السبت، 5 نوفمبر 2016

تغرُّبٌ وتبعيّة

بسم الله الرحمن الرحيم

تغَرُّبٌ وتبعيّة

تذكيرٌ قبل المتابعة

أذكّر القارئ الكريم بأني كنت، سنة2013، قد كتبت رسالة، "إلى المُعجَبين بأدونيس من أبناءِ المسلمين وبناتهم"، وجعلتها، كما قلت، "تذكرة لكل مسلم يستشعر بين جوانحه حرمةً وقداسة لدينه، وينطوي في قلبه على محبة وتعظيم لنبيّه، صلى الله عليه وسلم،  لكنه منخدع باسم الأدب والشعر، وما ثَمَّةَ، في الحقيقة، شعرٌ ولا أدب، وإنما هي لافتاتٌ وأقنعةٌ ومظاهرُ خادعةٌ كاذبة، تنشَط من ورائها الإيديولوجيةُ الإلحادية المناضلة، من أجل أن يكون للإلحاد والزندقة سلطانٌ في المجتمع الإسلامي، وكذلك من أجل فرض التطبيع مع الكفر والجحود على ناشئة المسلمين، وخاصة على الشباب المُتعلِّمِ، المسحور بالإعلام العصري الجبار، المُخدَّر بخطابات الحرية والحقوق والتسامح، المجرورِ بالتيار الحداثي الهادر العارم الجارف إلى حضيض اللادينية، ووهدة الاستلاب والضياع والإمّعية".
وقد وصفتُ كلمتي في هذه الرسالة بأنها "رأيٌ من الآراء، وموقف من المواقف، كما أن لأدونيس وتلامذته وحوارييه من الملاحدة والجاحدين أراء ومواقفَ واجتهاداتٍ. كلمةٌ يقبلها الناس أو يرفضونها، بلا إكراه ولا إرهاب ولا تهديد. كلمةٌ قابلةٌ للنقد والنقض، لكن بالشروط والقواعد والأخلاق المحمودة المتعارف عليها، التي تحوّلُ النقدَ والنقاش إلى مائدة غنية يستفيد منها الناس، كلٌّ بحسب حاجته واستعداده واشتهائه، وقدرتِه على المضغ والسّوْغ والهضم."
وقلت فيها أيضا: "الملحدون الذين سيطلعون على مقالتي هاته، ستأخذهم العزة بالإثم، ومنهم من سيعمِد إلى رمْي المقالة وصاحبها-كما فعلوا مع مقالات لي سابقة-بكل ما تقع عليه نفوسُهم المريضة، وقلوبُهم القاسية، وأخلاقُهم السافلة، وضمائرهم الخربة، من أباطيل وافتراءات وتلفيقات وشتائم. لا يهم، فالمقصود هو أن تنكشفَ طوايا الملحدين الظالمين المندسّين وسط المسلمين، السائرين في الناس بالخطابات المسمومة والعقائد الفاسدة والإيديولوجيات القاتلة الحالقة، مُتستِّرين بلافتات الحداثة والحقوق والحريات. المهم أن ينفضحَ أمرُهم، ويظهروا لعامة المسلمين بوجوههم الحقيقية بلا أقنعة ولا ماكِيَاج."
يمكن للقارئ الكريم أن يقرأ نص هذه الرسالة كاملا، في جزأين، في جريدة "هسبريس"، على الرابطين التاليين:

أذكّر بهذا، ليعْلمَ القارئ الكريم أني، حينما أكتب عن أدونيس أو غيره من الملاحدة المناضلين، إنما أخاطبُ عامة المسلمين، الذين ما تزال عندهم غيرةٌ على دينهم، وعلى مقدسات دينهم، وأخص منهم، أساسا، أولئك الذين ما يزالون منخدعين بوعود الحداثيّة الخالبة، منبهرين بأضوائها البرّاقة، مسحورين بألاعيبها الباطلة، وخطاباتها المُغالِطَة.
فأنا، في هذه المقالات عن الحداثيّة اللادينية، أتصوّر دائما قُرّائي مِنَ المسلمين، لأن الإسلام الجامعَ بيننا يضمن لنا، على أقل تقدير، تواصلا وتفاهما، وإن تخلّلت هذا التواصلَ والتفاهمَ اختلافاتٌ، بل إن مِن حقّ القارئ، في هذه الحال، أن يكون عنده ملاحظاتٌ وانتقادات واعتراضات على ما يقرأ، لأني لا أدّعي لكلامي العصمة من الخطأ، ولا أراه، في أي لحظة، فوق النقد والمراجعة.
إني، يا قارئي الكريم، لا أنتظرُ تفاعلا، ولا تجاوبا، ولا تواصلا، ولا تفاهما، مِن قارئٍ مُلحد مناضل، لا يؤمن بالله، ولا باليوم الآخر، وليس في قلبه للإسلام وأهلِه إلا الحقد والكراهية ومشاعر السوء والبغضاء.
إني لا أطمع أنْ يفهم مقالتي، ويستوعبَ كلامي، مسلمٌ غافل جاهلٌ غارق في غوغائيَّته، لا تتحرك في قلبه شعرةٌ مِن غَيْرة أو غضب، وهو يقرأ ويسمع ويرى دينَه يستهزئ به المستهزئون، ويتآمر عليه المتآمرون، وينال مِن أركانه وشرائعه وآدابه الملحدون المناضلون الجاحدون الظالمون.
كما أني لا أتصور أن يكون هناك تجاوبٌ مع مقالاتي مِن ذراري الحداثيّين وأدواتهم، مِن "البلطجية" والمرتزقة مِن أهل البطالة والتفاهة، الذين ليس لهم من شغل إلا التسكع في قوارع الطرقات، في العالم الواقعي والعالم الافتراضي، والذين ليس لهم من عمل إلا السبّ والتجريح، والفجور في اللغة والتعبير، والوقيعة في أعراض الناس.

أيها القارئ الكريم، إني أكتب عن الحداثية الأدونيسية، لأبناء المسلمين وبناتهم، الواعين المنتبهين، والغافين المخدوعين، ليعرفوا مَنْ هو أدونيس؟ وما هي هذه الحداثيّة التي يدعو إليها المسلمين، في الفكر والأدب والنقد؟
أريد أن أبيّن للقارئ المسلم، بالنصوص الصريحة القاطعة، أن أدونيس الذي يقدّمه الإعلامُ الحداثي المهيمِن على أنه شاعرٌ عربي كبير، إنما هو ملحدٌ مناضل، همُّه، منذ ظهر أمرُه قبل نحو ستين سنة، أن يهدم، ويرفض، ويعبث، ويشكك، ويطعن، ويجرّح، ويفتري، ويكذب، ويزوّر، مِن أجل فرضِ مسلّمته الحداثيّة، التي يدّعي فيها أن الإلحاد كان أولَ شكلٍ للحداثة في تاريخنا العربي الإسلامي، وأن الخارجين على الإسلام، بكل طوائفهم ومشاربهم ومعتقداتهم واتجاهاتهم، كانوا هم المؤسّسين الحقيقيّين للحداثة، في الفكر والأدب، في تاريخنا الإسلامي.
عند أدونيس-وهذا ما سأبيّنُه بالنصوص الناطقة القاطعة في مكانه مِن بحثي-الإسلامُ لا يمكن أن يأتيَ منه خير، ولا يمكنُ أن يُنتج لنا فكرا ولا إبداعا ولا فنا جميلا؛ الإسلامُ، عند أدونيس، هو الشر، والعنف، والقتل، والتفنن في التعذيب، والإرهاب؛ وقد ظهر أدونيس بلا قناع في الحوار الذي دار بينه وبين (حورية عبد الواحد) -وهي، فيما أرى، من تلامذته وتابعيه المسحورين به-، والذي نُشر، بالفرنسية، عن دار "سويSeuil"، في نونبر2015، في كتاب بعنوان "الإسلام والعنف".
في هذا الكتاب/الحوار نرى وجهَ أدونيس الحقيقي بلا قناع ولا طلاء ولا مساحيق، وجهَ الملحد المناضل، الذي يتطاول على كل مقدسات الإسلام، وفي مقدمتها الذاتُ الإلهية، تعالى الله وتنزّه وتعظّم وجلّ عمّا يصف الملحدون الظالمون، والضالون المكذبون.
في هذا الكتاب يتطاول الملحد أدونيس على الذات الإلهية بأصرح العبارات التجريحية، وبأعظم الأباطيل في حق الله، تعالى وتعظّم وتنزّهَ، فضلا عن الكذب والتلفيق والتخرّص، والقولِ في فهم آي القرآن وتأويلِها بالهوى وبما تمور به نفسُ الملحد مِن ظلام وكراهية للحق؛
فاللهُ، عند أدونيس-تعالى الله وتنزَّه وعلا على تجديفات المارقين-هو رأس الظلم، في عقائد المسلمين، وهو الجلاّد الذي لا يشبع مِن تعذيب الخلق وتقتيلهم، بل إنه يتفنن في هذا التعذيب والتقتيل، في سادية تجاوزت كلَّ الحدود.
لقد عمد الملحد أدونيس، في حواراته مع محاورته المأخوذة بباطله، حورية عبد الواحد، إلى آيات القرآن التي تُصور ما أعدّه الله للكافرين والمنافقين والظالمين من عذاب أليم، ليؤكد، من خلال ما تعرِضه هذه الآياتُ مِن صُور ومشاهد، على أن الله، سبحانه وتعالى، هو زعيمُ الإرهابيّين بما يعرضه القرآنُ مِن تفنن في قتل المُخالفين وتعريضهم لأشد أنواع العذاب. وعلى هذا، فإن القرآن الكريم، كما نفهم من سياق كلام أدونيس ومن إيحاءاته، هو مدوّنة إرهابية بامتياز، ومنها يستوحي الإرهابيون نموذجَهم وأساليبَهم وأهدافهم، وبها يهتدُون فيما يأتون مِن أعمال العنف والتكفير والقتل في حق المخالفين. وهذا كلُّه، في زعم أدونيس، يبيّن حقيقةَ أنّ العنفَ والإرهابَ صفةٌ راسخة في هوية الإسلام، وسمةٌ لا تنفك عن طبيعته وحقيقة عقائده وشرائعه؛ ولي عودة إلى هذا الكتاب في مناسبة مقبلة، إن شاء الله ويسّر.

بعد هذا التذكير الذي طال بعض الشيء-ومعذرة للقارئ الكريم-أرجع إلى متابعة حديثي، في فصل جديد، عن المدرسة الحداثية الأدونيسية.

تغَرُّبٌ وتبعيّة

التغرّبُ مِن الغرب، بما هو فلسفةٌ وحضارة ورؤيا وفكرٌ وتربية وتعليم، وليس بما هو أرضٌ وجغرافيا وجهةٌ وأممٌ ولغاتٌ. ومن معاني صيغة "فعّلَ" في العربية التوجّهُ والجَعْلُ والنسبةُ والإلحاقُ؛ نقول: غَرّبته إذا ألحقته بالغرب. وقد تُستعمل الصيغة لازمة بمعنى التوجه: فغرّبَ فلانٌ يُغرِّب، تعني اتجه نحو الغرب، وتُستعمل متعديةً، فتقول مثلا: غرّبَ الاستعمار كثيرا من الشعوب الإسلامية، أي ألحقها بالغرب وربطها بحضارته وجعلها دائرة في فلكه. ومن معاني صيغة "تفَعّل" المطاوعة؛ تقول: غرّبْتُه فتغَرّب، أي كان فيه استعداد ذاتي ليصبح مُغَرّبا.
ومفهوم التبعية، في مجالات الفكر والحضارة، لا ينفك عن مفهوم التغرّب؛ فالتبعية بالمفهوم الخلدوني(نسبة إلى ابن خلدون) إنما مرجعها الأساس إلى فقدان الاستقلالية والفاعلية، والتحول إلى مفعولٍ مُستقْبِل لا يملك إلا أن يسمع ويطيع، وإلى مغلوبٍ مأمور لا يملك، في حقيقة نفسه، إلا أن يتبع الغالب؛ و"النفس أبدا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه..."[1]

إن المفاهيم الاصطلاحية، وخاصة في ميدان العلوم الإنسانية، هي، في الغالب، مرتبطةٌ، في ميلادها، ارتباطا وثيقا بالبيئة الحضارية والفكرية والاجتماعية التي أنتجتها، وراجعةٌ إليها عند التحليل والتقويم، لا تكاد تنفك عنها في أي حال من الأحوال.
طبعا، هذا الرأي الذي أراه يخالفه ويرفضه كثير من المثقفين الباحثين في مضمار العلوم الإنسانية. لكن هذا الرفض، مهما كانت لغتُه وحدّته، وحججُه ومسوّغاتُه، فإنه لا يمكنه أن ينفيَ الواقع المعيش، بكل مظاهره وقضاياه وإشكالياته وعويصاته، الذي يؤكد، بالفكر والسلوك، حقيقةَ التبعية القاتلة التي يرزح في أغلالها جل مثقفينا بمختلف طبقاتهم وتوجهاتهم وتخصصاتهم ومدارسهم ومشاربهم. أما الاستثناء هنا، فهو مؤكد للقاعدة، ليس إلا.
وإذا كان بعضُ الأدباء والنقاد الحداثيّين لا يفتأون يؤكدون الطابعَ العالمي لـِ"الحداثة"، بما هي معطى أوربي أولا، ذو بعد إنساني يتجاوز الخصوصيات العرقية واللغوية والحضارية عموما، فإن منهم بعضا آخر لا يرضى لنفسه أن يكون تابعا، ويرفض أن يقال: "الحداثةُ العربية نسخةٌ أو تفرُّع عن الحداثة الغربية"[2]. بل منهم من يصر على دراسة الحداثة العربية بعيدا عن التأثير الغربي، بما هي "إشكالية عربية قبل أن تكون غربية…وأنها[أي الحداثة] نشأت في الغرب بتأثير من مسأليتها في الحضارة العربية، وهو الأمر الذي يتيح لنا طرح مسألة الحداثة الشعرية العربية وتقييمها استنادا إلى مقاييس مستمدة من إشكالية القديم والمحْدَث في التراث العربي نفسه."[3]
ومن التناقض أن يكون أدونيس، وهو على رأس أصحاب هذا الإصرار، هو نفسه الذي صرّح أكثر من مرة بأنه قد استفاد كثيرا، في بعض كتاباته وآرائه "الحداثية"، من المراجع الغربية، وهو نفسه الذي لا يكاد يتوقف، في كتاباته وأحاديثه ومحاضراته، عن الإحالة على الغرب وأعلامه من الفلاسفة والأدباء والنقاد. فهو، مثلا، في محاولته في تعريف الشعر الحديث[4]، يعترف بأنه يستقي كثيرا "من الدراسات التي كُتبت عن الحداثة في الشعر الأوربي."[5] كما يعترف بأنه اعتمد في كتابة دراسته "في قصيدة النثر"، بشكل خاص، على كتاب سوزان برنار
« Suzanne Bernard: Le poème en prose de Baudelaire jusqu'à nos jours ».[6]
إذاً، فالرفض والإصرار على التميز، في هذا الباب، إنما هو، في رأيي، من قبيل الشعارات الإنشائية والمواقف التي ليس وراءها كبير معنى، ليس وراءها إلا الأنا القومية والذاتية المستعلية، التي تأنف أن تشعر في لحظة من اللحظات أنها من جنس الآخر ومادته وروحه.
لكن هذه النفسيةَ المطبوعة بالإباء، والأنفة، والرفض، والتميز، والتعالي، لا تتعدى حيز الاستثناء من القاعدة الواسعة، التي يشغلها كثيرٌ من النقاد والأدباء والمفكرين، الذين لم يجدوا غضاضة في الاعتراف بالأصل الأوربي الغربي، والانتساب، في أفكارهم وآرائهم ومواقفهم في شأن "الحداثة"، إلى نظرياته، بما هو منبع الإشعاع والحقائق والفكر العالمي الحداثي.
يقول يوسف الخال، وهو من أعلام تيار الحداثيّة[7] الشعرية العربية إبداعا ونقدا، مؤكدا مرجعيته الغربية: "إن الحضارة الغربية هي حضارتُنا…ونحن لا قيمة لنا ولا مستقبل لنا، في العالم العربي، إن بقينا خارجها ولم نتبنها من جديد…إنها لنا ـ وهي نحن ـ بكل مآثرها وعيوبها، بكل قوتها وضعفها، بكل ما تضن به أو تعطيه للإنسان في جيلنا وفي الأجيال التالية."[8]
ويقول جبرا إبراهيم جبرا، وهو الآخر من أعلام الحداثيّة العربية، عن حركة الحداثة الشعرية، مقرا ومؤكدا أن التجديد قد جاءنا من هناك: "علينا أن نرى حركة الشعر العربي الجديد متصلة بحركة الفن الحديث بأوربا ـ أو قل في العالم كله ـ أكثر من أي شيء آخر بغير مواربة. فالتجديد قد جاءنا من هناك، ولا بد من الإقرار بذلك. لقد جاءنا التجديد كصورة نفسية، لا في الشعر وحده، بل في تفكيرنا السياسي والاجتماعي برمته…"[9]
ويضيف في الصفحة نفسها مبينا المرجعية الأوربية للمثقفين الحداثيين العرب: "…انبثق فتيةُ العرب المحدثون من تاريخ أمتهم، فانطلقوا بين أرجاء أوربا فكريا، ليعودوا بالتمرد ووسائل استعادة الحياة إلى الأرض الموات، على غرار أقرانهم في فرنسا وأنجلترا وألمانيا وروسيا."
وهذا غالي شكري، قيدوم منظري الحداثيّة الشعرية العربية ونقادها، يؤكد، هو أيضا، أن ثورة العالم الحديث، التي ولدت مفهوم الحداثيّة الشعرية إنما هي "ثورة عالمية، وإنْ قادتْها حضارةُ الإنسان الغربي."[10] وعن هذه الثورة انبثق ـ فيما يرى غالي شكري ـ "مفهوم الحداثة عند شعرائنا الجدد."[11]
بل نراه يذهب بعيدا في المبالغة في تقويم الحداثيّة الشعرية الغربية حينما يصف مستوى الشعر الغربي، الذي يقرر غالي شكري أن "حركة الشعر الحديث قد استلهمت حداثتَها منه"، بأنه "يمثل أرفع مستوى بَلغته الحضارة الفنية في العالم الحديث"[12].
كما يقرر، بلا تردد، وفي أكثر من موضع من كتابه، أن الحركة الشعرية الحديثة قد غيرت الاتجاه العام للشعر العربي، و"انعطفت به وجهة أخرى، هي بلا ريب وجهة الشعر الغربي الحديث."[13]
هذه أمثلة من اعترافاتٍ وشهادات ناصعةٍ على تَغرّب حداثيّينا وتبعيتهم للغرب؛ مقالاتٌ صريحة يعبر بها أصحابُها بوجه أحمر وبلسان مبين عن أن روحهم الحداثيَّ إنما هو من هناك، من الغرب.
ولننتقل الآن للحديث عن بناء الاصطلاح ومفهومه.

"الحداثيّة" و"الحداثة" صيغتان لمفهومين مختلفين
لقد اخترتُ كلمة "حداثيّة" ترجمةً عربية للمصطلح الأعجمي "مودِرْنِيزمModernisme"، وذلك لبيان المفهوم المذهبي، العقدي أو الفلسفي أو الأدبي الفني، الذي تؤديه اللاحقة "إيزمisme" في بناء اللغة الأجنبية الصرفي. وهذا الاختيار، في تقديري-وهو ليس من اختراعي، وإنما سبقني إليه آخرون[14]- يرفع الالتباس والخلط الواقع في كثير من الكتابات المعاصرة، التي تستعمل كلمة "حداثة" ترجمةً مطلقة لمصطلحين مختلفين، في اللغة الأجنبية، هما "Modernisme" و"Modernité".
أمّا "المودرنيزم" فلا ينفك مفهومُها عن المذهبية، في الدين أو الفكر أو الفن، أي أن وراء الصيغة اللغوية اعتقادا وتصورا ورؤية وموقفا، كالفرويديزم Freudisme، مثلا، والماركسيزم Marxisme، والبوذيزم Bouddhisme، والجودييزم Judaïsme، والإسلاميزمIslamisme، والسانبوليزمSymbolisme، والسورياليزمSurréalisme.
وأمّا "مودرنيتي" فينحصر مفهومها في الحداثة الزمنية التي تقابل القدم، وهي بهذا تشمل التطورات الإنسانية في العمران، والعلوم، والتكنولوجيا، والاتصالات، وغيرها من المجالات. وهذا المفهوم الزمني، في أصله، ليس مرتبطا بدين أو فلسفة أو فكر أو غيرها من المذاهب والمعتقدات، بل هو مفهوم يشمل الإنسان بما هو إنسان، مؤمنا كان أو كافرا، شرقيا أو غربيا، أفريقيا أو أوروبيا أو أسيويا.
وبناء على هذا الفرق الواضح بين مفهومي "مودرنيزم" و"مودرنيتي"، يسهل التمييز بين الوصفين المصوغين منهما؛ فالوصف من الأول، من مودرنيتي، هو "مُودِرْنmoderne"، ومن الثاني هو "مُودِرْنيستmodeniste".
إذن، فترجمة "مودرنيتي" و"مودرنيزم" إلى العربية بكلمة "حداثة"، بلا تحديد ولا تمييز، فيها خلط وتشويش ومغالطة. ولهذا، وتفاديا من كل غموض والتباس، فإني أميز بين "حداثة" و"حداثيّة"، فأجعل الأولى ترجمةً لمودرنيتي، بمفهومها المحصور في التطور الزمني، والثانية ترجمةً لمودرنيزم، لأن صيغة المصدر الصناعي[15] في العربية هي أنسب الصيغ لبيان مفهوم المذهبية، كالماركسية، والوهابية، والسلفية، والإسلامية، والنصرانية. ونقول في وصف شيء بالحداثة بأنه "حديث"، وبالحداثيّة بأنه "حداثي".
في مفهوم "الحداثيّة"
مهما كانت اجتهاداتُ الحداثيين العرب وإضافاتُهم وتفسيراتهم من أجل تثبيت "المودرنيزم" في ثقافتنا العربية الإسلامية، فإنهم لن يستطيعوا تجريدَ هذا المصطلحِ من مفهومه الذي اكتسبه في تربته الأصلية، التي نبت فيها وتطور ونضج. وهذا يعني، من بين ما يعنيه، أنْ ليست هناك، في مجال الإنسانيات والفلسفيات خاصة، مفاهيمُ كونية، كما يزعم الحداثيون، وإنما هي مفاهيم لا تنفك عن جذورها، وإن عبَرت القاراتِ، وتمّ التصرفُ فيها ببعض التعديلات والتهذيبات والتمويهات.
ومهما تكن النقاشاتُ والجدالات التي دارت، وما تزال تدور، حول هذا الموضوع ـموضوعِ تأثر المفاهيمِ والتصوراتِ أو عدمِ تأثرها حينما تُنقل مِن بيئتها الأم وتُزرع في بيئة أخرى مختلفةـ ومهما اختلفت وجهاتُ النظر وآراءُ الباحثين والمفكرين، فإن الحقيقة التي يشهد لها تاريخ تواصلِ الحضارات وتنافسِها وتدافعها وتغالبها، وكذلك الواقع الاجتماعي الفكري والسلوكي، هي أن المفاهيم والنظريات والتصورات، التي لها علاقة بالعقائد والأخلاق والفلسفات والتاريخ، لا يمكن أن تتجرد عن جرثومتها حينما يتم استنباتُها في أرض جديدة. والجُرْثومةُ، من معانيها في اللغة: الأصلُ والمصدر.
إنه لا "أممية" إذاً، في العقائد والفلسفات والأخلاق، وإنما هو التمايز والتباين والتّزايُل.
وأفتح هنا قوسا صغيراً لأوضح أن الشعوب غيرَ الإسلامية، مثلا، لا تؤمن بالصفة العالمية لرسالة الدين الإسلامي، فضلا عن عدم إيمانها، أصلا، بالإسلام دينا قيّما، ورسالةً خاتمةً بعث بها الله، عز وجل، خاتم النبيئين والمرسلين محمدا، صلى الله عليه وسلم. هذا مع إيماننا، نحن المسلمين، بقوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)[16]، وإيماننا بأن الله، تعالى، أرسل سيدنا محمدا رسولا ورحمة للعالمين: (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا)[17]، (وما أرْسلْناك إلاّ رحمةً للعَالمين)[18]، (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُومِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)[19].
إن مغزى هذا التوضيح أن عالَميةَ رسالةِ الإسلام، في اعتقادنا نحن المسلمين، لا يمكن أن نُلزم بها غيرَنا من غير المسلمين، ولا أن نفرضَها عليهم قهرا وسطوة وغلبَةً، إلاَّ دعوةً بالحكمة والموعظة، وجدالا بالتي هي أحسن.
فإذا كانت هذه الحقيقة تنطبق على دين الإسلام خاتمِ الرسالات السماوية، فالأحرى أن تنطبقَ على النظريات والفلسفات الوضعية التي منشؤها تفكيرُ الإنسان، وذوقُ الإنسان، وتأمّلُ الإنسان، وقصورُ الإنسان، وضعفُ الإنسان؛ في جملة، منشؤها الإنسانُ في نسبيةِ قدراتِه ومحدوديّة طاقاته.
إننا، بالطبع، لا نناقش هنا حقيقةَ كونِ الأفكار، كلِّ الأفكار، حينما تنتقل مِن تربتها الأصلية، لا بد أن تتأثر، قليلا أو كثيرا، في السطح أو في العمق، في الزمن القصير أو الطويل، بخصائصِ الأرض الجديدة، في العادات والأعراف، والموروثات والأذواق، والسلوكات والأفكار، إلى آخر ما يميز هذه الأرضَ الجديدةَ المُسْتَقْبِلَة تاريخا وحضارة وتقاليد.
إذن، فالحديثُ عن المفاهيمِ والتصورات ذاتِ البعد الإنساني، التي تزول معها حدودُ الحضارات وخصائص الشعوب والمجتمعات، ولا تتميز فيها المعتقداتُ والمشاربُ والأهواء، هو، في اعتقادي، مِن الأحاديث التي لا يكون لها معنى إلا في دائرة الموضوعات التي يستوعبها العقلُ الإنساني "العلومي"، أو العقل "المعاشي" المشترك[20]"[21].
فالحداثيّة، في نسختها العربية المتداولة اليوم بين معظم الكتاب والمثقفين، لا تُخفي أصلَها الغربي، بل إن هذا الأصلَ بات يفرض نفسَه مرجعا كونيا، وبديلا ناسخا للأصول الموروثة، التي يشكل الدين مركزَ مدارها.
وللبحث تتمة في المقالة القادمة، إن شاء الله.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

مراكش: 04 نونبر2016





[1]  من الفصل الثالث والعشرين من مقدمة ابن خلدون.
[2] "الحداثة، السلطة، النص"، لكمال أبو ديب، مجلة فصول، المجلد الرابع، عدد3، أبريل، ماي، يونيو، 1984، ص34.
[3] بيان الحداثة، لأدونيس(علي أحمد سعيد)، مجلة "مواقف"، العدد36، شتاء 1980، ص148،149. قارن بـِ"فاتحة لنهايات القرن"، للمؤلف نفسه، ص328،329.
[4] وهي دراسة كان نشرها أول مرة في مجلة "شعر"، العدد11، السنة3، صيف 1959، من ص79 إلى ص90.
[5] زمن الشعر، ص8.
[6] اُنظر مجلة "شعر"، العدد14، السنة4، ربيع 1960، ص75، هامش رقم(1).
[7] سأتحدث لا حقا عن الفرق بين صيغتي "حداثة" و"حداثيّة"، صرفيا ودلاليا وإيديولوجيا.
[8] مجلة "شعر"، عدد15، ص138،139.
[9] الرحلة الثامنة، ص8.
[10] شعرنا الحديث…إلى أين؟، ص114.
[11] نفسه.
[12] نفسه، ص113.
[13] نفسه، ص112.
[14]  اقترح كمال أبو ديب ترجمة Modernismeبـِ"الحداثية"-وهو اختياري- مع أنه حاول استعمال صيغ أخرى، كالاستحداثية، والتحديثية، والمُحدثية. واختار ترجمة Modernité بـِ"الحداثة". راجع دراسته "الحداثة، السلطة، النص"، في مجلة فصول، المجلد الرابع، عدد3، أبريل، ماي ،يونيو، 1984، ص36.
ونجد محمد برادة في المرجع نفسه، في دراسته "اعتبارات لتحديد مفهوم الحداثة" يختار ترجمة La modernité بـِالحداثة، وLe modernisme بـِالعصرية(ص12). ومن الباحثين العرب من يقصد إظهار المعنى الاصطلاحي المذهبي للفظة الأجنبية Modernisme(مودرنيزم) باستعمال عبارة "إديولوجيا الحداثة" أو عبارة "المذهب الحداثي". انظر مقال محمد جمال باروت "الحداثة والعقلانية في منظور نقدي"، من ملف "نقد الحداثة"، في مجلة "الآداب" اللبنانية، عدد11/12، سنة 46، ص24.
[15]  المصدر الصناعي هو من أنواع المصادر في العربية، وتكون صياغته بزيادة ياء مشددة بعدها هاء، كالوطنية، والإنسانية، والرأسمالية، والصبيانية.
[16]  من الآية 19 من سورة آل عمران.
[17]  النساء/ من الآية 78.
[18]  الأنبياء/ 106.
[19]  الأعراف/ 158.
[20] يُراجع في موضوع العقل "العلومي" والعقل "المعاشي" كتاب "محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى"، للأستاذ عبد السلام ياسين.
[21]  راجع مدخل الباب الأول "الحداثية الغربية وتوابعُها" من كتابي "المودرنيزم وصناعة الشعر"؛ فقد تناولت في هذا المدخل مسألة "استنبات المفاهيم وترجمة المصطلحات".

الثلاثاء، 1 نوفمبر 2016

لماذا نسبةُ مدرسة إلى أدونيس؟

بسم الله الرحمن الرحيم

لماذا نسبةُ مدرسة إلى أدونيس؟

                                    
(1)

اختيارُ اسم مدرسة هو، أساسا، اختيارٌ لرمزية الاسم، وليس لتفصيلات المُسمى. فاسمُ مدرسة، في الغالب، يرمز إلى مؤسسة تعليمية، على رأسها مديرٌ، أو ما في معنى المدير، كما يرمز إلى وجود معلمين مبلِّغِين(بصيغة الفاعل)، وتلامذة مُتلقِّين. وتتحدد الغايةُ من المدرسة، أساسا، في تلقين معارف ومهارات محددة، وترسيخ نوعٍ من الولاء والانضباط لفكرٍ أو مذهب أو معتقد أو غير ذلك من ألوان المذاهب والمعتقدات.
ونسبةُ مدرسةٍ إلى شخص، أو فكر، أو رأي، أو مذهب، كالمدرسة الفرويدية، مثلا، والمدرسة السلفية، والمدرسة الكاثوليكية، تعني، في الدرجة الأولى، أن لهذه المدرسة صلةً بهذا الفكر أو الرأي أو المذهب، اعتقادا وتربية وتعليما.
وفي الاصطلاح الشائع، المدرسةُ منسوبةً إلى عَلَمٍ، أو اجتهاد فكري، أو مذهب فلسفي، أو معتقد ديني، هي بمثابة عنوانِ الكتاب الجامع لِمَا بين دفتيه، أو بمثابة الروح الذي به يحصلُ التضامُّ والانجماع والترابط. بعبارة أخرى، المدرسة، في المفهوم المتعارف عليه، أفرادٌ متكلمون ومجتهدون ومبدعون في حدود تيّار معيّن، وإن لم يكن بينهم، أصلا، تعارفٌ شخصي.
وهل أعمالُ أدونيس، بمختلف أنواعها، تؤهله ليكون مدرسةً متميزة بأصولها وأفكارها واجتهاداتها؟
هل عند أدونيس، في كتاباته الفكرية وابتداعاته الأدبية وآرائه النقدية والفنية، ما يجعله تيّارا متميزا بأوصافه، متفرِّدا بألوانه في خضم الثقافة العربية الإسلامية؟
في رأيي، الذي كوّنته بعد اطلاع وبحث وتحقق وتأمل، أنَّ كلّ ما في أدونيس يدعو إلى اعتباره مدرسةً بامتياز؛ قراءتُه "الثورية" المخالِفة المتميِّزة لتراثنا العربي الإسلامي، وخروجاتُه على الثوابت المعتبرة في تاريخنا، وخاصة فيما يتعلق بمقدسات الإسلام، بعقائده وشرائعه، التي تشكل الأساسَ الذي انبنى عليه هذا التاريخُ، ومخالفاتُه المتطرّفة "الرافضة" "الهادمة" العنيفة التي تخالط، في حالات كثيرة، معانيَ "العبث" و"الجنون" و"الفوضى" و"التخريب" اللامسؤول، وكتاباتُه التجريبيّة المُغرِقة في "اللاشكل"، و"اللامضمون"، و"اللافهم"، و"اللاتلاقي"، و"اللاهدف"، و"اللانهاية"، و"اللاتواصل"، إلى غير ذلك من اللاءات السالبة للمعنى والوضوح والموقف المحدَّدِ والرأيِ المسؤول- كلُّ هذا وغيرُه كافٍ، في رأيي، لاعتبار أدونيس مدرسةً متميزة في الساحة العربية المعاصرة، فكرا وأدبا ونقدا، فضلا عن كون هذه الابتداعات الأدونيسية المتعددة قد انتشرت انتشارا واسعا، على امتداد أكثر من ستين سنة، وتأثر بها خلقٌ كثير، وبات لها أنصارٌ ومريدون مبثوثون في مختلف الأرجاء، وخاصة في البلاد العربية الإسلامية.

(2)

لقد اخترت الحديثَ عن آراء أدونيس الحداثية على أنها مدرسة عربية معاصرة متميزة في الفكر والأدب والنقد، وذلك لعدة أسباب، أذكر منها:
أولا ـ لأن أدونيس له كتاباتٌ كثيرة في التنظير للمذهبيّة الحداثية، تصدُر عن أصول متميِّزة في الفكر والاعتقاد والنظر إلى الكون والإنسان. وهو بذلك يمتاز عن غيره من الأدباء والنقاد المعاصرين بإيلاء الكتابةِ النظرية أهميةً كبيرة، إلى جانب التجريب الإبداعي. هذا، فضلا عن الأبحاث والدراسات والمقالات، التي دار موضوعُها على أدونيس وتجاربه الأدبية والنقدية.
ثانيا ـ استعمالُ بعضِ الدارسين والنقاد لفظةَ "مدرسة" أو ما يؤدي معناها، كلفظة "مؤسسة" أو "رابطة"، للحديث عن تجربة أدونيس الحداثية وآرائه وإبداعاته المتميزة. فمنهم مَن نعته بأنه "…صاحب مدرسة في الشعر، ما أكثر ما كُتب عنها."[1] ومنهم من تحدث عن "مؤسسة أدونيس الثقافية"[2].
وقد اقترح كمال أبو ديب في مقال نُشر في جريدة "الحياة" إنشاءَ ما سماه "الرابطة الأدونيسية" تقديرا لأدونيس، واعترافا بأستاذيته ومكانه في الإبداع الأدبي[3].
ثالثا ـ لأن أدونيس، اليوم، بات معدودا في الأساتذة الكبار والرواد الأفذاذ لجمهور واسع من الكتاب والأدباء. فما زالت هذه الريادةُ والأستاذية تُكثّر عددَ التلامذة والمريدين، الذين يستلهمون تجاربَ أدونيس ويصدرون عنها في كثير من آرائهم ومقالاتهم وتجاربهم. بل مِن هؤلاء التلامذة مَن يبالغ في وصف تأثره بشخصية أدونيس الإبداعية، والوقوع في جاذبية سحره، كخالدة سعيد[4]، وكمال أبو ديب، ومحمد بنيس، وغيرهم كثير.
فهذا محمد بنيس[5]، الأديب والباحث المغربي، يتذكر كيف جرّه سحرُ أدونيس، وهو ما يزال في سنته الأولى من القسم الأدبي في المستوى الثانوي، إلى أن يتتلمذ له، ويذوب في عالمه. ومما يتذكره أنه حينما تصفح القصائد الأولى من ديوان أدونيس "كتاب التحولات والهجرة في أقاليم الليل والنهار"، في سنة 1966، لمح جسده يضيع منه، "وينزل إلى سراديب لن يغادرها أبدا"[6]. ثم يذكر كيف تطورت علاقتُه بأدونيس خلال ثلاثين سنة (من 1966 تاريخ أول لقاء، إلى 1996، وهو التاريخ الذي قرأ فيه الجزء الأول من "الكتاب")، حتى ارتقت إلى علاقة صداقة عميقة، "صداقة الشعر والحياة معا"[7]. ثم يذكر أن "كل عمل جديد كان يصدر لأدونيس، عبر الثلاثين سنة بكاملها، بالعربية أو مترجَما إلى لغات أخرى، كان دليلي إلى فرح جديد وسعادة تتسع أنحاؤها وأسرارها."[8]
ويعترف محمد بنيس بأنه، في أثناء هذه الثلاثين سنة، التي قضاها في صحبة أدونيس، كان يتابع تجربته "منصتا متعلما"[9]. ثم يقول: "وفي أفق معرفي كريم كهذا، التقيت بحريتي، بقضاياي وأسئلتي. أدونيس علمني أن طريق الشعر مفقودة، علي اكتشافُها باستمرار."[10]
ويقول، في شهادة أخرى بالمرجع نفسه: "منذ أكثر من ربع قرن وأنا أنصت إلى أدونيس، وأتعلم مصاحبته. تلك هي الفترة التي تفصلني عن مراهقتي."[11]
وفضلا عن الاعتراف بالتلمذة والملازمة لأدونيس طيلة ثلاثين سنة، فإن (محمد بنيس)، في كتاباته، لا يني يتحدث عن أدونيس ويصف تجاربه الحداثية بعبارات ترفعه إلى الأعالي، في مبالغات لامعقولة، ينقصها، في اعتقادي، كثير من الذوق والاتزان. وهذه جملة تلخص العشرات من أمثالها؛ فهو في شهادته، في أدونيس، يصفه، من بين أوصاف أخرى، بأنه "كوني منذ لحظته الأولى التي انقاد فيها نحو مساءلة الشعر والشاعر…كذلك هو أدونيس، يبدأ دائما ليبدأ. في البعيد والغريب، حرا إلا من مغامرة الكتابة[12]"[13]
وأُجمل رأيي في المدرسة الأدونيسية في النقط الثلاث التالية:
النقطة الأولى هي أن الفلسفة الحداثية التي تقوم عليها المدرسة الأدونيسية، في تقديري، هي السائدة اليوم في الساحة الأدبية العربية، والساحة الشعرية، على وجه التخصيص، وخاصة في ظل تفاقم المد الإلحادي في المجتمعات الإسلامية، واتساع نطاق الثقافة اللادينية، التي امتد نفوذُها إلى مفاصل التعليم والتربية، وبات رِكْزُها مسموعا في المؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإعلامية، وأصبح لها من أصحاب السلطة والمال، في الخارج والداخل، مظلاتٌ من الحماية والرعاية والتشجيع.
النقطة الثانية هي أن هذه المدرسة تمتاز بأن لها أدبياتٍ نظريةً ونقدية مكتوبة تجمعها أفكارٌ ومبادئ واضحة، إلى حد ما، ولها كذلك تجارب حداثية منشورة، لا تبخل على  المتابع والباحث المهتم بالأمثلة الوفيرة.
والنقطة الثالثة هي أن هذه المدرسة بات لها أعلامُها وروادها وأنصارها وأتباعُها، في محيط واسع وقاعدة عريضة من المفكرين والأدباء والنقاد، من مختلف المشارب، فضلا عن جمهور عريض من ناشئة الشباب.
ومع هذا، أشير إلى أن حديثي عن المدرسة الأدونيسية هو، دائما، حديث نسبي، فيه نصيبٌ كبير من اجتهاد الباحث ورؤيته وتقويمه، إضافة إلى أن هذه المدرسةَ، رغم تميزها بكتاباتٍ وإبداعات وأعلام مشهورين مِن المفكرين والنقاد والمبدعين، لم يتيسر لها أن تتشكّل، على الصعيد العربي، في صورة تنظيمية معينة تكفل لأعضائها وأنصارِها والمتعاطفين معها شروطَ الترابط القوي والتواصل المستمر.

(3)

عن رأس المدرسة
لقد اختلفت الآراء والأقوالُ والأحكام والمواقف حول أدونيس ومدرسته الحداثية، حتى كاد الناسُ أن يكونوا، في هذا الاختلاف، فريقين اثنين، بينهما مِن البعد ما بين السماء والأرض: فريق المؤيدين المادحين المريدين، الذين يرفعون أدونيس إلى قمة المجددين المعاصرين في الإبداع الشعري، ويعقِدون له لواءَ الريادة في مضمار "الحداثة" العربية تنظيرا وتجريبا، وفريق المعارضين الناقدين المتهمين، الذين ينزلون به إلى حضيض الخيانة والزندقة والإلحاد.[14]
ومهما تكن حججُ الفريقين وتفسيراتُهما وتأويلاتُهما في أحكامهما ومواقفهما، فإن الذي ينبغي تسجيلُه هنا هو أن الباحث المنصف-وليس الجاحد المعاند المتعصب الأعمى-المطلعَ على أعمال أدونيس، لا يمكنه أن يخطئ، في كتابات الرجل وتصريحاته، وكذلك في تجاربه الحداثية "الشعرية"، ما يؤكد انتسابَه للمذهبية الفلسفية الإلحادية اللادينية. بل إن الرجلَ نفسه قد أعفانا من هذا الجدل العقيم في شأن حقيقة معتقده، لأنه اعترف بالكلام الصريح الذي لا يحتمل أيَّ تأويل، في مناسبات كثيرة، في كتاباته وتصريحاته، بأنه ملحد لا يدين بأي دين. وأكثر من هذا أنه، في كثير من هذه الكتابات والتصريحات، يخص الإسلامَ، في أصوله العقدِيَّة والتشريعية ومبادئه الأخلاقية، بطعونه وتجريحاته وأباطيله، التي ليس لها من أساس، عند التحقيق، غير الكذب والتزوير والمغالطة والتدليس، فضلا عن خلفية الجحود التي تمتح من الإيديولوجية الفلسفية الإلحادية اللادينية[15].
إنني أعتقد أن المرء، مفكرا كان، أو ناقدا، أو كاتبا، أو أديبا، أو فنانا، أو غير ذلك من المواهب والاهتمامات والتخصصات، لا يمكنه أن يتجرد في عمله عن معتقداته التي انطوى عليها قلبه في شأن الإنسان والعالم والوجود بكل مخلوقاته: مَن الخالق؟ من أين هذه الحياة، وإلى أين؟ ما الوجود؟ كيف كان البدء، وكيف سيكون المنتهى؟ فيم هذه الأعمارُ في هذه الحياة؟ هل بعد القبر حياةٌ أخرى؟ كيف؟ ولماذا؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي لا يفتأ الإنسان العاقلُ الراشد يطرحها، ويطمئن إلى نوع من الجواب عنها، حسب بيئته وتربيته وتعليمه، وحسب محيطه الخاص والعام، وظروف مجتمعه، واستعداداته الفطرية والنفسانية والوراثية.
هذه المعتقدات، التي تنطوي عليها صدورُنا، كيفما كانت، لا شك أن لها ثقلا حاسما في توجيه أفكارنا وسلوكاتنا ومواقفنا وتحليلاتنا، وكذلك في قراراتنا واقتناعاتنا، وآرائنا ونظراتنا إلى مختلف مظاهر الوجود الإنساني، المادية والعقلية، الحسية والمعنوية، الفردية والاجتماعية.
وإنه لمن العبث السخيف والفكر الكسيح، عندي، القولُ بأنه لا علاقة لرؤية أدونيس وأفكاره وآرائه، في نظريته الحداثية، بمعتقداته وبواطن أسراره. أما المقولةُ المأثورة، التي تحكم بأن الأدب، وما يدور حوله ويسير في ركابه، إنما هو بمعزل عن الاعتقاد[16]، فيجب، في نظري، فهمُها في سياق آخر، لا علاقة له بالسياق الذي نحن فيه. بل إن مقالات أنصار المذهبية اللادينيّة اليوم، في البلاد الإسلامية، وفي مناخ ثقافة "حقوق الإنسان" الآخذة في الانتشار، لم تعُد تعبر عن أفكارها في الظلام، بل أصبحت تجاهر بالدعوة إلى إبعاد الدين، كلّ الدين، عن شؤون الإنسان الحيوية، وخاصة في ميادين الفكر، والسياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والأدب، والفن.
إذاً، لا بد من النظر إلى أعمال أدونيس ونقدها من زاوية يتداخل فيها، حتما ولزوما، الفنيُّ الأدبيّ الشعريّ والفلسفيّ الفكريّ العقدي، ويترابطان ويتواشجان. أما الذين ما يزالون يسلكون كل السبل، من أجل أن يقنعونا بوجوب التفرقة، في الحكم على أدونيس وتقويم أعماله، بين أدونيس الأديب الشاعر وبين أدونيس المفكر الملحد، فإنهم يطلبون شيئا مستحيلا، بل قلْ إنهم، في سعيهم هذا، إنما يكرسون العبث، ويُسقطون كل منطق إلا منطقَ الإيديولوجيا العمياء، التي ما فتئت تسير بنا، بالبشرية جمعاء، سيرا حثيثا نحو الخراب والبوار.
إن أدونيس قد شغل دنيا الأدب والنقد بآرائه وكتاباته، التي امتازت بجراءة كبيرة وواسعة على المقدسات الإسلامية[17]. ولا يمكن، والحالة هذه، نقدُ هذه الكتابات، ومناقشةُ تلك الآراء من غير الرجوع إلى مقاييس وقواعد تكون لنا بمثابة وحدة القياس والتقويم. وهذه المقاييس والقواعد لن تكون، على ضوء المنهج الذي اخترت أن أسير عليه في بحثي، إلا مستقاة من روح الإسلام في أصوله القطعية، وتصوراته البينة، بعيدا عن آراء المجتهدين، وتأويلات الفلاسفة المتكلمين. لن تكون هذه المقاييس والقواعد إلا روح ما أجمعت عليه أمة المسلمين على أنه من مقدسات الإسلام وأصوله ومعتقداته وتصوراته، التي لا تختلف فيها الآراء، ولا تتباين في شأنها المذاهب، إلا رأيٌ أو مذهبٌ اختار طريقا غير طريق الإسلام، فحكمه، عندئذ، بحسب الطريق المختار.
وإلى المقال/الفصل القابل، إن شاء الله.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

مراكش: فاتح نونبر2016





[1] من دراسة لحافظ الجمالي عن "الثابت والمتحول في العقل العربي"، مجلة "المعرفة"، السنة العشرون، عدد 236، أكتوبر 1981، ص9.
[2] عبد الحميد جيدة، أدونيس بين مؤيديه ومعارضيه، مجلة "فصول"، العدد الخاص عن "الأفق الأدونيسي"، ص94.
[3] ما بعد الأدونيسية(شهوة الأصل)، بقلم عبد الله محمد الغَذَّامي، مجلة "فصول"،(م.س)، ص16، هامش رقم (3).
[4] هي زوج أدونيس. وقد كان لقاؤهما الأول في أيام النضال في صفوف الحزب القومي السوري.
[5] للتذكير، فإن أدونيس كان عضوا في الهيئة التي ناقشت أطروحة محمد بنيس حول "الشعر الحديث"، التي نال بها شهادة الدكتوراه.
[6] أدونيس ومغامرة "الكتاب"، بقلم الدكتور محمد بنيس، مجلة "فصول"،(م.س)، ص257. و"الكتاب" هو عنوان لأكبر تجارب أدونيس الحداثية، متميز في كمّه وكيْفه، وفي صياغته وترتيب أجزائه وإخراج فقراته. صدر الجزء الأول منه، في طبعته الأولى، عن دار الساقي بلبنان، سنة 1995. وصدر الجزء الثاني، في طبعته الأولى، عن نفس الدار، سنة 1998. وصدر الجزء الثالث، في طبعته الأولى، عن نفس الدار، سنة2002.
[7] نفسه.
[8] نفسه.
[9] نفسه، ص258.
[10] نفسه.
[11] أدونيس: الشعر وما بعده، (م.س)، ص368.
[12] نفسه، ص371.
[13] أقترح على القارئ المستزيد من هذه الأمثلة من كتابات محمد بنيس أن يقرأ ما كتبه عن "أدونيس ومغامرة الكتاب"، في "فصول"، (م.س)، وما كتبه في سياق تعليقه على تجربة "هذا هو اسمي"، لأدونيس، في كتابه عن "الشعر العربي الحديث، بنياته وإبدالاتها"، الجزء3(الشعر المعاصر)، ص191 وما بعدها. قارن بما كتبته خالدة سعيد عن هذه التجربة الأدونيسية نفسها، في "حركية الإبداع"، ص93 وما بعدها.
[14] راجع بعض مقالات هذين الفريقين في مقالة عبد الحميد جيدة: "أدونيس بين مؤيديه ومعارضيه"، مجلة "فصول"، عدد خاص عن "الأفق الأدونيسي"، المجلد السادس عشر، العدد الثاني، خريف 1997، من ص84 إلى ص 102.
[15] تُراجع، مثلا، مقالاتُه في (الثابت والمتحول)، وخاصة في فصول الجزء الأول، وفي حواراته مع ابنته (نينار)، التي صدرت، سنة2006، في كتاب بالفرنسية بعنوان(محادثات مع أدونيس أبي)، وفي حواراته مع الباحثة حورية عبد الواحد، التي صدرت، بالفرنسية سنة2009، في كتاب بعنوان(نظرة أورفي)، وفي حواره مع الباحثة نفسها في كتاب صادر بالفرنسية، سنة2015، بعنوان (العنف والإسلام). هذه عناوين أمثلة صارخة تتجلى فيها بكل وضوح، وبالعبارة الصريحة التي لا لَبس فيها، المذهبيةُ الإلحادية التي يعتنقها أدونيس. وفي النية، إن شاء الله، أن أنشر كتابا مستقلا عن "أدونيس بلا قناع"، يوفي هذه المسألةَ حقَّها من التحليل والبيان.
[16] هذه المقولةُ صدرت عن القاضي الجرجاني، علي بن عبد العزيز(توفي392هـ)، في كتابه "الوساطة بين المتنبي وخصومه"، في سياق رده على من سعى إلى الانتقاص من شاعرية أبي الطيب المتنبي بحجة أن في بعض أشعاره ما يشي برقة دينه. وقد أراد القاضي الجرجاني برده أن يبين أن الشاعرية تثبت للشاعر أو تسقط عنه بعيدا عن مقياس الاعتقاد، وإنما المقياس الحاسم فيها هو الإبداع. ومما قاله القاضي الجرجاني: "لو كانت الديانة عاراً على الشعر، وكان سوء الاعتقاد سبباً لتأخر الشاعر، لوجب أن يُمحى اسمُ أبي نواس من الدواوين، ويحذف ذكره إذا عُدّت الطبقات، ولَكان أولاهم بذلك أهل الجاهلية، ومن تشهد الأمة عليه بالكفر، ولوجب أن يكون كعب بن زهير وابن الزِّبَعري وأضرابُهما ممن تناول رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وعاب من أصحابه بُكْماً خرساً، وبِكاء مفحمين؛ ولكنّ الأمرين متباينان، والدينُ بمعزل عن الشعر".(ص64، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البيجاوي). بِكَاء: في لسان العرب: "بَكأَ الرجُل بَكاءة فهو بَكِيءٌ من قوم بِكاء قلَّ كلامُه خِلْقةً".
[17] ما عرفت أنه كان مِن أدونيس للمقدسات المسيحية واليهودية شيءٌ، مِن مقالة أو رأي أو حكم، يمس بها وينتقدها ويستهين بمبادئها وأصولها وشرائعها إلى حد التزوير والتلفيق والتخرص بالباطل، كما كان منه تجاه المقدسات الإسلامية.