الخميس، 14 يونيو 2012

الأدب بين حرية الإبداع وشريعة المجتمع(2)



بسم الله الرحمن الرحيم



الأدب بين حرية الإبداع وشريعة المجتمع



(2)



حرية الشاعر الفنان لا تُسقط مسؤولية الشاعر الإنسان



(1)

بأي مقياس-كيفما كان هذا المقياسُ- يُعطي هؤلاء الحداثيون الأديب، شاعرا كان أم كاتبا، الحرية المطلقة، لقول ما يريد، وكيف يريد، وفي أي وقت يريد، وبأي أسلوب يريد؟

أليس للناس حقوق وحرمات؟ أليس للمجتمع مقدسات وقوانين؟ أم أن الأمر قانون، وحريات مشروطة، وحقوق واجبة، ومقدسات مرعية، إلا على الأديب، فإنه غير معني بكل ذلك، لأن الشريعة، والحكمَ بالظاهر، والقوانينَ الجزائية والتأديبية، وغيرَها من متعلَّقات حفظ الحقوق والحريات، ورعايةِ القوانين، وزجرِ المخالفات والجنايات، إنما هي لغيره من الناس؟

مَنْ، في الدنيا، يقول هذا ؟ وبأيّ فهم، أو نظرية، أو حق، أو دين، نُعطي الأديب امتيازَ عدم الخضوع لشريعة مجتمعه، وقواعدِ نظام هذا المجتمع وآدابه وأعرافه؟

مَن أعطاه الحقَّ المطلقَ مِن أيةِ مسؤولية، ليمزّقَ، ويتجاوزَ، ويهدم، ويُفجّر، ويَسخَر، ويدنّس؟

لماذا هذا الامتيازُ بالتحديد للشعر والشعراء، مثلا؟ ومتى كان هذا الامتياز؟ ومن قال به؟

مَن حكمَ هذا الحكمَ الذي لا يقبل الطعن والمراجعة؟ ومن صوّر الشاعر هذا التصوير المُغرق في الوهم والعبث واللاجدوى؟

الذي أعرفه، في حدود اطلاعي وحسب معلوماتي، هو أن الذي قال، وحكَم، وصوّر، وقرّر، وفرَض، هو دينُ الحداثيّة الإديولوجية العنفية المتطرفة، وقراراتُ هذا الدين مطلقةٌ نهائية لا تقبل المناقشة والاستئناف.

كيف يقبل الحداثيون أن تنص المدوناتُ القانونية على أن سبّ رئيس دولةٍ أجنبية، مثلا، يُعدّ جريمة يعاقِب عليها القانون، ولا يجدون في ذلك أدنى حرج، بل يرونَه هو عين الحق والعدل والنظام، ويرفضون، في مجتمع إسلامي، تجريمَ إهانةِ مقدّسات المسلمين، مثلا، أو انتهاكِ حرمات الله، أو الدعوةِ إلى الإلحاد والطعنِ على أصول الإيمان، أو المجاهرةِ بالمعاصي والآثام، والتحريضِ على البغي والفساد؟

كيف تُقبل محاكمة من يتطاول على المبادئ اللائكية(العلمانية) الأتاتوركية للدولة في تركيا ، مثلا، وتُرفض محاكمةُ شاعر أو كاتب أهان اسمَ الله في عمله، أو طعنَ على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟

ما هذا الخلطُ الفظيع في الحقوق والواجبات؟

ما هذا الفهم العبثي للقوانين والحريات؟

ما هذا العبث في تقدير مصالح المجتمعات، وحماية حقوق الأفراد والمعتقدات؟



(2)

لقد تكلم الحداثيون، وعلى رأسهم أدونيس، على مجموعة من الشعراء، معدودين ومعروفين بأسمائهم، وزعموا أن الإسلام قد أدانهم، وأن تلك الإدانة لم تكن إلا بسبب فنهم/شعرهم، وأطلقوا هذا التعليلَ، حتى بات عندهم كأنه من الحقائق المطلقة.

أما عند البحث المتأني، والمراجعة الموضوعية الدقيقة، فلا نجد فنّا مرفوضا، ولا أدبا مردودا، ولا حرية مغتصَبة، ولا حقا ضائعا، ولا قمعا مسلَّطا على الشعراء، وإنما الأمرُ، في حقيقته، جرائمُ ومخالفاتٌ يعاقب عليها قانون المجتمع، كما هو الشأن في أي مجتمع منظم ومتحضر.

