الأحد، 14 يوليو 2013

هل بقي للانقلابيّين ومواليهم وجهٌ؟!!

بسم الله الرحمن الرحيم


هل بقي للانقلابيّين ومواليهم وجهٌ؟!!



في بلادنا العربية الإسلامية، غالبية اللادينيين، وفي مقدمتهم الحاقدون، إديولوجيا وعقديا، على الإسلام والإسلاميين، كانوا دائما، سرا أو علانية، متحالفين أو متفاهمين أو منسقين مع الأنظمة الاستبدادية في مختلف أشكالها وصورها.
ومواقف اللاإسلاميين، بمختلف مشاربهم وتياراتهم، من الانقلاب العسكري الفاضح الذي تم في مصر يوم 3 يوليوز2013، قد بلغت من الدناءة واللؤم والافتراء والتلفيق والإشاعات والمغالطات مبلغا لا أظن أن أحدا قد وصله من قبل. ورغم هذه المواقف المخزية التي فضحت اللاإسلاميين على مرأى ومسمع من العالم كله، فإن القوم، فيما نرى ونسمع، لم يعد لهم "وجهٌ" يدعوهم للحفاظ على مائه، ولا أخلاق تمنعهم من التمادي في غيهم وبغيهم، ولا مبادئ وقيم ومروءة تقف بهم عند حدود الإنصاف والعقل لا تتعداها.
لقد جرّد الكتَبَة-ومنهم طارئون مبتدئون في صناعة الكتابة- أقلامَهم للدفاع عن الانقلاب العسكري اللئيم في مصر، وكأنهم أُنشِئوا إنشاء للدفاع عن الباطل، وتسويغه للناس، مهما بلغت حججهم في فراغها وضحالتها وحقارتها وسفاهتها ولاشيئيتها؛ المهم هو أن ما وقع في مصر حق ما بعده حق، وأنه الصواب بعينه، وأنه استعادة لـ"شرعية الشعب"، التي اختطفها "الإخوان"، وأنه الجنة بعد جحيم "حكم المرشد".
والحقيقة التي باتت معروفة للجميع، هو أن هؤلاء الكتبَةَ-البالغون منهم والمراهقون- إنما يفعلون ما يفعلون، لأنهم يرفضون الإسلاميين، ويودون لو تنشق الأرض فتبلعهم عن بَكْرَة أبيهم، حتى يتخلص وجه الأرض منهم.
والمتابع للإعلام الانقلابي، في مصر، الذي بات ينقل رأيا واحدا فقط، وهو رأي العسكر ومواليه، بعد أن أسكت الانقلابيون الجبناء اللؤماء كل الأصوات المعارضة بإغلاق جميع المنابر التابعة أو التي يشتم منها التعاطف مع الإسلاميين ومع الشرعية الديمقراطية الوحيدة التي كان يمثلها الرئيس محمد مرسي، الذي ما يزال، إلى اليوم، في عداد المخطوفين، لأنه لا أحد من الناس يعرف شيئا عن مصيره بعد الانقلاب عليه-
المتابع للإعلام الانقلابي، والقنوات الخاصة في المقدمة، لا بد أن تتملكه الدهشة والمرارة بسبب ما يرى ويسمع من هذا الإعلام، الذي عاد في رمشة عين إلى ما كان عليه أيام الطاغية مبارك؛ فلا ترى ولا تسمع إلا البهتان والتلفيق ونقل ربع الحقيقة، وتزوير ثلاثة أرباعها الأخرى، هذا إلى جانب خطاب التحريض والإقصاء والكراهية والحرب على كل ما له علاقة بالإخوان المسلمين، وكأنهم ليسوا مواطنين مصريين، وكأنهم لم يفوزوا في الانتخابات بالأغلبية، وكأنهم لم يكونوا على رأس ضحايا نظام مبارك المستبد الفاسد، وكأنهم غرباء لا يريدون بمصر وأهلها إلا الشر!!
ما يزال أنصار الانقلاب يجدون الجرأة للحديث عن الحرية والديمقراطية، وهم-كما يظهر من مواقفهم وأقوالهم- من أشد الناس عداء للحرية والديمقراطية، لأنهم لا حرية، عندهم، ولا ديمقراطية، إلا إذا كانت ضد الإسلاميين.
وما يزالون يتحدثون عن الدولة المدنية بلا حياء، وهم-كما بينَتِ الأحداث بعد انقلاب 3 يوليوز- من أشد الناس رفضا ومعارضة للدولة المدنية الحقيقية، ومن أشدهم دفاعا عن الدولة البوليسية الاستبدادية الاستئصالية، لأنها الدولة التي لا يكون فيها للإسلاميين وجود إلا في المعتقلات والمنافي والحصار وغيرها من صور الظلم والمنع والقمع.
وما يزالون-بلا حياء- يتحدثون عن الانتخابات، وهم يقبلون بوقاحة لا نظير لها أن ينصب الانقلابيون رئيسا على هواهم، يأمرونه بما يريدون وما يشتهون، وأن يُفرض على الناس "إعلان دستوري"، حرر بليل، لم يطلب فيه رأيهم، لا باستفتاء ولا بغيره، وكأنه "قرآن منزل". وقد قبلوا قبل هذا أن يقوم العسكر بتنحية الرئيس الشرعي المنتخب بالقوة، وإعلان "خارطة طريق"، على مزاجهم، فيما يخص سير الدولة ومستقبلها السياسي.
يتحدثون، بلا حياء، عن الانتخابات، والدنيا كلها تعلم أن الإسلاميين في مصر، بعد ثورة 25 يناير2011، فازوا في خمسة انتخابات، منها الاستفتاء على الدستور، الذي حقق نسبة قبول تعدت الستين في المائة. ثم جاء الانقلابيون، ومن ورائهم الديمقراطيون المزوَّرون، فجمدوا العمل بالدستور الشرعي، وحلوا مجلس الشورى، وأوقفوا العمل بكل ما له علاقة بالشرعية الدستورية الديمقراطية، وفرضوا شكلا جديدا/قديما من الحكم يقوم على الهوى والاستبداد والمنع والقمع.
وبلا حياء دائما، ما يزالون يتحدثون عن التعدد وعدم الإقصاء، والعالم كله قد علم وسمع وشاهد، طيلة الفترة التي قضاها محمد مرسي في الرئاسة، أن الحريات، بمختلف مظاهرها، قد بلغت حدا غير مسبوق، إلى درجة أن الرئيس المنتخب أصبح، في منابر كثير من المعارضين، موضوعا للتجريح الشخصي، وللهمز والغمز، بل موضوعا للافتراء والطعن بالباطل، ومع كل هذا لم يصدر عن الرئيس، ولا عن حكومته، قرار بالمنع أو القمع أو الإغلاق. بل يحسب للرئيس أنه أسقط كل العقوبات الحبسية في حق الصحافيين، ومن هؤلاء من بلغ مستوى كبيرا في الحقارة والدناءة، في التطاول على شخص الرئيس بما يتصور ولا يتصور من الإشاعات والافتراءات والاتهامات الباطلة والتجريحات الساقطة. ومع ذلك، لم يكن من الرئيس المنتخب، ولا من حكومته، رد فعل قمعي أو  قرار عقابي انتقامي. وحتى الحالات التي كانت الحكومة تلجأ فيها إلى القضاء، فإن هذا القضاء، في الجزء الموالي لعهد مبارك ورموزه، كان يقوم بتبرئة المتهمين، إلى درجة الفضيحة والعار، التي ستظل تلاحق أولئك القضاة المتحيزين ضد مؤسسات الدولة الشرعية، وحكومتها وسائر أجهزتها وإداراتها. ويكفي أن تنظر اليوم، في ظل الانقلاب الغاشم، ما يفعله هذا القضاء المتحيز للانقلاب والانقلابيين بالمعارضين، وخاصة من صفوف جماعة الإخوان المسلمين. وقد يكون الغد أسوأ من اليوم إذا ما تمادى الانقلابيون في غيهم وبغيهم، وأصروا أن يرجعوا بالمصريين إلى الوراء، إلى زمن القيود والسدود، وهيهات هيهات.
لقد أصبح كل شيء مباحا في محاربة الإسلاميين والبغي عليهم، وإن كانوا قد فازوا، ديمقراطيا، بالأغلبية من أصوات الناخبين، في ظروف ظللتها الحريات المطلقة والإعلام المفتوح.
وبلا حياء دائما، يتحدث بعض الكتبة الموالين للانقلابيين، الذين باتوا يقتلون معارضيهم بدم بارد، كما حدث في مذبحة "الفجر" أو "الساجدين"، حينما أطلقت قوات الانقلابيين النار على المعتصمين في صلاة الفجر، فسقط منهم أكثر من خمسين شهيدا-
قلت يتحدث بعض الكتبة المعادين للإسلاميين- ومنهم ملحدون مناضلون يبغضون الإسلام ويسعون بكل جهدهم لئلا تقوم له قائمة في بلاد المسلمين- عما يسمونه "شرعية الشارع"، وهم يقصدون من خلال اللف والدوران واللعب بالكلمات "شرعية الغوغاء" والفوضى وتمزق النسيج الاجتماعي وسيادة "قانون الغاب".
وهذا الكلام عن "شرعية الشارع" بات بديلا عندهم عن شرعية الانتخابات، التي فشل فيها معارضو الإسلاميين أن ينالوا ثقة غالبية الناخبين، فلم يقبلوا بالنتيجة الديمقراطية التي حكمت عليهم، بكل نزاهة وشفافية وعدل، بأنهم أقلية، وأن عليهم أن يكونوا ديمقراطيين حقيقيين، وأن يمارسوا دورهم في المعارضة السياسية الحقيقية أيضا، ويستعدوا للجولة القادمة من الانتخابات، ليختبروا أنفسهم مرة أخرى، وليعرفوا من خلال الصناديق وحدها قدرهم وحجمهم ووزنهم الشعبي الحقيقي.
محمد البرادعي، مثلا، سقط في الانتخابات، أي أن غالبية الشعب رفضته، وها هو ذا اليوم-ويا للمذلة والعار- وفي ظل حراب العسكر، يعين نائبا للرئيس/الدمية الذي أتى به الانقلابيون على هواهم. أليست هذه فضيحة لهؤلاء الذين يسمون أنفسهم بـ"الديمقراطيين الليبراليين"، والديمقراطية والليبرالية، عند قومهما الأصلاء، بريئان من البرادعي وأمثاله من السياسيين الفاشلين، الذين يحبون أن يأتوا إلى الكراسي عبر الدبابات وسفك دماء المواطنين، وبئس ما يحبون.
الشارع اليوم، وخاصة في الدول التي تصل فيها نسب الأمية والفقر إلى أرقام قاسية، يسهل إثارته وتحريضه وتخديره واللعب بإرادته بالإعلام المتحيز الفاسد، والمال السياسي الحرام، والإشاعات والتأليبات وتحريك النعرات، وغيرها من وسائل الحشد والتجميع والتأليب، فضلا عن توظيف المجرمين وأصحاب السوابق الجنائية، وهم بمثابة جيش احتياطي في مصر، يسمون بالبلطجية، كان نظام الطاغية حسني مبارك-وما يزال أتباعه وفلوله وذيوله- يعتمد عليهم اعتمادا رئيسيا وحاسما في إدارة معارك الشوارع والتجمعات الجماهيرية. وما من نظام  ديكتاتوري استبدادي في الدنيا إلا وله "بلطجيته". وقد خبرنا، عندنا في المغرب، بلطجية النظام المخزني في عدة مناسبات، في "عهد تازمامارت" الماضي، و"عهد تازمارة" الحالي.
فإن كان المعارضون الموالون للانقلابيين يزعمون أن ما يقرب من ثلاثين مليونا من المصريين مع انتفاضتهم ضد حكم الرئيس المنتخب محمد مرسي، الذي يصفونه-استهزاء وطعنا وإدانة-بـ"حكم المرشد"، فماذا كان يمنعهم-إن كانوا ديمقراطيين حقيقيين كما يدعون- أن ينتظروا الانتخابات التشريعية، التي كانت على الأبواب، فيثبتوا، ديمقراطيا، وبالانتخابات الحرة الصافية من غبش الغش والتزوير والسطو وأعمال البلطجة، أنهم باتوا أغلبية شعبية، ومن ثَمَّ بات من حقهم أن يشكلوا الحكومة ويبدأوا في تنفيذ برامجهم في مختلف القطاعات؟؟
إن كان هؤلاء الديمقراطيون المزوَّرون يدعون أن معهم كل هذه الملايين من الشعب، فلماذا سارعوا إلى الدخول تحت راية الانقلابيين، وباتوا لهم بوقا في كل المناسبات والاتجاهات؟
لقد كتبت في أكثر من مناسبة أن من أكبر عقد المعارضين للإسلاميين، في مصر وفي غير مصر، أنهم يعانون من هاجس يلازمهم ليل نهار، وهو شعورهم بأنهم سيظلون دائما أقلية في مواجهة الإسلاميين في أي انتخابات، ومن ثَمّ فإن المخرج السليم والمريح عندهم هو التشويش والتأزيم والعرقلة حتى لا تكون هناك انتخابات، أو أن تجري انتخابات بلا إسلاميين، أو أن يَفرضوا أنفسهم على الناس بالدبابات والقمع والمنع وسائر صفات الدولة الديكتاتورية ومميزاتها، وهذا هو ما يقع في مصر اليوم؛ أغلبيةٌ شرعية منتخبة تتم تنحيتها بالقوة، وأقليةٌ فاشلة خاسرة تأتي على ظهر الدبابة، ويقدمها الإعلام الفاجر الجبان على أنها المتحدثة باسم الشعب!! أي ظلم هذا، وأي انحطاط، وأي سقوط؟؟ و"إنا لله وإنا إليه راجعون".
ولا بد في الأخير من تحية خاصة إلى كل المناضلين الشرفاء، من كل المشارب والإديولوجيات والاتجاهات، الذين لم يترددوا في إدانة الانقلاب العسكري على الشرعية الديمقراطية في مصر-وإن كانوا في إديولوجيتهم ومعتقدهم ضد الإخوان المسلمين- وعبروا، بلا لبس ولا روغان، عن موقفهم الواضح ضد كل الأساليب التي تريد أن ترجع بنا إلى ما قبل زمان الربيع العربي، وما يزالون يناضلون، كل حسب زاوية نظره واختياره واجتهاده، من أجل الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، التي تكون فيها الكلمة الأولى والأخيرة للشعب من خلال انتخابات نزيهة، يتمتع فيها جميع المواطنين بكل حقوقهم وكامل حرياتهم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

