الأحد، 5 يناير 2014

اللاّدينيّون فوق الشبهة!


بسم الله الرحمن الرحيم



اللاّدينيّون فوق الشبهة!



"اللادينية"، عندنا في المغرب، باتت مرادفا لديكتاتورية بشعة متنكرة في زيّ حداثي حقوقي، تسكن وراءه رغبةٌ جامحة في إقصاء الإسلاميّين، والسعي بكل السبل لشيطَنتهم واستئصالهم.

نسبةُ اللادينيّين في المجتمع المغربي لا تساوي شيئا مقارنة بالغالبية الإسلامية، وهم مجموعاتٌ هامشية لولا ما يجدونه من دعم وتشجيعٍ وحماية، وخاصة من الخارج، ولولا الإعلامُ المنحاز إليهم، في معظم منابره، ولولا غيابُ تكافؤ الفرص الذي يغيّبُ صوت الإسلاميين عمدا، ويسلط الأضواء الساطعة على اللادينيّين ومقالاتهم ومغالطاتهم  وتهريجاتهم، ولولا غيابُ العدل، الذي يرفع انحرافات اللادينيّين إلى مرتبة الحقوق المكفولة والحريات المحمية، ويهوي بمقالات الإسلاميين وآرائهم وردودهم إلى حدّ المنع والتجريم والتحريم.

اللادينيون، في المجتمع المسلم، عصاباتٌ منبوذة لولا ما في أيديهم من الإمكانيات المادية والإعلامية، ولولا ما يتمتعون به من براعة وخبرة في الصياح والعويل والتخليط والتغليط والتلبيس.

ورغم كل ما يمكن أن يقال عن نفوذ  اللادينيّين المتنامي بين المسلمين، فإنهم، سياسيا، لا يمكن أن يقبلوا بديمقراطية حقيقية يكون الحكم فيها هو صوت الشعب وإرادته واختياره.

إنهم يسعون اليوم، وسيسعون غدا، من أجل فرض ديمقرطية بلا إسلاميين، أي بلا منافس، وعندنا فيما جرى ويجري في مصر العربية الإسلامية الدليلُ الناصح الذي لا سبيل معه إلى تأويل.

في تونس العربية الإسلامية، سعى اللادينيّون ليكونوا على طريقة أمثالهم في مصر، لكنهم، إلى حد الآن، فشلوا في بلوغ ما يتمنون، لكنهم، في اعتقادي، قوم لا ييأسون، وسيُخرجون كل ما جعبتهم من مكر ودجل وحقد وكراهية، حتى لا يبلغ المسارُ الديمقراطيُّ مأْمَنَه. سيحاولون بشتى الوسائل عرقلةَ هذا المسار، والتشويش عليه، ليخلطوا الأوراق مرة أخرى، ويرجعوا بالبلاد والعباد إلى أجواء الفتنة والهرْج والمرْج، لأنهم-حسب ما خبرناه من خططهم- كائنات لا يمكن أن تعيش إلا في التلوث والفوضى.

اللادينيّون لهم اختياران لا ثالث لهما: إمّا ديمقراطية على قدّهم، لا يكون فيها أمامهم منافسون حقيقيون، وإما فوضى واضطراب وأزمات تتبعها أزمات.

اللادينيون عندنا-وفيهم ملحدون صرحاء باتوا معروفين بيننا بأسمائهم وأوصافهم ومقالاتهم وأباطيلهم- لا يرون في الطعن على أصول الإسلام، والتطاول على أحكامه الشرعية القطعية، والوقيعةِ، بالسخرية والتجريح، في رموزه ومقدساته، واستباحةِ آدابه وأخلاقه، إلا رأيا حرا تجب حمايتُه وتشجيعه والتنويهُ به. وإن قام، في المقابل، مسلمٌ بدافع الغيرة على دينه ومقدساته، فردّ على ما يعتقدُ أنه زندقة وباطل وضلال، فإن  قيامة الناس تقوم، تنديدا واتهاما وتحريضا وشيطنة، ولا يتركون وسيلة متاحة أو ممكنة، إلا ويستعملونها، لإدانة رأيِ المسلم الغيور، والدفاع، في زعمهم، عن حرية اللادينيِّ المتجرِّئِ الطاعنِ الساخر الجاري، في انحرافاته وانتهاكاته وترهاته، في كل اتجاه.

والأمثلة على هذا أكثر من أن تحصى.

ملحدٌ يتطاول، في وقاحة منقطعة النظير، على مقدسات الدين، فتقوم دنيا اللادينيين للدفاع عما يعتبونه حقا مشروعا. وحينما يأتي الردّ من الإسلاميين، فإنه، في الأحكام الجاهزة المحفوظة، دعوةٌ إلى الكراهية والقتل والظلام!!

هذا اختلال مُريع في موازين العدل والحكم والتقويم.

هذا منطق فاسدٌ يمكن أن يؤديَ إلى أوخم العواقب.

نعم، المواطنُ المسلم لا يمكن إلا أن يكون مع احترام القانون ومؤسساته، ومِنَ القانون احترامُ الإسلام دينِ الأغلبية، وتجريمُ التطاول على أصوله ومقدساته.

