الثلاثاء، 6 ديسمبر 2016

الصوفيّة في ميزان العلماء الأَثْبَات

بسم الله الرحمن الرحيم

"الصّوفيّةُ" في ميزان العلماء الأثْبات

لقد أجمع علماءُ الأمة المعتَبَرون من الفقهاء والمحَدّثِين والصوفية، رغم اختلاف مذاهبهم وتباين مشاربهم ومناهجهم، وكثرة خصوماتهم-أجمعوا على التصدّي للمُتفلْسِفَة والمبتدعة والزنادقة والغلاة ممّن تسموا باسم الصوفية، تحلّوا بحِلْيتهم في الظاهر والباطنُ منطَوٍ على المخالفة والجرأةِ على شرع الله.
لقد كان العلماءُ على قلب رجل واحد في التشدد والإنكار على أهل الأهواء، عامة، من "نواب إبليس وشرطه"، كما ينعتهم ابن قيم الجوزية، رحمه الله، ومنهم طوائفُ التصوف الفلسفي الإلحادي.
وعلى هذا، فإن المتصوفة نوعان: الأولُ متصوفة أقرّ علماء الإسلام طريقَهم وشهدوا لهم بالصلاح بما هم "مجتهدون في طاعة الله، كما اجتهد غيرُهم من أهل طاعة الله"[1]، كما عبر ابن تيمية في فتاويه المشهورة.
أما النوع الثاني فمتصوفة مدسوسون ومفضوحون بمقالاتهم وسلوكاتهم وأحوالهم، يرجع أمرُهم إلى الإلحاد في الدين، والطعن على الشريعة، فهم أهلُ كفر وضلال، لم تزلْ سهامُ علماء الأمة، على اختلاف طبقاتهم وتخصصاتهم، ترميهم من كل جانب، تفضحُهم وتردّ على ضلالاتهم وشبهاتهم، وتحذّر من شيطنتهم، وتحرض على مُزايلتهم، حتى تكشَّفت غوايتُهم وظهر للناس فسادُ عقائدهم، فأصبحوا في هامش المجتمع والتاريخ الإسلامي، مُفرَدين كالبعير المُعبَّد، كما عبّر الشاعر طرفة بن العبد. والبعير المعبّد هو المعزول عن الإبل لإصابته بداء العَبَد وهو الجَرَب الذي لا ينفعه دواء.
هذا هو الرأي المشهور في مقالات العلماء ومصادر المتصوفة الموثوق بها.

أدونيس وابن تيمية والصوفية
أما أدونيس، وعلى طريقتِه اللاعلمية واللاموضوعية في التعامل مع المصادر والمراجع، فيكتفي من فتاوي الإمام ابن تيمية بما يوافق نظريَّته ويسير وفق منظوره، أي الفتوى المتعلقة بمتصوفة النوع الثاني، متصوفة الزندقة والإلحاد و"الأحوال الشيطانية"[2]، ولا ينتبه، بل يسكت سكوتا مطلقا عن كون مذهب ابن تيمية في هذا الباب هو التمييز بين متصوفة السلوك على طريق الشرع، الذين يقر مذهبهم ويعظم مشايخهم ويستشهد بأقوالهم، ومتصوفةِ الزندقة والإلحاد، الذين ينعَى عليهم ضلالَهم وابتداعَهم، ولا يني ينتقدهم، وينقُض مقالاتهم، ويفضح عوراتِهم، ويشنّع عليهم، ويعُدّهم في أهل الأهواء والنحل الضالة.
والإمام ابن تيمية الذي رأى فيه أدونيس، حسب منظوره الخاص، ما أراد هو أن يرى فيه، لا كما هو في الحقيقة من كتاباته وفتاويه، ووصفَ فهمَه للصوفية-طبعا من خلال الفتوى التي انتقاها، والتي يطعن فيها ابن تيمية على المتصوفة الملاحدة-بأنه نموذج "للفهم التقليدي"[3]، أي "الفهم الظاهري التقليدي للنص القرآني"[4]-
الإمامُ ابن تيمية هذا هو الذي يقول مميزا الصوفيةَ الصادقين ممّن انتسب إليهم من أهل الأهواء: "وقد انتسب إليهم[أي الصوفية الذين يُقرّ مذهبهم] طوائفُ من أهل البدع والزندقة. ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم…"[5]
لاحظ التقابلَ والتضاد، في عبارة الإمام ابن تيمية، بين "المحققين من الصوفية" وبين "المنتسبين إليهم" من أهل البدع والزندقة.
وفي سياق آخر ينبه الإمامُ ابن تيمية المؤمنَ إلى ضرورة التفرقة بين الزنادقة "الذين ضاهوا النصارى، وسلكوا سبيل أهل "الحلول والاتحاد"…وبين العالمين بالله والمحبين له، أولياءِ الله…فإنه قد يشتبه هؤلاء بهؤلاء…والله قد جعل آياتٍ وعلامات وبراهين، "ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.""[6]

أدونيس والقشيري والصوفية
وقبل الإمام ابن تيمية، ها هو الأستاذ عبد الكريم القشيري، الذي رجع إليه أدونيس كثيرا في بعض المسائل، التي تُعَضِّد دعاويه، في كتابه "الصوفية والسوريالية"، وليس لمعرفة حقيقةِ التصوف وحقيقة أهله الصادقين-ها هو هذا الفقيه الشافعيّ الأصوليّ الأديب، كما يصفه مترجموه، في مقدمة رسالته المشهورة، يذكر أنه لم يبق في زمانه -تُحدد بعض الروايات عمره بين 386هـ و465هـ-من الصوفية إلا أثرُهم، ثم ينشد متمثلا[7]:
أما الخيامُ فإنها كخيامـهم


وأرى نساءَ الحيّ غيرَ نسائها
ثم يصف الحالَ الذي آل إليه التصوف حيث فشا رفضُ التمييز بين الحلال والحرام، والاستخفافُ بأداء العبادات، والاستهانةُ بالصوم والصلاة، ومضى الناس "في ميدان الغفلات، وركنوا إلى اتباع الشهوات وقلة المبالاة بتعاطي المحظورات، والارتفاق[أي الاستعانة]بما يأخذونه من السُّوقَة والنساء وذوي السلطات…"[8].