مراكش: 14 يوليوز2013

الأحد، 7 يوليو 2013

الاستبداد ملة واحدة

بسم الله الرحمن الرحيم


الاستبداد ملة واحدة


(1)
الأنظمة الاستبدادية، بطبيعتها، لا يمكن إلا أن تكون في خندق الانقلابيين، والنظامُ المخزني عندنا هو واحد من هذه الأنظمة.
وكأن الموقف المغربي الرسمي من الانقلاب العسكري اللئيم الذي تم في مصر يوم 3 يوليوز الماضي قد كان جاهزا لا ينقصه إلا أن يصبح معلنا بطريقة رسمية.
من قرر الاعترافَ بشرعية الانقلاب في مصر بسرعة البرق، بل وإرسال برقية التهنئة للرئيس الدمية الذي عينه العسكرُ؟
هل تشاور الملك مع رئيس الحكومة في هذا الموضوع؟ هل تشاور مع الأحزاب المكونة للأغلبية الشكلية؟
هل كان بيانُ وزارة الخارجية التي تأتمر بأمر المخزن بيانا صادرا عن تشاور وتنسيق، أم كان صادرا عن إملاء وتنفيذا لأمر من فوق؟
هل كان هناك تقدير للمصالح والمفاسد من وراء قرار الوقوف مع الانقلابيين؟ أم هو الموقف المسبق الذي يفرض على المغرب المخزني الرسمي، مهما كانت الأحوال، أن يكون مع أمريكا ومع الأنظمة العربية الاستبدادية الدائرة في فلكها؟
ولا ينبغي أن ننخدع هنا بما أعلنته أمريكا من تجميد مساعداتها للجيش المصر حتى تتبيّن إلى أين تسير الأمور، لأن هذا الإعلان، من دولة كأمريكا، هو بمثابة ذر الرماد في العيون، بل قد يكون من الترتيبات المتفق عليها مع الانقلابيين الذين لا يمكن أن يكونوا قد تحركوا من تلقاء أنفسهم، لأن مصر، بوزنها وموقعها الجيوستراتيجي، لا يمكن أن يقرر في شأنها ضباطٌ طالما ارتبطوا، في دراستهم وثقافتهم وتكوينهم وتدريبهم وتمويلهم، بأمريكا وبسياسات أمريكا الاستراتيجية في منطقتنا العربية الإسلامية.
قرار مباركةِ الانقلاب على الشرعية الديمقراطية في مصر، والمسارعة إلى تهنئة رئيس الواجهة المدنية الذي نصبه الانقلابيون، هو قرار صادر عن الملك، الذي يحتكر شؤون السياسة الخارجية. أما رئيس الحكومة، ومعه وزير الخارجية وسائر زملائه في الحكومة، فليس له إلا أن يتبع رئيسه، ويبارك الانقلاب رسميا، وإن كان موقفُه في قرارة نفسه ضد الانقلاب ومع الشرعية الديمقراطية الشعبية!!
أرأيتم هذا المسخَ السياسي الذي ابتُلينا به؟
أرأيتم هذا الهزلَ السياسي الذي يشارك فيه، تابعا مأمورا خنوعا، السيدُ بنكيران ومن معه، ومَن وراءه من أصحابه وإخوانه وأخواته في حركته وحزبه؟
ومِن صور هذا الهزل السياسي أن السيد بنكيران لا يملك إلا أن يدافع عن قرار رئيسه الذي لا يُناقَش، وهذه مصيبة؛ أما إذا سكت بالمرة، فالمصيبة ستكون أعظم، لأن أقلَّ ما يمكن أن يُفسَّر به سكوتُه هو أن الرجل ليس بسياسي-ولن يكون في ظل دولة المخزن- وإنما هو موظف لدى دولة أمير المؤمنين، الذي يرجع إليه وحده شأنُ العلاقات الخارجية، كما ترجع إليه جميع شؤون الدولة الاستراتيجية.
لقد توالت على السيد بنكيران، منذ توليه رئاسة الحكومة، من الإهانات السياسية ما لو حصل عشر معشاره لرئيس حكومة في دولة ديمقراطية حقيقية لكان قد استقال ألف مرة إن لم تكفِه واحدة. فمن أين للسيد بنكيران بهذا الصبر الذي يفوق قوة الجبال؟
إن إدانة الانقلاب على الشرعية الديمقراطي في مصر على لسان بعض القياديين في حزب العدالة والتنمية، وكذلك البيان القوي والصريح الصادر عن حركة التوحيد والإصلاح في هذا الشأن، لا تنفع رئيس الحكومة في شيء، ما دام السيد بنكيران عاجزا أن يعبر عن اختياره السياسي بكل حرية وطلاقة من خلال المنصب الذي يشغله في الدولة.
سيقول المبرِّرون والمسوِّغون والباحثون للسيد بنكيران عن الحيل والمخارج إن للحكومة ضرورات تفرض عليها أن تتخذ ما تتخذه من المواقف، وإن كانت تخالف قناعات بعض أعضاء  هذه الحكومة، لأن السياسة لا تسير دائما وفق المبادئ والمعتقدات، وإنما هي محكومة بالضرورات.
مثل هذه الأقوال المبرِّرة المسوِّغة المحتالة كان يمكن أن يكون لها نفع ومعنى لو أن الحكومة كانت مشاركة، فعليا، في القرارات الاستراتيجية، ولو كان السيد بنكيران حاضرا برأيه وموقفه، بصفته رئيس حكومة منتخب، في السياسات التي ترسمها الدولة المخزنية في مختلف المجالات، ومنها مجال العلاقات الخارجية.
إن السيد بنكيران مع حكومته لا يملك إلا أن يقول: نعم سيدي. فالرجل، كما أصفه دائما، ملكي أكثر من الملك، وهذا ما جعل الدولة المخزنية تذهب في استغلاله إلى أبعد الحدود، لإعادة ترتيب أوراقها، التي بعثرتها عواصف الربيع العربي، والتخطيط للمستقبل باطمئنان وفي راحة بال، والتفكير في أمورها بروية لا يشغل بالها شيء، ما دام رئيس الحكومة قائما بالدور المنوط به على أحسن وجه، بل وزائدا من عنده أشياء إثباتا لولائه للنظام المخزني، ودفاعا عن دولته الاستبدادية باسم مقولات وشعارات وتسويغات أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها تسعى لتأبيد الأغلال في أعناق الناس من منظور سياسي فقهي اجتهادي يكرس أصول الاستبداد.  
إن دفاع المدافعين عن السيد بنكيران هنا لا معنى له، لأن الحكومة، برئيسها وسائر أعضائها، لا تملك إلا أن تنصاع وتسلم وتصدق وتسكت. هنا مربط الفرس، وهو أن الحكومة، التي عليها، اليوم وغدا، أن تقدم الحساب أمام الناخبين، لا تملك في أمر سياسات الدولة المتبعة إلا هامشا ضعيفا وضيقا، ولا تتمتع بسلطات تنفيذية حقيقية تجعلها قادرة على السير في تنفيذ برنامجها الحقيقي إلى آخر المطاف.
فبأي حساب سيواجه السيد بنكيران وحكومته الناس غدا؟
الملك، الذي يقرر في شأن السياسات الاستراتيجية للبلاد حسب نصوص الدستور الممنوح، غير ملزم ولا مطالب بأن يؤدي الحساب لأحد، لأنه فوق المتابعة والمحاسبة والمراجعة، وإن كان يمارس صلاحيات وسلطات شبه مطلقة.
فأي منطق هو هذا المنطق في ميزان السياسة والديمقراطية؟ الملك يفكر ويخطط ويقرر ويأمر بالتنفيذ، ولا أحد يحاسبه، لأنه لا سلطة فوق سلطته. والحكومة التابعة المأمورة المنفذة، من غير أن يكون لها في الأمر شيء، هي المطالبة بأداء الحساب!!
سنظل نذكر بهذا الهزل السياسي الذي يُفرض علينا فرضا، ونفضحه في صورته العبثية، التي تنتهك مبادئ السياسة وأصول الممارسة الديمقراطية الحقيقية، لتقدم لنا مسخا مشوها يسمونه "نظاما ديمقراطيا" متَبّلا بـ"الخصوصية مغربية".