لكن الذي لا يُفهم ولا يُستساغ، هو أن يتحول القانون، والعدالةُ عامة، إلى أداةٍ متحكّمٍ فيها، لخدمة أغراضٍ، ودعم سياساتٍ، وحماية أفكارٍ وتيارات واتجاهات، في خرق سافر لمبدأ الحياد والمساواة والإنصاف.

لقد قرأنا في الإعلام أن النيابةَ العامة قد قررت، بعد القيامة التي أقامها اللادينيون بسبب نشرِ رأيٍ لرجلٍ محسوب على السلفيين، مغمور لا يكاد يعرفه أحد، متابعة صاحب الرأي السلفي.

جميلٌ ومحمود ومطلوب وضروريٌّ، في كل الأوقات، أن تتحرك النيابة العامة لحماية الوطن والمواطنين من كل أشكال الفتن والجرائم والأضرار، التي يمكن أن تصيبهم، ماديا أو معنويا. هذا هو واجب النيابة العامة في كل وقت، بلا محاباة ولا مراعاة لهذا أو ذاك، ولا تأثرا بهذه الجهة أو تلك، بل النيابةُ العامة هي لعموم المواطنين، بغض النظر عن حيثياتهم وأفكارهم واتجاهاتهم. هذا هو الأساسُ الذي ينبغي أن يكون عليه البناء في كل الظروف والأحوال.

رأيٌ من رجلٍ سلفيٍّ مغمور يمتاز بالجرأة والشذوذ والغلو هو، في حقيقته، ردُّ فعلٍ على فعلٍ سابقٍ من رجل سياسيّ معروف، لا يقلّ، في جرأته وشذوذه وغلوّه، عن ردّ السلفي اللاحق.

فالفعلُ وردّ الفعل، كلاهما واقعٌ في التطرف، ولا يُعقل أن يعتبر الفعل رأيا حرا مقبولا، وردُّ الفعل تشددا وجريمةً يستحق صاحبُه المتابعة والعقاب.

هذا ليس بعدل في دولة يدعي حكامُها أنها دولة الحق والقانون. هذا ظلم غير مبرر. وقد كانت هناك سوابق عديدة لهذا الظلم، الذي يكون القانونُ فيه خادما لأفكار وتوجهات على حساب أفكار وتوجهات أخرى.

كان على النيابة العامة أن تحققَ أولا مع السياسيِّ الذي تطاول على أحكامٍ يعتبرها عامة المسلمين قطعيةً في دينهم، ودعا إلى تجريم بعض هذا الأحكام، وتنظرَ إن كان ما صرح به هذا السياسيُّ الذي يتصدى للشأن العام في مجتمع مسلم، يستحق المتابعةَ وفق ما هو منصوص عليه في القانون أم لا، وإن كان ما قاله معدودا في الآراء والاجتهادات المقبولة، أم مسلوكا في التجاوزات والانتهاكات والأقوال المجرَّمَة.

لقد عشنا مع نيابتنا العامة سوابقَ كانت فيها هذه النيابةُ حاضرة يقظةً منتبهة لردود الأفعال، وغائبةً غافية غافلة عن الأفعال الأصلية، وهذا ما يجعلنا نقف موقف الارتياب تجاه العدالة في بلادنا، لأن القانون إمّا أن يُحكّم في جميع الظروف والحالات، وعلى جميع المواطنين بلا استثناء، وإلا فهو قانونٌ متحيز لا يطمع في عدله مظلومٌ، ولا يخشى قوتَه وصرامتَه ونزاهته ظالمٌ متعدّ جبّار.

 التطرف والغلو مرفوضان ومدانان، في كل الأوقات، ومن جميع الجهات. والنيابةُ العامة عينٌ ساهرة على أمن المواطنين ومصالحهم، لا تتردد، ولا تتحيز، ولا تحابي، ولا تُميِّز؛ جميعُ المواطنين أمامها متساوون في الحقوق والواجبات.

الغلو في الدين، وتكفيرُ الناس لرأي رأوه، أو موقف وقفوه، أو شبهة تلبسوا بها، مساو، في خطره وضرورة توقّيه وسدِّ ذرائعه، للغلو في التطاول على الدين، والجراءة على أصوله وأحكامه وآدابه. وإن كان لا بد من تحريك مساطرِ البحث والتحقيق والمتابعة، فالعدلُ يقتضي أن يشمل الأمرُ المتطرفِين والغلاة جميعا، بغض النظر عن معتقدهم  وانتمائهم وإديولوجيتهم.

إن اللادينيّين عندنا في المغرب، رغم أقليتهم في العدد، وهامشيتهم، في الفكر والرأي والاجتهاد، قد تجاوزوا كلَّ الحدود، بل لم يعودوا يأبهون لأيّ شيء، وكأنهم باتوا مطمئنين أنهم لن يمسهم سوءٌ من جراء فعلاتهم القبيحة، وكأنهم متيقنون أنهم محميون من أي شكل من أشكال المتابعة والمحاسبة والعقاب، وكأن عندهم الضوء الأخضر، بالليل والنهار، ليقولوا ما يشاؤون، ويعبروا ويطعنوا ويسخروا كما يحلو لهم.

