الأحد، 1 ديسمبر 2013

عام بعد وفاة مرشد العدل والإحسان، رحمه الله.

بسم الله الرحمن الرحيم

عام بعد وفاة مرشد العدل والإحسان، رحمه الله.



سألني أحد الصحفيين من جريدة (هسبريس) الإلكترونية عن رأيي في الوضعية التي عليها جماعة العدل والإحسان، اليوم، وقد مر عام بعد وفاة مرشدها الأستاذ عبد السلام ياسين، رحمه الله، فأجبته بالمقالة التالية.
ملخص رأيي أن وضعية الجماعة، بعد سنة من وفاة مرشدها، تمتاز بالرتابة والجمود، وهي وضعية، إن استمرت واستفحلت، تهددُ الجماعةَ بالضعف والتراجع والانحسار، بعد أن ظلت زمانا في عنفوان وتألّق ظنَّ معه بعض الناس أن جماعة العدل والإحسان باتت نجما ساطعا لا يعرف الاضمحلالُ والأفول إليه سبيلا.
ظنّوا، ويظنون، ولكن الواقع لا يرتفع.
إني أجدني مضطرا أن أقول هذا الكلام بكل وضوح وصراحة، وأنا أعرف أن كثيرا من الناس لا يحبون أن يسمعوه، بل هم، في الحقيقة، يستحلون البقاءَ مخدَّرين في أحلامهم وأمانيهم، بدل أن يفتحوا أعينهم، وينظروا إلى الأمور على حقيقتها كما هي في الواقع المعيش.
إني أعبّر عن رأيي، لا أحابي ولا أتلعثم، لأني أصبحت أرى أن المسيئين، بحسن نية، إلى الأستاذ ياسين وتراثه من أصحابه داخل الجماعة، وخاصة من قيادات الصف الأول، باتوا أشد خطرا على مستقبل دعوة العدل والإحسان من أعدائها الصرحاء الذين يعلنون محاربتَهم لها، بالليل والنهار، ويجاهرون برفضهم لها جملة وتفصيلا.
ورُبّ ظالم للأستاذ المرشد مُسيء له، وهو يظن أنه من أوليائه الأصفياء ومريديه الأوفياء.

رجولية شامخة
لقد عاش الأستاذ عبد السلام ياسين، رحمه الله، رجلا شامخا في حياته، في علمه وعمله، في فكره واجتهاده، في دعوته وسياسته، في كتابته ومؤلفاته، في تربيته وتنظيمه ومواقفه.
لقد اجتهد لزمانه، في حدودِ طبيعته البشرية، وفي نطاق اجتهاده الظني، وما انتهى إليه علمُه وفهمُه وأفقُ نظره ووعيُه بواقعه ومحيطِه الفكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، ثُم صاغ ما تمخض عنه نظرُه واجتهادُه في "نظرية" فصّل الكلامَ عنها في كتاباته، وهو واع بأن ما كتبه إنما هو من بنات اجتهاده، لم يدّع له التنزيهَ والخلود، ولا زعَم له أنه فوق النقد والنقض والمراجعة والتعديل.
لقد ترك الرجل حوالي أربعين مؤلفا، لم نقرأ في عبارة واحدة فيما كتبه أنه يدعي لفكره العصمةَ من الخطأ، أو لاجتهاده التنزهَ عن النقد والمراجعة، بل ما قرأناه له، وهو كثير، هو أن ما كتبه إنما كان عصارة ما وصل إليه نظرُه وعلمُه وفهمُه، وأنه اجتهادٌ معروض على الناس للنقد والأخذ والرد، ومتروك لمن سيأتي بعده للزيادة والنقص والتطوير والتحوير. ولا أريد أن أثقل هنا على القارئ الكريم بإيراد نصوص من كتابات الأستاذ ياسين تؤكد ما أقول. وقد أوردت بعض هذه النصوص في بعض مقالاتي السابقة، التي كتبتها عن فكر الأستاذ واجتهاده ودعوته، وهي ميسرة على شبكة الإنترنيت، لمن  يريد الاطلاع عليها، على الروابط التالية:
لقد حذر الأستاذُ ياسين، رحمه الله، أصحابَه، من الخاصة والعامة، أن يتخذوا فكرَه صنما، وأن يحوّلوه إلى نصّ مقدس، ليعكفوا عليه بالاستظهار والتكرير والتلخيص والشروح والحواشي. وكأنه، رحمه الله، في مثل هذه التحذيرات والتنبيهات لأصحابه، كان يحس بأن شيئا من هذا المحذور واقع لا محالة. وكأنه كان يشعر أن فكرَه، من بعده، سيتحول حتما إلى "سلف" يكره التجديدَ والإبداع.
دعوةُ العدل والإحسان، في أصلها، ذاتُ أفق رحب، لأن مقصدها الأساس هو الإنسان في علاقته بخالقه، اعتقادا وهمةً وسلوكا. ولهذا، فهي دعوةٌ ذات أبعاد فسيحة، لا يمكن رهنها بفكر محدد، أو بزمان معين، أو بظروف وأحوال خاصة.
وهذه الحريةُ والفَساحة، في أصل دعوة العدل والإحسان، قد تحوّلت إلى قيْد وضيْق وعنَت ومكابدة وحرَج حينما حبَسها الأصحابُ-عن حسن نية فيما أظن- في قوقعة اجتهادٍ فقهيّ هو، بطبيعته، اجتهادٌ ظنيّ مظروف بظروف، وقيّدوها باختيار سياسي هو، في حقيقته، اختيار، من بين اختيارات، تحكّمت فيه عدة عوامل، جعلته اختيارا مشروطا.
في جملة، لقد قيّد الأصحابُ، وهم لا يشعرون، دعوةَ العدل والإحسان-وهي دعوة قائمة، في صميمها، على الحرية- قيّدوها باجتهاد فقهي كان دائما اجتهادا نسبيا محكوما بظروف وشروط وملابسات، فإذا بهذه الدعوة الحرة المنطلقةِ في أرجاء واسعة ترْسُف في أغلال رأيٍ سياسيّ أراد له الأصحابُ الذين آلت إليهم قيادةُ الجماعة- قبل وفاة المرشد، رحمه الله- بحسب فهمهم القائم على عدم الفصل، في شخص مرشدهم، بين الأستاذ المربي والمفكر المجتهد- أرادوا له أن يصبحَ رأيا منزها عن النسبية والظرفية والنقص، وواقعا فوق النقد والتجريح والتضعيف.

نجمٌ صائر إلى أفول
لا شأن لي هنا بنِيَّات الناس ومطوِيَّات صدورهم، ومغيَّبات سرائرهم، التي لا يعلمها إلا الله، سبحانه. أنا أكتب عن شيء أتابع حركَته في واقع متغير موّار، وأرصد ما يمكن رصدُه من خلال معرفتي واطلاعي وتجاربي، وأسجل آرائي واستنتاجاتي وما ينتهي إليه نظري وتحليلي. وقد أصيب فيما أسجل، وقد أخطئ.
قال الأستاذ عبد السلام ياسين في كتاب "العدل"(ط1، سنة2000، ص150): "كلّ عملٍ رائدٍ وفكرٍ وطيد إما أن يكونا مفتاحا لمزيد من التقدم في الفهم والممارسة، وإما أن يكونا "سلفا" إليه ينتهي إدراكُ العقول المقلدة وفيه تنغلق. وما مِنْ إمامٍ من أئمتنا الصالحين إلا ويقول لسانُ حاله ومقاله: افعلوا كما فعلت، واجتهدوا لزمانكم كما اجتهدت، وارجعوا إلى منبثَق العلم ومنطلَق الوحي كما رجعت."
هذا هو روح فكر الأستاذ ياسين: فكّروا كما فكرتُ، واجتهدوا كما اجتهدت، وجدّدوا كما جددت، ولا تتخذوا فكري ورأيي واجتهادي، في حياتي ومِنْ بعد مماتي، صنما مقدسا تقتلون عنده كلَّ اجتهاد، وتقمعون به كلَّ إبداع، وتؤبدون به الجمودَ والتبعيةَ والانقياد.
لقد كتبتُ، في حياة مرشد الجماعة، رحمه الله، أن أصحابَه، وخاصة مَنْ هم في الصف الأول من القيادة، قد اتخذوا فكره واجتهاده وآراءه مصدرا للفهم والعلم والسلوك لا يمكن تجريحُه أو نقدُه، ولا مراجعة الأسس التي يقوم عليها، ومناقشة الحجج التي يستند إليها، والمقاصد التي يعتبرها وينبني عليها.
وأكرر اليوم، بعد عام من وفاة مرشد الجماعة، ما قلته وكتبته في حياته، وهو أن قيادةَ الجماعة، برفعِها لاجتهادات مرشدها السياسية فوقَ كلِّ نقد ومراجعة وتغيير، قد حكمت على دعوة العدل والإحسان بالتقهقر والانكماش.
وفي تقديري أن أسبابَ الجمود الذي عليه الجماعة اليومَ  لم تستجدَّ بعد ممات مرشدها، وإنما هي أسبابٌ ظهرت في حياته، رحمه الله.
أما الرّحم الذي تولّدت منه هذه الأسبابُ كلُّها، فهو، في نظري، جمودُ فكر الجماعة، وخاصة في منهاجها السياسي، عند اجتهاد مرشدها، رحمه الله، معتبرةً هذا الاجتهاد بمثابة الحقيقة النهائية التي لا ينالها نقصان، وإن كانت الجماعة تحجم عن التصريح بهذه الحقيقة في خطاباتها الرسمية المعلنة.
وكان من تجليات هذا الجمود خروجُ الجماعة من زمن الربيع العربي المغربي بخسارة كبيرة، في تقديري، بعد أن ظلت في مواقفها المتشددة الرافضة لأي شكل من أشكال الحكمة والليونة والواقعية في سلوكها السياسي.
إن انغلاقَ الجماعة، ممثَّلَةً في قيادات الصف الأول، على فكرِ مرشدها، وحبسَ نفسها، بكل مؤسساتها ومجالسها وأطرها وطاقاتها وعلمائها، في اجتهاد سياسي كان وليد ظروف وأحوال وشروط تبلورت قبل حوالي أربعين سنة، وإصرارَها على ألا تنظر للواقع وتطوراته ومستجداته إلا بمنظار فكر رجل واحد تعتقد(أي قيادة الجماعة وأصحاب القرار فيها) أنه قال الكلمة الفصل في اختيارها السياسي اليومَ وغدا وبعد غد-هذا الانغلاق والانحباس والإصرار هو الذي فرض على الجماعة أن تعيش اليوم على هامش الحياة السياسية، وتتركَ قلبَ هذه الحياة وحيويَّتَها للنظام المخزني، يهيمن عليها هو وأتباعه وصنائعه وخدامه من كل الألوان والاتجاهات.
لقد كتبت، سابقا، في مقالة لي بعنوان (هل ضيعت العدل والإحسان فرصة "الربيع العربي" في المغرب؟)، أن الجماعة قد ضيعت فرصةَ الربيع العربي في المغرب حينما اختارت أن تركب مركب الجمود على رأي مرشدها بخصوص "القومة" ومستقبل الخلافة الثانية الموعودة، وهو ما أدى إلى تصادمها الإديولوجي مع مكونات حركة 20فبراير، فكانت النتيجةُ الحتمية ضمورَ هذه الحركة وذهابَ ريحها، ونجاحَ المخزن في اجتياز زعازع الربيع العربي بأقل خسارة، بل بربح سياسي لا تخطئه عين المراقب اللبيب المنصف.
لقد أوصى مرشدُ الجماعة، رحمه الله، أصحابه أن يجتهدوا لواقعهم، كما اجتهد هو لواقعه، لكنهم أبوا إلا يبقوا عالة على فكره واجتهاده، يحفظون، ويكررون، ويشرحون، ويمدحون، وينزِّهون، والواقع يسير في اتجاه، وهم يسيرون في اتجاه آخر.
إن قيادة الجماعة اليوم ليس عندها أيُّ اختيارات واقعية ومعقولة وقابلة للحياة في مجال التدافع السياسي، لأنها، أساسا، اختارت، عن اجتهاد خاطئ في تقديري، أن تجمد بالجماعة، وبالدعوة من خلال الجماعة، عند الرأي السياسي الذي انتهى إليه اجتهاد الأستاذ ياسين، رحمه الله، في فهم حديث الخلافة الثانية وفقه أحكامه.
الجميع، في قيادة الجماعة اليومَ، يؤكد أن رأي الأستاذ ياسين فيما يخص "النظام الملكي" هو اجتهاد سياسي قابل للأخذ والرد. لكن الواقع المعيش في حياة الجماعة، فكرا وسياسة ومواقف، هو أن رأي الأستاذ ياسين لا يقبل المناقشة والمراجعة والتعديل داخل الجماعة، لأنه رأي فوق النقد.
الواقع أن اختيار الجماعة، اليوم، فيما يخص الموقفَ من النظام الملكي بات من صميم هويتها السياسية، التي بها قوامُها وتميزُها. وهذا يعني، عندي، أن هذا الاختيار السياسي-وهو في أصله رأي اجتهادي- بات بمثابة أداة إديولوجية سلبية، يمكن أن ترفضَ وتعبئ وتحرّض وتهيج وتحشد وتجيّش، لكنها لا تملك أن تصوغ برنامجا سياسيا عمليا قادرا أن ينال مصداقية وقبولا وتفهما وتجاوبا عند الناس.
الجماعةُ ترفض الحياة السياسية التي يتحكم فيها النظامُ المخزني جملة وتفصيلا، ولا تبدي، ولو قيد شعرة، من الليونة والكياسة والحكمة، في هذا الشأن.
أما البديل، فهو البقاءُ على هامش هذه الحياة السياسية الرسمية، وإن كانت الجماعة تزعم أنها موجودة في قلب هذه الحياة، بالرغم من وجودها خارج المؤسسات الرسمية. وهذا الزعمُ، في تقديري، يحتاج أن يُعاد فيه النظر، لأن الادعاءَ بأن العمل خارج المؤسسات، في النظام السياسي المغربي بالتحديد، يمكن أن يكون مثمرا وفعّالا أكثر من العمل من داخل المؤسسات، يحتاج إلى بيّنة وإثبات. وأنا لم أعد أرى أن كلّ منْ  يعمل من داخل مؤسسات الدولة هو بالضروري واقع تحت الوصاية المخزنية، وتابع ومأمورٌ وخادم للفساد ودولة الاستبداد، لأني أقدر أن هناك أمورا قد تغيرت تفرض على المحلل السياسي، أيِّ محلل سياسي كيفما كان أصله وفصلُه، أن يأخذها بعين الاعتبار لتقويم العمل السياسي خارج المؤسسات.
وههنا أمرٌ آخر ينبغي استحضاره عند حديثنا عن الاختيار السياسي لجماعة العدل والإحسان، وهو أن الجماعة ترفض العمل من داخل المؤسسات الرسمية، لأنها ترفض كلَّ الأسس التي تنبني عليها هذه المؤسسات، ومنها أساس النظام السياسي، الذي هو في منهاج الجماعة نظام جبري، ومنها أساس الدستور، الذي هو دستور ممنوح يكرس الاستبداد، ومنها أساس الانتخابات وما ينتج عنها من مجالس وهيئات وحكومة، لأن هذه الانتخابات وما يترتب عليها ما هي إلا أدوات في خدمة الدولة المخزنة، لا يمكن أن ينتظر منها شيء.
وفيما يخص علاقة الجماعة بالأحزاب، فما تزال عند نقطة الصفر، إن لم يكن أقل من الصفر. وحتى الأحزاب الثورية التي تلتقي مع الجماعة في ضرورة زوال النظام المخزني، والتي يُفتَرَض، نظريا ومبدئيا، أن يكون بينها وبين الجماعة نوعٌ ما من التواصل والتعاون والعمل المشترك، فإنها  ما تزال محسوبة في عداد الخصوم، ليس عندها للجماعة، في بياناتها الرسمية وأنشطتها السياسية، إلا الرفض والطعن والتجريح. وأنا هنا لا أتحدث عن مجاملات العلاقات العامة، والمناسبات العابرة، التي تفرض على الطرفين أن يتجالسا ويتحادثا ويتبادلا التحيات والابتسامات. 
وفيما يخص الدعوة إلى "ميثاق جامع"، التي ما فتئت الجماعة تكررها، فقد تحولت إلى صيحة في واد، لا تجد لها من مجيب.
وفيما يخص العلاقة بالإسلاميين، فإن علاقة الجماعة بحزب العدالة والتنمية، ومن ورائه حركة التوحيد والإصلاح، اللذين يمثلان أبرز فصيل إسلامي في الساحة، لا تعرف أيَّ تطور إيجابي، بل يمكن أن نقول إنها علاقة عرفت شيئا من التدهور، وخاصة بعد أن أصبح حزب العدالة والتنمية مكونا أساسيا في الحكومة.
وقد قلت في أكثر من مناسبة، وأكرّر هنا أنني لا أعتبر هذه المناوشات الحقوقية التي تنجم بين الدولة والجماعة، من حين لآخر، من صميم العمل السياسي. وكذلك الخروجُ في مسيرات أو مظاهرات، وتنظيم احتجاجات ووقفات، فإني أصبحتُ أراها أنشطة وأشكالا من التعبير يُراد بها التعويضُ عن غياب فعلِ الجماعة في قلب المشهد السياسي وتأثيرِها في أحداث هذا المشهد ومجريات تطوراته. وكذلك الحضور في بعض الأنشطة خارج البلاد، فلا أراها إلا من قبيل السياحات التي ليس وراءها كبير طائل، وإن كانت الجماعةُ تزعم أنها خرجاتٌ ذاتُ عائد سياسي ونفع تواصلي وإشهار إعلامي.
باختصار، الجماعةُ، على نهج الجمود والتقليد والولاء الأعمى لاجتهاد مرشدها، لم يعُد عندها خارطة طريق واضحة، إلا هذه البرامج الداخلية، التي تسير عليها الجماعة في صورة اجتماعات ولقاءات وزيارات ورباطات، وهي أنشطةٌ تغلب عليها السرية، وهذا ما يحوّل الجماعة، بالرغم عنها، إلى جماعة شبه سرية، لا يعلم أنشطتَها إلا من يشارك في هذه الأنشطة من أعضاء الجماعة، أو من يراقبها ويتحسّس أخبارها من الأجهزة الأمنية المختصة بتجميع المعلومات، ورصد التحركات، وكتابة التقارير.
وفيما يخص الجانب التربوي الفسيح، الذي أصبح تابعا للاختيار السياسي الضيّق، فقد بات متضخّما في خطاب الجماعة الداخلي التأطيري، ولم يعد، كما هو في أصل منهاج الجماعة، مطلبا ذاتيا تحركه هممُ الأفراد وطموحُهم للترقي في درجات التزكية والإحسان، بل غطّى على هذا المطلب الإيمانيِّ الإحسانيِّ الشرعيِّ الإلزاماتُ التنظيمية، التي حولت المواد التربويةَ في برنامج الجماعة إلى واجبات تُفرض على الأعضاء فرضا، بما هي شرطٌ من شروط اكتسابِ العضوية في الجماعة ونيل شرف الانتساب إليها.
وبعد، فقد كان اجتهادُ مرشد الجماعة، بحقّ، "عملا رائدا، وفكرا وطيدا"، لولا الظروفُ المعروفة، من قمع ومنع وحصار واضطهاد وغيرها من مفردات ظلم المخزن واستبداد دولته، التي حالت دون توافر الشروط الطبيعية والضرورية لانطلاقته في أرض الواقع والممارسة.
فماذا وقع حتّى تحولت اجتهاداتُ المرشد وبناتُ أفكاره إلى صنم مقدّسٍ، تُغلق عنده كلُّ أبواب "الانتقاد"، و"التحليل"، و"الأخذ" و"الردّ"، و"التطوير" و"التحوير"، كما عبّر المرشد في بعض كلامه؟
إني أخشى أن تتحول جماعةٌ أراد لها مؤسسُها ومرشدُها، رحمه الله، أن تكون محضنا للتزكية والتجديد وصناعة الرجال والنساء، إلى ما يشبه طريقةً من الطرق الصوفية، أو زاوية من زوايا الدراويش، تلبس لبوسا عصريا، وتكرّس الجمود والولاء التقليدي الأعمى لـ"الشيخ" المربي المؤسس!!
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

الاثنين، 19 أغسطس 2013

عبثٌ في عبث

بسم الله الرحمن الرحيم

عبثٌ في عبث


(1)
لقد وصفتُ في أكثر من مناسبة، في مقالات سابقة، وأكرر اليوم وصفَ حياتنا السياسية التي يهيمن عليها النظامُ المخزنيُّ بأنها عبثٌ في عبث، وليس وراء العبث من طائل، مهما حاول الظهور بمظاهر الجد، ومهما رفعَ من شعارات.  
في اعتقادي، السببُ وراء هذا العبث السياسي المتفاقم عندنا أن غالبية النخبة، من سياسيين ومثقفين وإعلاميين وفنانين، تنشغل بالفرعي الثانوي، وتنسى بالمرة، عامدةً أو جاهلة أو منافقة، الأصليَّ الرئيسي، الذي مِنْ رَحِمه تخرج الأسبابُ، وعنه تصدر العوامل والمؤثرات.
نظامٌ مخزني استبدادي مهيمن، وأحزابٌ سياسية خاضعة تابعة مهرِّجة في (سيرك) الاستبداد، ومجتمعٌ مدني منافق مداهن منحرف؛ هذا الثلاثي يشكل، بطبيعته وممارساته، روحَ العبث القاتل الذي بات مستشريا في أوصال حياتنا، وخاصة في مظاهرها السياسية والاجتماعية والثقافية والإعلامية.
النظام المخزني، وفي قلبه النظامُ الملكي الوراثيُّ، لم يتغير شيءٌ من طبيعته وجوهره وفلسفته بعد إقرار الدستور الممنوح في طبعته الأخيرة في فاتح يوليوز 2011. كلُّ شيء في هذا النظام ما يزال كما كان دائما، في روحه وطقوسه، أمّا ما يمكن رصدُه من تغيرات وتحولات وتطورات، فهو، في حقيقته، لا يعدو الشكليات التي تستدعيها ترميمات الوقت، والتكيّفاتُ التي تفرضِها الخطاباتُ والشعاراتُ المرفوعة.

(2)
احتج الناسُ قبل أسابيع على العفو الملكي الصادر، بمناسبة عيد العرش، في حق مجرم إسباني اغتصب أطفالنا، وانتهك حرماتنا، وداس أخلاقنا، ولوث سمعتنا، وكأنهم لا يعرفون أن الدستورَ الذي طالما طبّلوا له وزمّروا، وذهبوا في مدحه والمبالغة في تقريظه كلَّ مذهب، هو الذي يضع بِيَد الملك سلطاتٍ شبه مطلقة، تجعله فوق جميع قوانين الدولة ومؤسساتها، ومن ثَمَّ فهو بعيد عن أي شكل من أشكال المتابعة والمحاسبة، وما سلطة العفو إلا واحدةٌ من السلطات العديدة التي يمارسها الملك بلا رقيب ولا حسيب، كيفما كان هذا الرقيب وهذا الحسيب.
ثم رأينا بعض هؤلاء الناس يحتجون على حفل الولاء وما يتميز به من طقوس المذلة والعبودية، وخاصة في المشهد الذي يكون فيه المشاركون مجبرين على ما يشبه الركوع أمام الملك وهو يمتطي جوادا.
هل الأمر يتعلق بركوع مذلة وخضوع، أم بانحناء تحيةٍ وتجديدِ بيعة، أم بعرف من الأعراف، وتقليد من التقاليد، لا شأن له بعقائد الناس، ولا بإنسانيتهم وكرامتهم؟
لست أرى أهمية في إثارة مثل هذه النقاشات ما دام معظم المناقشين لا يجرؤون على التصدي لأصل البلاء، ويكتفون بالوقوف طويلا عند الشكليات والفرعيات.
أصلُ البلاء أن عندنا دستورا ممنوحا يفرض على الناس أن يقبلوا ما يكون من المؤسسة الملكية من غير أن يكون لهم رأي أو اعتراض، ومن غير أن يكون منهم رفض أو انتقاد.
ثُمّ ماذا ننتظرُ أن يقع، بعد أن احتج الناسُ وأدانوا وتظاهروا؟
لقد أصدر القصرُ بيانا في شأن ما كان من عفو عن المجرم الاسباني، يتبرأ فيه من قرار هو المسؤول الأول عن صدوره، مهما قال المفسرون والمبررون والمنافقون من دوائر المخزن وتوابعه وحواشيه وأبواقه، ثم أتبعه بقرار ثان، في الأسبوع نفسه، يتراجع فيه عن العفو الصادر عن مغتصب الأطفال المجرم الذي هُرِّبَ بليل خارج المغرب، ويأمرُ وزارة العدل والحريات بمعالجة المسألة مع السلطات الاسبانية المختصة.
ثم ماذا بعد هذين القرارين "الساميَيْن"؟
لن يكون هناك شيء، لأن الناس سيرجعون إلى عاداتهم، وينسون، عن قريب، ما حصل، وسيبقى الملك هو رئيس السلطة التنفيذية، وهو أمير المؤمنين، وهو "الكل في الكل".
الناس، وفي مقدمتهم السياسيّون، يتكلمون في الهوامش، ويسكتون عن صميم الموضوع.
بأيّ حق يُعطي الدستورُ الممنوح كلَّ تلك السلطات والصلاحيات الواسعة للملك، من غير أن تكون هناك ولو شبه إمكانية لمتابعة الملك ومحاسبته إن هو أخطأ أو أخل بما عليه من واجبات ومسؤوليات؟
بأيِّ حق يمارس الملكُ سلطة العفو من غير أن يكون للحكومة، ولا لوزاراتها المعنية حقُّ المراجعة والملاحظة والانتقاد والتحفظ؟
بأيِّ حقٍّ يتعامل القصرُ مع الحكومة ووزاراتها وسائر مؤسساتها على أنها عونٌ عليه السمع والطاعة والتنفيذ، مهما كانت الأوامرُ، وكيفما كانت التعليمات؟
بأي حق يجوز للملك أن يمارس، من خلال مستشاريه والعديد من المؤسسات والمجالس واللجن والهيئات التابعة له، صلاحياتِ جميع الوزارات، من غير أن يكون لهذه الوزارات حقُّ الاعتراض أو الرفض أو الاحتجاج؟
بطرح هذه الأسئلة وأمثالها نكون في صميم الموضوع.
وسنظل في الهوامش والجزئيات إن لم نطرح مثلَ هذه الأسئلة بكل قوة ووضوح.

(3)
لقد وشّح الملكُ مؤخرا أحدَ رجالات الصهيونية العالمية بوسام ملكي سام؛ فهل نجد عذرا للملك، مرةً أخرى، بأنه لم يكن على علم بحقيقة الرجل المُنعَم عليه، وهواه السياسي الصهيوني، ودفاعِه القوي المستميت عن جرائم الصهاينة، وعن القدس عاصمة لدولتهم المغتصِبة الظالمة، ونُحمّلُ كامل المسؤولية لمصالح القصر المكلفة بالتشريفات والأوسمة؟
وقبل أشهر، قامت وزارةُ الأوقاف والشؤون الإسلامية، التي تعمل تحت السلطة المباشرة للملك أمير المؤمنين، بإغلاق دور للقرآن من غير أيِّ سندٍ قانونيٍّ مفهوم ومعقول، كما بيَّن ذلك المهتمون من ذوي الاختصاص، فكيف سيتصرف المظلومون المتضررون من هذا القرار، وهم يرون ويسمعون أنه قرارٌ صادر عن إدارة تتصرف باسم إمارة المؤمنين، أي أنه قرار لا يجوز في حقه الطعنُ والاعتراض، ولو سلك أصحابُ الحق المظلومون كلَّ السبل الممكنة في سبيل استرجاع حقهم.
وهذه جمعياتٌ مدنية تدعي الدفاعَ عن الطفولة وحقوقها المغتصبة، لكنها، بمجرد صدور البيان الملكي بخصوص موضوع العفو عن المجرم الاسباني، ركنَت إلى السكوت الشيطاني، وانطلقت في تمجيد بيان القصر، وتمجيد الملك.
وعلى نفس الإيقاع، وفي نفس التوجه، سارت أحزابٌ وشخصيات وجمعيات، انطلاقا من أن الملكَ لا يمكن أن يأتي منه إلا الخير والصواب، وما يمكن أن يحصل من أخطاء أو انحرافات أو قرارات ظالمة، فينبغي أن يُبحث عن سبب حصوله بعيدا عن الملك، الذي هو مُنزه، بالطبيعة، عندهم، عن مثل هذه الأخطاء والعيوب والانحرافات.
هذه هي مصيبةُ المصائب عندنا، وهذا هو الداءُ القاتل الذي يسري في أوصال حياتنا السياسية، فيحيلها حياةً مخنوقة مشلولة تغرق في العبث واللامعنى.
رئيسُ الحكومة يعجز أن يتكلمَ في صميم الموضوع، بل هو واحد ممّن كرسوا ثقافةَ الحديث في الهوامش والجزئيات بدفاعه عن الملك وسلطاته، والسكوتِ عن سبب معضلتنا السياسية الدائمة. إنه رئيس حكومة بالمقاس المخزني المطلوب، لأنه صُنِع صنعا في مطبخ المخزن، وكذلك أصحابُه وتلامذته النجباء من الوزراء المختارين الذي يستجيبون للمعايير المطلوبة للقبول ضمن رجالات دولة المخزن ونسائه. إنهم لا يفتأون يدافعون عن القصر ويبرئونه من أيّ مسؤولية، ولو بسيطة، فيما يجري في الساحة السياسية، وهم يقبلون عن طواعيّة أن يتلقوا الضربات والانتقادات، بل هم مستعدون عن رضا منهم أن يُقدَّموا أكباش فداء باتهامهم وإبعادهم، كما جرى بخصوص فضيحة العفو عن المجرم الاسباني، حين تم تحميل المندوب السامي للسجون، وهو من رجال المخزن الأمناء الأوفياء، مسؤولية ما جرى، وتقرر إعفاؤه من مهامه بقرار مخزني فوقي لا نعرف شيئا عن المسطرة أو القانون أو العرف التي تم اتباعه في اتخاذ قرار الإعفاء.

(4)
مجتمعٌ مدنيٌّ لا يرى إلا بعين واحدة هو مجتمع أعور لا يمكن أن ننتظر منه شيئا كبيرا.
تقوم قيامة هذا المجتمع المدني حسب أهواء المتحكمين فيه وفي تنظيماته وأمواله وسائر إمكانياته ومقدراته. فقد عرفنا في المغرب فضائحَ عديدة من عيار العفو عن المجرم الاسباني، ومن عيارات أكبر وأخطر، لكنها لم تحرك ساكنا في هذا المجتمع المدني المتحكم فيه، الذي يُراد له أن يكون مجتمعا ديكوريا يزين المشهد السياسي، ويعطي الانطباع بأننا نعيش، حقا، في دولة الحقوق والحريات.
مثلا، قضيةُ الظلم الواقع على جماعة العدل والإحسان منذ أكثر من ثلاثين سنة، وهو ظلمٌ تجلّى، وما يزال، في عدة أشكال وألوان ومظاهر، منها الاعتقالات التعسفية، والمحاكمات الصورية، والممارسات القمعية فضلا عن صور المنع والحصار الدائمة؛ فأين هو هذا المجتمع المدني، الذي يُقيم الدنيا اليوم بسبب العفو عن المجرم مغتصب الأطفال، إذا استثنينا أصواتا قليلة وضعيفة كانت لها مواقف تستحق التنويه؟
ماذا يفيدنا مجتمعٌ مدنيٌّ له موقف مبدئي معاد للإسلاميين، ولا يني يشارك في الحرب الضروس المشنونة عليهم؟
وها هي ذي الديمقراطية والحريةُ والشرعية الانتخابية والسيادة الشعبية وسائر حقوق المواطنين، يُنكَّل بها في مصر العربية الإسلامية، على مرآى من العالم ومسمعه، في مذابح فظيعة يندى لها جبين الإنسانية، وفي انتهاكات سيسجلها التاريخ عارا على الديمقراطيين، الأصلاء والأدعياء، لا يمّحي أبد الدهر؛ فأين هي مجتمعاتُنا المدنية، التي ما فتئت تقيم الدنيا دفاعا عن حقوق العواهر والزنادقة والملحدين وغيرهم من المرضى والمنحرفين وذوي العاهات في مجتمعاتنا الإسلامية؟
أين هي حقوقُ المواطنين وإرادتُهم وأصواتهُم وحريتهم في الاختيار والقرار والانتخاب؟
أين هي حرية الإسلاميين في الرأي والتعبير والتنظيم؟ أم أن هؤلاء الإسلاميين لا يناسبهم إلا المذابح والسجون!؟ أم أنهم ليسوا من بني آدم، ومن ثَمَّ فهم لا يستحقون منكم أدنى ذرة من تأثر أو تعاطف أو تضامن!؟
ومن هذا العبث  أن نرى قيامةَ مجموعةٍ من التنظيمات المحسوبة على المجتمع المدني-وهي تنظيمات ليس لها، في الغالب، إلا الاسم- تقوم حينما ردّ أحدُ الإسلاميين، قبل أيام، على واحدة من وقاحات امرأةٍ محسوبة على الديمقراطيين والحداثيين-والديمقراطيةُ والحداثة منها بريئان، وهي امرأة لا تشرّف، في تقديري، بنات حواء، وإنما هي عارٌ وفضيحة، بسبب نقائص في عقلها وطريقة تفكيرها وأسلوب حجاجها ومستوى علمها وفجور خصامها-
قامت قيامتُهم، لأن الرجلَ كتب يرد برأيه-وليس أكثر- على ما جاء في كلام المرأة/الفضيحة في حقّه من افتراء وباطل وتلفيق ولغة جارحة لا تليق بامرأة تتصدى للشأن العام. قامت قيامتُهم، لأنهم، في رأيي، بطّالون ليس لهم موضوع جاد يشتغلون به، وإنما الجدُّ عندهم، بمقاييسهم العوجاء المتهافتة، هو التربص بخصومهم ومخالفيهم وإحصاء كل صغيرة وكبيرة في خطاباتهم وسلوكاتهم ومواقفهم، وانتقادها والتعامل معها بحسب أهوائهم ووفق منهجهم في التزوير والتشويه والتلفيق والافتراء.
هل هذا هو المجتمعُ المدني الذي نأمل أن يكون شريكا في تخليصنا من قبضة الاستبداد، وشريكا في بناء دولة الحريات والحقوق والمؤسسات المسؤولة؟
لا كان، أصلا، هذا المجتمعُ الذي يفتل في حبل الاستبداد، ويعادي جزءا من المُواطنين المدنيين المسالمين لهم قوة في المجتمع معتبرة، ولهم تنظيمات معروفة، وآراء واجتهادات ومواقف منشورة ومشهورة؛
لا كان هذا "المجتمعُ  الإقصائي الاستئصالي الاستبدادي الظالم"، الذي يعادي جزءا من المجتمع عداء ليس له من سبب  إلا لأن أفراده إسلاميون، مرجعيتهم الإسلام في تفكيرهم وآرائهم واجتهاداتهم ومواقفهم وسلوكاتهم وأخلاقهم.
وبعد، فلم يكن لهذا "المجتمع العبثي"، الذي يوصف في الإشهار بأنه مدني، أن يظهر لولا العبثُ العامُّ الذي يحتضنه، العبثُ الذي يغزو حياتنا السياسية وما يرتبط بهذه الحياة من مؤسسات وسياسات وقرارات وممارسات.
وهل نطمعُ أن يخرج من رحِم العبث غيرُ العبث!؟
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.


21 غشت2013

الثلاثاء، 30 يوليو 2013

الإسلاميون وأعداءُ الإرادة الشعبية

بسم الله الرحمن الرحيم


الإسلاميون وأعداءُ الإرادة الشعبية

(1)
ليس هناك من سبيل للتعبير عن الإرادة الشعبية في النظم الديمقراطية الحديثة إلا سبيل الاستفتاءات والانتخابات العامة.
الذين يقفون اليوم مع الانقلابيِّين في مصر هم من أعداء الإرادة الشعبة ولو جاؤوا بملء الأرض أحمالا من المبررات والتسويغات والتأويلات.
الانقلاب العسكري عمل إرهابي صريح لا يحتمل التأويل، وكل مشكك في هذا أو مراوغ أو محتال إنما هو من أعداء الحرية والديمقراطية، ولو تغنى بشعارات الدنيا كلها في مجال الحقوق والحريات والانتخابات.
إن السؤال عن مستقبل علاقة الإسلاميين بغرمائهم الإديولوجيِّين والسياسيين بات ملحا بعد مذابح الانقلابيين في مصر.
لقد أبان الانقلاب على الشرعية والديمقراطية، والسطو على إرادة الشعب في انتهاك فظيع لكل القوانين والأعراف والقواعد والأخلاق، عن مدى الحقد والكراهية والرغبة في الانتقام والاستئصال التي يُكنه الانقلابيون وحلفاؤهم والمتآمرون معهم للإسلاميين، لا لشيء إلا لأنهم إسلاميون، الإسلامُ هو مرجعيتهم الأساس في تصوراتهم واجتهاداتهم ومشاريعهم ومقاصدهم وممارساتهم وسائر أمورهم وشؤون حياتهم.
الإسلاميون، و(الإخوان المسلمون) في مصر في مقدمتهم، لهم تاريخ طويل في الدعوة والفكر السياسي والاجتهاد الفقهي الحديث. وتجاربهم السياسية الغنيّة بالعبر والدروس قد ألهمتهم الكثيرَ في تجديد فكرهم السياسي، وتطوير أساليبهم في النضال والتواصل والتبليغ. ويكفي أن نرجع إلى المكتبة السياسية الإسلامية الحديثة لنرى حجمَ العناوين التي نُشرت منذ مطلع القرن العشرين إلى اليوم، في مضمار الفقه السياسي الإسلامي، وفي موضوع الإسلام وأنظمة الحكم في الدولة الحديثة، وفي مجالات الحريات والحقوق والواجبات، وفي قضية الشورى والديمقراطية وما يتعلق بهما من شؤون الانتخابات والبرلمانات وغيرها من الموضوعات والقضايا والإشكاليات، التي كَتب فيها الإسلاميون، ونظّروا، واجتهدوا، وجدّدوا، وصاغوا آراء ونظريات وتصورات جديرة بأن ترتفع بالفكر الإسلامي الحديث إلى مصاف الفكر الإنساني العالمي الرائد.
معظمُ خصوم الإسلاميين، مع الأسف، لا يقرأون للإسلاميين، ولا يتابعون التطورات الحاصلة في نظرهم واجتهادهم. والقلة التي تحاول أن تقرأ لهم، لا تريد أن تفهمَ أن الإسلاميين في العصر الحديث ليسوا كما تصورهم خطابات الكراهية والافتراء والتشويه والتلفيق، التي يبثها الخصوم والأعداء، وليسوا كما يتحدث عنهم الجهالُ في نواديهم، والعامة في شوارعهم وأسواقهم، والزنادقةُ الضالون في صالوناتهم، والأعداء المتآمرون في إشاعاتهم ودعاياتهم وأباطيلهم وقنواتهم.
الاستثناء موجود في كل شيء؛ في أعرق الدول الديمقراطية تجد أفكارا متطرفة، وتنظيماتٍ عنيفة، واجتهاداتٍ شاذة بريئةً وغيرَ بريئة. المهم، أن الشاذ المنحرف، أو الغاليَ المتطرف، أو المتنطعَ العنيف، لا يخلو منهم مجتمع من المجتمعات، وما سمعنا أن الديمقراطية قد أُلْغِيَت أو عُطِّلَت في دولة ديمقراطية حقيقية بسبب وجود هؤلاء الشواذ والغالين والمتطرفين والمجرمين. هناك القانون الذي لا يحابي أحدا. وهناك المؤسسات الحية المتيقظة الساهرة على مصالح المواطنين وأمنهم واستقرارهم وسعادتهم. وهناك الانتخابات الحرة التي تجري في وقت معلوم، يتنافس فيها المتنافسون لإقناع الناس وكسب أصواتهم ونيل رضاهم. وهناك الدستور وما يتفرع عنه من قوانين وهيآت ومؤسسات، يحمي الحقوق والحريات، ويردع المخالفين، وينظم الحياة السياسية ويحفظها أن تتسرّب إليها أسبابُ الفوضى والقلاقل والفتنة القاتلة الحارقة.

(2)
بعد المذابح البشعة التي ارتكبها الانقلابيون في مصر-وما يزالون يفعلون- في حق الشرعية الانتخابية والمؤسسات الدستورية، وفي حق المحتجين المعتصمين الرافضين للانقلاب، ها هي ذي رياح الفتنة والخراب والتمرد والعصيان والانقلاب على النظام والقانون تهب في هذه الأيام على تونس الخضراء مهد ثورات الربيع العربي.
عندما تسأل عن الأسباب الكامنة وراء هذا التوجه نحو رفض المؤسسات والقانون والنظام، ورفض الاحتكام إلى الانتخابات والرضا بنتائجها، تجد على رأس هذه الأسباب هذا العداءَ المستحكم للإسلاميين، ولو كانوا في اجتهادهم وحرصهم على القانون والحريات وبناء مؤسسات الدولة المدنية الحديثة، على طريقة حزب النهضة، الذي له سجلٌ حافل ومعروف في  رفض التطرف والفقه السياسي الحرفي المتزمت، والاعتراضِ على الاجتهادات الإسلامية المتطرفة في المجال السياسي، حتى بات هذا الحزب موصوفا بالخروج على الإسلام عند طائفة من غلاة التيار السلفي.
حزب النهضة، رغم حصوله على المرتبة الأولى في الانتخابات، اختار طريق التوافق وعدم الاستئثار  بالسلطة، فقبِل عن طواعية أن يعمل، في المرحلة الانتقالية، بالتوافق والاشتراك مع حزبين يختلفان معه إديولوجيا، فيما يعرف بالترويكا التي تولت زمامَ الحكم بعد انتخابات المجلس الوطني التأسيسي.
رغم كل هذا، فإن المعارضين الناقمين الذي فشلوا في الانتخابات لا يبرحون يسعون لحل هذا المجلس التأسيسي، وإشاعة البلبلة السياسية في البلاد، بإحداث الفراغ الذي يتمناه المخربون الكارهون للاستقرار، الحالمون برجوع سلطانِ الاستبداد والفساد، ونظامِ القمع وسلب الحقوق وتقييد الحريات.
لماذا هذا السعي الحثيث لبثِّ الفوضى وتقويض النظام وتعطيل المؤسسات؟
لماذا يصر هؤلاء الفوضويّون، على العرقلة والتعطيل، رغم أن الانتخابات على الأبواب؟
لماذا كل هذه الكراهية والعداء للإسلاميين، وإن كانوا ديمقراطيين إلى أقصى الحدود، كحزب النهضة بزعامة الشيخ راشد الغنوشي؟
من يقف وراء هذا المدّ الفوضوي التخريبي الجائج؟
أهُمْ فلولُ النظام الديكتاتوري الساقط البائد؟
أهُمْ الخاسرون بسبب الوضع الجديد من ذوي المال والنفوذ فيما يُسمَّى بالدولة العميقة؟
أهُمْ أصحاب المصالح من القوى الدولية، التي لا مصلحة لها في الاستقرار، ولا في وجود نظام ديمقراطي حقيقي يعبر عن إرادة الأمة، وينظم شؤونها، ويدافع عن هويتها وثرواتها وسيادتها واستقلال قرارها؟
أهمْ الأذرع الصهيونية المبثوثةُ في أرجاء بلادنا العربية الإسلامية، النشيطةُ وراء كل نار مشتعلة، لإدامة تخلفنا وتبعيتنا وفقرنا وانحطاط أحوالنا؟
قُلْ هُمْ كلُّ أولئك، وغيرهم من أولياء الشيطان، الساعين في الأرض فسادا، بالبطش والجور والسلب والإرهاب وإشعال الفتن والتمكين لأسباب الفساد والدمار.

(3)
المجلس الوطني التأسيسي في تونس يوشك على الانتهاء من كتابة مشروع دستور توافقي يرضى عنه الجميع، إلا مَنْ لا يرى نفسه إلا في الفراغ المفتوح على المجهول، وفي الفوضى المُعوِّقة المُعطِّلة المُكدّرة، وفي الفتن الهائجة المائجة.
وبالرغم من المجهود الجبار الذي بذله المجلس التأسيسي بزعامة الترويكا لتجاوز المرحلة الانتقالية بسلام، فإن أعداءَ الاستقرار والإصلاح والديمقراطية ما فتئوا يثيرون القلائل لأتفه الأسباب حتى يفسدوا كل شيء، وحتى يرجعوا بالناس إلى نقطة الصفر، وليست الاغتيالاتُ السياسيةُ إلا واحدا من أساليبهم الإجرامية الحقيرة للعرقلة وخلط الأوراق وإثارة النفوس والنعرات، وبثِّ الشقاق ومشاعر القلق والخوف بين المواطنين.
المجلس التأسيسي بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مشروع الدستور، الذي سيُعرَض على المواطنين، في استفتاء شعبي حرّ، لإقراره أو رفضه، بإرادتهم المستقلة التي لا يقيدها أي نوع من أنواع الضغط والإكراه والمساومة والرشوة.
لكن محبي الفوضى والرجوع بالناس إلى ظلام القيود والعسف والطغيان يسعون، بكل أساليبهم الفاجرة، لتعطيل مسيرة الإصلاح والبناء والتوافق برمتها، وجر البلاد إلى الفتنة التي تنتعش فيها أسباب الشر والفساد والدمار.
لماذا هذا التمردّ المصطنعُ الذي لا مبرر له؟
لماذا تكوين جبهة للإنقاذ في تونس، على الطريقة المصرية، وكأن (المايسترو) في جوقة البلدين واحد؟
لماذا لا ينتظرون الإعلان عن مشروع الدستور؟
لماذا لا ينتظرون موعد الانتخابات، الذي بات قريبا؟
هؤلاء المعرقلون الفوضويون الفتنويون، بإيعاز من الدولة العميقة، أو بتخطيط من متآمرين من الداخل والخارج على النظام الديمقراطي الوليد في تونس، أو بوحي من الضمائر الخربة التي مات فيها أي إحساس بالوطنية والمسؤولية، ينطلقون من رفض أن يكون للإسلاميين يد في نجاح الانتقال الديمقراطي في البلاد. وبحكم أنهم أقلية لا شعبية لها ولا وزن، وأنهم مسكونون بهاجس أنهم سيكونون دائما خاسرين في أي انتخابات ديمقراطية نظيفة تجري في البلاد، فإن المخرج الوحيد الذي يبقى أمامهم هو تعطيل المسيرة حتى لا تصل إلى الانتخابات، كما فعلوا في مصر.
في مصر، حاولوا العرقلة والتعطيل منذ البدايات الأولى لما بعد سقوط الديكتاتور مبارك، لكنهم فشلوا في إيقاف المسيرة. وكانوا في كل انتخاب أو استفتاء يفشلون في تعطيله-وهي الخطة (أ) في مخططاتهم- ينتقلون إلى الخطة (ب)، فيُجمِّعون جموعَهم، ويُجيِّشون جيوشَهم، ويوحدون إمكانياتهم وأبواقَهم، ويراهنون على الفوز في الانتخابات أو الاستفتاء.
لكنهم، في كل مرة من المرات العديدة، التي دُعي فيها المصريون للإدلاء بأصواتهم، كانوا يحصدون الفشل، وكان الإسلاميون يحصدون الفوز، وينالون ثقة غالبية الناخبين.
وبعد فشلهم المتكرر في الانتخابات والاستفتاءات، انتقلوا إلى الخطة (ج)، وهي من جنس الخطة (أ)، وهي تقوم في أساسها على إشاعة البلبلة والفوضى والقلاقل، وإثارة الشارع بكل ما يملكون من نفوذ ومال وإمكانيات وتحكمٍ في خدمات اجتماعية حيوية، كالوقود والكهرباء والخبز والنقل وغيرها.
لم يتركوا وسيلة إلا استخدموها في التحريض والإثارة والتأزيم وإدخال البلاد في دوامة العنف والاضطراب، فكان قتلٌ وحرقٌ وهجوم على المؤسسات السيادية، وغيرها من أعمال الإجرام والتخريب.
وبالرغم من كل هذا، لم ينجحوا في بلوغ ما يريدون، فكان اللجوء إلى الحل الأخير، وهو سيطرة الجيش جهارا نهارا على الحكم بالقوة وسفك الدماء، وتعطيل جميع المؤسسات الدستورية، وإيقاف مسيرة بناء الدولة الديمقراطية.
السياسيون الفاشلون في الانتخابات، الراسبون في نيل ثقة الناس ورضاهم، قبلوا، أذلة صاغرين، أن يكونوا أدوات تابعة بيد الجيش ومن يحركه من القوى الأجنبية التي لا مصلحة لها في أن يكون في مصر نظام ديمقراطي مستقر، وحياة سياسية طبيعية يمارس فيها المواطنون حقوقهم بلا وصاية ولا إملاء ولا إكراه.
لقد تم، بسبب الانقلاب الدموي الغادر الغاشم، تعطيلُ الدستور المصري الذي صوت عليه المصريون بأغلبية قاربت(65%)، وتم حل مجلس الشورى الذي انتخبه المصريون بإرادتهم الحرة، وقَبْل ذلك تم حلُّ مجلس الشعب، في سعي نشيط للرجوع إلى المربع الأول، وتقويض كل ما تم بناؤه بإرادة المصريين ورضاهم.
معارضو الإسلاميين راهنوا على أن يرفض المصريون مشروعَ الدستور في الاستفتاء، لكن أملَهم خاب حينما جاءت النتيجة بقبول الدستور بنسبة معتبرة ومحترمة.
ولماذا اعترضوا على مشروع هذا الدستور أصلا؟
هل هناك دستور في الدنيا تم إقراره بتوافق كامل مائة في المائة، من غير أن يكون هناك رافضٌ أو معترض أو متحفظ؟
ليس هناك هذا التوافق التام إلا عند قوم لا يعرفون من الديمقراطية إلا الاسم.
لقد اطّلعْتُ على نصوص الدستور المصري الذي تم إقراره في استفتاء شعبي شفاف. وأنا أزعم أنه دستور جمع الكثير من حسنات دساتير العالم. أما أن يكون هناك فصلٌ أو عبارة أو صياغة لم تعجب فلانا أو فلانا، فذلك أمر طبيعي، لأن الكلمةَ الفاصلة الحاسمة ستكون للشعب، وعلى المعترضين، إن كانوا ديمقراطيين حقيقة لا ادعاء، أن يقنعوا الشعب بوجهة نظرهم، وأن يجعلوه يصوت لصالح رأيهم.
لقد توجهوا للشعب، قبل الاستفتاء، بكل ما يملكون من قدرات على الافتراء والكذب والتزوير والتشويه، لينالوا من المشروع المعروض، وقاموا بحملات تضليلية فاقت حدّ التصور، لكن باطلهم ارتدّ عليهم بالخسران المبين. لكنهم لم يهدأوا، ولم يعتبِروا، ولم يستحيوا، ولم يُسلّموا، وظلوا في غيهم وبغيهم وحربهم، حتى انتهى بهم المطاف إلى استدعاء الجيش، والسطو على إرادة الناس، وسلب حقوقهم بالقوة الجبارة الظالمة.
وبعد، فماذا نستفيد من سرد كل هذه الحوادث والوقائع والمعطيات؟
نستفيد أن مستقبل علاقة الإسلاميين بخصومهم مستقبل يلفّه ضباب كثيف، بل قلْ هو مستقبل ينذر بصراعات ومواجهات لا نهاية لها، مادام هؤلاء الخصوم، بكل فصائلهم وتوجهاتهم وتياراتهم، يرفضون الاحتكام إلى صوت الشعب، واحترام ما يحكم به هذا الصوت.
لقد أبانت الأحداث في مصر، بعد الانقلاب الدموي الإرهابي، أن خصوم الإسلاميين مستعدون أن يضحوا بكل شيء في سبيل منع فوز الإسلاميين.
لقد حاولْتُ البحثَ عن منطق مقبول ومعقول وراء اعتراضات المعترضين، ومواقفِ خصوم الإسلاميين، فلم أجد إلا الحقد الدفين، والكراهية والشحناء والعداوة العمياء.
في اعتقادي، لا سبيل إلى تفادي المواجهات مستقبلا إلا سبيل الانتخابات والرضوخ لإرادة الشعب.
أما سبيل الانقلابات والدبابات والفوضى وتأجيج القلائل، فهو سحر سينقلب على الساحر، عاجلا أم آجلا، (والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون).
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

فاس: 29 يوليوز2013 

الأحد، 28 يوليو 2013

اليسار والانتحار

بسم الله الرحمن الرحيم


اليسار والانتحار

(1)
ماذا بقي لليساريِّين مِن مصداقية سياسية بعد وقوفهم مع الانقلاب العسكري الدموي في مصر العربية الإسلامية؟
أسأل هذا السؤال بصدق، لأني أرى أن الذين أيدوا هذا الانقلاب الغاشم وهلّلوا له وباركوا، ويباركون، ما يقوم به من مجازر واعتداءات وانتهاكات فاقت حدَّ كل وصف في بطشها وشناعتها، لا يمكن أن يبقى لهم وجهٌ يواجهون به الناس، غدا، ليحدّثوهم عن الحقوق والحريات والديمقراطية والانتخابات والدولة المدنية.
إن مباركةَ الانقلاب الفاضح الفاجر في مصر قد أجهزَت على ما كان بقي عند اليساريِّين من رمق يخصّ مصداقيتَهم السياسيةَ وأخلاقهم النضالية، لأنهم، في تقديري، لن يستطيعوا، بعد اليوم، أن يقنعوا الناس بأنهم جادّون في حديثهم عن الديمقراطية ودولة المؤسسات.
لقد انقلب اليساريون، أو قُلْ مَنْ بقي منهم متشبثا بشيء من مبادئه، على ما كان تبقى لهم من مبادئ وقيم في مجال الحريات والحقوق، بعدما لم يترددوا في تبرير الانقلاب على الشرعية في مصر، والوقوف موقفا غير مُشرّف مع الظالم الجاني ضد الضحية المظلوم، بل وجدناهم يُصرون، في مشهد عبثي مثير، على أنْ لا علاقةَ لما حصل في مصر يوم 3 يوليوز الماضي بالعمل الانقلابي، وإنما الأمر يتعلق بانتفاضة شعبية مشروعة، وثورة تصحيحية لاستئناف تحقيق ما قامت من أجله ثورة 25 يناير 2001 ضد نظام الطاغية حسني مبارك!!
ماذا بقي لليساريين من قيمة سياسية مُعتبَرة في مجتمعاتهم بعد هذا السقوط الانتحاري المدوي القاتل؟
لقد كان اليساريون لا يفتأون يُصدّعون رؤوسنا بالدولة المدنية والحريات والديمقراطية، وهم اليوم يرحبون بالانقلاب الغاشم على المؤسسات الدستورية الشرعية، الذي فتح أبواب جهنم على مصاريعها.
أين نضالات هؤلاء اليساريين، عندنا في المغرب مثلا، ضد النظام المخزني الاستبدادي؟
أين ذهب رصيدهم النضالي في مجال الحقوق والحريات؟
أين هي مبادئهم التي طالما دبّجوا بها خطاباتهم، وزيّنوا بها بياناتهم، وأثّثوا بها لقاءاتهم؟
لقد محا وقوفُهم مع الانقلاب الدموي في مصر كلَّ رصيدهم التاريخي الإيجابي التي طالما تغنّوا به وافتخروا وتبجّحوا، وكشف أن اليساريين لن يترددوا أن يكونوا، اليوم أو غدا، مع المخزن ضد الإسلاميين، لأن طبيعتهم الإيديولوجية المنحرفة تسوّغ لهم كلَّ شيء، مهما كان مخالفا للمبادئ والأخلاق، إن كان يصب في اتجاه الحرب على الإسلاميين عداءً وإقصاء واستئصالا.
لقد أخذت مصداقيةُ اليساريين تتآكل شيئا فشيئا، حتى انتهت، في اعتقادي، بموقفهم المخزي تجاه ما يقع في مصر.
لقد ذهبت بعضُ مصداقيتهم حين قبل بعضُهم طوعا أن يشارك في اللعبة المخزنية غيرَ معترض على أيٍّ من قواعدها وشروطها وأهدافها، وهذا البعضُ اليوم بات مكونا من مكونات الدولة المخزنية بامتياز.
وبعضُهم الآخر اختار أن يسجن نفسَه في المربع الأول لا يتعداه، فهو تائه في مجاهل التطرف والعدمية والعنف الإديولوجي والمادي. وهؤلاء، في رأيي، يُعدُّون منكرا من المنكرات السياسية التي ابتُلِيَت بها بلادُنا العربية الإسلامية، في المغرب وفي غير المغرب.
أما البقية منهم، فلم تستطع أن تتخلص من حقدها الدفين على الإسلاميين، الذي بات يسكن في لاوعيها الباطن ووعيها الظاهر.
لقد صدمني ما جاء في البيان الصادر عن المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الموحد عن الأحداث الجارية في مصر، حيث أبان الحزبُ عن عداوة مبدئية راسخة للإسلاميين، ومنهم (الإخوان المسلمون) في مصر، لأنه اكتفى، في تشفٍّ حقير، بترديد رواية الانقلابيين، وهي الرواية التي تشهد الأخبارُ المحايدة المتواترة المتداوَلة بأنها روايةٌ معادية قائمة على الافتراء والباطل والتزوير الصارخ.
لقد اختار هذا الحزب اليساري، الذي كان ما يزال يتمتع يشيء من المصداقية، أن ينتحرَ سياسيا، لأن تبرير هذا الانقلاب الدموي، الذي ما يزال إلى حدّ كتابة هذه السطور يصر على سفك دماء المتظاهرين والمعتصمين السلميِّين، لا يمكن أن يتم إلا على حساب القيم والمبادئ والأخلاق.
لقد كرر بيانُ الحزب رواية الانقلابيين بكل ما تضمنته من اتهامات وتلفيقات ومغالطات، من غير أن تكون منه ولو شبه إشارة إلى الانقلاب الغاشم الجبان الذي سطا بقوة العنف والإرهاب على إرادة الشعب، في انتهاك سافر للدستور والقانون.
لقد حمّل البيان، بلا حياء ولا تردد، الضحيةَ، التي يمثلها (الإخوان المسلمون) ومن معهم في التحالف الوطني من أجل الشرعية وإسقاط الانقلاب، كلَّ المسؤولية، في سلوك لاأخلاقي لا يليق إلا بمن أعماه الحقدُ والكراهية والرغبة في التشفي والانتقام، مع أن الدنيا كلَّها باتت تعلم أن الذي قسّم الناسَ وحرّض وأوجد أسبابَ الفرقة وبادر إلى العنف والقتل هم الانقلابيون، بل كان العنفُ والتحريض والقتل والحرق قد بدأ منذ نجَاح الرئيس مرسي في الانتخابات، ولم يهدأ المعارضون حتى سمعوا العسكر يعلن الانقلابَ وفرضَ قانون الدبابة وسفك الدماء.
لقد أكد الحزب الاشتراكي الموحد بهذا البيان العدائي اللاأخلاقي تجاه الإسلاميين أنه من الأحزاب الفاشلة، التي لا تجد تعويضا عن فشلها إلا في خطابات الكراهية والتحريض والإقصاء، وإلا قلْ لي كم كانت شعبية هذا الحزب الفاشل في الانتخابات التي شارك فيها سابقا؟ لاشيء، ومع ذلك فهو لا يستحيي أن يفتريَ على الإسلاميين، في مصر، وفي المغرب، وفي غيرهما من الدول العربية الإسلامية، ويتهمهم، زورا وبهتانا، بأنهم إقصائيون يسعون لتأسيس دولة دينية ظلامية.
هل يقول مثلَ هذا الكلام في حق الإسلاميِّين إلا خصوم فاجرون في الخصام، يسعون إلى الغلبة بأي ثمن، وإن كان هذا الثمن هو عين الكذب والباطل والتلفيق والتزوير.
وما يزال هؤلاء السياسيون الفاشلون، بعد مذابح الانقلابيين في مصر، يتحدثون عن الديمقراطية والدولة المدنية، وهم، ببياناتهم وتصريحاتهم ومواقفهم، قد أكدوا، بما لا يدع مجالا للشك، أنهم، في عقليتهم وآرائهم وطموحاتهم، من زمرة الانقلابيين الحاقدين على الإسلاميين، لا شجاعة عندهم ولا أخلاق للتنافس بالانتخابات، والقبول بما تقرره إرادةُ الشعب الحر.
إنهم أكدوا بتحيزهم للانقلابيين ومباركة مذابحهم في حق الجماهير العزلاء-إلا من إيمانها بأنها صاحبة حق مغتَصَب، ومِنْ إرادتها وتصميمِها على إرجاع الحق الذي سلبه العسكر إلى نصابه، والانتصار لدولة القانون والمؤسسات الدستورية المنتخبة التي أسقطها الانقلاب-
لقد أثبت هؤلاء السياسيون الفاشلون بتحيّزهم للانقلابيين أنهم مُدّعون غير صادقين حينما يتحدثون عن الديمقراطية واحترام إرادة الشعب، وشهودُ زور حينما يقفون في صف الجناة المجرمين الظالمين، يَكْذبون ويُبررون ويختلقون ويروجون الأباطيل ضد الجماهير المسالمة المظلومة.

(2)
لقد شاب "المناضلون" على ما شبّوا عليه من حقد وإقصاء وإلغاء للإسلاميين، فهم مع الشيطان وما يأتي من الشيطان من خراب ودمار لمنع فوز الإسلاميين، ولعرقلة وصولهم إلى الحكم، وإن كان هذا الوصول يتم بوسائل مدنية قانونية ديمقراطية.
إنهم مجبولون على رفض الإسلاميين، ومِنْ ثَمَّ فهم يتجنبون، بكل الطرق والوسائل، أن ينافسوهم ديمقراطيا في انتخابات حرة، لأن عقدة العقد عندهم، أنهم لا يستطيعون أن يغلبوا الإسلاميين في منافسة قانونية شريفة، ولهذا وجدناهم دائما مجتهدين للشغب، وخلق العراقيل، وتأزيم المواقف، وتعطيل السير الطبيعي للأمور، حتى يوجدوا مناخا غير سليم يحقق لهم ما يريدون من إفساد الأجواء وخلط الأوراق وتعكير المياه، التي لا يحلو لهم صيدٌ إلا في عَكَرها.
الجميعُ هنا في المغرب بات يعرف أن اليساريين كانوا دائما يرفضون مواجهةَ الإسلاميّين ديمقراطيا في الجامعات، لأن شعبية الإسلاميين المتناميةَ كانت تجعلهم يحسون بأنهم أقليةٌ عاجزة أن تحقق التقدمَ والفوزَ في أيّ انتخابات حرة تجري في شفافية يضمنها القانون والأخلاق النضالية النزيهة العالية.
الأصلُ عند الديمقراطيّين الأصلاء الشرفاء أن الأقلية تقبل بوضعها ولا تنكره، وتسعى لتغيير هذا الوضع بالتوسل بما عندها من أفكار ومشاريع وقدرة على التبليغ والإقناع، وكسب المزيد من الأنصار والمتعاطفين لتجعل الكفة تميل لصالحها، لأن الأغلبيّات والأقليّات في السياسة والأنظمة الديمقراطية الحيّة مسألة نسبية، فما هو اليوم أقليةٌ قد يصبح غدا أغلبية، وهكذا دوالَيْك.
الديمقراطيون الأصلاء الشرفاء يؤمنون بهذا، ويشاركون بإيجابية لبث الوعي الديمقراطي الحقيقي في الناس عموما، وفي أنصارهم بصفة خاصة. أما الحاقدون الفاشلون الذين يعانون من عقدة كونهم أقليةً سياسية في المجتمع، لا يقبلون بأن تسير الأمور سيرَها الطبيعي، لأنهم لا يقبلون بالخسارة أمام خصم يرونه، في اعتقادهم الفاسد المريض، لا يستحق الانتصار.
لقد عاشت الجامعات المغربية في ظل هذا الانحراف اليساري، الذي كان يرى الفوزَ والزعامة والقيادةَ موقوفةً على اليساريين وحدهم، أما الإسلاميون فحقُّهم من "ديمقراطية الرفاق" أن يُجَرّحُوا بغير حق، ويُقمعوا، ويُحاصروا، ويُفترى عليهم، وتُرَوَّج عليهم الأباطيل.
فما مِنْ مناسبة كانت تفرضُ أن يكون هناك احتكامٌ إلى الانتخاب إلا وكان اليساريّون يختارون سبيلَ التشويش والمشاغبة والتعطيل والتأزيم ما دام أن هناك في المشاركين خصما اسمُه "الإسلاميون".
أما خارج النشاط الطلابي في الجامعات، فاليساريون لا يجرؤون على منافسة الإسلاميّين في الانتخابات-الانتخابات النقابية مثلا- إلا إذا كانوا متيقنين بالفوز بالأغلبية، طبعا باتباع طرقهم الملتوية المخادعة، التي هي أقرب إلى الغشّ والتزوير منها إلى النزاهة والشفافية، كما حدث في المؤتمر الأخير للنقابة الوطنية للتعليم العالي.
وهذا واقعنا السياسي يشهد أن اليساريين، المخزنيّين وغيرَ المخزنيّين، لا يذكرون الإسلاميِّين إلا في سياقات التجريح والرفض والاتهام والإقصاء، وكأن الإسلاميين ليسوا مواطنين لهم حضور شعبي متجذر، ولهم تنظيمات قوية، ولهم أنشطة وذكر وتواصل وآثار تجدها في كل مكان من البلاد.
حتى أولئك الأفراد من اليساريين الذين يكون منهم، في بعض الأحيان، سلوكٌ استثنائي، كدعوة بعضهم إلى تكتل تاريخي إسلامي علماني لمواجهة الدولة المخزنية الاستبدادية، فإنهم سرعان ما يغلب عليهم طبْعهم اليساريُّ الرافض المعادي للإسلاميين، فتجدهم قد تنكروا لسلوكهم الاستثنائي، وعادوا إلى الطعن والتجريح وترويج الافتراءات والأباطيل.
أنا شخصيا، لا أستبعد، بعد تحيز اليساريين وتبريرهم للانقلاب الدموي الفاجر في مصر، أن يأتي يوم-وقد يكون قريبا-نجدهم فيه مع الدولة المخزنية لقمع الإسلاميين ومنعهم ومحاصرتهم، بل واضطهادهم على طريقة ما يجري اليوم في مصر على يد الانقلابيين السفاحين.
مثلا، في الماضي القريب، أنا أذكر جيدا-لأني كتبت كثيرا عن الموضوع في حينه- كيف كانت مواقف هؤلاء اليساريّين تجاه ما تعرّضت له جماعةُ العدل والإحسان، طيلة ثلاثين سنة، من كل أشكال العسف والبطش والتنكيل والحصار والقمع، فضلا عن الاعتقالات التعسفية، والمحاكمات الصورية، والأحكام الظالمة، ومنع صوتها أن يصل إلى الناس بمنع صدور مجلتها وجرائدها بطرق ووسائل كانت تنزل في مستواها إلى مستوى عمل المجرمين الخارجين على القانون.
لقد كانت مواقفُ هؤلاء اليساريِّين طيلة هذا الوقت متسمة بالتحرج والتردد واللامبالاة في معظمها، وبالسكوت والتواطؤ في بعض الأحيان، وبالمشاركة في القمع والحصار في أحيان أخرى، وخاصة منذ ما سمي بحكومة التناوب وهلُمَّ جرّا إلى اليوم.
إنها مواقف تنطلق من نظرة حزبية ضيقة، ومن خلفية إديولوجية عدائية تجعل أصحابها في عمى سياسي دائم.
وبعد، فقد فضحَت مذابحُ الانقلابيين في مصر جميعَ الأدعياء من مختلف المشارب والاتجاهات، وفضحَت حقيقةَ شعاراتهم في مجال الحريات وحقوق الإنسان وبناء الدولة المدنية الديمقراطية، وأكدَت أن اليساريين لا يختلفون عن غيرهم من أعداء الديمقراطية، الرافضين لإرادة الشعوب وقرارها ما دامت هذه الشعوب تختار الإسلاميين، وتطمئن إلى قيادتهم، وتثق بمشروعهم.
إنه انتحار سياسي، وكفى.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
فاس: 28 يوليوز 2013