(2)
إن انحياز المغرب للانقلابيين في مصر يفرضُه عليه اختياراته الاستراتيجية، التي تدعوه، مهما كانت النوازل والظروف، إلى أن يتجاوب مع حكام إمارات الخليج،  وأن يلتزم، في الجوهر، بما تمليه سياسات القوى العالمية، التي تتقدمها الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تقوم، في منطقتنا العربية الإسلامية، أساسا، على عمادين اثنين: ضمان تدفق النفط العربي، وضمان أمن الدولة الصهيونية. هذان هما العمادان، وما عداهما من السياسات والأهداف إنما هو من التوابع الثانوية. أما الحكام المنخرطون كليا، وبلا شروط، في السياسات الأمريكية في المنطقة، ومنهم المغرب، فمصلحتهم الوحيدة في كل هذا هو أن تظل أنظمتهم قائمة إلى أن يموتوا.
 (آل سعود) و(آل نهيان) و(آل ثاني) و(آل الصباح) وغيرهم من حكام الخليج كانوا سباقين إلى تهنئة الانقلابيين في مصر. والمغرب المخزني الرسمي لم يكن له خيار إلا أن يتبع، وبسرعة، حتى لا يُسجل عليه أنه تأخر في المباركة والتهنئة، وحتى يكون دائما عند حسن ظن حلفائه في عائلة الأنظمة العربية الاستبدادية. أما حكومتُنا الخارجَة من صناديق الانتخابات النزيهة، فلأمّها الهَبَل!
وبعد، فماذا يعني انحيازَ المغرب السافر للانقلابيين؟
يعني هذا الانحيازُ، من بين ما يعنيه، أن المغرب المخزني الرسمي مع سرقة إرادة الشعوب، وإلغاء صوت الشعوب. وما حكومة بنكيران إلا الواجهة السياسية التي ستحمل، راضية أم كارهة،  أوزار هذا الانحياز.
يعني هذا الانحيازُ أن المغرب الرسمي مع حكومات الواجهة، التي تأتمر بأمر المستبدين القابعين وراء الستار، ومع تزوير الانتخابات، ومع انتهاك الدستور، والتلاعب بالقانون، والسير بالبلاد إلى المجهول.
يعني هذا الانحيازُ أن المغرب المخزني الرسمي مع الاستبداد السياسي، والفساد الاقتصادي، والتجاوز الحقوقي، والظلم الاجتماعي، والحكم الطاغوتي.
يعني هذا الانحيازُ أن المغرب المخزني لا يعبأ بما يمكن أن تؤول إليه الأمور من فتن وفوضى واقتتال وخراب ودمار، ولا يحرص على وحدة الأمة ومصالحها ومستقبلها إلا في الشعارات والخطابات الجوفاء، أما السياسات والأفعال والمواقف والقرارات في الواقع، فهي تسير في اتجاه معاكس تماما.
يعني هذا الانحيازُ أن كل ما وعد به المخزن قبل 20 فبراير2011 وبعدها إنما كان من قبيل المسكنات والمخدّرات لربح الوقت حتى تمر عواصف الربيع العاتية، ولم يكن عن رغبة صادقة في التغيير والانتقال من زمن الاستبداد إلا زمن الانعتاق والديمقراطية. وبناء على هذا التصور، يمكن النظر إلى حزب العدالة والتنمية بزعامة السيد عبد الإله بنكيران على أنه كان من أخطر المواد المخدّرة التي اعتمد عليها النظام المخزني في تسليك نفسه من منطقة الزعازع والشدائد والاضطرابات. أما نيات الرجال هنا فلا تنفعنا في شيء، لأن العبرة في السياسة بالوقائع والمنجزات والآثار في الأرض.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

مراكش: 6 يوليوز 2013

الجمعة، 5 يوليو 2013

اللهُ يلعن من لا يحشَم

بسم الله الرحمن الرحيم


اللهُ يلعن من لا يحشَم



العنوان المختار لهذه السطور هو عبارة عن دعاء مشهور في لساننا الدارج يلجأ إليه المرء حينما يكون بإزاء وضع مزر يعبر عن انحطاط في القيم والأخلاق، واختلال في المعايير والقواعد، وانتهاك لأبسط متطلبات الرجولية والمروءة والإنصاف. وهذه العبارة، في تركيبها، عربية فصيحة، وإن اشتهر استعمالها في اللغة الدارجة بما يقتضيه هذا الاستعمال من تحريفات في النطق والإعراب.
لقد تم في مصر، يوم 3 يوليوز، انقلابٌ على كل ما بُني منذ أكثر من سنتين بعد سقوط الطاغية مبارك، وقام بمباركة هذا الانقلاب وتأييده والتصفيق له كل ذوي الدناءات والوقاحات والعاهات، في داخل البلاد وخارجها، بدعم واضح وصريح، من القوى المتحكمة في المنطقة، وأذنابها التابعين من العرب.
لم يبق للمرء أمام ما شهدته مصر يوم 3 يوليوز إلا أن يقول (الله يلعن من لا يحشم)، ملخصا كل ما يتعلق بهذا المنكر الانقلابي اللئيم، الذي جاء ليؤكد عمق هذه الهوة التي تردى فيها عملنا السياسي بسبب انحطاط نخبنا اللادينية الاستئصالية، ومن يقف وراءها من أصحاب النفوذ والمال والإعلام، ومن يقف وراءهم جميعا من قوى دولية حريصة، بكل ثمن، أولا، على حماية دولة الصهاينة، وثانيا، على حماية مصالحها وضمان تدفق البترول العربي عبر قناة السويس بدون عوائق.
بعد الانقلاب الرخيص السافر الذي حصل في مصر، لن تكون هناك، في اعتقادي، رائحة من المصداقية لأي نظام أو حكومة أو انتخابات أو "قَسَم دستوري"، أو غير ذلك من الأسماء والأشكال، التي سيحاول الانقلابيون فرضها والدعاية لها بقوة القمع والاستبداد، التي لا يعرفون غيرها في مجال السياسة والحكم.
اللهُ يلعنُ منْ لا يحشَم من هذه النخب المزورة، التي وصلت إلى أقصى الدرجات التي ما بعدها مزيد من التحريض والافتراء والبهتان والخيانة والارتماء في قلب جهنم.
الله يلعن من لا يحشم من هذه الأقلام التي ما تزال تجد في جعبتها ما تدافع به عن الشيطان، وجنده، وخدامه، وسائر مكونات عصابته.
الله يلعن من لا يحشم من هذه الوجوه، التي ما تزال تجد عندها الجرأة لتظهر للعموم في القنوات الفضائية، وتحاج، وتجادل، وتواجه، وتصر على تسويغ الباطل، الذي ظهر صريحا في انقلاب 3 يوليوز.
الله يلعن من لا يحشم من هؤلاء السياسيين، الذين لا يزالون يعتقدون أنهم على شيء، وأنهم وطنيون ديمقراطيون "سلميون" بعدما أيدوا وشاركوا وطبلوا وزغردوا واحتضنوا المسخ السياسي  الذي فرضه الانقلابيون.
 الله يلعن من لا يحشم من هؤلاء الذي لا يقنعون بأقل من يروا دماء المسلمين تسيل، وأوطانهم تخرب، وثرواتهم تنهب، ومؤسساتهم تقوض، ولحمتهم تمزق، وصفوفهم تشتت، وريحهم تذهب.
الله يلعن من لا يحشم من هؤلاء الزنادقة المارقين، من كل المشارب والاتجاهات، المندسين بين المسلمين، الساعين، في السر والعلن، وبكل الوسائل، من أجل أن يظل المسلمون كمّا خاضعا تابعا ضعيفا مفعولا به.
الله يلعن من لا يحشم من هؤلاء الذي دأبهم، بالليل والنهار، أن تشيع في الذين آمنوا الفتن والفواحش وغيرهما من أسباب الدمار والخراب.
و(إنا لله وإنا إليه راجعون)
و(حسبنا الله ونعم الوكيل)
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