المجاهرةُ بشرب الخمر، مثلا، في المجتمع الإسلامي جريمة يعاقب عليها القانون. والوقوع في أعراض الناس جريمة، وكذلك التحرّشُ بالنساء والمسُّ بكرامتهن وعفافهن، وإتيانُ الفواحش والمحرمات، وإثارةُ الفتن، وإشعالُ فتيل النعرات العرقية والقبلية والطائفية،… إلى آخر الجرائم والمعاصي والمخالفات التي ينص قانون المجتمع على معاقبة مرتكبيها.

لقد كان هناك في النقد الأدبي القديم ما يشبه الاتفاقَ الضمني على التمييز بين الشعرِ بما هو فن وإبداع في مجال الأدب، وبين الشعر بما هو سلوك اجتماعي مسؤول في مجال القانون والمعاملات، فلذلك وجدنا نقاد الشعر يعترفون ببراعة الشاعر، وجودة شعره، وعُلو شاعريته بين الشعراء، وإن كان فاسقا، رقيقَ الدين، أو خبيثا في هجائه، أو فاحشا في غزله، أو مُغاليا في مجونه وتهتكه وخلاعته.

فالمطلوب، عند من ينقد الشعر من جانب فنيته وبراعة صنعته، هو أن "على الشاعر إذا شرع في أي معنى كان، من الرفعة والضعة، والرفث والنزاهة، والبذخ والقناعة، والمدح وغير ذلك من المعاني الحميدة أو الذميمة، أن يتوخى البلوغ من التجويد في ذلك إلى الغاية المطلوبة."[1]

ويذهب قدامةُ بن جعفر، في تأكيده أن الدائرة في نقد الشعر إنما هي على براعة الشاعر واقتداره- يذهب إلى "أن مناقضة الشاعر نفسه في قصيدتين أو كلمتين، بأن يصف شيئا وصفا حسنا، ثم يذمه بعد ذلك ذما حسنا"(نفسه،ص66) ، لا تستوجب عيبَه والإنكار عليه "إذا أحسن المدح والذم، بل ذلك عندي-يقول قدامة- يدل على قوة الشاعر في صناعته، واقتداره عليها."(نفسه)

فالمهم، عندهم، هو قدرة الشاعر على البلوغ غايةَ الجودة في تناول موضوعه، وإن كان هذا الموضوع فاحشا في ذاته، إذ "ليس فحاشة المعنى في نفسه مما يزيل جودة الشعر فيه، كما لا يعيب جودة النجارة في الخشب مثلا، رداءته في ذاته."(نفسه)

لكن، حينما تتجاوز هذه الفحاشة حدودَ الشاعر في ذاته، وتصبح وقوعا في حدّ من حدود الله، أو تطاولا على حقوق الناس، أو مجاهرة بارتكاب المعاصي والمحرمات، فإن الأمر عندئذ يقتضي تدخّل القضاء، لأنه هو الموكّل بحماية الحقوق والحريات، لإرجاع الأمور إلى نصابها، وضمان أمن الناس، والانتصار لأصحاب الحق، والضرب على يد المجرمين المعتدين.

لكن الفوضويّين من أنصار الحداثية الإديولوجية المتطرفة يعترضون على أن تكون نهايةُ حرية الشاعر الفنان عند حدود شريعة المجتمع. فالشاعر، عندهم، أكبرُ من أن يخضع لقوانين المجتمع.



(3)

لقد ذكر أدونيس، في سياق بحثه عن أصول الثقافة الاتباعية في التراث العربي الإسلامي[2]، أسماءَ مجموعة من الشعراء على أنهم قد نزلَ ما نزل بهم من العقاب، لا لشيء إلا لأنهم شعراء. ولم يُشر، ولو إشارة خفيفة، إلى التّهم التي ثبتت عليهم، والتي استحقوا من أجلها أن يُعاقبوا، كسائر أفراد المجتمع، وفق شريعة الإسلام التي هي قانون المجتمع آنئذ. وهذا نص كلامه الذي ختم به الفصل الثالث من الجزء الأول من كتاب "الثابث والمتحول"، قال:

"وبمقتضى هذا المنظور الأخلاقي-الإديولوجي[3] سُجن ضابئ ابن الحارث البرجمي، وضرب أبو شجرة السلمي، وسجن أبو محجن الثقفي لإعلانه في شعره أنه يعارض تحريم الخمرة[4]، ثم نفاه عمر، ومات في منفاه، وقُتل سحيم عبد بني الحسحاس[من قتله؟][5]، ونفي عمر بن أبي ربيعة والأحوص، ونُذر قطع لسان جميل، وأُهدر دمه[من أهدره؟ ولماذا؟]، وحُبس العرجي حتى مات في سجنه، وعُذب أبو دهبل الجمحي، ونُفي ومات في منفاه، وقتل وضاح اليمن. هذا دون أن نذكر الشعراء الذين قتلوا لأسباب سياسية."[6]

