السبت، 31 مايو 2014

ثرثراتٌ في الهوامش



بسم الله الرحمن الرحيم


ثرثراتٌ في الهوامش



(1)

كثُر الكلام، في هذه الأيام، حول الإعلام العمومي، الذي تحول إلى ميدان من الميادين، التي تعرف صراعا محتدما بين الحكومة ومناصريها وبين معارضي هذه الحكومة، وخاصة أولئك الذين يتربصون بها في المجال الديني والأخلاقي، مؤوّلين كلَّ نأْمة منها في هذا المجال بأنه توجه نحو تشديد قبضة "الإسلاميين" الموالين على الإعلام، وفرضِ الرأي الواحد، ومنع التعدد والحرية والفن، باسم الدين والأخلاق، وانتهاكِ حقوق المواطنين في إعلام متنوع يعكس تنوعَ التيارات والاختيارات والاجتهادات، التي يمتاز بها المجتمع المغربي.

هذا الصراع الدائر بين الحكومة وبين مناوئيها، في مجال الدين والأخلاق، يرجع، في جوهره، إلى الصراع المبدئي الموجود دائما بين الإسلاميين وبين أعدائهم وخصومهم ومنافسيهم من اللادينيِّين، الذي لا يرون مكانا للإسلام، دينِ المغاربة، إلا في مطوِيّات الضمائر وزوايا المساجد بعيدا عن حيوية المجتمع بمختلف نشاطاته، وخاصة في مجالات السياسة والاقتصاد والآداب والفنون. وسيظل هذا الصراع قائما ما دام هناك إسلامٌ وإسلاميون يناضلون، حقيقةً وفعلا، لا أمانيَ وخطابا، من أجل حماية مقدسات الإسلام وثوابته وحرماته وآدابه وأخلاقه أن ينتهكَها الضٌّلاّلُ والفُساق، وأن يعبثَ بها العابثون من أهل الشك والزندقة والإلحاد.

إنه صراع وجودي دائم ما دامت السماوات والأرض.

(2)

أما الثرثراتُ التي أقصدها في هذه المقالة، فهي هذه الخطابات الموالية للحكومة وسياساتِها، التي لا يجرؤ أصحابُها على تسمية الحقائق بأسمائها، ويخوضون بنا في الهوامش بعيدا عن قلب الأمر. وهذه بعض التوضيحات.

السيد وزير الاتصال، والناطق الرسمي باسم حكومة السيد بنكيران، يصرح، في مجلس المستشارين، في عبارات لا تحتمل التأويل، أن الإعلام العمومي ينتهك الدستور والقانون، وأن هناك منكرا فيما يبثه هذا الإعلام، الذي يموّله المواطنون. ثُمَّ لا نجد من السيد الوزير، ومعه حكومتُه، إلا العجزَ التام عن إزالة هذا المنكر، وفرضِ احترام الدستور والقانون في الإعلام العمومي.

فالسيد وزير الاتصال، يعرف، كما يعرف المدافعون عنه، أن المسؤولين عن الإعلام العمومي هم موظفون تابعون للحكومة، والواجبُ يفرض عليهم، نظريا على الأقل، أن ينفذوا سياسات الحكومة، باحترام ما تنص عليه دفاتر التحملات. وإن حصل أن موظفا رفض القيامَ بواجبه، أو كان منه ما يشوش على سياسة الحكومة، أو يعرقل سيرها، فإن المنطق يقتضي الاستغناء عن هذا الموظف وتعويضه بغيره. فلماذا لا تسير الحكومةُ في هذا الاتجاه القانوني الواضح؟ لماذا لا نرى منها حسما وحزما في التعامل مع موظفين متمردين، يحسبون أنفسهم فوق المحاسبة والمتابعة، ويعتقدون أن الحكومة لا تملك سلطة إزاحتهم عن مناصبهم "السامية"؟

السيد الوزير، ومعه سائرُ أعضاء حكومة السيد بنكيران، عاجزون، سياسيا، عن المبادرة في هذا الشأن، وإن كان الدستور والقانون في صالحهم، لأنهم يعرفون-إلا أن يتعاموا ويتجاهلوا- أن مؤسسات الإعلام العمومي هي من "مَحميّات" النظام المخزني، التي لا يجوز للحكومة أن تقترب من حماها. وهذه الحمايةُ السامية هي التي جرّأت موظفةً كـ"سيطايل" على أن تتحدى رئيس الحكومة، في العلن، بلا حياء ولا خوف، وهي مطمئنة أنها لن ينالها أيُّ شكل من أشكال العقوبة!!

لقد جرّب السيدُ وزير الاتصال حينما تقدّم، في أول عهده بالوزارة، بمشروع دفاتر التحملات في صيغتها الأولى، وعرَف، بالواقع الملموس، أن الحكومة لا تملك سلطة حقيقية في مجال تدبير سياسات الإعلام العمومي، حينما اضطر، مع رئيسه السيد بنكيران، للتنازل عن صلاحياته الدستورية والقانونية، تنفيذا للتعليمات العليا.

الحكومةُ كلها تعلم أنها، في مجال الإعلام العمومي، وفي غيره من المجالات، لاعبةٌ في الهوامش، أما القلبُ والمركز والجوهر، فاللاعب الأساس فيه هو الدولة المخزنية، التي يرجع إليها القول الفصلُ والكلمة النهائية.

ما كان لموظفين إداريين، سامين أو غير سامين، أن يعارضوا الحكومة، ويشوشوا على سياساتها-إن كان لها سياساتٌ مستقلة عن المخزن- ويقفوا في وجه رئيس الحكومة وقوف الندّ للندّ، بل ويتجاوزا هذا ليصبحوا معارضين سياسيين لهم آراؤهم وانتقاداتهم وتقديراتهم لعمل الحكومة-


قلت ما كان لهؤلاء الموظفين الإداريين أن يكونوا على ما هم عليه تجاه الحكومة، وبخاصة تجاه رئيسها، لولا تيقّنهم بأنهم بمنأًى عن أيّ محاسبة أو عقوبة، وبأنهم محميّون من فوق، وأنهم زمّارون وفق الألحان التي يطلبها دافع الأجر، حسب المثل الإنجليزي. أما دافع الأجر هنا، فهو النظام المخزني.

هذا، في رأيي، هو الهزل السياسي الذي ما بعده هزل.

(3)

لقد عرف السيدُ رئيس الحكومة، ومعه السيد وزير الاتصال، بالتجربة الواقعية في دواليب دولة المخزن طيلة ما يقارب سنتين ونصف، أن الإعلام العمومي هو آلة ضرورية من آلات التحكم والاستبداد. وليس عند الحكومة، كما لم يكن عند سابقاتها، الشجاعةُ السياسية لتعترف بهذه الحقيقة التي وقفت عليها بالتجربة والممارسة. فهي إذن، حكومة خاضعة تابعة سامعة مطيعة منفذة، ولو على حساب المبادئ والوعود التي نقرأها في الخطابات والشعارات.

فلو كان عند الحكومة الشجاعةُ السياسية، التي تحترم المبادئ وتفي بالوعود، لأشارت، بالعبارة الصريحة والموقف الصارم، إلى اللاعب الحقيقي في المشهد السياسي، الذي يوجه الإعلامَ العمومي الوجهةَ التي يرضاها، والذي يفرض على الحكومة أن تبقى لاعبا في الهوامش، لا تملك حلاّ ولا عَقدا.

وكذلك الكتّابُ الموالون للحكومة، كان عليهم أن يخرجوا من دائرة التعمية والتخليط والتردد، ويصرحوا بأن العائق الحقيقي في حياتنا السياسية، هو النظام المخزني، الذي ما يزال هو المتحكم في كل خيوط اللعبة، وأن منْ يسمّونهم بالعفاريت، أو التماسيح، أو مراكز المقاومة والتحكم، إنما هم تجلياتٌ طبيعية للاستبداد المخزني، بل ما هم إلا أدواتٌ في خدمة سياسات المخزن.

حزبُ الأصالة والمعاصرة، مثلا، من أسّسه؟ وكيف؟ وأين هو مؤسسُه اليوم؟ هل غاب عن المشهد؟ هل كفّ عن الفعل في الحياة السياسية؟ وهل الملكُ، رئيس الدولة، بعيدٌ عما يجري في المشهد السياسي؟ وهل يصدق أحدٌ أن الملك، بصفته صاحبَ القرار الأول والأخير، في الدولة، لا علاقة له بسياسة الإعلام العمومي؟ وهل هذا الإشهارُ لمهرجان "موازين"، مثلا، في الإعلام العمومي، الذي تعدى كلَّ الحدود، لا علاقة له بالنظام المخزني، وسياساته المرسومة؟ وهل تنظيمُ هذا المهرجان "المقدس"، تحت الرعاية السامية، لا علاقة له بسياسات الدولة الاستراتيجية، التي لا تملك حكومةُ السيد بنكيران، ولا المئاتُ من أمثالها، أن يمَسُّوا منه شعرة واحدة بغير إذن من السلطات العليا؟

هذه الأسئلة وأشباهها تؤكد أن الذين يسكتون اليوم عن الحديث عن المخزن، ويبرِّئونه، بسكوتهم، من أيّ مسؤولية عما يجري في حياتنا السياسية من تشويش وتلبيس وتخليط وعرقلة وتأزيم، ويركّزون رميَهم على التوابع والظلال والأدوات، على أنهم هم الفاعلون الأصليون، إنما هم ثرثارون في الهوامش، لن يكون لكلامهم، في اعتقادي، أيُّ أثر إيجابي، ما داموا، بوعي أو بغير وعي، بنية حسنة أو مشوبة، يفتلون في حبل دولة الاستبداد، ويدافعون عن دولة التعليمات، ويشاركون في هدم أساس من أسس دولة المؤسسات والحقوق والحريات المسؤولة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

مراكش: 31 ماي 2014




السبت، 17 مايو 2014

رأيٌ في قضية "السلفية الجهادية"



بسم الله الرحمن الرحيم



رأيٌ في قضية "السلفية الجهادية"





توضيحات

لقد تكلم الناسُ كثيرا فيما اشتهر، في الإعلام، بقضية "السلفية الجهادية" بالمغرب، التي احتلت مكانا بارزا في حياتنا السياسية والأمنية والإعلامية، بعد تفجيرات الدار البيضاء الإجرامية في 16 ماي 2003.

ليس من غرضي في هذه المقالة أن أكرر ما قيل في الموضوع، وإنما غرضي الأساسُ أن أركز على نقطة لم تأخذ حظَّها الكافيَ والمنصفَ فيما تداوله الناسُ، وكتبه الكتابُ، ونشره المتتبّعون والدارسون، من أحكام وأفكار وآراء ونظريات وتحليلات.

وأقدمّ لحديثي بتوضيحات أعتبرها بمثابة مقدمات:

التوضيح الأول أنَّ الجميع-ومن هذا الجميع الدولةُ المخزنيةُ نفسُها- بات يعترف أن ملف ما يُسمّى بـ"السلفية الجهادية" قد حصلت في معالجته تجاوزاتٌ، على المستويَين الأمني والقضائي. وكان من آثار هذه التجاوزات أن كثيرا من المواطنين قد ظُلموا ظلما بيّنا من غير جريرة ارتكبوها، ومن غير أن تكون لهم أيُّ علاقة موضوعية ولا جنائية بجرائم 16 ماي، فزُّجَّ بهم في السجون ظلما وعدوانا.

والتوضيح الثاني أننا، وبعد مرور أحد عشر عاما على تفجيرات الدار البيضاء، يمكننا أن نقسّم المتهمين في هذا الملف قسمين اثنين، لا ثالث لهما في رأيي. يضم القسمُ الأول المتهمين الذين ثبتت عليهم التهمةُ، بالأدلة المعتبرة في القضايا الجنائية، ومن ثَمَّ فهم مجرمون يجري عليهم ما يجري على سائر المجرمين. والقسم الثاني يضم المعتقلين الذين أُقْحِموا في الملف إقحاما، واخْتُلقت عليهم التهمةُ اختلاقا، لا لجريمة ثبتت عليهم، ولا لدليل قانوني رجَّحَ تورطَهم في الجريمة، وإنما الأمر، ببساطة، أنهم كانوا ضحايا الحملة التي شنتها الدولةُ المخزنية، والتي اختلط فيها الجناة بالأبرياء.

والتوضيح الثالث أن الدولة، لو كانت عادلة في هذا الملف، لكانت، منذ زمان، قد بادرت إلى إطلاق سراح الأبرياء، الذين تم الحكم عليهم بناءً على الشبهات، والتقارير البوليسية المبالغ فيها، والآراء المسبقة تجاه المتهمين، فضلا عن الأجواء العامة التي خلفتها التفجيراتُ الإجرامية، والتي امتازت بالكراهية والتحريض على كل ما هو "إسلامي"، وكذلك المتنفَّسُ الذي أتيح للدولة وأجهزتها البوليسية، بعد المصادقة على "قانون الإرهاب" مباشرة بعد أحداث 16 ماي، وهذا ما جعل هذا القانون وتلك الأجواء يشكلان غطاء مناسبا للممارسات المخزنية الظالمة التي شابت هذا الملف.

والتوضيح الرابع أن الدولة، رغم اعترافها بأن ملف ما يُعرف بـ"السلفية الجهادية" قد كانت فيه تجاوزات، أي أخطاءٌ وظلمٌ، فإنه لم يكنْ منها خلال إحدى عشرة سنة سلوكٌ مسؤول لتصحيح هذه الأخطاء، ولرفع الظلم عن المظلومين. وإنما ظلت الدولة لامبالية بالموضوع، حتى باغتتها عواصفُ "الربيع العربي"، كما باغتت العالم، فبادرت، تحت ضغط الضرورة، إلى الإفراج بعفو ملكي عن بعض المظلومين في الملف، الذين نعتَهم الإعلام، بالرغم عنهم، بـ"شيوخ السلفية"، وما هم في الحقيقة بشيوخ للسلفية ولا لغيرها، وإنما هم رجال لهم أفكار وآراء واجتهادات، ومواطنون لهم حسناتهم، ولهم أخطاؤهم، فَرضَت عليهم الحملةُ المخزنية، بعد أحداث 16 ماي 2003، أن يلبثوا في السجن مظلومين حوالي تسع سنوات قبل أن تقرر الدولةُ الإفراجَ عنهم تحت وطأة هزّات الربيع العربي التي كانت تهدد الدولة المخزنية في القلب. 

في صميم المقالة

أرى اليوم، في ذكرى تفجيرات 16 ماي2003، أن كثيرا من السياسيّين وبعض الصحافيين وكتاب الرأي، فيما يرَون ويقترحون ويكتبون، يربطون التسوية النهائية لملف ما يُسمى بـ"السلفية الجهادية"، في بعض جوابها، بوجوب حصول ما يسمونه "مراجعات"، في فكر المعتقلين المظلومين وآرائهم واجتهاداتهم، التي يرون، بحق أو بغير حق، أن لها أساسا في الإسلام.

أما موضوع "المراجعات"، فإني أنظر إليه من جانبين: الأول أن "مراجعات" المعتقلين الذين ثبت تورطُهم، المباشر أو غير المباشر، في جرائم 16 ماي، إما باعترافهم الصريح، وإما بقوة الأدلة ووضوح القرائن التي تُدينهم-بغض النظر هنا عن الظروف التي تمت فيها الاعتقالات والاستنطاقات وكتابة المحاضر، وعن الطرق التي اعتُمِدت في جمع حجج الادعاء وأدلة الإدانة- ستكون أمرا يخصهم هم، ولن يكون لها كبير الأثر في ملفهم الجنائي. فمراجعاتهم-إن تمت بالفعل- ستكون أمرا يهمهم في دينهم ودنياهم، وفي علاقتهم بمجتمعهم. وهذا الحكمُ يشمل جميع المدانين في قضايا جنائية؛ فالتوبة والإصلاح مطلوبان، بل هما راجعان بالنفع، إن شاء الله، على التائبين المصلحين أولا وأساسا، ثم يكون للمجتمع، ولا شك، نصيبُه من هذا النفع.

أما الجانبُ الثاني الذي أنظر منه إلى موضوع "المراجعات"، فيتعلق بالمساجين المظلومين في هذا الملف، الذين لم يثبت عليهم، بوسائل الإثبات المعتبرة في القضاء العادل، أن لهم يدا، من قريب أو بعيد، في جرائم تفجيرات 16 ماي، وإنما شملتهم الحملةُ المخزنية، إما لأنهم  كانوا معدودين من أصحاب الفكر والرأي والاجتهاد، وإما لأنهم ربطتهم، في وقت من الأوقات، علاقةٌ ما بواحد أو أكثر من المجرمين الرئيسيين، وإما لأنهم حاضروا في ندوة، أو كانوا، في يوم من الأيام، في مناسبة حضرها، من غير ميعاد أو اتفاق مسبق، واحد أو أكثر من المتهمين المتورطين في القضية، وإما لغير هذه من الأسباب والتهم، التي لا تساوي شيئا في ميزان العدل والتحقيق النزيه.

مطالبةُ هؤلاء الأبرياء بمراجعة آرائهم ومواقفهم واجتهادتهم هو، في رأيي، ظلمٌ ثان بعد الظلم الأول، الذي نالهم بالحكم عليهم بالسجن النافذ لمدد طويلة تصل إلى ثلاثين سنة.

هؤلاء أبرياء، ولا علاقة لهم بالملف الجنائي، وإنما وقع ما وقع في حقهم لأن الحملة شملتهم. وكان الصواب أن يُطلق سراحهم، ويُردَّ لهم اعتبارُهم منذ زمن طويل.

وهل مِن خير يُرْجى من مراجعات تقع تحت الضغط والابتزاز؟

وهل من مصداقية لمراجعات تتم تحت الطلب، ولا تنبثق تلقائيا من قلبٍ مطمئن، وفكر مقتنع ومتبصّر؟

هل كان هؤلاء المظلومون يحملون أفكارا لا تعجب بعض الناس؟ نعم، وأين التهمة في هذا؟ لو كانت الأفكار التي لا تعجب المخزنَ تشكل في حد ذاتها جريمةً، لوجب اعتقالُ جميع أصحاب الأفكار التي تعارض المخزن، وإدانتُهم وسجنُهم.

هل كانوا يدافعون عن آراء ومواقف معينة، لا ترضَى عنها بعض الجهات؟ نعم، وماذا في هذا من ذنب أو عيب؟ لماذا هم بالذات، وليس غيرهم، من اليساريين المتطرفين العدميين، مثلا، أو من غلاة الأمازيغيين العنصريين، أو من الحداثيين اللادينيّين، أو من غير هؤلاء من الآراء والمواقف والاختيارات؟

لماذا التركيزُ، في مسألة التشدد والتطرف والسلفية والجهاد، على من لهم انتماء إسلامي؟

ألم يكن دائما في اللادينيين متشددون متطرفون، يجاهرون بأفكارهم ومواقفهم التي تناقض مقدسات المجتمع، وتجحد ثوابتَ الإسلام، وتستهزئ بمعتقدات المسلمين؟

ألم يكن دائما في اليساريين راديكاليون لا يفتأون يدعون للعنف وما في حكم العنف، لمعالجة القضايا الفكرية والسياسية؟

أليس اليوم في الأمازيغيّين متطرفون يمتازون عن سائر المغاربة برايتهم، وبمقالاتهم الشاذة والغريبة والعنيفة في مجالات الدين والتاريخ واللغة وغيرها من مقومات مجتمعنا؟

لا أحد ينكر أن يكون في هؤلاء الأبرياء في ملف "السلفية الجهادية" متشددون وغلاة في الدين، لكنه غلو وتشدد في الفكر والفهم والتأويل، لا يرقى، مهما كانت التبريرات والتفسيرات والتكييفات، إلى أن يصبح جريمة جنائية تسوق صاحبها للسجن لسنوات طويلة.

الغلو في الدين قديم في المجتمعات الإسلامية، وروحُ علاجه إنما هو بالفكرة السليمة من غبش التطرف، وبالمجادلة بالتي هي أحسن، وبالتواصل البناء، لا بالتنابذ والتباعد الهدّام.

العدلُ يفرض أن يكون لهؤلاء الحقُّ في أن يعبروا بحرية عن آرائهم وقناعاتهم، ما داموا في حدود القانون لا يتعدونها، وما دام أسلوبُهم لا يخرج عن نطاق الكلمة والفكرة والرأي والاجتهاد إلى السلوك العنيف والفعل الدموي الإجرامي المحرم.

أحرامٌ على بلابِله الدوْحُ، حلالٌ للطّيْر من كلِّ جِنسِ؟

أحلالٌ حريةُ التعبير، في كل الاتجاهات والموضوعات، وحقٌّ مصون، لكل التنظيمات والتيارات والمشارب من غير الإسلاميين، حرامٌ على ذوي المرجعية الإسلامية، الذين لا يفتأون، بأقوالهم وأفعالهم، يتبرؤون من العنف وأصحابه، ومن الإرهاب ومُحتضنِيه ومُتبنِّيه أسلوبا في العمل السياسي، ومطيةً في مواجهة الأفكار والإديولوجيات المخالفة؟

أمِن العدل أن يتمتع كلُّ من هبّ ودب، في مجتمعنا المسلم، بحريات لا حدود لها، للتعبير عما يطعن على ديننا بالمقالة الصريحة، وينتهكُ حرماتنا وأخلاقنا بالسلوكات الفاضحة، ويُحاصرَ الإسلاميون، وتُحسبَ عليهم أنفاسهم، ويُعاملوا دوما على أنهم مُدانون حتى تثبت براءتُهم؟  

هذا ليس بعدل، وإنما هو الظلم الصُّراح، الذي يعمق الجراحات، ويغذي أسباب الفتنة، ويمكّن لقيم الكراهية والعداوة والبغضاء، ويخرّب أساسات البناء.

وبعد، فإني أرى بعضَ الحقوقيين والسياسيين، وخاصة من الإسلاميين المشاركين في الحكومة، بسكوتهم أو مناوراتهم أو تلاعبهم بالكلام في هذا الملف، يُكرسون هذا الظلم الواقع على هؤلاء المسجونين منذ سنوات بغير ذنب اقترفوه، ولا جرم ارتكبوه، سوى أنهم رأوا رأيا، أو قالوا مقالة، أو اعتنقوا فكرة واجتهادا، جعلهم يُصنَّفون، عند الظالمين، في المغضوب عليهم.

ألا (إن الظلم ظلمات يوم القيامة).

ألا، إن الظلم مؤْذن بخراب العمران.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

مراكش: 17 ماي 2014

الجمعة، 17 يناير 2014

دعوة ٌ إلى "ميثاقٍ" مستحيل



بسم الله الرحمن الرحيم

دعوة ٌ إلى "ميثاقٍ" مستحيل


 المقصودُ بعنوان هذه المقالة هو الدعوةُ التي ما فتئت جماعةُ العدل والإحسان تكررها في جميع المناسبات، للفضلاء السياسيِّين، من أجل "ميثاق جامع"، لمواجهة الفساد والاستبداد، الذي تمثله وترعاه الدولةُ المخزنية، وفي قلبها النظامُ الجبريّ، أيْ النظامُ الملكي.

والملاحظةُ الأساسيةُ على هذه الدعوة أنها تستثني النظامَ الحاكمَ أن يكون شريكا في هذا الميثاق، لأن رأسَ هذا النظام هو المطلوبُ من وراء هذا الميثاق المنشود.

وبعبارة أخرى، فإن الميثاقَ الذي تدعو إليه جماعة العدل والإحسان هو ميثاقٌ بين معارضي الدولة المخزنية، وفي مقدمتهم التنظيماتُ الثوريَّة المطالبةُ بسقوط هذه الدولة من أساسها.

  
تذكير

أذكّر القارئ الكريمَ أني قد كنت كتبت في شهر يونيو من سنة 2011 مقالا مطولا في جزأين عن "الميثاق" في منهاج جماعة العدل والإحسان. في الجزء الأول، الذي عنونته بـ"الميثاق الإسلامي في الأصل المنهاجي"، والذي يمكن مراجعُته على على الرابط التالي:


بيّنتُ بالنصوص الواضحة التي أوردتها من كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين، رحمه الله، أن "الميثاق"، الذي تحدث عنه الأستاذُ في كتاباته، إنما هو "ميثاق إسلامي"، أو "ميثاق جماعة المسلمين"، "يتميز، أولا، بأن زمانَه بعدَ القومة الإسلامية، وأنه، ثانيا، دعوةٌ لغير الإسلاميِّين من موقع القَويّ المُنتصر، وأنه، ثالثا، مشروعُ تعاهد وتعاقد يُدعى الفضلاء المنافسُون للدخول فيه بشرط يشترطُه الإسلاميون الغالبون...ولهذا، يمكنُ وصفُ هذا "الميثاق الإسلامي"، الذي يطرحه مرشدُ الجماعة في كتاباته، وخاصة في كتاب "العدل"(ط1، سنة2000)، بأنه "ميثاق الغالب"، لأن هناك في المُتواثِقين المُفترَضِين طرفاً يَشترط على طرفٍ آخر من موقع القوة."

وفي الجزء الثاني، الذي عنونته بـ"الميثاق الجامع والضرورة السياسية"، والذي يمكن مراجعتُه على الرابط التالي: http://www.hespress.com/permalink/32849.html،

ذكرتُ أن الميثاقَ الذي كان "إسلاميا"، في اجتهاد الأستاذ ياسين، رحمه الله، بات، تحت وقع الضرورة السياسية، "ميثاق الفُضول"، الذي يمتاز بأنه "يُسقط شرطَ المرجعية الإسلامية، وهو ما يعني انفتاحَه على جميع المرجعيّات، بما فيها المرجعيات اللادينية بكل تياراتها".

فالدعوةُ اليومَ إلى هذا الميثاق المُعَدَّل، الذي فرضَته الظروفُ السياسيةُ المتطورة، هي، كما قلت في جزء المقالة المشار إليه، "دعوةٌ من طرف واحد، هو جماعةُ العدل والإحسان، لا نجد لها، لحدّ الآن، أيَّ نوع من الاستجابة لدى الأطراف المَعنيّة". وقد أضفْت، في السياق نفسه، أن "الدعوة إلى "ميثاقٍ"، كيفما كان نعتُ هذا الميثاق، لا يمكن أن ترقى لتصبح "إنجازا سياسيا" حقيقيا ما دامت دعوةً قائمةً من طرف واحد لا تكاد تجد لها مُجيباً". فالدعوةُ التي لا تجد لها صدى لدى الآخر، هي، عندي، في حكم "الفكرة"، أو "الأمنية"، أو "النداء"، أو ما تشاء من الرّغبات التي يُمكن أن يحلم بها كثيرٌ من الناس، ما دامت لم تتمثَّلْ "كيانا واقعيا" له نَسبٌ بما هو معيش ومُعطى، وليس بما هو مطويٌّ في الأماني والأحلام".

وممّا قلتُه في نهاية المقالة المذكورة أن الأصل هو "أن جميع المقترحات والمبادرات السياسية تحتمل الصحةَ وتحتمل عكسها. وكان ينبغي، من باب وجوبِ النقد الذاتي، أن تسألَ الجماعةُ نفسَها بكل صدق وصراحة: لماذا لم نتقدم خطوةً واحدةً بعد كل هذه السنوات؟ لقد افترضنا دائما أن الآخر هو السبب، فلنُجرّبْ اليوم، ولْنفْترضْ أن العلّة كامنةٌ في الفكرة ذاتها، في مبادرة الميثاق نفسِها. لِنفترضْ، ولو مرة، أن العلةَ فينا، ولْنرَ النتيجة.

لماذا لا تجرؤ الجماعةُ على مثل هذا التجريب؟ لماذا توجّهُ الاتهامَ دائما للآخر، مع أن الذاتَ، وخاصةً في أمر سياسي اجتهادي، هي مَظِنَّة الخطأ والوهم وسوءِ الفهم والتقدير؟".



لماذا هي دعوةٌ إلى "ميثاق" مستحيل؟

لقد جدّدت الجماعةُ، في البيان الأخير الصادر عن الدورة السابعة عشرة للمجلس القطري للدائرة السياسية(مقدس) (يناير2014)، "الدعوة لفضلاء البلد والغيورين على مصالحه وأمنه واستقراره، لصياغة ميثاق جامع يؤسس لعمل تشاركي، تعبئة للجهود، واقتساما لأعباء تغيير يعيد للشعب سيادته وقراره في اختيار ومحاسبة من يحكمه، وكيف يحكمه".

هي، إذن، دعوةٌ تتكرر وتتجدد منذ سنوات، وكأن الجماعةَ لا تملك من مشروع تتقدم به إلى "الفضلاء" و"الغيورين" غير هذه الدعوة.

والجدير بالذكر أن التقريرَ السياسيَّ المقَدَّمَ في هذه الدورة لـ(مقدس) يشهد بأن هذه الدعوةَ من الجماعة لم تحقق شيئا ملموسا على أرض الواقع، بل لم يستطعْ هذا التقريرُ السياسيُّ أن يأتيَ برقمٍ، أو اسمٍ، أو مبادرةٍ، أو أيِّ معطى آخر مادي واقعي مُنْجَز، مما يمكن اعتباره نوعا من البداية على طريق هذا الميثاق المنشود؛ لا شيء على الإطلاق، ومع ذلك، تتكرر الدعوةُ، ويتجدد النداء، ولا من سامع ولا مجيب!

المفتَرَضُ أن هذا الميثاقَ المرجوَّ سيكون مع كياناتٍ سياسية واقعية، لا مع أشباح ومخلوقات لا وجود لها إلا في الخيال والأوهام.

أشرتُ في مطلع هذه المقالة إلى أن الميثاقَ الذي تدعو له جماعةُ العدل والإحسان لا يمكن أن يكونَ النظامُ المخزنيُّ طرفا فيه، لأن الجماعةَ، في منهاجها السياسي، تنطلق من أن النظامَ المخزنيَّ، وقوامُه النظامُ الملكيُّ، هو أصلُ البلاء الذي ينبغي استئصالُه، وما "الميثاقُ"، إلا وسيلةٌ أو "آلية"، كما وصفَه رئيسُ الدائرة السياسية، الأستاذُ عبد الواحد متوكل، في كلمته في افتتاح أشغال (مقدس17)، من أجلِ تحقيق هذا الاستئصال.

ويترتّبُ على استثناءِ النظام المخزني الحاكمِ من المشاركة في الميثاقِ المطلوب استبعادُ جميعِ الكيانات السياسيّة، الممثَّلةِ في تنظيمات أو في أفراد، المدافعةِ عن بقاء النظام الملكي، والمقتنِعَةِ بأنه النظامُ الصالح لحياتنا السياسية، مهما اختلفتْ اجتهاداتهم وزوايا نظرهم، لتبرير اقتناعهم ودفاعهم.

المقتنعون بالنظام الملكي، المدافعون عن شرعيته وصلاحية وجودِه، هم واقعٌ سياسيٌّ لا يمكن إغماضُ العين عنه، وإن كنا نختلف معهم إلى حدّ التناقض.

هؤلاء موجودون في الواقع، سواء أكانوا في صورة مخزنيِّين أقحاح، أم في صورة سياسيِّين لهم رأيٌ واجتهاد ووجهةُ نظر تُرجِّحُ في أعينهم أن النظامَ الملكي ضروريٌّ في حياتنا السياسي، بل منهم من يرى، عن اجتهاد بريء، أن الانتقالَ الديمقراطيَّ عندنا لا يمكن أن يتحقق بمعزلٍ عن النظام الملكي.

ويمكنُ أن أمثِّل على التنظيمات السياسيِّة، التي تقول بأن مستقبلَ الديمقراطية في بلادنا مرتبطٌ بالملكية، بِـ"الحزب  الاشتراكي الموحّد"، ومعه في "تحالف اليسار الديمقراطي" "حزبُ الطليعة الديمقراطي الاشتراكي"، و"حزبُ المؤتمر الوطني الاتحادي".

فهذا التحالف، مثلا، لا يمكننا أن نصنّفه في التنظيمات المخزنيّة الصريحة، كحزب "الحركة الشعبية"، أو حزب "الاتحاد الدستوري، تمثيلا، لا حصرا. وهو تحالفٌ يتزعم اليوم الدعوةَ إلى تبني نظامِ الملكية البرلمانية، حيث الملكُ يسود، بصلاحيات رمزية وسيادية مقلصة ومحددة، ولا يحكم. وقد صدَرتْ عن الحزب الاشتراكي الموحد، في هذا الموضوع، أكثرُ من وثيقة تتضمن اقترحاتٍ فيها بيان وتفصيل.

بل خذْ مثالا آخر، وهو "حزب النهج الديمقراطي"، الذي له خلفيةٌ إديولوجية يسارية متطرفة. فهذا الحزب، على الرغم مما نقرؤه في أدبياته عن معاداته للدولة المخزنية، فإنه، رسميا، لا يقول بوجوب زوالِ النظام الملكي، بل هو اليوم، أقربُ إلى تبنّي اختيارِ رفاقه في "تحالف اليسار الديمقراطي".

فماذا يبقى من الكيانات السياسية المُنظَّمَة، المعترفِ بها قانونيا، والتي يُحتَمَل أن تستجيب لدعوة جماعة العدل والإحسان؟ بل حتى الأحزاب الممنوعةُ، كحزب "البديل الحضاري"، و "حزب الأمة"، و"الحزب الديمقراطي الأمازيغي"، لا نعرف عنها، فيما هو منشورٌ من أدبياتها السياسية، أنها أحزاب تناهضُ النظام الملكي، وتسعى لإسقاطه.

فالأحزابُ "القانونية"، وعددها خمسةٌ وثلاثون حزبا، فضلا عن الأحزاب الممنوعة، إما أحزابٌ مَلكيةٌ أكثر من الملك، وتشكلّ الغالبيةَ، وإمّا أحزابٌ ملكية إصلاحية، أقصد التي تدعو إلى ملكية برلمانية حقيقية، وإما أحزابٌ ملكيةٌ مترددة أو غامضة.

فمع مَنْ تتوقعُ أو تتمنَّى جماعةُ العدل والإحسان عَقْدَ ميثاقها، والطبقةُ السياسية جميعُها مع الملكيّة؟

أنا هنا أتحدثُ عن اليوم، وعن الغدِ القريب، أما الغدُ البعيد فعلمُه عند الله، ولا أحدَ يستطيع أن يتنبأ بأحداثِ المستقبل ومستوراته على وجه التدقيق واليقين، وإنما هي نظراتٌ، وتوقعات، وتمنيات، واستشرافات للآفاق، لا أقل ولا أكثر. وقد أكدتْ لنا الثورةُ التونسية المجيدة الرائدةُ أن أشهر مراكزِ الأبحاث والرصد والتوقع، وأكبرها في العالم، لم يكن بمقدورها أن تتوقع، ولو من باب التخيّل البعيد، ما حصلَ في دجنبر من سنة 2010.

أنا أتحدثُ هنا عن الفعل السياسيِّ الذي ينبَني، في أساسه، على ما يعيشه الناس في واقعهم، ويحسّونه في حياتهم، لا على ما يحفظونه في معتقداتهم، ولا على ما ينشدونه في متمنياتهم وأحلامهم.

هذا الواقع السياسيُّ المعيشُ يؤكدُ أن دعوة العدل والإحسان إلى "ميثاق جامع"، حسبَ ما هو مسطَّرٌ في منهاجها السياسي الذي كان، وسيظل، اجتهادا من مرشدها، رحمه الله، إنما هي صيحةٌ في واد، ودعوةٌ إلى "ميثاق مستحيل"؛ لماذا؟

لأنها، في رأيي، دعوةٌ من طرف واحد، لا تجد لها صدى لدى الآخر. فهي عبارة عن خطاب إنشائي عام ما زلنا نقرأ أشبَاهَه في كثير من الخطابات والبيانات السياسية، وخاصة منها الصادرة عن المعارضين.

وأيضا، لأنها دعوةٌ تتعامى عن الواقع السياسي المعيش، ولا تكاد تُقيم اعتبارا لموازين القوى المتحكِّمةِ فيه، بل نجدها تتعالى على هذا الواقع، وتهربُ من مواجهتِه إلى جميلِ النظريات ومعسولِ الأمنيات.

وثالثا، لأنها دعوةٌ صادرة عن رؤية سياسية جامدةٍ عند اجتهاد سياسيٍّ لا يعرف التطويرُ والتعديلُ إليه سبيلا. فهي دعوة، في اعتقادي، لن تجد لها مجيبا، حتى من أصحاب الإديولوجياتِ التي تتقاطع مع الجماعة في بعضِ الآراء السياسية، وتلتقي معها في بعض المبادئ الحقوقية والمحطات النضالية والأنشطة الاحتجاجية.

ورابعا، لأنها دعوةٌ لا يصحبُها الوضوحُ اللازمُ، مع ما يعنيه هذا الوضوحُ من مسؤولية؛ الأستاذُ عبد السلام ياسين، مرشدُ الجماعة، رحمه الله، كان واضحا إلى أقصى حدّ، حينما تحدث عن "الميثاق الإسلامي" أو "ميثاق جماعة المسلمين"، عن أهدافه ومضامينه، وعن طبيعةِ الفصائل المدعُوَّة إليه، وعن مكانةِ أو ريادة الإسلاميِّين في المبادرة والدعوة وقيادةِ المرحلة الانتقالية التي تلي الطوفانَ. أما اليوم، فالدعوةُ تكاد تكون جافةً إلا مِنَ التكرار الممل، الذي لا يطمع أحدٌ في طائل من ورائه، اللهمَّ إلا ما يكون مِنْ بعضِ الأفرادِ الذين لا يمثلون إلا أنفسَهم، مِنْ مجاملاتٍ وتنويهات وتقديرات تفرضُها أخلاقُ العلاقات العامة، وآدابُ لقاءاتِ المواسم والمناسبات.

وبعد، فإني أقدّرُ-والله تعالى أعلم- أن الجماعة بتكرارها الدعوة إلى "ميثاق مستحيل"، قد تبتعدُ شيئا فشيئا عن ملعب السياسة، بحدوده ومعالمه ومميزاته المعروفة، وتقتربُ لكي تصبح بلا مشروع سياسي حقيقي يحظى بالجاذبية والمصداقية، ويمتاز بالوضوح والمسؤولية.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.