مراكش: 5 يوليوز2013 

الخميس، 27 يونيو 2013

"الحداثيّة" و"اللادينيّة" وجهان لعملة واحدة

بسم الله الرحمن الرحيم

"الحداثيّة" و"اللادينيّة" وجهان لعملة واحدة


(1)
أصبح المشروع "الحداثي"، في خطاب اللادينيين، بكل فصائلهم وتوجهاتهم، يُقدَّم على أنه نقيضُ المشروع الإسلامي. وقد كثُر في خطاب خصوم الإسلاميين ومنافسيهم، بعد أن ظهرت الحركةُ الإسلامية وفرضت نفسها في الساحة السياسة رقما لا يمكن تجاوزه، استعمالُ كلمة "حداثة" وما يتعلق بها من نعوت وتصورات، حتى باتت هذه الكلمةُ تُستعمل في كثير من السياقات حشوا لا يعني شيئا، إلا الدعايةَ الفارغة من أي مضمون سياسي معقول ومفهوم، وإلا الغمزَ، من طرف خفيّ، في الإسلاميين والتنقيص منهم.
وقبل متابعة الكلام، أوضح أني أقصد بـ"اللادينيين" كلَّ من يقول: "لا دين في السياسة"، و"لا دين في الاقتصاد"، و"لا دين في الفن"، و"لا دين في التعليم"، ولا دين في غير هذه من مجالات أنشطة الإنسان وشؤونه الاجتماعية، وإن لم يكن ملحدا.
"الحداثة"، كـ"الديمقراطية" و"اللائكية"، و"العقلانية"، وأمثالها من المصطلحات والتصورات والمفاهيم، التي وردت علينا من الغرب، لها تاريخٌ في منبتها الأصلي، لكن معتنقيها من "الحداثيين" عندنا، يتعمدون ألا يقرأوا ذلك التاريخ، وألا يعتبروه في النقل والترجمة والتقييم. بل نجد أن أكثرهم يجتهد أيما اجتهاد ليفرض علينا قبولَ تلك الوافدات، بعُجَرها وبُجَرها، وإن كان وفودُها قد تمّ، أصلا، تحت حراب الاستعمار، ثم ترسخ بفعل طاحون التغريب.
والتغريب مصدر غَرَّبَ، وصيغة فَعَّلَ في اللغة العربية تُستعمل لعدة معاني، منها معنى التوجه والنسبة والإلحاق. تقول، مثلا: عرّبت الكلمةَ الأعجمية بمعنى ألحقتها باللسان العربي. وعلى نفس القياس نقول: غَرّبته إذا ألحقته بالغرب. وقد تُستعمل الصيغة لازمةً بمعنى التوجّه: فغرّب فلانٌ يُغرِّب، تعني اتجه نحو الغرب، ومتعديةً فتقول مثلا: غرّب الاستعمارُ كثيرا من الشعوب الإسلامية، أي ألحقَها بالغرب، وربطَها بحضارته، وجعلَها دائرة في فلكه.
والغربُ هنا لا علاقة له بالجهة والمنطقة الجغرافية، وإنما المقصودُ بالكلمة هو الحضارة والفكر والفلسفة والعقائد.
لقد كان الروح العقلاني اللائكي الغربي، في حقبة الاستعمار وما بعد الاستعمار، وراء ظهور أجيال جديدة تحمل منظورا جديدا في شؤون الكون والإنسان والمجتمع. إنه منظور أساسُه التعليم الغربي التغريبي، والتربيةُ على النمط الأوربي، والسلوك على المنهاج الغربي، لكن مع اعتبار الفرق بين الأصل والفرع، بين التابع والمتبوع، بين الغالب والمغلوب، بين المنتصر والمهزوم.
ومع تمكن هذه المذهبية اللادينية في أرض الفكر والثقافة في البلاد العربية الإسلامية، وتبنيها من قبل فئات واسعة من المثقفين ومن المفكرين والكتاب والأدباء والسياسيين، توافرت الشروطُ والظروف المواتية لاندلاع المواجهات الأولى بين أنصار هذا التيار اللائكي اللاديني وبين أنصار التيار العربي الإسلامي، وهو ما عُرف، في  أدبيات القرن الماضي بالمعركة بين أنصار القديم وأنصار الجديد. ويمكن مراجعةُ  معالم هذه المعركة وفصولها، في بداياتها الأولى، في كتاب مصطفى صادق الرافعي "تحت راية القرآن"، وفي مراحلها المتأخرة، في كتاب محمود محمد شاكر "أباطيل وأسمار".

(2)
وأسأل سؤالا واضحا لا يعرف اللف والدوران الذي ألفه كثيرٌ ممن يتسمون مثقفين في زمننا العربي الإسلامي الحديث:
من منا يمكنه، اليوم، أن ينكر العلاقة الوثيقة بين مفهوم الحداثة السائد في الخطابات الفكرية والسياسية، وفي المواقف الاجتماعية والاختيارات الاقتصادية، وبين المذهبية اللادينية، أي "اللائكية  laïcisme " بالاصطلاح الأجنبي؟
هل يمكننا- مهما كانت قدرتُنا على صناعة الحيل، واختلاق المبررات، ومهما كانت براعتُنا في العناد والجدال وتشقيق الكلام- أن ننكر هذا التقابل الواضح، الذي بات يطبع فضاءنا الفكري والسياسي، بين الخطاب "الحداثي"(بين قوسين) في ضفة، والخطاب "الإسلامي"(بين قوسين أيضا) في الضفة الأخرى؟ والسؤال هنا، طبعا، دائر حول الشائع الغالب، ومن ثمَّ فلا شأن لنا بالاستثناءات.
إن الاعتراف بحقيقة ارتباط المفهوم السائد للحداثة بالمذهبية اللادينية يُسهِّل علينا بدءَ الخطوة الأولى، وهي أساسٌ، على طريق معرفة الأصل من الفرع، وتمييز الأصيل من الدخيل.
ولا بد أن أوضح  أن المسألة التي ينصب عليها كلامي هنا لا تتعلق بهذا الدخيل من حيث هو دخيل، وإنما تعلُّقُها بهذا الدخيل من حيث هو أصلٌ مجلوب من تربة لها خصائصها، يُراد استنباتُه، بالتعسف والإكراه، في تربة الثقافة العربية الإسلامية، ثم تسويغُه والترويج له على أنه أصل "إنساني" لا يعرف حدود الثقافات، والحضارات، والأديان، والأجناس، والأعراق، واللغات.
إن جعلَ مفهوم الحداثة مناقضا ومعارضا ومحاربا للدين- وفي أحسن الحالات مُجَرِّدا للدين من أية أهمية أو فاعلية في شؤون الإنسان الحياتية، وخاصة السياسية والاقتصادية والثقافية- يرتبط بأصل ثقافي لا يمكن، مهما كانت التفسيراتُ والتأويلات، أن يكون بينه وبين الأصل الثقافي الإسلامي إلا التنافر والتدابر، ومن ثمَّ يتوجب فهمُ هذا الأصل الدخيل في سياق بيئته التي نبت فيها وتطوّر، حتى نضج واكتمل في صور فلسفات ونظريات وسياسات وعقائد، لها نظرتُها المتميزة إلى الكون، والخلق، والمجتمع، والأفكار، وسائر الموجودات من المحسوسات والمعقولات والمفهومات.
إن اللادينية، بكل صورها، هي غريب دخيلٌ على ثقافتنا الإسلامية، رضي بذلك مثقفونا "الحداثيون" أم لم يرضوا، لأنها الحقيقةُ التي يتكلم بها التاريخُ منذ أكثر من أربعة عشر قرنا، والتي لم يُفلح المزوّرون، والمُغالطون، أن ينالوا منها، في الماضي، وفي الحاضر الذي أصبح يُسعفهم بإمكانيات هائلة ووسائل متطورة كـ"الأنترنيت" و"القنوات الفضائية" وغير ذلك من مظاهر الثورة الواسعة في مجالات الإعلاميات والاتصالات.
المذهبية اللادينية غريبةٌ عن ثقافتنا الإسلامية، ومن ثمَّ فهي أصلٌ عند أصحابها قبل أن ينقلها الناقلون، ويترجمها المترجمون، ويدافع عنها المدافعون، بالحق والباطل، لإثبات أنها نبتةٌ مألوفة في ثقافتنا، وأن لها، في تراثنا، امتداداتٍ تاريخيةً، وأعلاما من أسلافنا، إلى آخر ما زعموا، واختلقوا، وما يزالون يزعمون ويختلقون.
ومن إفرازات الثقافة التابعة، في البلاد العربية الإسلامية، الدفاعُ عن المذهبية اللادينية بأنها من "التراث الإنساني العالمي"، الذي لا يعترف بالحدود الجغرافية، والخصوصيات العقدية والمميزات الحضارية، فضلا عن كونها- في زعم الدفاع دائما- لا تتعارض مع عقائد الإسلام وأصوله الإيمانية إذا ما اعتمدنا منهجا "عقلانيا" "تنويريا" في النظر والفهم والتفسير والتأويل.
هذه مبرراتٌ يجادل بها قوم عن ثقافة "غالبة" "غازية" "طاحِنة"، هم أولُ من يعرف أنها ثقافة جُلبت إلينا تحت حرّ حِراب الاستعمار، واستُنبتت بأرضنا استنباتا بواسطة طاحون تعليم تغريبي كان من طِحْنه، بعد سنوات من العمل الدؤوب، نخبٌ انتهى إلى أيديها، بعد رحيل جيوش الاستعمار، زمامُ شأننا العام، وخاصة، في مجالات السياسة والاقتصاد والتعليم والإعلام.
إن المذهبية الحداثية(أي المودرنيزم) نبتة أصلها هنالك في الغرب، لها ملابساتها وخصائصها، في النشأة والتطور والنضج والاكتمال، وأن "حداثيَّتنا" إنما هي فرع تابع، لا تملك من الأصالة إلا الشعارات، والمراوغات، والمغالطات، والتأويلات المعتسفة.
وليس كلُّ أصل نشأ في الغرب مرفوضا، مبدئيا وآليا، من حيث هو أصل أجنبي، كما تسعى أن توهمنا بعضُ الخطابات الحداثية التابعة، وإنما المرفوضُ هو هذا التلبيس الذي قد يخفي وراءه نيات مبيتة تفرض علينا، في كثير من الأحيان، أن نؤخر حسنَ الظن، وأن نتشبث بحقنا في الشك والتحري والتحقق.