أدونيس وابن القيم والصوفية
وهذا الإمام ابن قيم الجوزية، الفقيه الحنبلي المشهور، نجده في أكثر من موضع من كتاباته، وخاصة في "مدارج السالكين" و"إغاثة اللهفان"، يسوق كلامَ الصوفية من أهل الصدق والاستقامة مساقَ الحجة والدليل على تهافت أمر الزنادقة المبتدعة.
فهو يذكر، مثلا، أن من كيد الشيطان "أنه يُحسِّن إلى أرباب التخلي والزهد والرياضة العملَ بهاجسهم وواقعهم دون تحكيم أمرِ الشارع، ويقولون: القلبُ إذا كان محفوظا مع الله كانت هواجسُه وخواطرُه معصومة من الخطأ، وهذا من أبلغ كيدِ العدو فيهم."[9]
ومما ردّ به ابن القيم على هؤلاء الجهال الذين يحكمون بهواجسهم وخواطرهم على الكتاب والسنة، ويزعمون أنهم إنما يأخذون بالحقائق، وغيرهم يتبع الرسوم-مما ردّ به على هؤلاء المدّعين: "أن أهل الاستقامة منهم[يريد الصوفية الصادقين]سلكوا على الجادة، ولم يلتفتوا إلى شيء من الخواطر والهواجس والإلهامات، حتى يقوم عليه شاهدان."[10]
وقوله "حتى يقوم عليه شاهدان" يشير إلى قول أبي سليمان الداراني: "ربما تقع في قلبي النكتة من نكت القوم، أياما، فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة."

أصول التوحيد عند الصوفية
ولا شك أن أدونيس، الذي رجع، فيما كتبه عن مُتَصوِّفَته، إلى رسالة الأستاذ القشيري أكثر من مرة، قد قرأ أن الأستاذ القشيري قد جعل المدخلَ إلى كتابه الحديثَ عن "أصول التوحيد عند الصوفية"، من معرفة الله، وصفاته، والإيمان، والأرزاق، والكفر، والعرش، والحق سبحانه.[11]
ولعل كتابَ "التعرف لمذهب التصوف"، للإمام أبي بكر محمد ابن إسحق الكلاباذي، المتوفَّى سنة 380هـ، من أشهر التصانيف الأولى التي تصدّت للدفاع عن التصوف والصوفية، وإظهارِ براءة طريق القوم مما دسّه المبتدعةُ والبطّالون من خرافات واعتقادات منحرفة وسلوكات باطلة، ومما شابها من جرّاء ضلالات الزنادقة والفلاسفة الملحدين من أفكار وتأويلات ومقالات لا تمتّ بسبب إلى أصول الشرع في كتاب الله وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم.
ونظرا لأهمية مسألة الاعتقاد، وخاصة وأنها كانت على عهد زمان المؤلف مسألةً حساسة بين طوائف المسلمين وغيرهم من أهل الأهواء والزندقة، فقد خصص لها الإمام (الكلاباذي) في كتابه أبوابا كثيرة، بدأها في الباب الخامس بِـ"شرح قولهم في التوحيد"، وفي الباب السادس بِـ"شرح قولهم في الصفات"، إلى آخر مباحث ما اصطلح عليه بعلم الكلام، وما يتعلق به من موضوعات كانت دائما مدار خلاف واسع بين أهل السنة وغيرهم من الطوائف، كاختلافهم في الأسماء والصفات، واختلافهم حول القرآن، أقديم هو أم مخلوق، واختلافهم حول الرؤية، والقدر، والوعد والوعيد، والشفاعة، والروح، والملائكة.
وهذا الكتابُ، ومعه كتب أخرى، ألّفَها أصحابُها لجلاء حقيقة الاعتقاد في أصول التصوف، مُفحِمٌ لأدونيس وأمثاله الذين لا يرون في التصوف إلا نقيضَ الإسلام والإيمان "التقليدي"، وأنه تجربة قائمةٌ على مخالفة أصول العقيدة وأحكام الشريعة.
وملخص الكلام في هذا الموضوع أن أصول عقيدة المتصوفة، وكذلك أدلتهم القطعية والظنية فيما ذهبوا إليه في مقالاتهم وسلوكاتهم، وكذلك احتجاجاتهم وتفسيراتهم لما اجتهدوا فيه من مسائل الخلاف، كلّ ذلك نجده مدونا ومبسوطا في مظانه الموثوقة المعتمدة لدى طلاب الحق والإنصاف، كالرسالة القشيرية، و"التعرف لمذهب التصوف"، و"إحياء علوم الدين"، و"اللمع في التصوف"، و"عوارف المعارف"، و"مدارج السالكين"…
وكذلك رقائقهم ومواعظهم وما كانوا يتداولونه في مجالس النصيحة والتذكير التي كانوا يعقدونها، فهي محفوظة في كتب مثل "الفتح الرباني والفيض الرحماني"، للشيخ عبد القادر الجيلاني(توفي سنة 561هـ)، و"البرهان المؤيد"، للعارف بالله الشيخ أحمد الرفاعي الحسيني(توفي سنة 578هـ).
هذه هي المصادر الموثوقة والمظان المطلوبة، فضلا عن كتب التراجم والوفيات والطبقات والتواريخ، للتعرف على حقيقة التصوف، وليس كتب المتفلسفة وأشباهها من مجمّعات الغث والسمين، المعتمدة لدى طلاّب المثالب والتجريح والتشنيع، أو طلاب التمويه والتلفيق والتلبيس والتنميس.