إن إغضاء الدولة، التي توصف بأنها دولة الحق والقانون، عما يجترحه اللادينيّون في حقّ الإسلام دين الغالبية الساحقة من المواطنين، لخليقٌ أن يوسّع من نطاق الظلم، الذي مآله الفتنة والخراب.

إن التعاملَ مع آراء المواطنين وأفكارهم واختياراتهم بمكيالين، والتحيزَ لجهة ضد جهة أخرى، هو جمْرٌ قد يتحول مع الأيام، لاقدّر اللهُ، إلى نار متأججة حارقة ماحقة، لا ينجو من جائحتها أحد.

لا لغلوّ المتديّنين.

لا لغلوّ اللادينيّين.

نعم للقانون، يساوي بين الجميع، ويحترمه الجميع.

نعم للنيابة العامة، عينا ساهرة على مصالح كل المواطنين، بلا تمييز، ولا استثناء.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.



05 يناير2014

السبت، 28 ديسمبر 2013

وميضٌ يوشك أن يكون له ضِرَامُ


بسم الله الرحمن الرحيم



وميضٌ يوشك أن يكون له ضِرَامُ




 عنوان هذه المقالة مستوحى من شعر لنصر بن سيار، وقد كان واليا لبني أمية على إقليم خراسان، يقول فيه:


أَرَى خَلَلَ الرَّمادِ وَمِيضَ جَمْر//ويُوشِكُ أَنْ يكُونَ لـه ضِـرامُ

فإِنْ لَمْ يُطْفِهِ عُقَلاءُ قَـــــــوْمٍ//فإِنَّ وَقُودَهُ جُثَثٌ وهـــــــامُ

فإِنَّ النَّارَ بالعُودَيْنِ تُذْكَـــــــى//وإِنَّ الحَرْبَ أَوَّلُها كَـــــــلامُ

وهو شعر في الإنذار من مخاطر الفتنة والتقاتل والخراب والسقوط، التي كانت تهدد دولة الأمويين جراء استفحال قوة العباسيين وانتشار دعوتهم وزحف جيوشهم.

لكن هذا التحذير لم ينفع في إطفاء الجمر، وكانت النتيجة الفاجعة أن الجمر تحول إلى نار لم تزلْ متأجِّجة حارقة ماحقة، حتى أتت على دولة الأمويين من الأساس.

وهذه النيران التي نراها اليوم مشتعلة في كثير من بلادنا العربية الإسلامية إنما هي نتاج جمار كانت كامنة تحت الرماد، لم تجد من عقلاء القوم وفضلائهم من يبادر إلى إطفائها.

العنف اللفظي، والكراهية والبغضاء، والتنافر والتدابر السياسي، وتنامي خطابات الإقصاء والاستئصال، وغيرُها من صفات التعادي باتت سمة مميزة لهذه الجمار الهامدة تحت الرماد، والتي توشك أن تتحول إلى نيران تأتي، لا قدّر الله، على الأخضر واليابس، إن لم يبادر الفضلاء العقلاء الأمناء إلى خطة توقف الانحدار، وتعصمنا من التردي في نار الفرقة وأهوال الفتنة.

نذكر من ومضات هذه النار الكامنة تحت الرماد هذه التشققاتِ العرقية المستشريةَ في مجتمعنا بين العروبيين المتطرفين والأمازيغيين المتعصبين، وهذه الخصاماتِ العدائيةَ الطاحنة بين الإسلاميين، بمختلف فصائلهم ومشاربهم، وبين اللادينيين من كل التيارات والإديولوجيات، وهذه الصراعاتِ العبثيةَ الدائمة بين المكونات السياسية، من الأغلبية والمعارضة، المشاركة في الحياة السياسية الرسمية، التي يتحكم في كل خيوطها النظامُ المخزني المهيمن، وهذه الفوضى التي تخيم على الحياة الفكرية والثقافية والفنية، والتي لا نكاد نجد فيها متنفسا للتواصل والتفاهم والتراضي، بلْهَ الانسجام والتعاون والتعاضد، وهذا الإعلامَ الغارقَ، في غالبيته، في إذكاء النعرات، وإثارة الحزازات، والتمكين لخطابات الكراهية والتحريض والإقصاء، ونشر ثقافة الانحطاط والتفسخ والتغرّب والضياع.

هذه بعض الومضات الكامنة في الرماد، والتي يوشك أن يكون منها نارٌ ملتهبة، لا قدّر الله، تأكل البرّ والفاجر، لا تستثني أحدا.

الإلحادُ الصريح بات له صوتٌ مسموع، ونضالٌ مشروع، في مجتمع مسلم!! فهذه فتنة تهدد بشَرٍّ مستطير لا تبقي مصائبُه و لا تذر.