(3)
ما يزال هناك من النقاد والباحثين في مجالات الفكر والآداب والفنون من يعتقد وجودَ تصوراتٍ إنسانية مطلقة تتجاوز الحدودَ البشرية الجغرافية العرقية، والحواجز الفكرية الحضارية، والمميزات العقدية الدينية.
ويذهب أصحاب هذا الاعتقاد إلى أن الأمر ليس مقصورا على ميادين العلوم والصناعات والتطبيقات التكنولوجية وحسب، بل يتعداها إلى ميادين الإنسانيات والأخلاقيات والفلسفيات.
وقد نجدهم يجادلون في كون التصورات والمفاهيم المستوردة لا بد أن تحمل معها إلى البيئة الجديدة خصائصَ البيئة الأم التي أنتجتها، ويزعمون، استنادا إلى إيمانهم بِـ"كونيّة" تلك القيم والمفاهيم، أن الأمر يتعلق بنتاج ذي بعد إنساني تذوب معه الخصائصُ العرقية والمميزات العقدية والحضارية.
وهناك من الباحثين، وهم قلائل، من يُقر بوجود فوارق واختلافات في الأفكار والنظريات بين موطن النشأة والموطن الجديد.
ومهما تكن النقاشات والجدالات التي دارت، وما تزال تدور، حول هذا الموضوع، موضوعِ تأثر المفاهيم والتصورات أو عدم تأثرها حينما تُنقل من بيئتها الأم وتُزرع في بيئة أخرى مختلفة، ومهما اختلفت وجهاتُ النظر وآراءُ الباحثين والمفكرين، فإن الحقيقة التي يشهد لها تاريخُ تواصل الحضارات وتنافسها وتدافعها وتغالبها، وكذلك الواقع الاجتماعي الفكري والسلوكي، هي أن المفاهيمَ والنظريات والتصورات التي لها علاقة بالعقائد والأخلاق والفلسفات والتاريخ، لا يمكن أن تتجرد عن جرثومتها حينما يتمّ استنباتُها في أرض جديدة. في العربية، جرثومةُ الشيء أصلُه.
إنه لا "أممية" إذاً، في العقائد والفلسفات والأخلاق، وإنما هو التمايز والتباين والزِّيَال.
وأفتح هنا قوسا صغيراً لأوضح أن الشعوب غير الإسلامية، مثلا، لا تؤمن بالصفة العالمية لرسالة الدين الإسلامي، فضلا عن عدم إيمانها، أصلا، بالإسلام دينا قيّما، ورسالةً خاتمةً بعث بها الله، عز وجل، خاتمَ النبيئين والمرسلين محمدا، صلى الله عليه وسلم. هذا مع إيماننا، نحن المسلمين، بأن (الدين عند الله الإسلام)(آل عمران/19)، وأن الله، تعالى، أرسل سيدنا محمدا رسولا ورحمة للعالمين: (وأرسلناك للناس رسولا)(النساء/78)، (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)(الأنبياء/106)، (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا، الذي له ملك السماوات والأرض. لا إله إلا هو، يحيي ويميت. فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يومن بالله وكلمته، واتبعوه لعلكم تهتدون)(الأعراف/158).
إن مغزى هذا التوضيح أن عالميةَ رسالة الإسلام، في اعتقادنا نحن المسلمين، لا يمكن أن نُلزم بها غيرَنا من غير المسلمين، ولا أن نفرضَها عليهم قهرا وسطوة وغلبة، إلاَّ دعوةً بالحكمة والموعظة، وجدالا بالتي هي أحسن.
فإذا كانت هذه الحقيقةُ تنطبق على دين الإسلام خاتم الرسالات السماوية، فأحرى أن تنطبق على النظريات والفلسفات الوضعية التي منشؤها تفكيرُ الإنسان، وذوقُ الإنسان، وتأملُ الإنسان، وقصورُ الإنسان، وضعفُ الإنسان. في جملة، نظرياتٌ وفلسفاتٌ وضعيةٌ منشؤها الإنسانُ في نسبيّة قدراته ومحدودية طاقاته.
إنني، بالطبع، لا أناقش هنا حقيقةَ كون الأفكار، كلِّ الأفكار، حينما تنتقل من تربتها الأصلية، لا بد أن تتأثر، قليلا أو كثيرا، في السطح أو في العمق، في الزمن القصير أو الطويل، بخصائص الأرض الجديدة، في العاداتِ والأعراف، والموروثات والأذواق، والسلوكات والأفكار، إلى آخر ما يميز هذه الأرضَ المُسْتَقْبِلَة تاريخا وحضارة وتقاليد.
إذن، فالحديثُ عن المفاهيم والتصورات ذاتِ البعد الإنساني، التي  تزول معها حدودُ الحضارات وخصائصُ الشعوب والمجتمعات، ولا تتميز فيها المعتقداتُ والمشارب والأهواء، هو، في اعتقادي، من الأحاديث التي لا يكون لها معنى إلا في دائرة الموضوعات التي يستوعبها العقل الإنساني "العلومي"، أو العقل "المعاشي" المشترك.

(3)

بين "الحداثية" و"الحداثة"


الفرق بين كلمة Modernisme وكلمة Modernité في الصياغة اللفظية، وتبعا لها، في الدلالة المعنوية، هو أوضح من أن يُبيَّن أو يناقش. واللاحقة "إيزمISME" في الصياغة اللغوية الأجنبية، تفيد الدلالة على المذهبية العقدية، أو السياسية، أو الفلسفية، أو الاقتصادية، أو غيرها من المذهبيات،كالماركسيةMarxisme، والوجوديةExistentialisme،واليهوديةJudaïsme،والليبراليةLibéralisme…إلخ
ويقابل هذه الصياغةَ الأجنبية في اللغة العربية بناءُ ما يُسمى في علم الصرف بالمصدر الصناعي، ويُصاغُ بزيادة ياء مشددّة بعدها هاء في آخر الاسم، كالوطنيّة من الوطن، والإنسانيّة من الإنسان، والقيصرية من القيصر.
وتطبيقا لهذه القاعدة، فإن نقل كلمةModernisme إلى العربية ينبغي أن يكون على مثال المصدر الصناعي من اسم الحداثة، وهو "الحَدَاثِّـيَّة".
أما الشائع في العربية اليوم، فهو استعمالُ كلمة "حداثة" ترجمةً مطلقةً للفظتين الأجنبيتين Modernismeو Modernité، بلا تدقيق ولا تمييز، وهو استعمال لا يخلو من خلط ومغالطة والتباس.
إن الخلط الواقع في ترجمة كثير من المصطلحات الأجنبية، وخاصة في الميادين الإنسانية الفلسفية والأدبية، يمكن، في رأيي، إرجاعُ سببه الأصلي إلى تأثر المثقفين العرب بالغرب، والانبهار بنظرياته إلى حد اعتبارها تمثل أعلى ما بلغته الإنسانية في باب التفكير والإبداع. وعند الترجمة، فإنه تتم مراعاةُ روح الثقافة الغربية: العقلانيةِ اللائكية اللادينية. فكل ما هو حديث لا بد أن يكون متجاوزا للتفكير الديني، غيرَ معتدّ بالغيب ولا بالأصول الإيمانية، ولا بالقطعيات "المتعالية".
وفي هذا الصدد لا نستغرب أن يربط كثيرٌ من المثقفين عندنا بين الاختراعات الغربية المادية وبين الفكر الغربي اللائكي. فلا يُعقل، عندهم، ولا يصح الإقبالُ على المنتوجات الغربية العلمية المادية، والحرصُ على الانتفاع بمخترعاته الصناعية من غير الأخذ بما كان وراء هذه العلوم والمخترعات والصناعات، في زعمهم، من فكر وثقافة وفلسفة روحُها العقلانيةُ اللادينية.
فمن التناقضِ عندهم-عندَ (أدونيس) الملحدِ مثلا- قبولُ منجزات الحداثة الغربية العلمية والتقنية، "وكل ما يحسّن الحياة وطرقها المعيشية"، وفي الوقت نفسه، رفضُ "الموقف العقلي" الذي أدى إلى نشوء هذه الحداثة، و"النظرة التي أبدعتها".
وهذا يذكرنا بسعي بعض اللادينيين عندنا، وهم قلة على هامش المجتمع المغربي المسلم، ليفرضوا علينا ديمقراطية "كونية"، في زعمهم، أي بكل لوازمها، من غير فصل ولا تمييز بين إجراءاتها التقنية وترتيباتها التطبيقية وبين أصلها الفلسفي وخلفياتها اللادينية، وهدفُهم الأساس، وهو معلنٌ عند بعضهم، هو إبعاد الإسلام من أن يكون له حضور وتأثير في النظر إلى شؤون الناس وما يتعلق بهذه الشؤون من قضايا ومشكلات ونوازل في مختلف الميادين والقطاعات.
وهكذا كانت كثيرٌ من الترجمات، في سياق استعمالات مبيَّتَة الأغراض، تسعى إلى تثبيت الفكر الفلسفي الغربي في مواجهة الفكر الإسلامي، مما أدى إلى أن تصبح "المصطلحات" صناعةً تُستغل في دعايات سياسية سافرة، في كثير من الأحيان، لا علاقةَ لها بشؤون الفكر والحضارة.
فاليوم، ولمواجهة التيّار الإسلامي القويّ المتصاعد، والطعن على أفكاره وأطروحاته، يُكثر المثقفُون اللائكيّون، من الكتّاب والمفكرين والسياسيين، من استعمال لفظة "حداثة" لوصف مشروعهم اللاديني الفكري والسياسي، الذي يقابلون به المشروع الإسلامي "الغيبي"، "اللاعقلاني"، "الخرافي"، كما يصفون، وكما يزعمون.
فالحداثة عندهم نقيضٌ "أبدي" للمشروع الإسلامي في مختلف مناحيه وأفكاره واجتهاداته، ولهذا أصبح وصفُ مشروعهم السياسي بأنه حداثي، وأيضا نعتُ نموذجِ المجتمع الذي يطمحون إليه بأنه حداثي، لازمةً في خطاباتهم وكتاباتهم إلى حدّ الابتذال واللغو الذي ليس تحت طائل.

(4)
هل للفظة "حداثة" مدلول اصطلاحي إنساني كوني تختفي معه خصائص الأمم والحضارات، وتسود بدلَها قيم عالمية واحدة؟ أم أن هذا المدلول، كغيره من الأفكار والنظريات الوضعية البشرية، إنما هو مدلول نسبي يُقرأ ويُقوَّم ويُنتقدُ حسب الظروف التي تلابسه، ويتغير ويتعدد بتغير النظريات وتعدد الثقافات والمعتقدات؟ أم أن الأمر اختلاطٌ وفوضى يتعذر معها الانتهاءُ إلى مدلول اصطلاحي واضح المعالم، أو تبَيُّنُ ملامح مرجعيةٍ معينة من المرجعيات الفكرية والحضارية؟
إذا نحن استثنينا بعض الآراء القليلة، كمًّا ونوعا، فإن غالبية الباحثين، وخاصة منهم الذين عُنوا بالبحث في الجانب الاصطلاحي للفظة "حداثة"، تتفق في المضمون، وإن اختلفت أشكال التحليل والتعبير، على أن السياق الحضاري/ العقدي/ الفكري/ الفلسفي/ الاجتماعي، الذي أنتج "الحداثة" بمفهومها الاصطلاحي إنما هو في الأصل سياق أوربي مائة في المائة. ويعضُدُ هذا الرأي الغالبَ في أوساط النقاد والباحثين، على اختلاف مناهجهم ومرجعياتهم، الشهاداتُ والنصوص التي تمُدنا بها مدونات تاريخ الحضارة الغربية، ومعاجمُ الأديان واللغة والفلسفة والأدب.
إن نقلَ مفهوم الحداثة الغربية إلى الثقافة العربية الإسلامية يعني، في الجوهر والأساس، وليس في اللغة والعبارة والشكل، نقلَ المذهبية اللائكية اللادينية إلى واقع ثقافي قائم، في روحه، في تراثه، في تاريخه، في أصوله، في شريعته، في أخلاقه وعاداته، على عقائد الإسلام، على الرغم من آثار الغزو الاستعماري التغريبي في أفكار المسلمين وسلوكاتهم وأساليب تفكيرهم ونظرهم.
وهذا، في رأيي، هو أصل الإشكال، وعليه مدارُ أزمة الفكر العربي الحديث في كثير من مسائله وقضاياه.
فهذه الإشكاليةُ في موضوع تحديد المفاهيم والتصورات، وكذلك الاختلاف في ترجمة الاصطلاحات الأجنبية، ما هي، في منظوري وتحليلي، إلا غصنٌ من تلك الشجرة الباسقة الممتدة الجذور في ثقافتنا الحديثة، شجرةِ التربية الاستعمارية والتعليم الغربي التغريبي، شجرةِ التغرّب عن الذات وفقدان الهوية بتبني حضارة الآخر على الإطلاق من غير تمييز.
وقد يبدو، من الظاهر، أن موضوع نقلِ المفاهيم وتحديدِ التصورات وترجمةِ الاصطلاحات لا يفتأ يطرح إشكالية فكرية في جميع العصور والثقافات، وأن حالتَنا في الأمة العربية الإسلامية ليست استثناء من هذا الحكم، ولا علاقة لها بالاستعمار والتبعية.
قد يكون في هذا الرأي، الذي عليه غالبيةُ مثقفينا اللائكيين دعاة "الحداثة الحداثية"، شيءٌ من الصحة لولا هذه الأزمةُ العامةُ الشاملة لكل مجالاتنا الفكرية والثقافية والسياسية والفنية والأدبية.
إنه "قانون التقليد شيطان عصر النهضة"، كما عبّر منير العكش.
وهذا ما عبّر عنه، بلغة أخرى أكثر وضوحا، الدكتور كمال خير بك، وهو من المثقفين الأدباء الحداثيين، بقوله في حق "الانتلجنسيا العربية المتغرّبة"، في كتابه عن(حركية الحداثة في الشعر العربي المعاصر)، ص102: "وبمواجهة الأزمة المتعاظمة للحضارة الأوربية-الأمريكية، المزعومة حضارة شاملة، تلك الأزمة التي يعبر عنها مفكرونا وفنانونا ذاتهم، وجدت الانتلجنسيا العربية "المتغربة" نفسَها حائرة، بعد أن أضاعت محورَها الطبيعي، تراثَها وإمكانيةَ الرجوع إلى الله".

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

الثلاثاء، 11 يونيو 2013

انعدامُ الحياء

بسم الله الرحمن الرحيم

انعدامُ الحياء



تذكير: لقد كتبتُ هذه المقالةَ ونشرتُها منذ أكثر من سنتين(ماي2011) بعنوان "وقاحةٌ متقنِّعَة"، تعليقا على مشهد التعرّي القبيح الذي ظهرت به المرأةُ (لطيفةُ أحرار) في عمل محسوبٍ على الفن المسرحي بعنوان "كفر ناعوم-أوطو سراط". واليوم، وبمناسبة ظهور هذه المرأة على القناة الأولى، يوم الأحد9 يونيو2013، في برنامج  "ضيف الأحد"، وهي تدافع عن العري، كما كانت تفعل دائما، باسم الفن والإبداع والجمال، فإني ارتأيت إعادةَ نشر هذه المقالة بعنوان جديد، لأؤكد ما قلتُه قبل سنتين ردّا على جرأة هذه المرأة في الدفاع عن الرداءة والقبح والرذالة باسم الفن والإبداع، والفنُّ والإبداعُ، عند أهلهما الأصلاء وليس الأدعياء، براءٌ من "فن" المرأة أحرار وسلوكاتها ومنطقِها المتهافت الضحل في الدفاع والاحتجاج والاستدلال.
لقد عِشْنا حتى رأينا كيف أصبحتْ زُبالَةُ بعضِ النفوس والأذواق والأهواء تُفْرَض على الناس على أنها شيء بديع ومفيد!!
باختصار، إنها مقالة قديمة جديدة للردّ على دعاوى قديمة حديثة لا تفتأ تدافع عن الحضيض الذي تردّت فيه بعضُ الأعمال باسم الفن والإبداع.
فإلى نص المقالة.
+++++++

تعرّي المرأة أمام عموم الناس، في مجتمع دينُه الإسلام، هو دعارةٌ لا غبار عليها، مهما كانت الأعذار والتأويلات والتسويغات، ومهما طبّل الأنصارُ المدافعون وزمّروا، وطاروا ونزلوا.
هل يكون هذا السلوكُ الداعرُ فنّا؟
للنصارى دينُهم وأعرافُهم، وللمسلمين دينُهم وأخلاقُهم، وللملحدين دينُهم وطقوسُهم وممارساتُهم، وللحيوان غرائزُه وعاداته. وليس هناك ما يُقنع المسلم العاديَ البيسط، بلهَ العالمَ المتخصصَ، بأن تعرّيَ المرأة "المسلمة" أمام الجمهور، على خشبة المسرح، أو في شريط سينمائي، أو في الشارع، هو فنٌّ مقبول وفعلٌ محمود، إلا أن يتعلق الأمرُ بفرضِ أمرٍ بالحديد والنار، وبالدعاية الصاخبة ليل نهار، كما تفعل دولتُنا المخزنية، في هذه الأيام، مع مهرجانها "موازين"، حيث تُصر على تنظيمه رغم الاحتجاجات الشعبية الواسعة، ورغم الظروف الحساسة التي تمر بها البلاد. إصرارٌ مخزني مرضيٌّ يكشف طبيعةَ الاستبداد الجاثم على قلوبنا وحجمَه وخطرَه.
أقول هذا الكلام بمناسبة رجوع الممثلة (لطيفة أحرار) إلى التعرّي "المسرحي"، وإصرارها على أن الأمر يتعلق بفنّ جميل لا يفهمه ولا يتذوقه الذين يعارضونه ويرفضونه.
فعند هذه المرأة التي يُعجبها أن تتعرّى أمام الناس، وقد مات فيها الحياء، أن التعرّيَ، في عَرْضها، ليس إلا جزءا من كلٍّ، وعلى نقادها الرافضين أن يحكُموا على العمل كاملا، لا على مشهد مقطوع عن سياقه. ثُم تقول، إن على نقادها، أولا، أن يشاهدوا العرض قبل أن يحكموا عليه.
دفاعٌ واحتجاج أوْهَى من بيت العنكبوت.
وعندي أن هذا الدفاع من الممثلة المتعرِّية هو إمعانٌ في الجرأة، وإصرار على أنها على حقٍّ، وإن رفضَ عملَها المسلمون جميعا.
يكفيني، يا امرأة، تلك الصورة/اللقطةُ التي نشرتها وسائلُ الإعلام من تعرّيك "المسرحي"، حيث تظهرين ملقاة على الخشبة بملابسك الداخلية فقط، لأحكمَ بأن عملك ذاك لا علاقة له بالفن، وأن الأمرَ يتعلق بسلوك داعرٍ فاحشٍ مُخلٍّ بالحياء، حقُّه الرفضُ والإدانةُ.
هذا ما يقوله المسلمُ العادي، والفقيه المتضلّع، والعرفُ والتقاليد والأخلاقُ والآداب العامة في مجتمعنا.
إنك تتحدثين بلغة الفن، لأنك لُقِّنْت ذلك تلقينا، وهو تلقين قائم، في أصله، على انحرافات ومغالطات، فضلا عن جهل فظيع بالدين الإسلامي، ونظرةٍ إلى الذات تمتاز بنرجسية مَرضية وثقةٍ تجاوزت حدودَ التواضع والاعتدال. ثم هناك الإعلامُ المؤيد المصاحب، الذي لا يني يسلطُ الأضواءَ، ويسوق الأمثلة والمبررات، حتى يقرّرَ في نفوسنا أن الأمر يتعلق بفن جادٍّ "حداثي"، ما زلنا، نحن المسلمين، متخلفين أن نصل إلى استيعابه وامتلاك ناصية أدواته، وأن امرأة، كلطيفة أحرار، التي تجرأت وتعرّت أمام الناس، هي نموذج فريد وثمين، لا يعرف أصالةَ معدنه، وعُلوَّ قدره إلا آحاد النقاد النبغاء من أهل المعرفة والاختصاص!!
لم يكن التعرّي، ولن يكون أبدا، فنّا محترما ومقبولا في المجتمع الإسلامي، الذي يحافظ على ذوقه وأخلاق نشئه، إلا عند الفاسقين (البورنوجرافيين)، الذي يتحركون، بالليل والنهار، لا يفترون، من أجل فرض أخلاق اللادينية الدوابيّة المُنحطة.
إن ممّا جرّأك، يا امرأة، على جمهورك المسلم، الذي لا يتعدّى العشرات من الغافلين التائهين المستَلَبين، وأيضا، مِنَ المُغرَّبين المطحونين، تربيتُك وتكوينُك والأيدي التي صنعتْكِ، والتي جفَّفَت منابعَك الأخلاقية الإسلامية، وفي مقدمتها خلُقُ الحياءُ، وهو، في ديننا، شعبةٌ من شُعَب الإيمان، كما ورد في الحديث الصحيح.
أنا هنا لست واعظا على طريقة الوعاظ، الذين تعرفين أو تسمعين بهم، وإنما أنا هنا متحدث وناقد من زاوية الفن، الذي تزعمين السلوكَ على هديه، والإبداعَ في محرابه.
تعرّي المرأة، أو تعرِيَتُها في الرواية المقروءة مثلا، هو استفزاز مباشر لغريزة بهيمية في الإنسان، إلا أن يكون هذا الإنسانُ ممسوخا، أو مخدَّرا، أو معتوها، أو خارجا عن أصله الطبيعي.
والعُرْي بهذا المعنى لا ينفك يوحي بالفِراش أو ما في معنى الفراش؛ فهو إذن "فن" فراشي، إن كان لا بد من وصفِ مثلِ هذا العملِ بأنه فن.
فأيُّ إبداع تبدعه المرأةُ الجارية في هذا السبيل غير سلوك الطريق السهل نحو "الشهرة"، التي تُعمي النساء اللواتي على شاكلة لطيفة أحرار.
ما أسهلَ أن تتعرّى المرأةُ، يا لطيفة، ولكن ما أصعب أن تستر جسدَها وتتحلى بالأخلاق الفاضلة، في عالم لم يزل يُحرّضها ويستغلّها ويستضعفها حتى أحالَها سلعةً رخيصة مبتذلة، يتاجر بها التجارُ، ويحلبها المستغلون الفجار.
نعم، للجسد لغةٌ وسحرٌ وجمالٌ، لكن في اتجاه آخر مناقضٍ تماما للاتجاه الذي تردّيت فيه. واعلمي أن الجسد، في ثقافتنا الإسلامية، له حرمةٌ وقيمة وحقوق وجلال، والمرأةُ التي تستخف بحرمة جسدِها، وتنتهك حقوقَه، وتدنس جلالَه، إنما هي امرأة فاقدةٌ لأهمّ الصفاتِ التي تكون بها المرأةُ امرأةً، ومن ثَمَّ فإن إطلاق اسمِ المرأة عليها لا يكون إلا من قبيل المجاز.
يا سيدتي المُتعرّية، الحقُّ والأصل في الفنون، ، كيفما كان نوعُها، أن تسموَ بالنفوس، لا أن تنحط بالغرائز إلى الحضيض الداوبيّ.
هناك في الغرب، اليوم-والغربُ مثالُ حداثيّينا ومُغَرَّبينا من كل الألوان والوظائف والاختيارات- فواحشُ ومنكراتٌ ودعارة، تشيع بين العموم باسم الفن، ومن هذه الفواحش أفلامُ الدعارة المكشوفة(البورنوجرافي)، التي لها نجومُها ومهرجاناتُها وعشّاقها وزبناؤها.
وماذا بين التعرّي على خشبة المسرح، ولو جزئيا، أو الظهور مع أجنبيٍّ في مشهدٍ سينمائيٍّ فاحشٍ، وبين البورنوجرافيا؟ ليس بينهما، في اعتقادي، إلا مسألة الوقت، ريثما يتم إعدادُنا، شيئا فشيئا، لتقبّل الأمر على أنه فنّ وحرية واختيار وحقٌّ وغيرُ ذلك من شعارات الحداثيّين المتطرفين، الذين لا يقبلون، في مجتمعنا المسلم، بأقلَّ من شيوع الفاحشة صراحا بَراحا، بوجهها الحقيقي، لا تتخفى وراء الأستار، ولا تتوسلُ بعنوانٍ من العناوين، ولا تتزيّى بزيٍّ غير زيّها الحقيقي الأصيل. وعندئذ، عاشت الحداثةُ، وعاش أنصارُها، وعاشت الفاحشةُ، وعاش مُواقِعوها وأبواقُها وسدنتُها من الإنس والجان.
لا يقبل الحداثيون اللادينيون المتطرفون بأن تظل الفواحشُ والمنكراتُ محبوسةً في الملاهي الليلية والنوادي الخاصة، بل همُّهم، بالليل والنهار، أن تصبح ممارسةً طبيعية ومقبولةً في المجتمع، بكل طبقاته ومستوياته ومكوناته. ولهذا، نرى هذا السعي الحثيث، في الزمن، للتطبيع مع السلوكات الداعرة تحت عدّة لافتات، ومنها لافتةُ المسرح؛ والويلُ كلُّ الويل لمن يحتج أو ينتقد أو يُدين، لأن التهمةَ جاهزة، والأحكام جاهزة، والإعلام الحداثيّ المتطرف جاهز.
أيتها المرأة المتعرِّية المتحدِّية المستهتِرة المتجرّئة، إن التعرّيَ واحدٌ في معناه، في كل زمان وفي كل مكان، ولا سبيل أمام هذه الحقيقة البشرية الكونية الأبدية إلى التفلسف وتشقيقِ الكلام واستظهارِ دروس السيّد الحداثيِّ المتنور المحفوظة عن ظهر قلب.
إن التعريَ من المرأة المسلمة أمام جمهور في مجتمع مسلم هو سلوكٌ داعر بكل المعاني، سواء تجلّى هذا التعري في مشهد واحد أو في عدة مشاهد.
إن كشفَ جسد المرأة واحدٌ في مبناه ومعناه- ولا ننسى أننا نتكلم في سياق ديننا الإسلامي وثقافتِنا الإسلامية وأخلاقِنا الإسلامية، حتى لا يقولَنَّ جاهلٌ إن للعري قيمةً فنية كونيةً يجب الاعتراف بها. وحينما يحصل هذا التعري في مكان عمومي، فإن الذوق المسلمَ يمجّه، والأخلاق الإسلامية العامة تُنكره، والعرف الاجتماعي يأباه، سواء أكان هذا التعري في أول العرض، أم في وسطه، أم في آخره.
والمسلم، بعقيدته وأخلاقه وحيائه، لا يحتاج أن يقرأَ مشهد التعري في علاقته بما يسبقه من المشاهد وما يتبعه، لأن التعريَ، أخلاقيا واجتماعيا ونفسيا، سلوكٌ مستقل بذاته، دالٌّ لوحده من غير حاجة إلى غيره من العناصر والمعطيات.
التعري، في جملة، سلوك داعر ممجوج، ومظهرٌ فاحش منكور.
يا هذه، وسيرا على منطقك، هل يمكنك أن تتصوري ذاتا منقسمةً إلى شطرين اثنين ليس بينهما اتصالٌ ولا تبادل مشاعر وانفعالات، شطر أول مخصوص للتذوق الفني، مستغْرِق في تأمل الجسد العاري، وتموّجاتِ حركاته، وجماليّةِ لغتِه، لا يهمّه غيرُ الجمالِ المحض، وإن كان المضمون فاسدا، وشطر ثان منشغِل بالدين وأخلاقه وآدابه، مهتم بفضائل الإحسان في الدنيا وهموم المصير في الآخرة؟
بتعبير آخر، هل يمكنُك أن تأتيني ببشرٍ من الناس الحقيقيّين، وليس الافتراضيّين، يمكن أن يكونوا على الشكل الذي وصفته، ذواتُهم منقسمة شطرَيْن لا تواصلَ بينهما مطلقا؟
فإن أمكنك أن تجيبي عن سؤالي بنعم، فأنا مُعترف لك بأن المرءَ المسلم يمكنه أن يستمتع بالجسد المتعرِّي أمام العموم من غير أن يُحس بأدنى حرج، لأن دينَه، في لحظة الاستمتاع، يكون غائبا، فلا يمكنه أن يتدخلَ، ولا أن ينصَحَ، ولا أن يعترض، ولا أن ينتقد ويرفض!!
الإنسانُ، كلُّ إنسان، ومنذ كان الإنسان، ذاتٌ واحدة لا تتجزأ، وكيانٌ نفسانيٌّ عاطفيٌّ متكاملٌ ومعقَّدٌ لا مكان فيه للانفصال والانقطاع والاستقلال، إلا في حالات المرض أو المسخ والاختلال الخارج عن الطبيعة.
فالأخلاقُ، عند من له أخلاقٌ، لا يمكن أن تتخلّفَ، مهما كان الموقف السلوكيُّ، ومِنْ ثَمَّ فهي حاضرة بأثرها، سلبا أم إيجابا، في تقويم المواقف والاختيارات، وتمحيص العواطف والانفعالات.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

الأحد، 9 يونيو 2013

عودةٌ إلى التعرّي أمام الجمهور باسم الفن!

بسم الله الرحمن الرحيم


عودةٌ إلى التعرّي أمام الجمهور باسم الفن!

سأظل أكرر، وإلى آخر نَفَس، أن تعريَ المرأة أمام العموم، في مجتمع مسلم، إنما هو مظهر من مظاهر الخلاعةِ والدعارة والسفالة، وسلوكٌ يخالف أخلاقَ الإسلام وآدابَه، وينتهك قانونَ المجتمع وأعرافه.
وهذا التكرار منّي هو تحدّ لأيٍّ كان، اليومَ أو غدا، أن يأتيَني ولو بشبه دليل، كيفما كان، على جواز "منكر" التعري في دين الإسلام وأخلاقه.
نحن في المغرب مسلمون، وثقافتُنا من الإسلام، وأخلاقُنا وآدابُنا وأعرافُنا وسائرُ شؤوننا إنما هي من الإسلام، أصلا وتأسيسا، أو إقرارا وتثبيتا.
ليس هناك دليل، ولا شبه دليل، ولا رائحةُ دليل على الجواز، لأن الأمر يتعلق بمُنكر لا غبار عليه. والذي يجادل في هذا إنما هو، أو هي، في اعتقادي، واحدٌ من ثلاثة: إما ملحدٌ لادينيّ متطرف، يحارب الإسلامَ وأخلاقَه وآدابه وأصولَه في التربية والسلوك العام، ويكره أن يرى العفةَ والطهارة والوضاءة والسمتَ الحسن تنتشر في حياتنا العامة، وتغلبُ في سلوكاتنا الفردية والجماعية، وفي مظاهرنا ومعاملاتنا وأنشطتنا، وإما مسلمٌ لا يميّز في أمور دينه كوعا مِنْ بُوعٍ، أيْ مسلمٌ جرفَته "أخلاقُ" الوقت الطاغية-إن جاز التعبير- وطحَنته آلةُ الحداثيّة اللادينية المتطرفة، التي باتت تصبّحُنا وتمسِّينا بكل أنواع الوقاحات والسفالات والرداءات والموبقات، وإما منافقٌ مندسّ بين المسلمين، له برنامجُه وأهدافُه وأصحابُه، يعمل على طريقة "الطابور الخامس"، الذي تقف وراءه وتموّله وتشدّ أزرَه جهاتٌ متعددة في العدد، موحدة في المقاصد والغايات.

التعيُّشُ مِنَ الجسد
هل هناك من فرْقٍ معقولٍ وموضوعيٍّ ومُقنع بين النساء اللواتي يستعملن جسدَهن ومفاتنَ أنوثتهِنّ للتعيّش والاسترزاق،  كامرأة تعمل راقصةً خليعة، في المناسبات والكباريهات والملاهي والفيديوكليبات، وثانيةٍ قَيْنَةً(مغنيّة محترفة) مائلةً مُميلة، وساهرةً مُسهِرةً، في الحفلات والمهرجانات والاستوديوهات، وثالثةٍ عارضةً تبيع محاسنَ جِسمِها بالجملة والتفصيل، حسب متطلبات السوق والزبائن والبضائع والإشهار، ورابعةٍ ممثلةً، في المسرح  والسينما، وأيضا في بعض المناسبات العامة، يُطلب إليها أداءُ أدوارٍ تتعلق بموضوعات الإغراء والعُرْي والفاحشة والعهارة، وخامسةٍ مومسا تحترف البغاء، صراحا براحا؟
لست أرى فرقا بين نساءِ هذه الأمثلةِ الخمسة إلا في كيفية استخدامِ الجسد ودرجةِ هذا الاستخدام، أما في العمق والجوهر، فلا أرى فرقا، لأنهن، في النهاية، يشتركن جميعا في التعيّش من استخدامِ جسدِهن الأنثوي وما يفرضُه هذا الجسم، مباشرة أو بالإيحاء، من معاني الإثارة والافتتان والاشتهاء.
الفرقُ الجوهريّ الحقيقيّ نجده بين عملِ نساءِ الأمثلة السابقة وبين عملِ امرأةٍ شغّالة في البيوت، أو المعامل، أو المقاهي والمطاعم والفنادق، أو غيرها من الأماكن، تكدح بعضلات جسدِها وعرق جبينها، تغسل وتنظّف وترتّب وترفع وتحرك، من أجل لقمة عيش حلال. هنا الفرقُ جليّ بين عمَلَيْن بالجسد مختلفين إلى حدّ التنافي والتناقض والتضاد.
السؤالُ الذي يفرض نفسَه هنا من غيرِ تَلَجْلُج ولا التواء هو: هل استعمالُ الصفات الجسدية الشهوانية الإغرائية الفاتنة للتكسّب والاغتناء والشهرة هو من الأعمال المباحة في الثقافة الإسلامية؟
هل استعمالُ الجسد الأنثوي، بغواياته وإيحاءاته وخلاعاته ومنكراته، في غير ضرورة ولا إكراه، من أجل الكسب، حلالٌ أم حرام؟
طبعا، الذي يجب عليه أن يجيب على هذا السؤال هم أهلُ العلم والفقه والفتيا من علماء الإسلام، المؤتمنين على أن يبينوا للناس وألا يسكتوا.
الواقع الغالبُ، مع الأسف، هو سكوت العلماء-وأخصّ هنا العلماء الرسميين الدائرين مع السلطان- وهذا ما أطلق ألسنَة الرُّوَيْبِضات من كل الألوان والأصناف والأشكال، الذين باتوا يتكلمون في الدين بالجهل والباطل والرأي التافه الذي يفضح معدن أصحابِه ونواياهم ومقاصدهم.

مشهدٌ يُبكي ويُضحك!
تأملْ معي، أيها القارئ الكريم، مشهَد امرأة مسلمة-أقول مسلمة لأنه لا شأن لنا بنيّاتِ الناس ولا بمطْويّات ضمائرهم، وإنما حديثُنا هنا عن الأعمال والسلوكات الظاهرة- متخصصةٍ في "الرقص الشرقي" الشهواني الفاجر، تتحدث عن استعدادها للمشاركة في مسابقة دولية خاصة بهذا النوع من الرقص، وعمّا يعتمل في نفسها من مشاعر، ويحدوها من آمال، ثُم تدعو اللهَ، في آخر حديثها، أن يوفقها للبلوغ إلى مرتبة مشرفة، كما تدعوه لكي يظل جمهورُها راضيا عنها وعن أدائها!!
امرأة متخصصةٌ في عمل لا يَرضَى عنه اللهُ، تعالى، قطعا، وهي تطمع أن تنال في هذا العمل من الله نجاحا وتوفيقا!
وقد مثّلت في هذا المشهد بامرأة راقصة. ويمكن أن نمثل، في مشاهد أخرى، بامرأة تقوم بأدوار فاحشةٍ داعرةٍ مُنكَرةٍ، شكلا ومضمونا، على خشبة المسرح أو أمام الكاميرات، وأخرى تُمثّلُ عاريةً وهي تُضاجع أجنبيا في فيلم سينمائي، وثالثة تبيع جسدَها، كاملا أو بالتقسيط، في معارضِ الملابس النسائية الداخليّة، أو في معارضِ ملابس الموضة، وهي تجيء وتذهب أمام الجمهور المتفرج بجسدٍ عارٍ كاسٍ إلا من بعض الخِرَق المصممة على أذواق شياطينِ موضةِ هذا الزمان وأهوائهم.
تأملوا معي مشاهدَ هؤلاء النساء وهنَّ يدعون الله-وقد يَكُنّ صادقات في دعائهن، حسب اعتقادهن- أن يوفقهن في عملهنّ، وكأن الله، تعالى، راض عن عملِهن أصلا، ولم يبق إلا طلبُ المزيد من الرضا والتوفيق!
إنها مشاهدُ مأساويةٌ بامتياز عند من ينظر بمنظار أصول الإسلام وأخلاقِه وآدابه في الحياة العامة، وعند من ينظرُ بمنظار ما يُضفيه الإسلام على جسدِ المرأة من كرامة وعفة وطهارة، وعند من يستحضر وعيدَ ربّ العالمين للذين (يسعون في الأرض فسادا)، و (الذين يحبّون أن تشيعَ الفاحشةُ في الذين آمنوا).
مسكيناتٌ بئيساتٌ، بل معذوراتٌ هؤلاء النساء اللواتي يدعون الله أن يباركَ في عملهن، وهن جاهلاتٌ-هكذا نظنّ- أن الله، تعالى، (طيّب لا يقبل إلا طيّبا)، وأنه، عز وجل، لا يأمر بالفحشاء والمنكر، وأنه (مَنْ يتّبعْ خُطْواتِ الشيطانِ، فإنه يأمرُ بالفحشاء والمنكر).
وقبّح الله الفقر الذي كاد أن يكون كفرا.
وقبّح الله، قبل ذلك، الاستبدادَ ولوازمَه وأدواته وشياطينَه، الذين يعملون بالليل والنهار لتشيع الفاحشةُ في الذين آمنوا.
أما الشياطينُ الخُرْسُ، فأمرُهم إلى الله الذي أخذَ عليهم الميثاقَ ليبيّنُنَّ الحقَّ للناس ولا يكتمونه.
و(إنا لله وإنا إليه راجعون).
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
مراكش: 9 يونيو 2013