وهذا، في رأيي-بعد اطلاعي على أخبار الشعراء الذين ذكرهم، وما عُرفوا به بين الناس، في مجتمعهم، وما تناقله الرواة من روايات، لهم أو عليهم- حكمٌ، من أدونيس، خالٍ من النزاهة العلمية، وأمانة البحث الموضوعي، الذي، من مميزاته التحري والتحقق، وبالتالي، فهو حُكمٌ يندرج في خانة الأفعال الإديولوجية المتعصبة، التي تقوم، أساسا، على الهوى وفرض الرأي الشخصي، ولو على حساب قواعد الاستنتاج النزيه، ومقومات المنهج السليم.

وفيما يلي أمثلةٌ توضح حالاتِ بعض هؤلاء الشعراء الذين قدّمهم أدونيس على أنهم من ضحايا المنظور "الأخلاقي-الإديولوجي"[7] الإسلامي،وثقافته الاتباعية، التي تعارض حرية الإبداع، وتحارب الشعراء المبدعين. ونكتفي بأمثلة فقط، لأننا إذا أردنا أن نوضح كل حالة من حالات الشعراء الذين ذكرهم، فإن ذلك سيقودنا إلى تطويل لا مكان له في هذه المقالة.

1) فهذا أبو محجن الثقفي، "كان مولعا بالشراب مشتهرا به"[8]، وهو القائل، يصف شدة ولعه بالخمرة ومدى تمكن حبّها من نفسه:

إذا متّ فادفِنّي إلى جنب كرمــة

                           تُروّي عظامي، بعد موتي، عروقُها

ولا تدفننّي بالفلاة فإننــــــــــــــــــي

                           أخاف إذا ما متّ ألاّ أذوقهـــــــــــا[9]

وقد كان شاعرا شريفا[10]، لكن شاعريته وشرفَه لم يمنعاه من أن يُقام عليه الحدّ في شرب الخمر مرارا(نفسه) ، لأن الأمر أمرُ شريعة وحدود، لا علاقة له بالفن والإبداع.

ويُروى أن سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه، حبسه، في معركة القادسية، في القصر معه، فلمّا حمي الوطيس تمنى أبو محجن لو كان في قلب المعركة، وقال في ذلك:

كفَى حَزَناً أن تطرد الخيلُ بالقنا

                       وأُترك مشدودا عليَّ وِثاقيــــــــا

إذا قمت عنّاني الحديدُ وأُغلقت

                       مصاريع من دوني تُصمّ المناديـا

وقد كنت ذا مال كثير وإخــوة      فقد تركوني واحدا لا أخا ليـا

أريني سلاحي، لا أبا لك، إنني

                       أرى الحرب لا تزداد إلا تماديـا.[11]

وقد عاهد أبو محجن المرأة التي كان مقيدا عندها، وهي زبْراء أمّ ولد سعد بن أبي وقاص، لئن أطلقته ليعودنّ إلى قيده بعد انتهاء القتال. وبالفعل، فقد وفّى أبو محجن بعهده، وعاد إلى ما كان فيه من الأسر، بعد أن أبلى البلاء الحسن في المعركة(نفسه).

وقد دخل عليه سعد بعد أن علم بخبره، وقال له: "لا ضربتك أبدا. قال أبو محجن: وأنا، والله لا أشربها أبدا."[12]

فأين هذا الكلام الذي لخصنا به قصة أبي محجن الثقفي المسلم من ظاهر قول أدونيس: "وسُجن أبو محجن الثقفي، لإعلانه في شعره أنه يعارض تحريم الخمرة، ثم نفاه عمر، ومات في منفاه."؟



2) وهذا ضابئ بن الحارث البُرجُميّ، كان "رجلا بذيّاً كثير الشر"[13].

ويُروى في سبب حبسه أنه استعار كلبا من بني نهشل، فلمّا ألحّوا عليه لإرجاعه منه، غضب عليهم وهجاهم ورمى أمّهم بالكلب، ومن ذلك قوله:

فأمكم لا تتركوها وكلبكـم        فإن عقوق الوالدات كبيــــــرُ[14]

"فاستعدوا عليه عثمان، فقال: ويلك ما سمعت أحدا رمى امرأة من المسلمين بكلب غيرك، وإني لأراك، لو كنت على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأنزل الله فيك قرآنا. ولو أحدٌ قبلي قطع لسان شاعر في هجاء لقطعت لسانك. فحبسه في السجن."[15]

فالحبس في هذه الواقعة ليس فيه أي مساس بحرية الشاعر، لأن الأمر وقوعٌ في أعراض الناس، وقذفُ امرأة محصنة بالمنكر والباطل، فضلا عن محاولة القتل[16]. وكل ذلك سلوك إجرامي يستوجب العقاب في قانون المجتمع الإسلامي.



 3) وهذا الأحوص بن محمد بن عبد الله، كان "يُرمى بالأبْنَة[العيب في الكلام] والزنا، وشُكي إلى عمر بن عبد العزيز فنفاه من المدينة إلى قرية من قرى اليمن على ساحل البحر."[17]

وحينما حاول جماعة من الأنصار أن يتشفعوا له ليسمحَ له بالرجوع إلى المدينة، سرد عليهم عمرُ بن العزيز، رضي الله عنه، أبياتا من شعر الأحوص تشهد باستهتاره وتطاوله على المحارم[18]، ثم قال: لا جرَمَ، لا رددْته إلى المدينة ما كان لي سلطان."(نفسه)

فسبب النفي هنا أيضا واضح، ولا شأن له بالشاعر من حيث هو مبدع فنان، وإنما له شأن بالأحوص الإنسان، الذي أتى، في أفعاله، ما لا يسمح به القانون.



4) وهذا سحيم عبد بني الحسحاس، "كان شاعرا محسنا"[19]، "حلوَ الشعر رقيقَ حواشي الكلام"[20]. لم يُقتل حدّا، وفق مقتضيات الشريعة الإسلامية، وإنما قتله مجهولون. وقد رُوي في سبب قتله أنه كان يُتّهم بامرأة، "فأخذوه[فاعلون مجهولون][21] شاربا ثملا، فعرضوا عليه نسوة، حتى إذا مرّت عليه التي يظنونها به أَهْوَى بها، فقتلوه لما تحقق عندهم."[22]

ومن شعره في وصف لقائه بعشيقته:

وهبّت شمالا آخر الليل قـــــرّةٌ

                         ولا ثوب إلا درعها[23] وردائيـــــــا

فما زال بردي طيّبا من ثيابهــا

                         إلى الحول حتى أنهج البُرد باليا.[24]

والذي نستنتجه من هذه الأمثلة الأربعة أن ما نال هؤلاء الشعراء إنما كان بسبب سلوكات ومخالفات يحرمها القانون في المجتمع الإسلامي: شرب الخمر، الزنا، قذف المحصنات، الوقوع في أعراض الناس وانتهاك محارمهم…

فالمسألة إذاً مسألة نظام وشريعة. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، أصولٌ ثابتة في شريعة المجتمع الإسلامي، لحماية هذا المجتمع أن تشيع فيه الفاحشة، فتهتز أركانه ويسري الوهن في أوصاله.

التتمة في الأسبوع القادم، إن شاء الله.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين







[1] نقد الشعر، لقدامة بن جعفر، ص65،66.

[2] "الثقافة الاتباعية"، عند أدونيس، هي النابعة من عقائد الإسلام وأحكامه وآدابه وتشريعاته، تقابلها "الثقافة الإبداعية"، وهي الخارجة على أصول الإسلام، الجاحدة بشرائعه، الغارقة في العصيان والزندقة والإلحاد.

[3] يقصد المنظور الإسلامي الشرعي. وعبارته تشي بنوع من الإصرار على عدم الاعتراف بشريعة المجتمع الإسلامي وقوانينه، لا لشيء إلا لأنه يرفضها ويعارضها ويعتبرها مناقضة لحقوق الإنسان وحريته في التفكير والإبداع والسلوك على هواه، كما يشاء.

[4]هذا ادعاء غير صحيح، لأن أبا محجن اشتهر بتعاطي الخمرة والولوع بها، فكان عقابه بالسجن جزاء له على فعل تجرّمه الشريعة الإسلامية. أما شعره، فلم يكن إلا مرآة لسلوكه وعاطفته ورغبات نفسه.

[5] هذه الزيادات بين المعقوفتين(القوسين المركّنين) هي من عندي.

[6] الثابت والمتحول،(الأصول)، ص172.

[7] اقرأ أمثلة كثيرة من هؤلاء الذين يعتبرهم أدونيس ضحايا قمع الإديولوجية الإسلامية، والذين لا يُخفي تعاطفه الكبير مع قضيتهم، لأنه يقدمهم، دائما، على أنهم كانوا ضحايا قضية الحداثة والإبداع والحريات في التاريخ العربي الإسلامي- اقرأ أمثلة كثيرة من هؤلاء في "الكتاب(أمس المكان الآن)"، لأدونيس، طبعة دار الساقي، الجزء الأول(1995)، والثاني(1998)، والثالث(2002).