السنةُ تنتصر بالتصوف
لقد كان المشايخُ من الصوفية الصادقين من أشد المسلمين حرصا على كتاب الله وسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن تتلبّسَ بهما البدعُ، أو تنالهما تحريفاتُ الغالين الجهال، وعقائدُ الزنادقة الكفار.
يقول ابنُ رجب الحنبلي في ترجمة الشيخ عبد القادر الجيلاني الصوفي المشهور: "ظهر الشيخُ عبد القادر للناس، وجلس للوعظ بعد العشرين وخمسمائة، وحصل له القبولُ التام من الناس، واعتقدوا ديانتَه وصلاحَه، وانتفعوا به وبكلامه ووعظه، وانتصر أهلُ السنة بظهوره، واشتهرت أحوالُه وأقواله وكراماته ومكاشفاتُه، وهابه الملوكُ فمن دونهم."[12]
السُّنّةُ تنتصر بالتصوف! وكيف يتفق هذا إن لم تكن السنةُ هي لبّ هذا التصوف وعمادَه وقوامَه؟
هذه مقالةٌ مردودةٌ عند من ليس معه من الشواهد إلا ما شذَّ وكان استثناء، أو ما كان مدسوسا مفترىً، معدنُه الأهواءُ والزندقة والضلال، أو ما كان مُنتخَبا حسب المطلوب ولحاجة في نفس المُنتَخِبين.
يكفينا في هذا الموضوع ما نقله ابنُ قيم الجوزية من إجماع الشيوخ العارفين على ضرورة ملازمة السالك للعلم.
قال في مطلع حديثه عن منزلة "العلم": "وهذه المنزلة إن لم تصحب السالكَ من أول قدم يضعه في الطريق إلى آخر قدم ينتهي إليه، فسلوكُه على غير طريق، وهو مقطوع عليه طريقُ الوصول، مسدودٌ عليه سبلُ الهدى والفلاح، مغلقةٌ عنه أبوابُها. وهذا إجماع من الشيوخ العارفين. ولم ينه عن العلم إلا قطّاعُ الطريق منهم، ونوابُ إبليس وشُرَطُه."[13] وهو يقصد بِـ"قطّاع الطريق" و"نواب إبليس وشرطه" الأدعياءَ من أهل الزندقة والأهواء، المدسوسين على الصوفية زورا وبهتانا.
ويَذكُر في مكان آخر وصيةَ القوم بالعلم، ثم يقول: "…وعامةُ من تزندق من السالكين فلإعراضه عن دواعي العلم، وسيْره على جادة الذوق والوجد، ذاهبة به الطريق كل مذهب. فهذا فتنة، والفتنة به شديدة."[14]

أقوال مختارة لبعض مشايخ التصوف
وأختم تعليقاتي على المنظور الأدونيسي بأقوال مختارة لبعض المشايخ تناسب هذا المقام، راعيت فيها التمثيلَ والاختصار.
"قال سيد الطائفة وشيخهم الجنيدُ بن محمد، رحمه الله: الطرق كلُّها مسدودةٌ على الخلق إلا من اقتفى آثارَ الرسول، صلى الله عليه وسلم."[15] وزيد في رواية: "واتبع سنتَه ولزم طريقتَه، فإن طرقَ الخيرات كلها مفتوحة عليه."[16]
"وقال: من لم يحفظ القرآنَ ويكتب الحديث لا يُقتدى به في هذا الأمر، لأن علمَنا مقيّدٌ بالكتاب والسنة.
"وقال: مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة."[17]
"وقال ابن عطاء: كل ما سألت عنه فاطلبْه في مفازة العلم، فإن لم تجده ففي ميدان الحكمة. فإن لم تجده فزنْه بالتوحيد، فإن لم تجده في هذه المواضع الثلاثة فاضرب به وجهَ الشيطان."[18]
"وقال أبو الحسن النوري: من رأيته يدّعي مع الله حالةً تُخرجه عن حد العلم الشرعي فلا تقربْه. ومن رأيته يدعي حالةً لا يشهد لها حفظُ ظاهرِه فاتهمْه على دينه…
"وقال أبو حفص الكبير الشان: من لم يزن أحوالَه وأفعاله بالكتاب والسنة، ولم يتهمْ خواطرَه فلا تعدوه في ديوان الرجال."[19]
وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني في بعض مجالسه: "…الروح هو الإخلاص والتوحيدُ والثبات على كتاب الله وسنة رسوله. لا تغفلوا، اعكسوا تصيبوا، امتثلوا الأمرَ وانتهُوا عن النهي ووافقوا القدر…"[20]
"إنما أريدكم لكم، في حبالكم أفتل. تبتدعُ وتُحدث في دين الله، عز وجل، شيئا لم يكن. اتبع الشاهدين العدلين الكتابَ والسّنة، فإنهما يوصلانك إلى ربك، عز وجل. وأما إن كنت مبتدعا فشاهداك عقلُك وهواك."[21]
"إن الله، عز وجل، لا يقبل قولا بلا عمل، ولا عملا بلا إخلاص، ولا يقبل شيئا في الجملة غيرَ موافق لكتابه وسنّة نبيّه، صلى الله عليه وسلم…"[22]
ويقول الشيخ أحمد الرفاعي: "أي سادة، إياكم والدّجّاليةَ، إياكم والشيطانيّةَ، إياكم والطرقَ التي تقود إلى كلا الوصفين. أخْجِلوا الشيطان بخالص الإيمان. خرّبوا بيْع الدّجل بيد الصدق.
"الطريق واضح: صلاة، وصوم، وحج، وزكاة. والتوحيد والشهادة برسالة الرسول، عليه الصلاة والسلام، أول الأركان. واجتناب المحرّمات حال المؤمن مع الله، وهذا هو الطريق."[23]
"أي سادة، كونوا مع الشرع في آدابكم كلِّها، ظاهرا وباطنا. فإن من كان مع الشرع ظاهرا وباطنا كان الله حظه ونصيبه. ومن كان الله حظه ونصيبه كان من أهل مقعد صدق عند مليك مقتدر."[24]
وبعد، فهل هناك، في شأن عقائد الصوفية الصادقين، بيانٌ بعد هذا البيان؟
وللحديث تتمة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.



[1] الفتاوي: ج11/ص18.
[2] يُراجع كتاب أدونيس حول "الصوفية والسوريالية"، ص17 و18.
[3] الصوفية والسوريالية، ص18.
[4] نفسه.
[5] الفتاوي: ج11/ص18.
[6] نفسه: ج11/ص77.
[7] الرسالة القشيرية، ص36.
[8] نفسه.
[9] إغاثة اللهفان: 1/ص143.
[10] نفسه،1/ص145.
[11] تُراجع "الرسالة القشيرية"، ص39 وما بعدها.
[12] كتاب الذيل على طبقات الحنابلة: ج1/ص291-292.
[13] مدارج السالكين: ج2/ص464.
[14] نفسه: 1/158.
[15] نفسه: 2/464.
[16] طبقات الصوفية، لأبي عبد الرحمن السلمي، ص159.
[17] مدارج السالكين: 2/464.
[18] نفسه: 2/466.
[19] نفسه: 1/146.
[20] الفتح الرباني، ص71.
[21] نفسه، ص152.
[22] نفسه، ص159.
[23] البرهان المؤيد، ص69-70.
[24] نفسه، ص75.

السبت، 3 ديسمبر 2016

المتصوّفةُ "نقضٌ كاملٌ للإسلام"!!

بسم الله الرحمن الرحيم

المتصوفةُ "نقضٌ كاملٌ للإسلام"!!


تصوف أدونيس تصوفٌ "لاديني"
الدينُ، عند المسلمين، أساسُه القرآن، كتابُ الله، وسنةُ رسوله، صلى الله عليه وسلم، خاتمِ النبيئين والمرسلين، وما يتضمنانه من أصول إيمانية، وأحكام وتشريعات عملية. أما التصوف، عند أدونيس، فيتجاوز القرآن والسنة؛ يتجاوز الظاهر إلى الباطن، ويتجاوز الشريعة إلى الحقيقة، بل ويتجاوز الله-تعالى الله وتنزه وتقدّس-إلى "الإنسان الكامل". الصوفية، عند أدونيس، "هي تحديدا ما يخلو من "البعد الديني التقليدي"، وما يناهضه، خصوصا على الصعيد المعرفي"[1].
صوفية أدونيس هاته، التي لا تمت بصلة إلى ما أجمع عليه المسلمون، اعتقادا وتشريعا، بمختلف مذاهبهم ومشاربهم، نشأت، كما يزعم أدونيس، "في مناخ الباطنية-الإمامية...واكتسبت صيغتها القصوى، في القرن الثالث الهجري، مع أبي يزيد البسطامي والحلاج..."[2]. وسأعود، بعد قليل، لأبي يزيد البسطامي، الذي تم إقحامه إقحاما، كذبا وزورا، في هذا المناخ "الباطني" الذي لم تزل أمة الإسلام، منذ كان لها علماء، تنكر على أصحابه وتنعتهم بما يخرجهم من جادة الملة إلى هامش الزندقة والابتداع.
في صوفية أدونيس "...حلّ الحجُّ بالهمة محل الحج إلى بيت الله الحرام...وحل الذّكرُ، مثلا، محل الصلاة، أي حلّت الصلاةُ الباطنة محل شكلها الظاهر...وحلّت الولايةُ، مثلا، محل النبوة...ولهذا كان الوليُّ أفضلَ من النبي...وهذا يعني القولَ بالنبوة المستمرة..."[3].
ولا غرابة، بعد هذا، أن يكون هذا التصوف اللاديني، أي الذي لا علاقة له بعقائد الإسلام وتشريعاته، من أهم روافد الحداثية العربية، التي قوامُها المسلمةُ الأدونيسية المتمثلة في كون "الإلحاد أول شكل للحداثة". وإن لم تكن هذه الصوفية الباطنية، التي تتجاوز الأصول الإيمانية، وتتجاوز أحكام الدين وشرائعه، إلحادا، فما هو الإلحاد إذاً؟
والركن الأساس، في صوفية أدونيس، يقوم على الفكرة الجوهرية في مسلمته الإلحادية الحداثية، وهي الجحود والإنكار والزندقة والتطاول على ذات الله. ومن هذه الفكرة الجوهرية تنبثق جميع أشكال العصيان والتمرد والهدم والتجاوز إزاء الدين، بكل معتقداته وشعائره وشرائعه وأخلاقه وآدابه.
حينما يصف أدونيس نفسَه بأنه "صوفي وثني"[4]، فهو يعلنُ بكل وضوح أن "تصوّفَه" لا علاقة له بعقيدة التوحيد، ولا برسالة الإسلام، ولا بدين "لا إله إلا الله، محمد رسول الله".
ولا غرابة، بعد هذا الإعلان، إن سمعنا أدونيس يتحدث عن التصوف بأنه إلحاد وجحود وتمرد وعصيان، وبأنه "كان الثورة الكبرى داخل الدين الإسلامي"[5].
في حوار مطوّل أجرته مع أدونيس جريدة "الصباح" العراقية، في شهر ماي من سنة 2009، يقول (ماجد موجد)، أحد المحاورين، مخاطبا أدونيس: "في كتابك (الصوفية والسوريالية) تحدثت عن المقاربة بين الصوفية الإسلامية وبين السوريالية في الفن والأدب...". فيقاطعه أدونيس قائلا: "الصوفية ضد الإسلام، الصوفية في الأساس نقض كامل للإسلام."
أذكّر القارئ الكريم بأن أبرز وأهم الأفكار والآراءِ التي ابتدعها أدونيس في موضوع التصوف والمتصوفة نجدها مبسوطة في كتابه "الصوفية والسريالية"، وفي الجزء الثاني من كتاب "الثابت والمتحول"، في الفصل الثالث من القسم الثاني، الذي اختار له عنوان "الحقيقة والشريعة، والظاهر والباطن". 
وفي الحوار نفسه ينطلق أدونيس في الحديث عن معتقدات "متصوِّفَتِه"، وعن "إبداعاتهم" الحداثية الثورية الكبرى قائلا: "إن أول عمل للتصوّف هو تغيير مفهوم الله كما ورد في القرآن، إذ إن مفهوم الله قرآنياً قائم على المفهوم التوراتيّ، إنه قوة مجردة لا علاقة لها بالإنسان والعالم، غير محايثة. أما التصوّف فقد قدّم مقاربتين: الأولى أن الإنسان يمكن أن يكون إلهاً، وأن الله يمكن أن يكون إنساناً. والثانية مقاربة ابن عربيّ الذي وسّع الحدود فقال إن الوجود نفسه هو الله، حين قال بوحدة الوجود، وهذا نقض كامل للإسلام. وترتب على هذا النقض أشياء عظيمة: العلاقة بالحقيقة، والعلاقة بالآخر، والعلاقة بالوجود. تغيّر أولاً مفهوم الحقيقة. ما الحقيقة؟ في الإسلام، كما في كلّ الأديان، فإن الحقيقة هي ما يقوله النصّ الموحى من الآن وإلى آخر العالم. الصوفية تقول: الحقيقة ليست في نصّ ولا تجيء من ورائنا، الحقيقة هي في التجربة وتجيء من أمامنا. هذا نقض كامل. تغيّر أيضاً مفهوم الهويّة، فالهوية-إسلامياً-معطاة سلفاً للإنسان، ناجزة، وعليك أن تسلم بها وكفى، أما في التصوّف فليس هناك هوية ناجزة إلا للجمادات والأشياء، أما الإنسان فكائن متحرك يبدع هويته. تغيّر أيضاً مفهوم الواقع، فالواقع ليس ما نراه مباشرة بالعين، ولا نستطيع فهمه إلا إذا فهمنا ما وراءه، والواقع وما وراءه جزء لا يتجزأ، وما نراه ليس إلا صورة عابرة ومتغيرة. ودعت الصوفية إلى وحدة الواقع المؤلف مما نراه وما لا نراه. اللامرئيّ جزء جوهريّ من المرئيّ. وبالنتيجة غيّروا كلّ شيء. أكثر من كلّ ذلك فان الكائن الإنسانيّ في الإسلام والأديان الأخرى مردود دائماً إلى أصل، الأصول نبع والكائن يتدفق منه، ولذا فان هويته في هذا النبع. التصوّف نقض هذا أيضاً وجعل المستقبل هو النبع، العالم يجيء من المستقبل، وليس من الماضي." انتهى كلام أدونيس من الحوار المذكور.
وحينما يسأله أحد محاوريه، وهو (أحمد عبد الحسين): "في أي نص صوفيّ يمكن أن أجد فهما كهذا؟"، يقصد فهما كالفهم الذي بسطه أدونيس في حواره. يجيبه أدونيس بقوله: "عند النفري، اِقرأ النفري."
ولا بد أن نسجل هنا أن أدونيس يحيل سائله على مصدر مجهول في تاريخ التصوف الإسلامي. فالمطلع على المصادر العربية المعتمدة عند العلماء والباحثين، في موضوع عقائد المتصوفة واجتهاداتهم، لا يجد ذكرا لهذا (النفريّ)(محمد بن عبد الجبار) "الأثير" عند أدونيس. والشائع أن هذه الشخصية هي من اكتشاف أو اختراع أحد المستشرقين، الذي اكتشفَ، على ما يُحكى، كتابَ "المواقف والمخاطبات" المنسوب إلى النفري.
