملوها(أي المقاومة) مسؤوليةَ المجازر التي يرتكبها الصهاينة، وحتى يُعطوا للعدو-شاؤا أمْ أبوا- مسوّغا سياسيا مريحا ليعيث في الشعب الفلسطيني ذبحا وتدميرا وتخريبا.



(3)

هناك عنصرٌ آخر يجعل الانقلابيِّين في مصر والصهاينة المغتصبين في فلسطين مشترِكَيْن في جرائم المذابح التي تقع اليوم في غزة، وهذا العنصرُ هو كراهيتُهما للإسلاميِّين، ومحاربتُها لهم تحت غطاء دولي فضفاض هو "محاربة الإرهاب".

فحركةُ حماس حركةٌ إرهابية عند الصهاينة المجرمين والانقلابيِّين الدمويِّين، ومِن ثَمَّ فمحاربتُها والسعيُ لاستئصالها وإبادتِها عملٌ "مشروع" لا يمكن إلا أن يحظى بالقبول لدى "المجتمع الدولي" المنافق الظالم المتحيز.

وعلى الرغم مِن أن جبهة المقاومة في فلسطين تضم فصائل متعددة مِن مشارب مختلفة وإديولوجيات متباينة، فإن التركيز دائما على حماس، لماذا؟ لأنها تمثل رأس المقاومة وعنوانَها وروحَها. فجميع الفصائل المقاومة روحُها إسلاميةٌ، بغض النظر عما بينها من اختلافات، فكريا وإيديولوجيا وسياسيا وتنظيميا. إنها إذن مقاومةٌ إسلامية يجب في حقها الذبحُ والحرق والاستئصالُ باسم "مكافحة الإرهاب"، حتى يتخلصوا مِن الرمز الذي ما تزال تمثلُه، والروحِ الذي ما تزال تبثُّه في الشعب الفلسطيني، وخاصة في الأجيال الشابة الناشئة.

إن المجازرَ التي تنفذها الآلة العسكرية الصهيونية الإجرامية في غزّة اليوم هي، في جوهرها، وجهٌ مِن أوجه الحرب المعلنة على الإسلاميِّين في العالم، وفي العالم العربي الإسلامي بصفة خاصة. فالإسلام، عند الصهاينة، يعني المقاومةَ، والصمودَ، والاستشهاد. إن الإسلام كان دائما وراء الحركات الجهادية في فلسطين، وفي غير فلسطين مِن بلادنا العربية الإسلامية. إنه الروحُ الذي به تظل المقاومةُ حية نشيطة قوية متجددةً لا يعرف الضعفُ والخمول والبلى إليها سبيلا. إنه الوقود الذي به تظل شرارةُ الغضب والثورة والمقاومة مشتعلةً لا تنطفئ ولا تخبو.

جميعُ فصائل المقاومة في فلسطين، وإن لم تكن محسوبة على الإسلاميين، تستلهم روحَ الإسلام وقيَّمَه في المواجهة والثبات والإقدام والاستشهاد. ولهذا، كان رأس الإسلاميِّين مطلوبا عند الصهاينة، كما هو مطلوب عند الانقلابيِّين في مصر، وكما هو مطلوب عند أنظمة حكامنا المستبدين.

(ويمكرون ويمكر اللهُ، والله خيرُ الماكرين).

 (ومَنْ يتولَّ اللهَ ورسولَه والذين آمنوا فإن حزبَ الله همُ الغالبون).

(ألاَ إن حزبَ الله همُ المفلحون).

(ألا إن نصر الله قريب).

وبعد، فقد انتهتْ مسيرةُ يوم الأحد(20 يوليوز)، بالرباط، ورجع الناسُ إلى بيوتهم، بعد أن نال كلُّ واحد مِنْ مشاركته بحسب نيته المُضمَرة، وأهدافه المقصودة. وفي الحديث الصحيح المشهور: (إنما الأعمالُ بالنيات، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوَى. فمَن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله فهجرُته إلى الله ورسوله، ومَنْ كانت هجرتُه لدُنْيا يُصيبُها أو امرأة يتزوجها فهجرتُه إلى ما هاجر إليه).

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.