[8] الشعر والشعراء، لابن قتيبة، ص272.

[9] نفسه.

[10] طبقات الشعراء، لابن سلام الجمحي، ص103.

[11] نفسه. والشعر والشعراء، لابن قتيبة، ص272.

[12] نفسه. والشعر والشعراء، ص272.

[13] طبقات الشعراء، لابن سلام، ص71.

[14] الشعر والشعراء، ص218.

[15] طبقات الشعراء، لابن سلام، ص71.

[16] فقد "عُرض أهلُ السجن يوما، فإذا هو[أي ضابئ بن الحارث] قد أَعدّ حديدة يريد أن يغتال بها عثمان…"(طبقات الشعراء، لابن سلام، ص71، و"الشعر والشعراء"، ص219.) ومن شعره في هذه الحادثة:
هممت ولم أفعلْ، وكدت وليتني
                       تركتُ على عثمان تبكي حلائله.
(نفسه، ص72. والشعر والشعراء، ص219.

[17] الشعر والشعراء، لابن قتيبة، ص345.

[18] كقوله في محارم الغير:
أدور ولولا أن أرى أمّ جعفر
                       بأبياتكم ما دُرت حيث أدورُ
وقوله:
الله بيني وبين قيّمهــــا     يفرُّ منّي بها وأتبـــــعُ
(الشعر والشعراء، ص345). والشبهة في مثل هذا الكلام غير خافية.

[19] الشعر والشعراء، ص258.

[20] طبقات الشعراء، لابن سلام، ص75.

[21] وفي لفظ رواية ابن قتيبة: "سقوه الخمر" بالإسناد إلى مجهولين.(الشعر والشعراء، ص259)

[22] طبقات الشعراء، لابن سلام، ص76. والشعر والشعراء، ص259.

[23] في رواية بلفظ: "بردها".


[24] نفسه، ص75.

الخميس، 7 يونيو 2012

الأدب بين حرية الإبداع وشريعة المجتمع(1)



بسم الله الرحمن الرحيم




الأدب بين حرية الإبداع وشريعة المجتمع




(1)

أوصاف منحولة ورسالة مزعومة



لكل مجتمع من مجتمعات الدنيا قوانينُ تحمي أرواح الناس، وعقائدَهم، وأموالَهم، وأعراضهم، وأخلاقهم، وصحتَهم، وغيرَ ذلك من اختياراتهم، وحقوقهم، ومكتسباتهم المادية والمعنوية. وأعتقد أن هذا الأمر من المسلمات البدهية، التي لا تحتاج إلى مجادلات أو نقاشات، بل إنها من سمات الإنسان منذ بدأ هذا الإنسان يعيش في مجتمع ونظامٍ، ومنذ كان للإنسان حقوقٌ وعليه واجبات.

وليس من النظام، ولا من العدل في شيء، أن يكون هناك، في مجتمع تحكمه شريعة وتنظم شؤونَه قوانين، أفرادٌ أو طبقاتٌ من الناس فوق هذه القوانين وأكبر من تلك الشريعة، يفعلون ما يشاؤون، ويقولون ما يشاؤون، ويعيثون في حقوق الآخرين كيف يشاؤون، من غير أدنى خوف أن ينالهم عقابٌ أو أيّ شكل من أشكال المتابعة والردع والزجر والقصاص.

حينما يكون هناك، في مجتمع ما، أفرادٌ فوق القانون، فإن مصير هذا المجتمع المتحتمَ، عاجلا أو آجلا، هو الفوضى والتسيّب وضياع الحقوق، فضلا عن التخلف والرجوع إلى حياة ما قبل المجتمع الإنساني العمراني المنظم.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإذا كانت كلّ مجتمعات الدنيا تسعى بكل ما في وسعها من أجل حماية صحة أفرادها، ومراقبة مأكولاتهم ومشروباتهم أن يعبث بها غشّاش، أو أن يسمّمها مجرم طمّاع، فأحرى عقائدهم، وأخلاقهم، وأذواقهم، وغير ذلك من دعامات نظام التربية والتعليم، الذي به القوام الروحي والمعنوي للمجتمع، وبه ضمان قوة نسيج كيانه على مستوى الأفراد والجماعات.

وهذه الضرورة القانونية الاجتماعية لحماية حقوق الناس المعنوية والمادية، لا يجادل فيها إلا الفوضويون الهدّامون، الذين من شعاراتهم اللااستقرار واللاقانون.

ويَلزمُ أن أذكّر هنا أن الهدم، والرفض، والتجاوز، والتمرد على كل أشكال القوانين والقواعد ومبادئ النظام هي من المميزات الأساس للفلسفة الحداثية في صورتها الإديولوجية المتطرفة[1].

وفي ميدان الأدب، فإن هذه الفلسفة الحداثية، كما تتجلى لنا في المدرسة الأدونيسية[2] وأتباعها، لا تفتأ تَنْحَل الأديب عامة، والشاعر على وجه التخصيص، صفاتٍ غيرَ طبيعية تمتاز من بينها صفتان اثنتان متلازمتان، هما القداسة والتعالي على القوانين.

واستنادا إلى هاتين الصفتين "الخارقتين" "الميتافيزيقيتين" المُتَوهَّمتين[3] وجدنا أصحاب هذه الفلسفة "الطليعية" المتطرفة يحمّلون الشاعر رسالة تضارع رسالة النبيّ، بل وتزيد عليها.

فالشعر، عندهم، "نبوة ورؤيا وخلق"[4]، و"الشاعر نبيّ له مسؤوليته التاريخية في ممارسة "الواجب" الذي يلتقي فيه الشاعر العربي المعاصر مع غيره من كبار الشعراء في العالم."[5]

فالنبوة الإنسانية، كما يمثلها جبران، مثلا-حسب زعم أدونيس[6]- تمتاز بأن النبي الأديبَ لا يُنفّذ إرادةَ الله المسبقة الموحاة، "كما هو الشأن في "النبوة الإلهية"، بل، على العكس، يحاول "أن يفرض رؤياه الخاصة على الأحداث والأشياء، أي وحيَه الخاص."[7] ويؤكد أدونيس هذا الزعم بقوله: "الجبرانية هي، جوهريا، نبوة إنسانية"(المرجع السابق).

وعند هؤلاء الحداثيين المتطرفين أن الكشوف الشعرية سابقة على الوحي[8].

وعندهم أن من مهام هذه "النبوة الحداثية" "إعادةَ خلق العالم" و"تفسير الكون"(نفسه،ص18) ، ومن ثم فإن من طبيعة الشعر الحداثي "ألا يقبل أي عالم مغلق نهائي، وألا ينحصر فيه، بل يفجره ويتخطاه"[9]، وذلك لا يمكن حدوثه إلا "في مناخ الحرية الكاملة، حيث الإنسان مصدر القيمة، لا الآلهة، ولا الطبيعة."(نفسه)

باختصار، إن دور الشعر الحداثي، عندهم، هو "أن يعيد النظر أصلا في هذا العالم، أن يبدّله…"(نفسه، ص99).

وفي رأيي أن إضفاء صفة النبوة والقداسة على الشاعر، وتحميلَه رسالة "خلق العالم" و"تبديله" و"إعادة النظر فيه"، و"تفسير الكون"، وغير ذلك من المهام "الخارقة للعادة"، هو من الأوهام الحداثية الضاربة بجذورها في أعماق فلسفة العبث واللامعقول.

ونخرج من ضيق الوهم إلى رحابة الواقع المعيش، ونسأل: كيف يمكن أن يتأتى للشاعر تغييرُ العالم، وتخطيه، وتفجيره؟ بأية آلة؟ باللغة؟ بالخيال؟ بالتصوير الفني؟

نعم، يستطيع الشاعر أن يعبر عن إلحاده، وعن تشككه في الأديان، وعن رفضه لقوانين المجتمع، عن عبثيته ولا مسؤوليته. يستطيع أن يفعل هذا، لأن في إمكان العبارة اللغوية، والصياغة الشعرية أن تسعفه في مطلبه إلى حد بعيد.

أما الحديث، في رسالة الشاعر، عن التغيير، والتمزيق، والهدم، والخرق، وغيرها من مفردات الحداثة الإديولوجية العنفية، فما نراه إلا من آثار الفلسفات العبثية المجردة في النقد الأدبي، وذلك من جرّاء خضوع الرؤية الفنية الإبداعية إلى الرؤية الفلسفية الإديولوجية، وإلا فما علاقة هذه الرسالة الوهمية "الميتافيزقية" بالنقد الأدبي عموما، وبخصائص الإبداع الشعري تخصيصا؟

إن الشاعر، قبل أن يكون فنانا مبدعا، هو أولا إنسان يعيش في مجتمع منظم، مثله مثل سائر الأفراد، له ما لهم من حقوق، وعليه ما عليهم من واجبات.

ولا شك أن عالَمَ الشاعر، في تجاربه الذاتية، وخصيصته الفنية الإبداعية، هو عالم التعبير، والتصوير، والتخييل، والصياغة، والكلام، والمعاني. لكن هذا التميز لا يجرد الشاعر عن اجتماعيته ومسؤوليته تجاه الناس بما هم شركاؤه داخل المجتمع الواحد، المجتمع الإقليمي الصغير أو المجتمع الكوني الكبير.

وإنه لمن الضحالة في النقد الأدبي، ومن الجراءة على الدين ومقدساته، ما نجده عند كُتاب الحداثة، وأخص هنا كتّاب المدرسة الأدونيسية، من إضفاء صفة النبوة على الشاعر، ونحْله، تبعا لذلك، صفات القداسة، والنزاهة، والعصمة، ورسالةِ الزعامة والهداية والتوجيه.

وهذا، عندي، من أقبح ما يقرأه المؤمنُ في كتابات الحداثيين المتطرفين، وكأن الحداثة، عند هؤلاء الكتاب النقاد، إنما وُجدت، فقط، لكي لا ترعى حرمة لأي مقدس من مقدسات الناس، ولو كان هذا المقدس هو الإسلام دين المسلمين في المجتمعات العربية الإسلامية.

فما معنى قول الأديب الباحث المغربي محمد بنيس: "…والشاعر الخالق للغة هو النبي"[10]؟ أين هي صفة النقد في مثل هذا الكلام؟

أين هي المسؤولية الاجتماعية تجاه الآخرين؟ وأين هو الذوق، بلْهَ الإبداعَ الشعريَّ، في مثل قول أدونيس في تجربة "نوح الجديد"[11]:

 "لم أحفل بقول الإله…ولا نصغي لقول الإله…لا نصغي لذاك الإله…تقنا إلى رب سواه."؟

وهل من إسفاف أكبر من هذا الذي نقرأه في مثل قول أدونيس:

"لا الله أختار، ولا الشيطان

"كلاهما جدار"؟

وقوله:

"أحرق ميراثي، أقول أرضي

"بكر، ولا قبور في شبابي.

"أعبر فوق الله والشيطان."؟

وقوله، على لسان الشلمغاني(محمد بن علي. قيل صُلب سنة322 بسبب إلحاده وزندقته):

"اتركوا الصلاة والصيام وبقية العبادات

"لا تتناكحوا بعقد


"أبيحوا الفروج

"للإنسان أن يجامع من يشاء…"؟[12]

وإذا تجاوزنا مسألة المضمون الفاسد، فأين هي الشاعريةُ في هذا الكلام يا نقادنا الحداثيين؟

ليس في هذا الكلام، في رأيي، رائحة من الشعر، إلا أن يكون الشعرُ يساوي حكايةَ الإلحاد والزندقة بألفاظ غارقة في العامية النابية، والإسفافَ في انتهاك مقدسات المؤمنين إلى قاع الحضيض.

وماذا، غيرُ فحش الكلام مصوغا بنثر تقريري بارد، في مثل قول أدونيس، المرشح العربي المفضل-ويا حسرة على العرب- لجائزة نوبل:

"خرج العاشقُ إلى عشيقته يجامعها للمرة الأولى


                            "يتقدمه إله يهيء السّرير

                            "ترافقه إلهة تفكّ زنّارها…"؟(نفسه، ص15)

ومن الكلام الذي قرأه أدونيس وأجاز نشره في مجلته "مواقف"، قولُ عبد الله العذري:

"قُبض على الله

"فيما كان يسرق رغيفا

"في شوارع مكة

"قال شرطي: "هل سنقطع يده؟"

"قال آخر:

"ليس منا"

"صرخ الرئيس:

"قلنا لك ألا تعود !"

"قال الله:

"الكرسي الذي تجلس عليه كان لي."[13]

أين هي الصنعة الفنية في هذا الكلام؟

أين هو الإبداع الذي دعا أدونيس إلى قبول مثل هذا الكلام؟

إن نشر مثل هذا الكلام، في مجتمع مسلم، يقدس أبناؤه اسم الله، واسم رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويعظمون العقائد والشرائع وغيرَها من مقتضيات الإيمان في الأقوال والأعمال، لا يمكن أن يولّد في النفوس إلا مشاعر المقت والكراهية والاشمئزاز.

والأمثلة على هذه الوقاحات الكلامية، في تجارب الحداثيين أنصارِ الإديولوجية العنفية المتطرفة، أكثر من أن تحصى، وحسبنا منها هذه الإشارات السابقة.

وللكلام بقية في الأسبوع المقبل إن شاء الله.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.




[1] أذكّر هنا بأن وصف بعض الحداثيين بالتطرف ليس من عندي، بل اقتبسته من كلام بعض الأدباء والنقاد الذين عاشوا التجربة الحداثية من الداخل، وخبروا فلسفتها وأطروحاتها فكرا وإبداعا. من هؤلاء الأديب المغربي أحمد المعداوي، الذي استعمل عبارة "الحداثة المتطرفة" وعبارة "غلاة الحداثة" لوصف المتطرفين من أنصارها، وذلك في أكثر من موضع من كتابه النقدي: "أزمة الحداثة في الشعر العربي الحديث"، ص110،115،147،175.
[2] نسبة إلى "أدونيس"، علي أحمد سعيد إسبر، الحداثي الملحد المشهور، وهو سوري الأصل من مواليد سنة 1930، ومقيم في فرنسا، وما يزال مرشح العرب الأول لجائزة نوبل للآداب. وإني أعدّه على رأس الحداثيين اللادينيين، لأن مشروعه برمته، في الأدب والنقد والفكر، إنما عمادُه الطعن على الإسلام ومقدساته، والإشادة بضلالات الإلحاد والدفاع عن رموزه في الماضي والحاضر. ومن مسلماته الحداثية أن الإلحاد كان أول شكل للحداثة العربية.
[3] من الانتقادات التي وجهها الدكتور صادق جلال العظم-وهو من رفقاء أدونيس القدامى على درب النضال الشيوعي في لبنان- لبيان أدونيس حول الحداثة، أن أدونيس، في حديثه عن الإبداع، ينزع إلى استعمال لغة "لا تستخدم عادة إلا عندما يراد الإشارة إلى الله." ويذكر العظم أننا حينما "ننفذ إلى الجوهر في "بيان الحداثة" نجد أنفسنا أمام مقولة ميتافيزقية أولية إطلاقا…"، ثم ينتهي إلى أن الإبداع، عند أدونيس، يقع "في التحليل الأخير، خارج الزمان والمكان والتاريخ والصيرورة المادية والبشرية عموما."(أدونيس والنقد المنفلت من عقاله، بقلم صادق جلال العظم، في مجلة "دراسات عربية"، العدد4، السنة18، فبراير/1982، ص59.)
[4] الشعر العربي ومشكلة التجديد، لأدونيس، في مجلة "شعر"، عدد21، السنة6، شتاء 1962، ص98.
[5] "الشعر العربي الحديث، بنياته وإبدالاتها"، للدكتور محمد بنيس: 3/87، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط1، بين عامي1989و1990.
[6]  سيلاحظُ القارئ أني أركز كثيرا في كلامي على مقولات أدونيس، والسبب أني أراه رئيسَ مدرسة، والتركيز عليه يكفي لاستحضار المدرسة بكاملها. ثم إن غزارة كتاباته ووضوحها في هذا الشأن تغنينا كثيرا في الكشف عن فلسفة الحداثيين اللادينيين ومراميهم القريبة والبعيدة.
[7] الثابت والمتحول،(صدمة الحداثة)، ص165. وهذا الكتاب في أصله أطروحة نال بها أدونيس، من جامعة القديس يوسف بلبنان، شهادة الدكتوراه. وهو يجمع بين دفتيه، وبالعبارة الصريحة، أسس المذهب الأدونيسي في محاربة الإسلام، في معتقداته وشرائعه وأخلاقه وآدابه، وفي الانتصار لمذاهب الزندقة والإلحاد بكل مشاربها وتياراتها واجتهاداتها، وفي كل مظاهرها وتنظيماتها وتجلياتها.
[8] حركية الإبداع(دراسات في الأدب العربي الحديث)، لخالدة سعيد، دار العودة، بيروت،ط1، 1979،ص89. للتذكير، فخالدة سعيد هاته هي زوجة أدونيس، ورفيقته في النضال ضد الإسلام وحضارته منذ أيام الحزب القومي السوري الاجتماعي بسوريا. وله معها بنتان "نينار" و"أرواد".
[9] الشعر العربي ومشكلة التجديد، لأدونيس، ص98.
[10] الشعر العربي، بنياته وإبدالاتها:3/97.
[11] أغاني مهيار الدمشقي، الآثار الكاملة، المجلد1، دار العودة، بيروت، ط3،ص499،450.
[12] مفرد بصيغة الجمع، لأدونيس، دار العودة، بيروت، 1977،ص85.
[13] مجلة "مواقف"، العدد 46، ربيع1983، ص47.