لا أتردد في وصف "الصوفية" الذين تحدث عنهم أدونيس بأنهم "صوفِيَتُه"، وذلك أن الرجل، في كتاباته وأحاديثه عن التصوف، إنما يتحدث عن شيء اخترعه اختراعا، ولفقه تلفيقا، ليناسب نظريته المقررة سلفا. إن ما يقدمه أدونيس على أنه "تصوف" إنما هو شيء يناقض مناقضة تامة، من ألفه إلى يائه، ما أجمعت عليه المصادر الموثوقة في تراثنا العربي الإسلامي عامة، وفي تراث الصوفية وأصحاب السلوك خاصة. فالمتصوفة المقصودون في نظرية أدونيس إنما هم-مقارنةً بمشاهير "الأعلام المتحققين من المتصوفة وأئمتهم"-قلّـةٌ هامشية من المجاهيل ممن ورد وصفُهم، عند العلماء الموثوقين، بـ"نواب إبليس وشرطه"، عند الإمام ابن القيم في "مدارج السالكين"، مثلا، وبـ"الفسقة الفجار، والمباحية والحلولية الكفار، ...الكذابين...الخونة المبطلين..."، عند الحافظ أبي نعيم في "حلية الأولياء"، وبـ"أهل الإلحاد...أهل الشرك والتلبيس والبهتان"، عند الإمام ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أهل الجحيم".
لقد نظر أدونيس، وعلى طريقته الخاصة في الفهم والتأويل، والتحليل وانتقاء الأمثلة لمعاضدة ومطابقة الصورة المرسومة سلفا، ووفق منظور مسلمته الحداثية الإلحادية-نظر إلى التجربة الصوفية في تراثنا العربي الإسلامي، كما أراد هو أن يفهمها، وذلك بتجريدها من "البعد الديني التقليدي"-حسب عبارته في كتابه عن (الصوفية والسوريالية)[6].
فالصوفية عنده "هي، تحديدا، ما يخلو من هذا البعد، وما يناهضه، خصوصا على الصعيد المعرفي."[7] فهي "لا تتضمن، بالضرورة، الإيمانَ بالدين التقليدي، أو الإيمانَ التقليدي بالدين."[8]
تأملْ هذا التحديد القاطع في كلامه: "هي تحديدا". فهو لا يترك لك مجالا للاعتراض أو المناقشة. هناك في الموضوع رأيٌ واحد وواحد فقط، هو الرأي الذي حدده أدونيس، وانتهى الأمر.
ولتكييف التجربة الصوفية حتى تستجيب لروح الفلسفة الإلحادية، نظر أدونيس إلى التراث الصوفي كله على أنه معدن واحد، لا يخرج منه إلا ما هو نقيض للدين والإيمان والشريعة، إلحادا وزندقة ووقيعةً في ذات الله. فلم يكن من همّ أدونيس أن يُميز، أو أن يحقق، أو أن يتحرّى. وإنما كان كل همّه هو صناعة المثال الذي يصدّق دعاوي النظرية المرسومة، ولو كان ذلك على حساب الحقائق التاريخية، والأمانة العلمية، وموضوعية البحث الأكاديمي.
وفي هذا المنظور اللاموضوعي واللاعلمي، يقرر أدونيس أن من خصائص التصوف-كما يفهمه هو-"اللاعقلانية"، التي تعني، من بين ما تعنيه، "الثورة…على الشريعة من حيث هي أحكام تقليدية تُعنى بالمظاهر…وتعني الخلاصَ من المقدس والمحرم وإباحة كل شيء للحرية."[9]
وإذا كان "الله في التصور الإسلامي التقليدي نقطةً ثابتة، متعالية، منفصلة عن الإنسان [حسب تعبير أدونيس ومنطقه، فإن] "التصوف ذوّب ثبات الألوهة، جعله حركة في النفس، في أغوارها، أزال الحاجز بينه وبين الإنسان. وبهذا المعنى قتله (أي الله)، وأعطى للإنسان طاقاته."[10]
وفكرة "قتل الله"-تعالى الله وتقدس-فكرةٌ جوهرية ومحورية، عليها تدور مختلف شُعبِ الفلسفة الإلحادية ومباحثِها ورؤاها. وهي حاضرة بقوة في التحليل الأدونيسي، لا تفارقه.
ويضيف أدونيس أن من أطروحات التصوف-دائما حسب نظريته وفهمه-"فكرة الإنسان الكامل"[11]، التي يمكن-يقول أدونيس-"أن نقابلها بفكرة الإنسان الكلي في الماركسية-الشيوعية."[12]
والتجربة الصوفية، بنقض الإيمان بالله الخالق الأحد الصمد، حسب رأي أدونيس، والتبشير بالإنسان-الإله، وبالتوحيد "بين الظاهر والباطن، الموضوع والذات، الإنسان والله" كانت "نوعا فريدا من العودة إلى الطبيعة. كانت تجاوزا للواحد المفرد، وتوكيدا للواحد الكثير. كانت دخولا في الطبيعة، وخروجا من الثقافة، أي خروجا على القاعدة، وانغماسا في الحرية."[13]
ويفصل أدونيس في هذه الفلسفة الإلحادية قائلا: "فكما أنه ليس هناك معنى خارج الصورة، أو لا منته خارج المنتهي، فلا يمكن الفصل بين الله والإنسان، الغيب والواقع. إن فصل الله عن الإنسان ليس، في نظر الصوفية، إلا فصلا للإنسان عن نفسه. فالإنسان والله واحد…بل يمكن القول إنه ليس هناك إله خارج الذات الإنسانية، فالإنسان هو إله الإنسان، كما يعبر فويرباخ، أو "ما في الجبة غير الله"، كما عبر الحلاج قبل فويرباخ بعدة قرون."[14]
وأدونيس، وهو يحكي هذه الكفريات الصارخة في حق ذات الله، ويقررها، بل ويفلسفها ويذهب، في تفريعها، كل مذهب، لا يكترث بمقدسات المسلمين، وبعقائدهم الثابتة في أصول الإسلام القطعية، مثل آيات الله البينات القاطعات الباهرات في توحيد الله، وتنزيهه، وتقديس أسمائه وصفاته، وفي غير ذلك من عقائد الإسلام، وأصول الإيمان، وأحكام الشريعة، وتدبير العمران.
يُقرّر أدونيس مقالات الملحدين، بصيغ وعبارات وتحليلات تفيد التبنيَ والتصديق. بل لم نجد منه، في كل السياقات التي تناول فيها أصولَ فلسفة الإلحاد، التفاتةً، ولو خفيفة، يطبعها النقد، أو الرفض، أو الطعن، أو النقض. بل ما قرأنا له في هذا الشأن إلا الموافقة والتسليم، والدعاية والتأييد.
ويتابع أدونيس عرض مقالات الملحدين المنتسبين إلى التصوف، مقررا أنه "إذا كان الإلحاد حرر الإنسان من الله، فإن التصوف حرره من الشريعة واضعا الله في الإنسان. لم يعد الله، بحسب الصوفية، تلك القوة المجردة خارج الطبيعة، وإنما هو الإنسان نفسه في تحققه الأكمل."[15]
وبحلول الله في الإنسان، وتوَحُّدِ الباطن والظاهر، تصبح الحقيقة، لا الشريعة، هي قوام المعرفة، والذوق هو سبيلها، ذلك "لأن منهج الشريعة يقوم على وضع الحدود، وعلى الأمر والنهي، وليس في الذوق حدود، وهو يتجاوز الأمر والنهي، لأنه هو البداية المستمرة التي تمحو كل أمر ونهي"[16].
"فالحقيقة، بالنسبة للصوفي، ليست حسية أو عقلية، وليست نقلية-شرعية، وإنما هي إلهامية ذوقية."[17]
والصوفيّ، حسب هذه الفلسفة الإلحادية، غيرُ معني بأحكام الشريعة وإقامة الواجبات وأداء الفرائض، لأنه مستغن بحقيقته الذوقية، التي جمعت له أسرار الألوهية. و"من هنا[يقول أدونيس]كان العنصر الأساسي في الدين، بحسب التجربة الصوفية، لا يكمن في ممارسة الطقس الديني، أي في تأدية الفرائض، وإنما يكمن في تأمل الله، وفي الكشف عما يصل بينه وبين الإنسان. بل يجب، على العكس، أن يقطع الإنسانُ صلاته بالإشكال الطقسية للعبادة، ذلك أن المعنى الحقيقي لصلة الإنسان بالله سريّ كامن في القلب."[18]
تأمل هذه العبارة الاستدراكية الأخيرة وما توحي به من معاني القطع والجزم.
ويزعم أدونيس، في جراءة وتعميم لا يخلو من مبالغة واعتساف، أنه "ما من صوفي حقيقيّ إلا ويتبنّى قولَ الإمام الرابع علي زين العابدين(توفي سنة 95هـ/714م):
ورُبّ جوهرِ علمٍ لو أبوحُ بــه

لقيل لي: أنتَ ممّنْ يعبدُ الوثَنَـا
"ذلك أن التصوف هو أيضا، كعلم الإمامة، علم أسرار."[19]
بل تتطاول هذه الزندقةُ المتصوفة على مقام الرسول، صلى الله عليه وسلم، فإذا الصوفي "يعلم أكثر مما يعلمه النبيُّ، ناقلُ الوحي، من حيث إنه لا يكتفي بالوقوف عند الظاهر والجزئي، وإنما يتجاوزه إلى الباطن والكلي."[20]
ولا أجد غرابة في هذا الخطاب وأمثاله، لأن ذات الله، جلَّ جلالُه، وذاتَ أنبيائه، وغيرَ أولئك من مُقدَّسات الإسلام وأركانِ الإيمان، لا حرمةَ لها في خطاب الملحدين ومقالات الزنادقة، بل إنها، في أصولهم وعقائدِ كفرهم، حرماتٌ ومحرَّماتٌ ينبغي انتهاكُها وابتذالُها وتدنيسها.

الصوفية الصادقون المفترى عليهم
ومن الأمثلة التي يوردها أدونيس على شطحات المُتصوِّفَة أقوالٌ منسوبة لأبي يزيد البسطامي، يستقيها من كتاب "شطحات الصوفية"، بتحقيق عبد الرحمن بدوي، تفيض كفرا وزندقة. ومن هذه الأقوال:
"أنا اللوح المحفوظ."[21]
"أنا ربي الأعلى."[22]
"لأن تراني مرة خير لك من أن ترى ربك ألف مرة."[23]
"طاعتك لي، يا رب، أعظم من طاعتي لك."[24]
"بطشي به أشد من بطشه بي."[25]
"إن لوائي أعظم من لواء محمد."[26]
"خضت بحرا وقف الأنبياء بساحله."[27]
والذين يعرفون قدرَ أبي يزيد البسطامي-هو أبو يزيد، طيفور ابن عيسى، توفي سنة 261-لا يشكّون في أن مثلَ هذه الأقوال مدسوسة عليه. ويرجّح هذا ويقوّيه أن أدونيس لا ينقلها عن مصدر من مصادر الصوفية الموثوقة، وإنما هو ناقلٌ عن ناقل عن مجاهيل. أما مصادر الصوفية الموثوقة، فلا نجد فيها إلا أبا يزيد البسطامي الدائرَ مع كتاب الله وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، على نهج الصوفية الخُلّص، صوفيّةِ التشبثِ بشريعة الله شرطا أساسا في سلوك الطريق. أما ما يُنسب إليه من "أشياء مُشكلة لا مساغ لها" فَـ"الشأن في ثبوتها عنه"، كما يقول الإمام الحافظ الذهبي.[28]وقال الحافظُ نفسُه في "ميزان الاعتدال في نقد الرجال": "وقد نقلوا عن أبي يزيد أشياءَ الشأنُ في صحّتها عنه."[29]
وأبو يزيد البسطامي هو صاحب القول المأثور والمشهور في وجوبِ حفظِ حدود الشريعة في طريق القوم: "لو نظرتم إلى رجل أُعطيَ الكراماتِ حتى يرتفعَ في الهواء، فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف هو عند الأمر والنهي وحفظ حدود الشريعة."[30]
ومن الحكايات التي تدل على مدى صرامة أبي يزيد البسطامي وأمثاله من الصوفية السالكين الصادقين، وتشددِهم في اتباع السنة، أن أبا يزيد بلغه خبرُ رجل اشتهر بالصلاح، فقال لخادمه مرة: "قم بنا إلى هذا الرجل الذي شهَر نفسه بالصلاح لنزوره. فلما دخلا عليه المسجد تَنَخَّعَ(أي تنخَّمَ)، ثم رمَى بها نحو القبلة، فرجع ولمْ يُسلّم عليه، وقال: هذا غيرُ مأمون على أدبٍ من آداب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فكيف يكون مأمونا على ما يدّعيه."[31]
إن أدونيس، وهو يطلب المصداقيةَ والمثالَ لنظريته القبْلِيّة، لا يهتم كثيرا بالتحقيق في الروايات وأقوال الرجال، والتمييز بين الصحيح والزائف، بين الأصيل والموضوع. فهو، في هذه الأقوال الموضوعة على لسان أبي يزيد البسطامي، إنما يُحيل مطلقا على كتاب "شطحات الصوفية"، مع أنه اعتمدَ في مواضيع أخرى على كتب مشهورة وموثوقة في هذا الفن، مثل كتاب "اللمع في التصوف"، لأبي نصر عبد الله بن علي السراج الطوسي(توفي سنة 378هـ)، و"الرسالة القشيرية"، لأبي القاسم عبد الكريم المشهور بالقشيري(توفي سنة 465هـ).
وأدونيس نفسُه هو الذي قرر في مقدمة بحثه "الثابت والمتحول" أنه اختار في منهجه، في شأن أخبار التاريخ والأشخاص والوقائع والأفكار، إهمالَ الأخبار "التي لا إجماع عليها، وبخاصة ما اتصل منها بالسياسة والدين."[32] وأنه حصر دوره، عامدا، في عرض النصوص "وتوجيهها[كذا] واستنطاقها."[33]
فما بالُه يَنقض هذا التقرير/الوعدَ، ويستند، مثلا، إلى الكتابات المنسوبةِ إلى ابن عربي-أبوبكر محيي الدين محمد بن علي بن محمد بن عربي، ويقال ابن العربي- في معالجة موضوع التصوف، حسب الصورة التي رسمها له أدونيس في نفسه، وفي ثقافته، وفي نظريته، وهو يعرف، وكلُّنا يعرف، من خلال ترجمة ابن عربي، أنه دُسّ عليه الكثيرُ من الكلام، وأن الناسَ قد تفرقوا "في شأنه شيَعا وسلكوا في أمره طرائق قِدَدا، فذهب طائفة إلى أنه زنديق لا صديق، وقال قوم إنه واسطة عقد الأولياء ورئيس الأصفياء، وصار آخرون إلى اعتقاد ولايته وتحريم النظر في كتبه"، كما قال المناوي[34].
وهناك من العلماء من ألفوا كتبا في الرّد عنه وتبرئته مما رُمي به، كرسالة الحافظ جلال الدين السيوطي المسماة: "تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي".[35]
ولماذا يسلك أدونيس كتاباتِ الإمام أبي حامد الغزالي في سلك الثّبات والاتباع، وهو الصوفيُّ المشهور، رحمه الله، وسِفْره "إحياء علوم الدين" كنارٍ على عَلَم في شهرته وتداوله؟ أم أنه الموقفُ المسبق من الرجل ومواقفه الإيمانية من الإلحاد والزندقة والفلسفات المتهافتة الضالة؟
ونرجع الآن إلى المنظور الأدونيسي، الذي عالج من خلاله، وعلى ضوء فلسفة الإلحاد، تجربةَ التصوف في التاريخ العربي الإسلامي، والذي وصفته بأنه منظور لا موضوعي ولا علمي، ونسأل: أين تقع هذه الكفريات الصارخة، التي قررها أدونيس متقنِّعةً بقناع التصوف، من التراث العربي الإسلامي الصوفي الغني الواسع والعريض؟
وللحديث تتمة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.







هوامش:
[1] الصوفية والسوريالية، ص14.
[2] الثابت والمتحول(تأصيل الأصول)، ص211.
[3] نفسه، ص210-211.
[4] Identité inachevée, p.30.
[5] Le regard d’Orphée, p.295.
[6] الصوفية والسوريالية، ص14-15.
[7] نفسه.
[8] نفسه، ص9.
[9] مقدمة للشعر العربي، ص131.
[10] نفسه.
[11] نفسه، ص133.
[12] نفسه.
[13] الثابت والمتحول(الأصول)، ص109.
[14] نفسه، ص98.
[15] نفسه.
[16] نفسه، (تأصيل الأصول)، ص93.
[17] نفسه، ص94-95.
[18] نفسه، (الأصول)، ص106.
[19] نفسه، (تأصيل الأصول)، ص92-93.
[20] نفسه، ص97.
[21] نفسه، ص99.
[22] نفسه.
[23] نفسه، ص97.
[24] نفسه.
[25] نفسه.
[26] نفسه، ص98.
[27] نفسه.
[28] سير أعلام النبلاء: ج13/ص88.
[29] ج2/ص346.
[30] ميزان الاعتدال: 2/246. وانظرْ أيضا (سير أعلام النبلاء): ج13/88.
[31] مدارج السالكين، للإمام ابن القيم الجوزية: 2/465.
[32] الثابت والمتحول(الأصول)، ص22.
[33] نفسه، ص24.
[34] شذرات الذهب، لابن العماد الحنبلي: 5/191.
[35] تُراجعُ في المصدر السابق تفصيلاتٌ لأقوال العلماء وعرضٌ لمختلف مواقفهم في شأن ابن عربي، في الجزء الخامس، من ص191 إلى ص202.