بعضُ النخب من الذين يسمّون أنفسَهم مثقفين وناشطين حقوقيين باتوا يتجرأون على كل مقومات المجتمع بوجه مكشوف، لا يردعهم دينٌ، ولا قانونٌ، ولا أعرافٌ، ولا أخلاق، يهيمون في كل واد، تحت لافتات لامعة خادعة، وأخرى ممسوخة مستوردة، وثالثة شيطانية مظلمة، يحسبون كل صيحة عليهم، تراهم حاضرين في الإعلام حضورَ الكلاب الضالة في مطارح الأزبال، ومُطنْطنين في المنتديات المفبركة على المقاس طنْطنَة الذباب حول الجيف المنتنة والقاذورات المضرة.

حبل التواصل منقطع بين مكونات المجتمع ومختلف تياراته وإديولوجياته واجتهاداته؛ المخزن منغلق على ذاته، لا يريد أن يرى الناسُ غيرَ ما يراه، وهو ماض في قبضته الحديدية، لا يهمه أن يكون في المجتمع اختناق أو ضغط يوشك أن يحدث انفجارا لا يمكن لأحد أن يتوقع مداه، وما يمكن أن يجرّه من خسائر وحرائق ومآس.

والمعارضاتُ من خارج لعبة النظام ومؤسساته منكفئةٌ هي الأخرى على نفسها، لا ترى إلا ذاتها في خطاباتها المتشددة، ومواقفها الرافضة، واختياراتها الجامدة، كلُّ معارضة منها متقوقعة داخل إديولوجيتها، ترى نفسها الأولى بالقيادة والفكر والنظر ورسم خارطة الطريق.

وفي سماء المشهد السياسي المخزني، لا نسمع للأحزاب المشاركة غير أصوات التكالب والتعاير والتكايد والتهارش والتعاضّ، وخاصة من جهة الأحزاب التي تصنفُ نفسَها في خانة المعارضة، لا يأبهون للقنابل السياسية الموقوتة، المهيأة للانفجار في أي وقت، ولا لأنّات المظلومين، في السجون وخارج السجون، ولا للأزمات المتلاحقة التي باتت تضيق الخناق على الناس، في سائر مناحي معايشهم، ولا للتيارات المخربَة الزاحفة من الهوامش نحو قلب المجتمع، تحتل المواقع، وتعتلي المنابر، وتعبئ وتحرض وتنظّم.

قد يكون في كلامي شيءٌ من التعميم المُخلّ، لكن السوءَ الذي بات يشمل أحوالَنا من كل النواحي يبرر، في اعتقادي، هذا التعميمَ ويفرضه فرضا.

إن من الواجب على العقلاء فينا أن يعتبروا، قبل فوات الأوان، بما جرى ويجري في تونس وليبيا ومصر وسوريا واليمن بعد عواصف الربيع العربي التي اجتاحت هذه البلدان. ومن أولويات هذا الاعتبار، في نظري، التداعي للحوار والتعايش والتعاون والتنافس البناء من أجل واجب الوقت، وهو المصلحة العامة، في جوهرها وحقيقتها الواسعة، لا في شعاراتها الشكلية وخطاباتها الإديولوجية الحزبية الديماغوجية الضيقة.

واجب الوقت على النظام المخزني، قبل فوات الأوان، أن يفتح نوافذ متعددةً للتواصل والتحاور مع معارضيه الحقيقيين، المُبعَدين خارجَ لعبته السياسية، وأن يسعى معهم لبناء نموذج سياسي ديمقراطي يستوعب الجميع من غير إقصاء ولا إلغاء ولا تهميش، وأن يعمل معهم، في الأجلين القريب والمتوسط، على تجاوز حالة الاختناق التي تهدد حياتَنا السياسية بأوخم العواقب، وإرجاع المصداقية الغائبة لمؤسسات الدولة وقوانينها، وأن يوقن أن الاستبداد مهما طال، فإنه إلى زوال، لن تغنيَ عنه قوته وجبروته وبطشه ومناوراته شيئا.

وواجب الوقت، كذلك، على المعارضين أن يستمعوا إلى صوت العقل والمصلحة العامة، بدل وضع الأصابع في الآذان، والانغلاق في الإديولوجيات العدمية الصماء، التي لا تغني ولا تسمن، والتي لا يمكن أن يجنيَ منها الناس إلا الشوك والحسرة والندامة، في العاجل أو الآجل من الآماد.

وأعتقد أن أيَّ تغيّر إيجابي في علاقة النظام المخزني بمعارضيه، وأيَّ تقدم في هذه العلاقة نحو مدّ جسور التواصل والتحاور والتعايش والتعاون، سينعكس بالإيجاب على مكونات المجتمع الأخرى، بل سيجعل مختلف فضاءات المجتمع تتأثر، بالرغم عنها، بما ينتج عن التواصل الإيجابي البناء بين المخزن وبين معارضيه الحقيقيين.

اليوم، كلُّ مكونات المجتمع السياسي والمدني والحقوقي والإعلامي منقسمة متصارعة متنافرة متدابرة حسب ما يحكم علاقة المخزن بمعارضيه الثوريين من توتر وتناقض وتصارع. فهذه المكونات خاضعة، شاءت أم أبت، لما يشوب أجواء العلاقة بين النظام وبين مختلف فصائل معارضي الدولة المخزنية، بل هي مكوناتٌ تائهة في أجواء التوتر والفوضى واللاتواصل، التي تطبع مختلف جوانب حياتنا السياسية والاجتماعية.

إلى متى سيظل المخزن متمسكا بإديولوجيته، التي ترسخ الاستبداد ومؤسساتٍ تأتمر بأوامر من هم فوق المتابعة والمحاسبة؟

إلى متى ستظل حياتنا، في مختلف قطاعاتها، محكومةً بقرارات لا يمكن مراقبتها ونقدها أو مراجعتها وإلغاؤها؟

إلى متى سيظل المخزن يُصمّ أذنيه عن سماع صوت معارضيه، ويسير في طريق سياسة الإخضاع والمنع والقمع والخنق؟

متى سيعي المخزنُ وأعوانه وتابعوه أن دولة الاستبداد لا يمكن أن تولد إلا النار المحرقة المهلكة المدمرة المخربة، وأن الشعوب، مهما طال رقودها وهوانها واستعبادها وإخضاعها، لا بد أن تستيقظ وتتحرك كالطوفان الهادر الكاسح الجارف كل ما يعترض طريقه؟

إني ألاحظ ما يجري في واقع حياتنا العامة، فأرى هذه التشققات الاجتماعية، والصراعات الإديولوجية، والنعرات العرقية، والسياسات الاستبدادية، والمعارضات العدمية، التي تهددنا في الصميم. أرى هذه الفرقة التي تزداد تمكنا يوما بعد يوم، فأرى من خلالها وميضَ فتنة يوشك أن يكون له ضرام. أحس بكل هذا، فأجدني أكرر مرة أخرى أبياتا من شعر نصر بن سيار، الشاعرِ الخطيب السياسي القائد العسكري الأموي:

وقلت من التعجّب: ليت شعري//أأيقاظٌ أميةُ أم نيـــــــــــــــــــامُ
فإن يقظَتْ فذاك بقاءُ ملـــــــــكٍ//وإن رقدَت فإنــــــــــــي لا ألام
فإن يك أصبحوا وثوَوا نيامـــــــــا//فقلْ قوموا فقد حان القيــــــامُ



وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

السبت، 14 ديسمبر 2013

حوارٌ مع بعض القراء



بسم الله الرحمن الرحيم



حوارٌ مع بعض القراء




بعض قرّاء مقالاتي، ومنهم إخوة أعزاء أحترم رأيهم، وأتقبل نقدهم بكل أخوة وصدر رحب، فهموا من كلامي أني أدعو جماعة العدل والإحسان إلى الدخول تحت العباءة المخزنية، والمشاركة في الحياة السياسة التي يتحكم النظام في كل خيوطها من الألف إلى الياء.

أنا لم أدْعُ قطّ إلى أن تتخلى الجماعةُ عن مبادئها وتنخرطَ في العمل السياسي بشروط الدولة المخزنية، ومقالاتي بين أيديكم شاهدة، فليس فيها، ولو عبارة واحدة يُفهم منها صراحة ما فهمه بعضُ القراء الكرام.

نعم، قد يفهم الناسُ من بعض عباراتي وانتقاداتي أني ألمح إلى ذلك، ولكن هذا فهمهم واستنتاجهم وقراءتهم. أما أنا، فعندما أنتقد الادعاء بأن العملَ خارج المؤسسات هو أجدى نفعا على الجماعة من العمل من داخلها، فإني لا أقصد، بالضرورة، الدخولَ إلى البرلمان أو الحكومة أو غيرها من الأدوات الخاضعة لإرادة النظام المخزني، وإنما قصدي، في جوهره، يرمي إلى تبيان أن وضعية الجماعة الحالية تجعلها جماعةً بعيدة عن الناس، لأنها مضطرة أن تعمل في الـ"السرية" أو ما يشبه السرية، ومن ثَمَّ تصبح الدعوة معرضة لأَنْ تتقاذفها الأمواج المتلاطمة في سواحل البحر المخزني اللجيّ، وتذروَها الرياحُ العواصف في صحاري دولة الاستبداد.

أكسيجين الدعوة، أيِّ دعوة، هو الحرية، وإلا فهي إديولوجيا صائرة، بالرغم عنها، إلى انحسار وانكماش وانغلاق.

بعبارة أخرى، السياسةُ أداة لخدمة الدعوة، وأي عُطْل أو عطب أو صدأ أو تلف أو ما شابه يصيب هذه الأداة، هو راجع لزوما على الدعوة بالأثر السلبي؛ ويمكن أن أفسر هنا عطل الأداة/السياسة أو عطبها أو صدأها أو تلفها بالآفات التي يمكن أن تطرأ على الاجتهاد السياسي، كالجمود في الفكر، والغلو في الرأي، والتشدد في المواقف، وما إليها من النقائص والأمراض، تكون، في عاقبة الأمر، وبالا على جسم الدعوة، وعثراتٍ في طريقها، وخنقا لحريتها.

فإيجابيّات العمل من داخل المؤسسات- وهي في أصلها وحقيقتها مؤسساتُ الشعب والمجتمع- لا حصر لها، وقد ذكر بعضَها الأستاذ مرشد الجماعة، رحمه الله، في مواضع كثيرة من كتاباته، وخاصة في حديثه عن اختيار المشاركة في الانتخابات، بما هو اختيار ممكن، حينما تضطر الأنظمة المستبدة، لسبب من الأسباب، أن تفتح للناس طريق العمل الديمقراطي، وتسمح لهم بحرية الرأي والتعبير والاختيار.

سيحاجّني بعضُ القرّاء بأن المخزن، عندنا، يسد جميعَ الطرق في وجه تنظيمات المعارضين على شاكلة جماعة العدل والإحسان، ولا يسمح لأحد منهم بالتنفس، فأحرى أن يسمح لهم بالتنظيم والتعبير والاختيار بحرية، ومن ثَمَّ، فإن المراهنة على هذا الطريق مراهنة خاسرة، لا محالة.

وجوابي على هذه الحجة في عنوانات ثلاثة:



العنوان الأول: نيّةُ التعشّي تبرِّر واقعَ التغذّي

في منطق الناس-وهو المنطقُ الغالب في السياسة- أن الذي يعلن في وجهك أنه ينوي التعشّيَ بك، يعطيك المسوّغَ الكافيَ لتبادر إلى التغذّي به.

وهذا هو المنطق الحاصل اليوم بين الجماعة وبين النظام المخزني؛ فجمود جماعة العدل والإحسان عند اجتهاد مرشدها السياسي الأصلي يعني أنها تقول للنظام إنني لا أقبل بأقلَّ من رأسك، ومن ثَمَّ فهي ترفض أي شكل من أشكال التعامل مع النظام، لأنه نظام جبريّ حقّه أن يزول ليفتح الطريق لإقامة الخلافة الثانية الموعودة.

وطبيعي، وخاصة في دولة عاشت قرونا تحت سلطان النظام الملكي، أن يكون جوابُ الدولة المخزنية على موقف الجماعة هو القمع والمنع والحصار، لأن هذه الجماعة باتت، في نظر النظام الحاكم، كيانا يعمل خارج القانون، وهدفه الصريح المعلن هو القضاء على الدولة القائمة.

طبيعيّ ومنطقيّ، حينما يتحول الصراع السياسي إلى صراع وجود، إمّا أنا وإمّا أنت، أن نرى من الدولة ما نراه تجاه معارضيها الثوريين، الذين لا يخفون أن هدف نشاطهم السياسي هو إنهاء وجود النظام الملكي، الذي ينظرون إليه على أنه الشر المحض، الذي لا خير يُرجى مع وجوده.

طبعا، أنا هنا لا أبرر القمع المخزني الواقع على المعارضين الثوريين، وإنما أصف الأشياء كما يفرضها منطق الصراع السياسي حينما يتحول إلى معركة كسر العظم، أكون أو لا أكون. الجماعة تعلنُ، حسب ما رسمه المرشد في اجتهاده السياسي، أنها تريد رأسَ النظام، والنظام يردّ بما تمليه عليه غريزة البقاء السياسي، بالقمع والمنع والحصار، مستندا هو الآخر إلى الشرعية والقانون، بمفهومه وتأويله وممارساته.

باختصار، المخزنُ يسعى جاهدا ليتغذّى بالجماعة قبل أن تتعشّى هي به.



العنوان الثاني: الدرس الإيراني

لقد أعلن مرشدُ الجماعة، رحمه الله، في كتاباته أن مشروع القومة الإسلامية التي بسطه في اجتهاده السياسي لا يمكن أن يبلغ غايتَه إلا بزوال النظام الجبري، أي بزوال النظام الملكي، لتبدأ مسيرةُ بناءِ دولة الخلافة الثانية على منهاج النبوة.

لكنه، رحمه الله، بحكمته السياسية، ترك للناس، في أرض الواقع والمِراس، فجوةً للتهوية السياسية، لأنه كان يعلم أن الشروط والظروف والأحوال قد لا تكون دائما مواتية للسير في طريق القومة الذي رسمه في اجتهاده.

لقد كتب الرجلُ، رحمه الله، في القومة ما كتبَ، في ظروف كانت تمتاز، في البلاد العربية والإسلامية، بالانقلابات العسكرية، والثورات الشعبية، والصراعات الإديولوجية، تؤطرها، دوليا، من قريب أو بعيد، الحربُ الباردة التي كانت مستعرة بين المعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، والمعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفياتي الغابر.

كان خطابُ الثورة/القومة يومئذ خطابا شعبيا مطلوبا، وخاصة في أوساط طلبة الجامعات وشرائح واسعة من المثقفين والمفكرين، تغذّيه نجاحاتُ الانقلابات والثورات والصراعات هنا وهناك. وإن من التخشّب والجفاف الفكري، عندي، أن يظن ظانٌّ أن الأستاذ عبد السلام ياسين لم يكن متأثرا بالأجواء التي كانت تفرضها تلك الانقلابات والثورات والصراعات.

ترك في اجتهاده فجوةً، بل فجوات للتهوية السياسية، حتى لا تتعرّض الدعوة للاختناق. لكن الجمود والتقليد يُعمي ويُصمّ، ولهذا لم يُعر الناسُ، وخاصة من أصحابه من أهل الغناء والسابقة، اهتماما كبيرا لما قاله المرشدُ، بالعبارة الصريحة، وهو قليلٌ، وبالتلميح بين السطور، وهو كثير، في سبل التصرف والاجتهاد السياسي في مواجهة أنظمة الاستبداد والقهر.

قرأ الناسُ الاجتهادَ السياسيَّ لمرشد الجماعة حرفيّا-وما يزالون يفعلون- بمنظار المُريد الذي لا يرى فيما يصدر عن مرشده إلا تجلياتٍ لعطاءات ربّانية لا يمكن تقويمُها ووزنُها وتقديرُها حقَّ قدرها بموازين السياسة والترجيح والعقل والرأي، التي تعارف عليها الفضلاء والعقلاء من أهل الرأي والسياسة والفكر، وإنما حقُّ هذه التجليات، بمنظار المريد المجذوب، أن تُحتَضن بالتصديق والتسليم وانتظار اليوم الموعود.

أنا مسلم أؤمن بأن لله أولياء، وبأن الله قادرٌ أن يختص بعضَ  عباده بما يشاء  من فضله، سبحانه، في العلم والفهم والفقه والرأي والنظر البعيد، وأن يجعلهم مُسدَّدين في النظر والاجتهاد. والأستاذ المرشد عبد السلام ياسين كان، رحمه الله، واحدا من هؤلاء المسدَّدين، يشهد له بهذا سيرتُه وتراثُه وعطاؤه الثرّار الذي سيظل معينا فياضا إلى ما شاء الله.

أنا، في نقدي، لا أقترب من شخص المرشد المربي العالم المفكر، رحمه الله رحمة واسعة، وأجزل له العطاء جزاء ما وفّى وقدّم، وكتبه عنده من المقرّبين الأبرار (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا).

ولست أحتاج أن أثبت حسن نيتي وصفاء سريرتي تجاه رجل خبَرت سيرته طويلا، بل كنت من السبّاقين إلى الكتابة عنه، وكان لي مشروع كبير في هذا الباب لولا الظروف والموانع الطارئة. 

أنا، في نقدي-ومقالاتي شاهدة- لا أقترب من شخص الرجل، وإنما أركز على اجتهاده السياسي، الذي حوّله الأصحابُ إلى صنم مُقدس، والذي ما فتئ المرشدُ نفسه، في حياته، يقدّمه على أنه عصارةُ ما وصل إليه علمُه وفهمُه وفقهُه، لم يدّع له، كما يفعل الأصحابُ اليوم، مكانةً فوق المراجعة والنقد والنقض والتعديل والتطوير، بل كان يحذر أن يصير رأيُه الاجتهاديُّ، من بعده، سدّا تتجمد عنده العقول والأفهام والإرادات.

وإني لمضطر، مع الأسف، أن أكرّر هذا كثيرا، لأن بعض الناس ما يزالون مصرين على ألا يفهموا من كلامي إلا ما يريدون، بل منهم من يذهب بعيدا في تقويل كلامي ما لا يقوله، وهذا من الظلم الذي لا أجد له مبررا، سامحهم الله.

وأرجع إلى السياق الذي كنت فيه.

من الفجوات التي تركها الأستاذ ياسين، في نظره السياسي، للتهوية والتصرف تجاه الأحداث المتقلبة والاجتهادِ وفق مستجدات الوقت، وما يجري به الزمان من تطورات وتحولات ومفجآت- من هذه الفجوات المتروكة حديثُه، رحمه الله، عن تجربة الثورة الإسلامية في إيران، بل اعتبارُه، في بعض كلامه في "المنهاج النبوي"، "أن مستقبل الإسلام رهين باستيعابنا لدرس إيران...".

وما هو هذا الدرس الإيراني الذي جعل الأستاذ ياسين مستقبلَ الإسلام رهينا باستيعابنا له؟

ملخص هذا الدرس أن علماء إيران قبلوا في دستور1906 أن يتعايشوا، مؤقتا، مع الديكتاتورية الشاهنشاهية، فنجحوا في فرض بعض القيود على سلطات الشاه. وكان هذا التقييد الدستوري بداية لمسيرة طويلة انتهت في سنة 1979 بنجاح الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني، رحمه الله.

وكأن الأستاذ ياسين، رحمه الله، كان يقصد بهذا الدرس الإيراني أن التعايشَ مع الاستبداد والتعاملَ مع مؤسساته ممكن عند الضرورة، من غير أن يعني هذا التعايشُ والتعاملُ استسلاما لسلطان المستبد، ولا تفريطا في المبادئ والثوابت، ولا فتلا في حبل دولة الظلم والطغيان، وإنما الضروراتُ تبيح المحظورات، كما تقول القاعدة الأصولية.

هذا هو ملخص الدرس. ويمكن للقارئ الكريم أن يقرأ استنتاجاتي وتعليقاتي على هذا الدرس في الفقرة الأخيرة من مقالتي "عن الدستور والإصلاحات الدستورية في خطاب جماعة العدل والإحسان" على الرابط التالي:




العنوان الثالث: بين القانون والسياسة

إن التشبث باختيار القومة، في صيغته الحرفية كما وردت في منهاج الأستاذ ياسين، فرضَ على الجماعة أن تعيش في دوّامة من التناقضات لا سبيل من التخلص منها، في رأيي، إلا بتبني خطاب سياسي رسمي واضح، أولا، وبمراجعة اجتهاد المرشد بكل شجاعة ومسؤولية.

توضيحُ هذا أننا نرى، من جهة، أن الجماعةَ لا تفتأ تكرر أنها جماعة قانونية، وهي تعتمد، في هذا، على بعض الأحكام الصادرة عن المحاكم المغربية من مختلف الدرجات. ومن جهة ثانية، نراها تؤكد دائما أن قضيتها مع النظام ليست قانونية وإنما هي سياسية مائة في المائة.

فإن كانت القضية في أساسها سياسية، فلماذا المناورة بالورقة القانونية؟

مطلبُ الوضوح في هذا الموضوع يقتضي الخروجَ من هذا التناقض، لأن المخزن والجماعة كليهما يعرف أن الصراع بينهما منذ بدايته كان دائما صراعا سياسيا لا علاقة له بالقانون.

فالطرفان، الدولةُ والجماعة، متناكران متدابران متنافران متصارعان سياسيا، وما الورقة القانونية التي يلجأ إليها هذا الطرف أو ذاك، لتثبيت حجته وإضعاف موقف خصمه، في حقيقتها، إلا أداة من أدوات الصراع السياسي "الوجودي" المحتدم بين الاثنين.

فحينما يصف الخطابُ المخزني الرسمي الجماعة  بأنها محظورة قانونيا، فإنه يستغل القانون لهدف سياسي واضح. وكذلك الجماعة-ولنكنْ واضحين في هذه المسألة، ولنكفَّ عن لغة المناورة والتخليط والتلبيس- فإنها أولُ من يعرف أن قضيتها مع النظام قضية سياسية، وما الاحتماء بالشرعية القانونية إلا وسيلة من وسائل الدفاع والهجوم، و"الحرب خدعة"، كما في الحديث الصحيح.

الجماعةُ تريد رأسَ النظام، فكيف يُعقل أن يسمحَ هذا النظام بأن يكون لمَنْ يريد رأسَه وجودٌ قانونيٌّ يحميه ويحمي نشاطه ويحمي تنظيمه، بل يساعده على التقوّي والتوسع والانتشار؟!!

وهناك من يحتجّ بأن هناك أنظمة ملكية-في بريطانيا مثلا- تسمح بوجود أحزاب تعارض الملكية، وتدعو إلى نظام جمهوري. والحقيقة هنا أنْ لا قياسَ مع وجود الفارق، لأن النظام الملكي الذي يسمح بوجود معارضين له هو نظام ديمقراطي يحتكم فيه الناس إلى القانون، وصوت الأمة هو الفيصل في الانتخابات، والملكُ فيه-أو الملكة- لا يملك سلطات تنفيذية مطلقة أو شبه مطلقة، كما هو الحال في الأنظمة الملكية التي تسود وتحكم بيد من حديد في بلادنا العربية الإسلامية.

الاحتجاج بهذه الحجة يشبه، في معناه والغاية منه، الاحتجاج بالشرعية القانونية، لأن القصد، في النهاية، هو استعمال كل الوسائل التي يمكن بها إضعاف الخصم وتسجيل بعض النقط عليه، يمكن استغلالها في المنابر الإعلامية والمحافل الحقوقية.



وبعد،

فالحجّة القائلة بأن المخزن يسدّ جميع المنافذ إلى العمل السياسي القانوني الطبيعي في وجه الجماعة، يردُّ عليها خصومُ الجماعة بأن الجماعة هي التي تسدّ على نفسها الطريق إلى الحياة السياسية القانونية، لأنها ترفض التعامل مع مختلف مؤسسات الدولة، وفي قلبها النظام الملكي، الذي تسعى الجماعة لزواله.

ولا بد من التذكير، في خاتمة هذه المقالة، أن مؤسسات الدولة أمرٌ واقع، اعترفت بها الجماعة أم لم تعترف، بل إن الجماعةَ مضطرة إلى الاعتراف بهذه المؤسسات في حياتها الاجتماعية العادية، وإن ظلّت ترفضها في خطابها الإديولوجي.

أما النظامّ الملكي، وهو أمُّ مؤسسات الدولة وقلبُها في المغرب، فهو، في اعتقادي، عُقْدَة العُقَد في الاختيار السياسي لجماعة العدل والإحسان. وفي تقديري أن هذه العقدةَ، في العمل السياسي، لا بد لها من حلّ، طال الزمن أم قصر. أما التعنت والتشدد والتطرف في المواقف، سواء من جهة الجماعة أو من جهة النظام، فليس يزيد الصراع إلا تأججا واستفحالا، وهو ما يبقي حياتنا السياسيةَ رهن الاعتقال والاختناق إلى أجل غير مسمّى.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين