الأربعاء، 8 يناير 2014

مثالٌ من تونس على اللادينيّة المتطرّفة



بسم الله الرحمن الرحيم



مثالٌ من تونس على اللادينيّة المتطرّفة


 (1)

(اللادينيةُ) في تونس العربية الإسلامية هي من غِراس الاستعمار وثمار التغريب. وقد حظي هذا الغرسُ الاستعماري في العهد البورقيبي برعاية خاصة إلى درجة أن المجاهرة بانتهاك مبادئ الإسلام، وإلغاء بعض أحكامه القطعية، والتنكر لأخلاقه وآدابه، باتت من مميزات الدولة العصرية البورقيبية المستبدة. ثُم جاء وريثُ بورقيبة الجنرالُ بنعلي، فسار على نهج سلفه في رعاية اللادينية بقبضة من حديد، وواجه الإسلاميِّين بسياسة قمعيّة استئصالية، في جو بوليسي مرعب، وبأدوات نظام ديكتاتوري فاق في بشاعته كلَّ تصور. وقد شاء الله، عز وجل، أن تُنشَر مخازي  هذا النظام، ويقفَ العالم بالتفصيل على فظاعات ديكتاتورية بنعلي، بعد نجاح الثورة المجيدة، التي اندلعت في دجنبر2010، وهروب الديكتاتور خارج البلاد.

إن سياسة القمع المتطرفة التي انتهجها نظامُ الديكتاتور بنعلي لاستئصال الحركة الإسلامية في تونس، جعلت كثيرا من الناس، ومنهم دارسون متابعون، يظنون أن الإسلاميِّين في تونس باتوا في خبر كان، وأن وجودهم الاجتماعي والسياسي انتهى إلى غير رجعة.

وما يزال كثيرٌ من الناس يعتقدون أن تونس أضحت من قلاع اللادينية الحصينة في البلاد العربية، حتى بعد هروب الديكتاتور، وسقوط دولة البوليس والاستبداد والاستئصال.

سقطت الديكتاتوريةُ، وأخذ الشعب التونسيُّ الحر زمام المبادرة، فبدأت فترةٌ انتقالية حُدِّد لها أن تنتهيَ بإقرار دستور ديمقراطي، وتنظيمِ انتخابات عامة، ثُم بعدها تنطلق مسيرةُ العهد الجديد ببناء مؤسسات الدولة، وحماية مكتسبات الثورة.



(2)

في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي(أكتوبر2011)، لم يكن اللادينيّون، وغالبيّتهم من التيارات اليسارية، يتوقعون ذلك الفوزَ الساحق الذي حققته حركةُ النهضة الإسلامية. فقد قامت قيامتُهم، وما تزال إلى اليوم، وضربوا في كل الاتجاهات، وجرّبوا مختلف الوسائل، ووَظّفوا كل ما يمكن توظيفُه، من أجل عرقلة السير، ووضعِ الحواجز في الطريق، حتى لا تنتهيَ الفترة الانتقالية بسلام.

لقد تفاجأ اللادينيّون بذلك القدر الهائل من الشعبية، الذي تتمتع به حركة النهضة الإسلامية، والذي كشفته الانتخاباتُ، ومن ثَمَّ بات بالُهم مشغولا، أساسا، بالعمل من أجل التشويش على المسار الديمقراطي، والسعي بكل الوسائل لمنع وصول الإسلاميين إلى السلطة في أجواء صافية.

اللادينيون هم أولُ من يعلم أن  حظوظهم في التغلب على الإسلاميِّين في منافسات شريفة ونزيهة، في مجتمع مسلم، ضعيفة جدّا، إن لم تكن منعدمة، فلهذا، فليس عندهم من وسيلة في المواجهة إلا التشويش والتأزيم والتعطيلُ والعرقة، ليحافظوا على وجودهم، ولتظل الأنظار متجهة إليهم.

بالرغم من المرتبة الأولى التي حصلت عليها حركةُ النهضة في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، فإنها حرصت على تكوين حكومة توافقية، فلجأت إلى التحالف مع حزبين محسوبَيْن على التيار العلماني المعتدل، فيما عُرف بحكومة الترويكا(حزب النهضة، وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية، وحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات).

ورغم كل ما قدمته حركةُ النهضة من تنازلات ومرونة في التفاوض وتحقيق التوافق، من أجل أن تنتهيَ الفترة الانتقالية إلى أهدافها المرسومة، فإن سهام اللادينيِّين ظلت تستهدفها من كل جانب، بسبب وبغير سبب، مع أن الحكومة يسيرها تحالفٌ من ثلاثة أحزاب، وليس حزب النهضة وحده.

اللادينيون لا يعرفون حكومةَ الترويكا، وإنما يعرفون حزب النهضة الإسلاميَّ وحده، ومِنْ ثَمَّ فإنهم ظلوا يُحمّلونه المسؤوليّة عن كل مشاكل البلاد، بما فيها أحداثُ القتل التي سقط فيها اثنان من قيادات اليسار(البراهمي وبلعيد)، والتي انتهت التحريات الأمنية فيها أنها من توقيع التيار السلفي المتطرف، الذي تمثله جماعة (أنصار الشريعة)، التي يُعدُّ حزب النهضة هو الآخر من خصومِها المستهدفين.

كلُّ هذا لم يشفع لحركة النهضة أمام تهجمات اللادينيِّين المتطرفين واتهاماتهم الباطلة وكراهيتهم وعدائهم المستحكم للإسلاميين.

وفي هذه الأجواء الملوثة التي صنعها اللادينيون من رافضي المسار الديمقراطي، وبعد انسحاب ممثلي هؤلاء اللادينيِّين من المجلس الوطني التأسيسي، ونجاحهم في تعليق أعماله لبضعة أشهر، وتوجههم لإثارة الشارع على الحكومة الشرعية، وإصرارهم على المطالبة بحل المجلس المنتخب، وتكوين حكومة جديدة لاحزبية، ومراجعةِ القرارات التي اتخذها وزراءُ محسوبون على حركة النهضة، وغير هذا من الشروط التي فرضوها حتى يرجعوا للمشاركة في المسار السياسي-في هذه الأجواء المضطربة، التي خيّمت على تونس طيلة سنة 2013، توسّطَ بعضُ العقلاء بين الطرفين، لإنهاء التوتر والجمود الذي طبع الحياة السياسية، فكانت النتيجة، بعد جولات من اللقاءات والمفاوضات، أن الجميع، الترويكا الحاكمةَ والمعارضةَ، اتفقوا على بدء حوار وطني، بعد قبول الترويكا، وحزب النهضة أساسا، بحلّ الحكومة الحزبية الحالية، وتكوين  حكومة لاحزبية جديدة برئاسة شخصية يرضى عنها الجميع، ورجوع المنسحبين إلى المجلس التأسيسي لإنهاء أشغاله، وفي مقدمتها المصادقة على مشروع الدستور الجديد، الذي ينتظره الشعب التونسي.

لقد قبِل اللادينيون المُمَثَّلون في (الجبهة الشعبية)، التي تضم أكثرَ من عشرة تنظيمات سياسية، منها أحزابٌ محسوبة على اليسار العدمي المتطرف، والتي تجمعها إديولوجية الكراهية المبدئية الراسخة للإسلاميِّين، على مضض وبكثير من التحفظات، الاتفاقَ التي تم التوصل إليه بين الترويكا، وفي قلبها حركةُ النهضة، ومعارضيها من مختلف الأحزاب والتيارات.

ويجب التذكيرُ في هذا السياق أن مكونات هذه (الجبهة الشعبية) المعاديةِ للإسلاميِّين لم تحصد في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي إلا بعض الغبار من أصوات الناخبين، أيْ أن صناديق الاقتراع، في أول انتخابات نزيهة تجري في البلاد، بعد الثورة، أظهرت أن اللادينيِّين، في وجههم المتطرف، لا يمثلون شيئا في المجتمع التونسي، وإنما وجودهم السياسي مرتبط، في حقيقته، بما يتقنونه من زعيق وقدرة على التشويش والتهريج ونشر الاتهامات ذات اليمين وذات الشمال، وبرصيدهم الضخم من الخبرة الفائقة في التأقلم مع الأجواء الوبيئة، واستغلال ما يكون في هذا الأجواء من ثغرات وفرص وتناقضات وتوترات، للفت الانتباه وإثبات الذات.



(3)

قبِل اللادينيون المتطرفون، وهم كارهون، ما انتهت إلى المفاوضات في أواخر السنة الماضية، لكنهم ظلوا ينشرون خطابات التشكيك، والتشويش، والاتهام، التي لم يسلم منها رئيسُ الحكومة الذي تم التراضي حوله، وهو السيد مهدي جمعة، الذي سيُكَلف بتأليف الحكومة الجديدة اللاحزبية، التي ستحل محل حكومة السيد علي العريض.

قبْل أيام استأنفَ المجلس الوطني التأسيسيُّ أعماله، وبدأ في المصادقة على المشروع النهائي للدستور التونسي الجديد. وما هي إلا أيام معدودات حتى عاد اللادينيون إلى عادتهم في العرقلة والتشويش واصطناع الأزمات، فتوقفت بسبب ذلك أعمالُ المجلس التأسيسي لبعض الوقت.

الذي حصل هو أن نائبا من اللادينيِّين المتطرفين المنتمي إلى (الجبهة الشعبية)، اتهم نائبا من حزب النهضة بأنه أفتى بقتله، وزعم أنه مهدد بالتصفية خلال 48 ساعة. ولم يكد الناسُ يسمعون الاتهام حتى قامت قيامةُ عصابة اللادينيِّين، فجعلوا يرددون الاتهامات الجاهزةَ في حق حزب النهضة، ونادوا بضرورة حماية أرواحهم من الظلاميِّين، ووجوب اتخاذ العقوبة اللازمة في حق المتهم الإسلامي، إلى آخر ما تحمله جعبة اللادينيِّين المتطرفين من الأباطيل والأكاذيب والتلفيقات.

وملخصُ ما قاله النائب الإسلامي المتهم  في حق النائب اللاديني، في برنامج إذاعي، أنه وصفه بما فيه، أي بأنه يكره الإسلام، وما من كلمة أو جملة أو معنى يُشتم فيها رائحة الدين، إلا ويقف النائب اللاديني رافضا لها ومحتجا على ورودها ومطالبا بحذفها. لقد وصفه بأنه من الكارهين الحاقدين المعادين لكل ما له علاقة بالإسلام. فتلقّف أهلُ الإفك والبهتان تصريحاتِ النائب الإسلامي، فأولوها تأويلا فاجرا، وحمّلوها ما أرادوا لها أن تحمله، وانتهوا إلى فهمها على أنها فتوى بالقتل.

ومع كلّ هذا البهتان اللاديني الفاجر، فقد اعتذر النائبُ الإسلاميُّ عما صدر منه من كلام، واعتذر لكل عضو من أعضاء المجلس التأسيسي أحسَّ بأن كلامه كان فيه أذى له أو تجريح أو انتقاص. كما أصدرت حركة النهضة بالمناسبة بيانا عبرت فيه عن عدم رضاها عما صرح به النائب المحسوب عليها، وبينت أن ما قاله النائب الإسلامي في حقّ نائب الجبهة الشعبية لا تعبر عن توجهات حزب النهضة، وإنما هو رأي لا يلزم إلا صاحبه.

أشغالُ المجلس التأسيسي اليوم مستمرةٌ وفق الخريطة المتفق عليها، وليس هناك ما يؤكد أن المسيرةَ ستنتهي بسلام ما دام هناك متطرفون لا يمكن أن يعيشوا في أجواء الصفاء والتوافق والتنافس الشريف. فاللادينيون المتطرفون يتربصون بالإسلاميِّين، ويحسبون عليهم الأنفاس، ويترصّدونهم أن تصدرَ عنهم نأمةٌ لا تعجبهم، لكي يشعلوا النار من جديد.

إن اللادينيِّين اليوم في تونس، وأشغالُ المجلس التأسيسي مستمرةٌ على قدم وساق، يعيشون في حزن وتعاسة وضيق، وهم يتحيّنون أيّ هفوة تكون من الإسلاميِّين ليقلبوا الطاولة من جديد، ويعودوا بالبلاد والعباد إلى شقاوة التوتر والاختلاط والالتباس. 



(4)

إن حركة النهضة الإسلامية في تونس قد قدّمت الكثير من أجل أن تمر الفترة الانتقالية بسلام، حتى ينطلق الشعبُ في بناء مؤسسات دولته الديمقراطية، لكن الأعداءَ المتربصين، والمنافسين المتطرفين الفاشلين، وخاصة من اللادينيِّين، يكرهون أن يروا الشعبَ يمارس اختيارَه وسيادتَه بكل حرية، ويكرهون أن يروا الإسلاميِّين في السلطة، ويكرهون، بصفة عامة، أن يصفوَ مشربُ الحياة السياسية.

إن التطرفَ، من أيِّ جهة كان، لا يمكن أن يثمر توافقا ولا أمنا، ولا سلاما، كما لا يمكن أن يوفرَ ظروفا طبيعية ومواتية للعمل السياسي الجاد والبناء.

في جملة، التطرفُ والخرابُ توأمان.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


الأحد، 5 يناير 2014

اللاّدينيّون فوق الشبهة!


بسم الله الرحمن الرحيم



اللاّدينيّون فوق الشبهة!



"اللادينية"، عندنا في المغرب، باتت مرادفا لديكتاتورية بشعة متنكرة في زيّ حداثي حقوقي، تسكن وراءه رغبةٌ جامحة في إقصاء الإسلاميّين، والسعي بكل السبل لشيطَنتهم واستئصالهم.

نسبةُ اللادينيّين في المجتمع المغربي لا تساوي شيئا مقارنة بالغالبية الإسلامية، وهم مجموعاتٌ هامشية لولا ما يجدونه من دعم وتشجيعٍ وحماية، وخاصة من الخارج، ولولا الإعلامُ المنحاز إليهم، في معظم منابره، ولولا غيابُ تكافؤ الفرص الذي يغيّبُ صوت الإسلاميين عمدا، ويسلط الأضواء الساطعة على اللادينيّين ومقالاتهم ومغالطاتهم  وتهريجاتهم، ولولا غيابُ العدل، الذي يرفع انحرافات اللادينيّين إلى مرتبة الحقوق المكفولة والحريات المحمية، ويهوي بمقالات الإسلاميين وآرائهم وردودهم إلى حدّ المنع والتجريم والتحريم.

اللادينيون، في المجتمع المسلم، عصاباتٌ منبوذة لولا ما في أيديهم من الإمكانيات المادية والإعلامية، ولولا ما يتمتعون به من براعة وخبرة في الصياح والعويل والتخليط والتغليط والتلبيس.

ورغم كل ما يمكن أن يقال عن نفوذ  اللادينيّين المتنامي بين المسلمين، فإنهم، سياسيا، لا يمكن أن يقبلوا بديمقراطية حقيقية يكون الحكم فيها هو صوت الشعب وإرادته واختياره.

إنهم يسعون اليوم، وسيسعون غدا، من أجل فرض ديمقرطية بلا إسلاميين، أي بلا منافس، وعندنا فيما جرى ويجري في مصر العربية الإسلامية الدليلُ الناصح الذي لا سبيل معه إلى تأويل.

في تونس العربية الإسلامية، سعى اللادينيّون ليكونوا على طريقة أمثالهم في مصر، لكنهم، إلى حد الآن، فشلوا في بلوغ ما يتمنون، لكنهم، في اعتقادي، قوم لا ييأسون، وسيُخرجون كل ما جعبتهم من مكر ودجل وحقد وكراهية، حتى لا يبلغ المسارُ الديمقراطيُّ مأْمَنَه. سيحاولون بشتى الوسائل عرقلةَ هذا المسار، والتشويش عليه، ليخلطوا الأوراق مرة أخرى، ويرجعوا بالبلاد والعباد إلى أجواء الفتنة والهرْج والمرْج، لأنهم-حسب ما خبرناه من خططهم- كائنات لا يمكن أن تعيش إلا في التلوث والفوضى.

اللادينيّون لهم اختياران لا ثالث لهما: إمّا ديمقراطية على قدّهم، لا يكون فيها أمامهم منافسون حقيقيون، وإما فوضى واضطراب وأزمات تتبعها أزمات.

اللادينيون عندنا-وفيهم ملحدون صرحاء باتوا معروفين بيننا بأسمائهم وأوصافهم ومقالاتهم وأباطيلهم- لا يرون في الطعن على أصول الإسلام، والتطاول على أحكامه الشرعية القطعية، والوقيعةِ، بالسخرية والتجريح، في رموزه ومقدساته، واستباحةِ آدابه وأخلاقه، إلا رأيا حرا تجب حمايتُه وتشجيعه والتنويهُ به. وإن قام، في المقابل، مسلمٌ بدافع الغيرة على دينه ومقدساته، فردّ على ما يعتقدُ أنه زندقة وباطل وضلال، فإن  قيامة الناس تقوم، تنديدا واتهاما وتحريضا وشيطنة، ولا يتركون وسيلة متاحة أو ممكنة، إلا ويستعملونها، لإدانة رأيِ المسلم الغيور، والدفاع، في زعمهم، عن حرية اللادينيِّ المتجرِّئِ الطاعنِ الساخر الجاري، في انحرافاته وانتهاكاته وترهاته، في كل اتجاه.

والأمثلة على هذا أكثر من أن تحصى.

ملحدٌ يتطاول، في وقاحة منقطعة النظير، على مقدسات الدين، فتقوم دنيا اللادينيين للدفاع عما يعتبونه حقا مشروعا. وحينما يأتي الردّ من الإسلاميين، فإنه، في الأحكام الجاهزة المحفوظة، دعوةٌ إلى الكراهية والقتل والظلام!!

هذا اختلال مُريع في موازين العدل والحكم والتقويم.

هذا منطق فاسدٌ يمكن أن يؤديَ إلى أوخم العواقب.

نعم، المواطنُ المسلم لا يمكن إلا أن يكون مع احترام القانون ومؤسساته، ومِنَ القانون احترامُ الإسلام دينِ الأغلبية، وتجريمُ التطاول على أصوله ومقدساته.

لكن الذي لا يُفهم ولا يُستساغ، هو أن يتحول القانون، والعدالةُ عامة، إلى أداةٍ متحكّمٍ فيها، لخدمة أغراضٍ، ودعم سياساتٍ، وحماية أفكارٍ وتيارات واتجاهات، في خرق سافر لمبدأ الحياد والمساواة والإنصاف.

لقد قرأنا في الإعلام أن النيابةَ العامة قد قررت، بعد القيامة التي أقامها اللادينيون بسبب نشرِ رأيٍ لرجلٍ محسوب على السلفيين، مغمور لا يكاد يعرفه أحد، متابعة صاحب الرأي السلفي.

جميلٌ ومحمود ومطلوب وضروريٌّ، في كل الأوقات، أن تتحرك النيابة العامة لحماية الوطن والمواطنين من كل أشكال الفتن والجرائم والأضرار، التي يمكن أن تصيبهم، ماديا أو معنويا. هذا هو واجب النيابة العامة في كل وقت، بلا محاباة ولا مراعاة لهذا أو ذاك، ولا تأثرا بهذه الجهة أو تلك، بل النيابةُ العامة هي لعموم المواطنين، بغض النظر عن حيثياتهم وأفكارهم واتجاهاتهم. هذا هو الأساسُ الذي ينبغي أن يكون عليه البناء في كل الظروف والأحوال.

رأيٌ من رجلٍ سلفيٍّ مغمور يمتاز بالجرأة والشذوذ والغلو هو، في حقيقته، ردُّ فعلٍ على فعلٍ سابقٍ من رجل سياسيّ معروف، لا يقلّ، في جرأته وشذوذه وغلوّه، عن ردّ السلفي اللاحق.

فالفعلُ وردّ الفعل، كلاهما واقعٌ في التطرف، ولا يُعقل أن يعتبر الفعل رأيا حرا مقبولا، وردُّ الفعل تشددا وجريمةً يستحق صاحبُه المتابعة والعقاب.

هذا ليس بعدل في دولة يدعي حكامُها أنها دولة الحق والقانون. هذا ظلم غير مبرر. وقد كانت هناك سوابق عديدة لهذا الظلم، الذي يكون القانونُ فيه خادما لأفكار وتوجهات على حساب أفكار وتوجهات أخرى.

كان على النيابة العامة أن تحققَ أولا مع السياسيِّ الذي تطاول على أحكامٍ يعتبرها عامة المسلمين قطعيةً في دينهم، ودعا إلى تجريم بعض هذا الأحكام، وتنظرَ إن كان ما صرح به هذا السياسيُّ الذي يتصدى للشأن العام في مجتمع مسلم، يستحق المتابعةَ وفق ما هو منصوص عليه في القانون أم لا، وإن كان ما قاله معدودا في الآراء والاجتهادات المقبولة، أم مسلوكا في التجاوزات والانتهاكات والأقوال المجرَّمَة.

لقد عشنا مع نيابتنا العامة سوابقَ كانت فيها هذه النيابةُ حاضرة يقظةً منتبهة لردود الأفعال، وغائبةً غافية غافلة عن الأفعال الأصلية، وهذا ما يجعلنا نقف موقف الارتياب تجاه العدالة في بلادنا، لأن القانون إمّا أن يُحكّم في جميع الظروف والحالات، وعلى جميع المواطنين بلا استثناء، وإلا فهو قانونٌ متحيز لا يطمع في عدله مظلومٌ، ولا يخشى قوتَه وصرامتَه ونزاهته ظالمٌ متعدّ جبّار.

 التطرف والغلو مرفوضان ومدانان، في كل الأوقات، ومن جميع الجهات. والنيابةُ العامة عينٌ ساهرة على أمن المواطنين ومصالحهم، لا تتردد، ولا تتحيز، ولا تحابي، ولا تُميِّز؛ جميعُ المواطنين أمامها متساوون في الحقوق والواجبات.

الغلو في الدين، وتكفيرُ الناس لرأي رأوه، أو موقف وقفوه، أو شبهة تلبسوا بها، مساو، في خطره وضرورة توقّيه وسدِّ ذرائعه، للغلو في التطاول على الدين، والجراءة على أصوله وأحكامه وآدابه. وإن كان لا بد من تحريك مساطرِ البحث والتحقيق والمتابعة، فالعدلُ يقتضي أن يشمل الأمرُ المتطرفِين والغلاة جميعا، بغض النظر عن معتقدهم  وانتمائهم وإديولوجيتهم.

إن اللادينيّين عندنا في المغرب، رغم أقليتهم في العدد، وهامشيتهم، في الفكر والرأي والاجتهاد، قد تجاوزوا كلَّ الحدود، بل لم يعودوا يأبهون لأيّ شيء، وكأنهم باتوا مطمئنين أنهم لن يمسهم سوءٌ من جراء فعلاتهم القبيحة، وكأنهم متيقنون أنهم محميون من أي شكل من أشكال المتابعة والمحاسبة والعقاب، وكأن عندهم الضوء الأخضر، بالليل والنهار، ليقولوا ما يشاؤون، ويعبروا ويطعنوا ويسخروا كما يحلو لهم.

إن إغضاء الدولة، التي توصف بأنها دولة الحق والقانون، عما يجترحه اللادينيّون في حقّ الإسلام دين الغالبية الساحقة من المواطنين، لخليقٌ أن يوسّع من نطاق الظلم، الذي مآله الفتنة والخراب.

إن التعاملَ مع آراء المواطنين وأفكارهم واختياراتهم بمكيالين، والتحيزَ لجهة ضد جهة أخرى، هو جمْرٌ قد يتحول مع الأيام، لاقدّر اللهُ، إلى نار متأججة حارقة ماحقة، لا ينجو من جائحتها أحد.

لا لغلوّ المتديّنين.

لا لغلوّ اللادينيّين.

نعم للقانون، يساوي بين الجميع، ويحترمه الجميع.

نعم للنيابة العامة، عينا ساهرة على مصالح كل المواطنين، بلا تمييز، ولا استثناء.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.



05 يناير2014

السبت، 28 ديسمبر 2013

وميضٌ يوشك أن يكون له ضِرَامُ


بسم الله الرحمن الرحيم



وميضٌ يوشك أن يكون له ضِرَامُ




 عنوان هذه المقالة مستوحى من شعر لنصر بن سيار، وقد كان واليا لبني أمية على إقليم خراسان، يقول فيه:


أَرَى خَلَلَ الرَّمادِ وَمِيضَ جَمْر//ويُوشِكُ أَنْ يكُونَ لـه ضِـرامُ

فإِنْ لَمْ يُطْفِهِ عُقَلاءُ قَـــــــوْمٍ//فإِنَّ وَقُودَهُ جُثَثٌ وهـــــــامُ

فإِنَّ النَّارَ بالعُودَيْنِ تُذْكَـــــــى//وإِنَّ الحَرْبَ أَوَّلُها كَـــــــلامُ

وهو شعر في الإنذار من مخاطر الفتنة والتقاتل والخراب والسقوط، التي كانت تهدد دولة الأمويين جراء استفحال قوة العباسيين وانتشار دعوتهم وزحف جيوشهم.

لكن هذا التحذير لم ينفع في إطفاء الجمر، وكانت النتيجة الفاجعة أن الجمر تحول إلى نار لم تزلْ متأجِّجة حارقة ماحقة، حتى أتت على دولة الأمويين من الأساس.

وهذه النيران التي نراها اليوم مشتعلة في كثير من بلادنا العربية الإسلامية إنما هي نتاج جمار كانت كامنة تحت الرماد، لم تجد من عقلاء القوم وفضلائهم من يبادر إلى إطفائها.

العنف اللفظي، والكراهية والبغضاء، والتنافر والتدابر السياسي، وتنامي خطابات الإقصاء والاستئصال، وغيرُها من صفات التعادي باتت سمة مميزة لهذه الجمار الهامدة تحت الرماد، والتي توشك أن تتحول إلى نيران تأتي، لا قدّر الله، على الأخضر واليابس، إن لم يبادر الفضلاء العقلاء الأمناء إلى خطة توقف الانحدار، وتعصمنا من التردي في نار الفرقة وأهوال الفتنة.

نذكر من ومضات هذه النار الكامنة تحت الرماد هذه التشققاتِ العرقية المستشريةَ في مجتمعنا بين العروبيين المتطرفين والأمازيغيين المتعصبين، وهذه الخصاماتِ العدائيةَ الطاحنة بين الإسلاميين، بمختلف فصائلهم ومشاربهم، وبين اللادينيين من كل التيارات والإديولوجيات، وهذه الصراعاتِ العبثيةَ الدائمة بين المكونات السياسية، من الأغلبية والمعارضة، المشاركة في الحياة السياسية الرسمية، التي يتحكم في كل خيوطها النظامُ المخزني المهيمن، وهذه الفوضى التي تخيم على الحياة الفكرية والثقافية والفنية، والتي لا نكاد نجد فيها متنفسا للتواصل والتفاهم والتراضي، بلْهَ الانسجام والتعاون والتعاضد، وهذا الإعلامَ الغارقَ، في غالبيته، في إذكاء النعرات، وإثارة الحزازات، والتمكين لخطابات الكراهية والتحريض والإقصاء، ونشر ثقافة الانحطاط والتفسخ والتغرّب والضياع.

هذه بعض الومضات الكامنة في الرماد، والتي يوشك أن يكون منها نارٌ ملتهبة، لا قدّر الله، تأكل البرّ والفاجر، لا تستثني أحدا.

الإلحادُ الصريح بات له صوتٌ مسموع، ونضالٌ مشروع، في مجتمع مسلم!! فهذه فتنة تهدد بشَرٍّ مستطير لا تبقي مصائبُه و لا تذر.

بعضُ النخب من الذين يسمّون أنفسَهم مثقفين وناشطين حقوقيين باتوا يتجرأون على كل مقومات المجتمع بوجه مكشوف، لا يردعهم دينٌ، ولا قانونٌ، ولا أعرافٌ، ولا أخلاق، يهيمون في كل واد، تحت لافتات لامعة خادعة، وأخرى ممسوخة مستوردة، وثالثة شيطانية مظلمة، يحسبون كل صيحة عليهم، تراهم حاضرين في الإعلام حضورَ الكلاب الضالة في مطارح الأزبال، ومُطنْطنين في المنتديات المفبركة على المقاس طنْطنَة الذباب حول الجيف المنتنة والقاذورات المضرة.

حبل التواصل منقطع بين مكونات المجتمع ومختلف تياراته وإديولوجياته واجتهاداته؛ المخزن منغلق على ذاته، لا يريد أن يرى الناسُ غيرَ ما يراه، وهو ماض في قبضته الحديدية، لا يهمه أن يكون في المجتمع اختناق أو ضغط يوشك أن يحدث انفجارا لا يمكن لأحد أن يتوقع مداه، وما يمكن أن يجرّه من خسائر وحرائق ومآس.

والمعارضاتُ من خارج لعبة النظام ومؤسساته منكفئةٌ هي الأخرى على نفسها، لا ترى إلا ذاتها في خطاباتها المتشددة، ومواقفها الرافضة، واختياراتها الجامدة، كلُّ معارضة منها متقوقعة داخل إديولوجيتها، ترى نفسها الأولى بالقيادة والفكر والنظر ورسم خارطة الطريق.

وفي سماء المشهد السياسي المخزني، لا نسمع للأحزاب المشاركة غير أصوات التكالب والتعاير والتكايد والتهارش والتعاضّ، وخاصة من جهة الأحزاب التي تصنفُ نفسَها في خانة المعارضة، لا يأبهون للقنابل السياسية الموقوتة، المهيأة للانفجار في أي وقت، ولا لأنّات المظلومين، في السجون وخارج السجون، ولا للأزمات المتلاحقة التي باتت تضيق الخناق على الناس، في سائر مناحي معايشهم، ولا للتيارات المخربَة الزاحفة من الهوامش نحو قلب المجتمع، تحتل المواقع، وتعتلي المنابر، وتعبئ وتحرض وتنظّم.

قد يكون في كلامي شيءٌ من التعميم المُخلّ، لكن السوءَ الذي بات يشمل أحوالَنا من كل النواحي يبرر، في اعتقادي، هذا التعميمَ ويفرضه فرضا.

إن من الواجب على العقلاء فينا أن يعتبروا، قبل فوات الأوان، بما جرى ويجري في تونس وليبيا ومصر وسوريا واليمن بعد عواصف الربيع العربي التي اجتاحت هذه البلدان. ومن أولويات هذا الاعتبار، في نظري، التداعي للحوار والتعايش والتعاون والتنافس البناء من أجل واجب الوقت، وهو المصلحة العامة، في جوهرها وحقيقتها الواسعة، لا في شعاراتها الشكلية وخطاباتها الإديولوجية الحزبية الديماغوجية الضيقة.

واجب الوقت على النظام المخزني، قبل فوات الأوان، أن يفتح نوافذ متعددةً للتواصل والتحاور مع معارضيه الحقيقيين، المُبعَدين خارجَ لعبته السياسية، وأن يسعى معهم لبناء نموذج سياسي ديمقراطي يستوعب الجميع من غير إقصاء ولا إلغاء ولا تهميش، وأن يعمل معهم، في الأجلين القريب والمتوسط، على تجاوز حالة الاختناق التي تهدد حياتَنا السياسية بأوخم العواقب، وإرجاع المصداقية الغائبة لمؤسسات الدولة وقوانينها، وأن يوقن أن الاستبداد مهما طال، فإنه إلى زوال، لن تغنيَ عنه قوته وجبروته وبطشه ومناوراته شيئا.

وواجب الوقت، كذلك، على المعارضين أن يستمعوا إلى صوت العقل والمصلحة العامة، بدل وضع الأصابع في الآذان، والانغلاق في الإديولوجيات العدمية الصماء، التي لا تغني ولا تسمن، والتي لا يمكن أن يجنيَ منها الناس إلا الشوك والحسرة والندامة، في العاجل أو الآجل من الآماد.

وأعتقد أن أيَّ تغيّر إيجابي في علاقة النظام المخزني بمعارضيه، وأيَّ تقدم في هذه العلاقة نحو مدّ جسور التواصل والتحاور والتعايش والتعاون، سينعكس بالإيجاب على مكونات المجتمع الأخرى، بل سيجعل مختلف فضاءات المجتمع تتأثر، بالرغم عنها، بما ينتج عن التواصل الإيجابي البناء بين المخزن وبين معارضيه الحقيقيين.

اليوم، كلُّ مكونات المجتمع السياسي والمدني والحقوقي والإعلامي منقسمة متصارعة متنافرة متدابرة حسب ما يحكم علاقة المخزن بمعارضيه الثوريين من توتر وتناقض وتصارع. فهذه المكونات خاضعة، شاءت أم أبت، لما يشوب أجواء العلاقة بين النظام وبين مختلف فصائل معارضي الدولة المخزنية، بل هي مكوناتٌ تائهة في أجواء التوتر والفوضى واللاتواصل، التي تطبع مختلف جوانب حياتنا السياسية والاجتماعية.

إلى متى سيظل المخزن متمسكا بإديولوجيته، التي ترسخ الاستبداد ومؤسساتٍ تأتمر بأوامر من هم فوق المتابعة والمحاسبة؟

إلى متى ستظل حياتنا، في مختلف قطاعاتها، محكومةً بقرارات لا يمكن مراقبتها ونقدها أو مراجعتها وإلغاؤها؟

إلى متى سيظل المخزن يُصمّ أذنيه عن سماع صوت معارضيه، ويسير في طريق سياسة الإخضاع والمنع والقمع والخنق؟

متى سيعي المخزنُ وأعوانه وتابعوه أن دولة الاستبداد لا يمكن أن تولد إلا النار المحرقة المهلكة المدمرة المخربة، وأن الشعوب، مهما طال رقودها وهوانها واستعبادها وإخضاعها، لا بد أن تستيقظ وتتحرك كالطوفان الهادر الكاسح الجارف كل ما يعترض طريقه؟

إني ألاحظ ما يجري في واقع حياتنا العامة، فأرى هذه التشققات الاجتماعية، والصراعات الإديولوجية، والنعرات العرقية، والسياسات الاستبدادية، والمعارضات العدمية، التي تهددنا في الصميم. أرى هذه الفرقة التي تزداد تمكنا يوما بعد يوم، فأرى من خلالها وميضَ فتنة يوشك أن يكون له ضرام. أحس بكل هذا، فأجدني أكرر مرة أخرى أبياتا من شعر نصر بن سيار، الشاعرِ الخطيب السياسي القائد العسكري الأموي:

وقلت من التعجّب: ليت شعري//أأيقاظٌ أميةُ أم نيـــــــــــــــــــامُ
فإن يقظَتْ فذاك بقاءُ ملـــــــــكٍ//وإن رقدَت فإنــــــــــــي لا ألام
فإن يك أصبحوا وثوَوا نيامـــــــــا//فقلْ قوموا فقد حان القيــــــامُ



وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين