الخميس، 18 أغسطس 2011

الوجهُ الآخر لأدونيس(6)


بسم الله الرحمن الرحيم

الوجهُ الآخر لأدونيس(6)
أدونيس أبو (نينار)

(1)
(نينار إسبر) هي ابنة أدونيس الثانية، وُلدت ببيروت سنة 1971، و(إسبر) هو الاسم العائلي. ولنينار أخت أكبر منها اسمها (أرواد). وأمّ (نينار) و(أرواد) هي الكاتبة الناقدة السورية (خالدة سعيد)، التي تعرفت على أدونيس في صفوف الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي أسسه النصراني اللبناني أنطون سعادة سنة 1932، وتزوجا سنة 1956.
اسم (خالدة سعيد) اليوم خاملٌ تغطّيه شهرةُ زوجها أدونيس، فهو لا يكاد يظهر إلا في المناسبات الأكاديمية، أو في بعض اللقاءات الإعلامية. وقد اشتهرت المرأة، أول أمرها، بمقالاتها النقدية في مجلة "شعر"، التي أسسها يوسف الخال بتعاون مع أدونيس. وقد كانت في البداية تكتب باسم (خزامى صبري) المستعار.
يقول أدونيس متحدثا إلى ابنته (نينار): "هل تعلمين أني لم أكن أرغب في الأولاد. لقد جئتما[أي (نينار) وأختها (أرواد)] من طريق الخطأ".(محادثات مع أدونيس أبي،86)
فتجيبه نينار: "أعلم هذا". ويطول الحديث بين الأب وابنته عن الوجود والخلق والإنسان والأولاد والنسل والحفاظ عن الجنس البشري، فلا تقرأ إلا الجفاف في الأفكار والعواطف، ولا ترى إلا الكلوح والخواء في الأفهام والعبارات، ولا تستشعر إلا التفاهة والضياع في الأحلام والأمنيات.
الأب يعترف لبنته بأنها قد جاءت إلى الدنيا خطأ، وهي تسايره في جفافه العاطفي، بل نجدها، في بعض كلامها، تنقم على وجود الجنس البشري كلّه!
ولنقرأ، مثلا، المقتطفَ التالي من حديثهما، (نينار هي المتحدث الأول):
-        عمْري اليوم ثلاثٌ وثلاثون سنة، وليس لي أولاد. أنا لا أرغب في الإنجاب، لأني لا أريد أن ألد مخلوقا سينتهي إلى الموت. عندي قطتان أحبهما، ولا أريد أن أرى ملامحي فيهما، وفي بعض الأحيان يخيل إلي أن هناك شبها قد بدأ يظهر بيني وبين القطتين...
أنا فضولية كثيرا فيما يخصّ موضوع العلاقة بالأولاد. لو افترضنا أنني أصبحت في يوم من الأيام أّمّا لطفل، فإنني قد أكون غير مرتاحة أن أرى فيه ملامحي...
وبعد مرور بعض الوقت، تسأل نينار أباها:
-        هل تؤمن بأهمّية أخْذِ الأبناء عن الآباء؟
-        لا.
-        إنه ليس مهما؟
-        نظريا، أحبذ أن يكون أبنائي مخالفين لي، وأن يكونوا متميزين فيما يفعلون. ولا يهمني مطلقا أن يكونوا مثلي...
-        ألا تورّثهم بعضَ القيم؟
-        لا، أنا لا أفرض عليهم شيئا. الشيء الذي يهمني هو أن يكونوا متفوقين في عملهم، وفي مستواهم المهني، مهما يكن العمل الذي يزاولونه...
-        هل لتوريث شيء للأولاد علاقةٌ بالخلود؟ فإن أنت بقِيتَ حيّا من خلالي، مثلا، بأن ظَلِلْتُ أبلِّغُ ما لقّنْتَنِيه، فأنت لن تكون موجودا للاستفادة من هذا...فأنا لا أرى فائدة في إنجاب الأطفال لمجرد أن جزءا منا سيجعلنا نبقى أحياء. أنا لا أهتم بهذا، لأني لن أكون حية لمعرفة ماذا سيقع بعد موتي...أما من جهة الأولاد، فإن لهم دورا آخر غير أن يكونوا فقط خلَفاً لسَلَف...إني أجد الأمر مضللا ومؤسفا. نعم، ورغم كل هذا، فمعظمُ الناس لهم أولاد، وإن لم يكن لهم، أحيانا، رغبةٌ فيهم، أو من غير أن يفكروا؛ إنه نوعٌ من التقاليد...
-        الأهمّ هو إيصال أفكار إلى الأبناء بدل التشابه الخِلْقي الشكلي.
-        أنا متفقة معك على طول الخط، إلا أن هناك كثيرا من الناس ليس لهم من هدف وراء الإنجاب إلا الإنجاب!
-        نعم، لأنه ليس لهم أمرٌ آخر يشتغلون به على الإطلاق. إنهم يعتقدون أنهم سيخلدون بفضل خصائصهم الجسمانية. في قريتي، كان الناس يقولون عن الطفل الذي يكون هو وأبوه، في الشبه، مثل قطرتين من الماء: "إنه بُصَاقُ أبيه".
-        نعم، إنهم يعتقدون أنهم سيدومون بواسطة عَقِبِهم!
-        بعض الناس لهم نقط ضعف...
-        فلماذا الإنجابُ إذن؟
-        أساسا لإعادة إنتاج النوع البشري. لأن الناس كلهم لو فكروا كما تفكرين، لانقرض النوع البشري في الأجيال المقبلة.
-        نحن اليوم ستة ملايير ونصف مليار إنسان فوق الأرض!
-        إن فكرتْ هذه الملاييرُ الستةُ مثلما تفكرين، فلن يكون هناك، بعد سنوات، طفلٌ فوق الأرض.
-        هذا يعني أن الإنسان ينجب لأسباب اقتصادية؟
-        من أجل البقاء، من أجل الاستمرارية...
-        الاستمرارية؟ لأية غاية؟ الأرض نفسُها ستموت في يوم من الأيام، وكذلك الشمس!
-        هذا موضوع آخر لا علاقة له بحفظ النوع البشري.
-        نعم، ولكن لماذا هذا الإصرار على حفظ النوع البشري؟
-        هل تريدين إنهاء الجنس البشري؟
-        نعم(ضحِكٌ)
-        إذن، قولي هذا بصراحة(ضحِك)
-        بجدّ، أنا أريد أن أعرف لماذا؟
-        لأن المخلوق البشري هو أجمل الأنواع الحية؟
-        أجل...
-        ليس هناك أجمل منه، لذا وجبت حمايته...(انتهى المقتطف،ص82-86)
فماذا في هذا الكلام غيرُ القَحْط الروحي والضحالةِ الفكرية؟

(2)
يلاحظ المتتبّعون لسيرة (نينار) أن هذه المرأة تشتغل في  مجالات فنية متنوعة، لكنها ليس فنانة بارعة في أي مجال؛ فهي موجودة في المسرح، في الرقص، في الاستعراض، في الرسم، في التصوير، في السينما، في الكتابة، لكنها فاشلة، بالمعنى الفني المهني، ومِنْ ثَمّ، فهي اسم مجهول، فنيا ومهنيا، لولا اسمُ أبيها، ولولا شهرةُ أبيها، ولولا محيطُ أبيها ونفوذه.
ظهر اسمُ (نينار) إلى الجمهور الواسع بصدور كتابِها "محادثات مع أدونيس أبي"، الذي ظهر في طبعته الفرنسية الأولى في مارس2006.
لقد خرجت البنتُ إلى دنيا الناس والإعلام والشهرة متدثّرةً باسم أبيها، وإلا، فماذا عندها من علم أو فن أو إبداع حتى تُسلَّط عليها الأضواءُ، وحتى تستدعيها مؤسساتٌ ووزاراتٌ وجمعيات في بعض الدول، وحتى يتم الاحتفاءُ بها والرفعُ من قدرها واستقبالها بالتبجيل والمدح والتعظيم؟
ليس عند المسكينة شيء، إلا أنها بنتُ أبيها، التي عرفَت، في دنيا الأضواء والإشهار والموضة والألوان، وهي التي تعرف شيئا عن فن التمثيل والاستعراض، كيف تستغل اسم أبيها لترتقي إلى مكانة هي أبعد وأضعف من أن تنالها لو رجع الأمر إلى نفسها وعملها بمعزل عن أبيها.
وقد كان المغرب من الدول التي استدعت (نينار) لعرض كتابها، ضمن أنشطة الدورة الرابعة عشرة لمعرض الكتاب بالدار البيضاء، في فبراير 2008.
وكتابُها هذا "محادثات مع أدونيس أبي"، كما أشرت سابقا، هو عبارة عن أحاديث دارت بينها وبين أبيها في جلسات متفرقة، جمعتها وطبعتها في كتاب. وهذا يعني أن (نينار)، في الحقيقة، لا علاقة لها بالفكر والكتابة والأدب، وأن هذا الكتاب الذي قدمته في معرض الدار البيضاء، في رأيي، لم يكن ليكتسب قيمةً لولا كونُ صاحبته هي ابنة أدونيس أولا، ولولا الجراءةُ على مقدسات الإسلام والمسلمين التي طبعت فقراته من أوله إلى آخره ثانيا، ولولا ثالثا، وفي رأيي دائما، لوبيات أصحاب الإعلام ودور النشر والتوزيع ومن ورائهم يدٌ تسعى، وستظل تسعى، من أجل أن يتردى المسلمون في حضيض الزيغ والضياع واللاهُوِيّة.
وقد نَظّم بيتُ الشعر، تحت رعاية وزارة الثقافة، لقاءً لمناقشة كتاب (نينار)، حضره مجموعةٌ من الشعراء والنقاد والفنانين. وقد تقدم، في هذا اللقاء، الكاتب الناقدُ عبد الرحمن طنكول بعرْض نوّه فيه بالكتاب وصاحبته، وأشاد بالجرأة التي تَميز بها في طرح كثير من القضايا المتعلقة بالدين والجنس والأسرة والسياسة، من غير أن يقول كلمةَ نقد واحدة ترفض وتحتج وتدين انتهاك مقدسات المسلمين، وتكذيب كلام الله، والاستهزاء بشرائع الإسلام وآدابه.
الكتابُ طافح بالمزاعم والافتراءات والأباطيل في حق دين المسلمين، والرجل الناقد المسلم، وكأنه لا يرى ولا يشعر ولا يغار ولا يغضب لدينه، يمدح الكتاب، بل يراه كتابا يمثل نوعا أدبيا جديدا، وهو "الحوارات"، لم يجد من النقاد ما يستحقه من الاهتمام.
عن أي "نوع أدبي" يتحدث السيد طنكول؟
الكتاب عبارة عن أحاديث غارقة في الكلام العادي، مصوغة بلغة شبه عامية، فلا أدب، ولا جمال، ولا خيال، ولا أي شيء.
والغريب أن الناقد طنكول ذكر في عرضه أن أدونيس، في أحاديثه مع ابنته، لم يكن معنيا بتقديم أجوبة نهائية على الأسئلة التي كانت تطرحها عليها (نينار)، لأنه، بصفته مبدعا، يُحول الأسئلة إلى أسئلة أخرى أكبر. وكأن الأستاذ طنكول لم يقرأ الكتاب، ولم يقرأ أجوبة أدونيس الواضحة الكاملة على كثير من الأشياء، وفي أكثر من موضوع، وخاصة في الموضوعات التي لها علاقة بالإسلام والمسلمين.
ألم يكن أدونيس واضحا حين كذّب القرآنَ، وحين زعم أن وصفَ القرآن لفترة ما قبل الإسلام بالجاهلية إنما هو من عمل المؤرخين المسلمين(ص171)؟
ألم يُنكر ما رواه القرآن الكريمُ عن عادة وأد البنات في الجاهلية(ص171)؟
ألم يجب على سؤال واضح لابنته بأنه ملحد لا يؤمن بدين(ص107)؟
ألم يصرح في حديثه أن كبارَ الشعراء في الإسلام كانوا ملحدين(ص146)؟
ألم يكن صاحبَ رأي واضح حينما زعمَ أن فكرة الله هي من اختراع الإنسان(ص163)؟
هذا مثال من أمثلة كثيرة. أليس أدونيس في هذا الكلام صاحبَ رأي وموقف واضح من الإسلام ومقدساته؟
ألم يكن أدونيس، في محادثاته مع بنته، متكلما مجيبا عن كثير من الأسئلة بما يوضح رأيه، ويكشف عن سربه، ويفضح حقيقةَ معتقداته؟
ثم يأتي الناقد المغربي، المنبهر الضعيف أمام بنت الحداثي الكبير، ليحدثنا عن أدونيس المبدع الذي لا يجيب عن الأسئلة، وإنما هو يولّد من الأسئلة أسئلةً أكبر منها، وذلك لإيهامنا بأننا أمام بشر لا كسائر البشر، وأننا بحضرة الإبداع المطلق، الذي يجب أن يعامل بطقوس خاصة؟
لقد كان الكتابُ بمضامينه الواضحة في واد، وعرضُ الناقد عبد الرحمن طنكول في واد آخر، وكأن اللقاء كان للمدح والتنويه والاحتفاء بالمرأة الضيفِ(ويقال أيضا ضيفَة) الكبير، لأنها ابنة أدونيس، ولا شيء غير ذلك. 
ثم تكلم، في هذا اللقاء، الذي خصص لبنت أدونيس وكتابها، الشاعرُ حسن نجمي، وهو يومئذ رئيسُ بيت الشعر، وسار على منوال الأستاذ طنكول، مادحا ومنوها بالكتاب وصاحبته،  وذاكرا أن من محاسن الكتاب ومزاياه أنه أسقط الطابوهات وخلخل المفاهيم الخاطئة.
ولا أحد من المتكلمين في هذا اللقاء النقدي تجرأ على نقد الكتاب نقدا حقيقيا مركزا على ما جاء فيه، بالعبارة الصريحة، من افتراءات وأحكام ظالمة، وأفكار وآراء مطبوعة بكثير من العبث واللاموضوعية.
لقد عرضت (نينار) كتابها في الدار البيضاء، كما عرضته في أماكن أخرى، وسألها السائلون، وناقشها المناقشون، وقام لها المعجبون وصفقوا، لكن كلَّ ذلك كان بناء على شيء يعتبر عندهم من المسلّمات، وهي أن من حق أيٍّ كان أن يقول  ما يريد، وبالطريقة التي يريد من غير قيد ولا شرط ولا حدود، ومن حقه- وهذا هو الأساس الذي لا حداثة عندهم بدونه- أن يتناول الدينَ والمتدينين- والإسلامُ دائما هو المقصود طبعا- بكل الأساليب الطاعنة الجارحة المشككة المستهزئة، وإلا فهو الإرهابُ وقمع الحريات ومنعُ الحقوق إلى غير ذلك مما نحفظه في صراخات الحداثيين المتطرفين من طينة أدونيس ومن ذهب مذهبه في الزندقة والإلحاد.
وقد كنت كتبت، في فبراير من سنة 2008، مقالا بمناسبة مجيئها إلى معرض الكتاب المذكور، عرضت فيه رأيي في الكتاب وصاحبته وأبيها. وسأورد هنا مقتطفات من هذا المقال أراها مناسبة لسياق الحديث وموضوعه.

(3)
لقد قرأتُ كتابَ (نينار) بمنظار يختلف جذريا عن منظار التلامذة الخاضعين المنبهرين المدّاحين. قرأته بمنظار يُسلط الضوء على المادة الأساس التي تشكل العمود الفقري لأحاديث الكتاب، والتي لا يُعيرها قراءُ الكتاب ونقادهُ والمتحدثون عنه، حسب ما علمت وقرأت، أدنى اهتمام. ولا أشك أن الإديولوجية اللائكية(اللادينية) لها دور كبير في مثل هذه القراءات النقدية التي تسكت عن جوهر محادثات الكتاب، وتشتغل بالهوامش من أجل تسجيل مزيد من المدح والإعجاب بالشاعر "الحداثي الكبير" وابنته التي ليست كسائر بنات حواء.
مضمون الكتاب كله، بأسئلة البنت وأجوبة الأب، يصب في اتجاه واحد وهو التشكيك في الدين، والطعنُ في  أصوله الإيمانية وشرائعه وآدابه وأخلاقه، ومحاكمةُ الإسلام والإسلاميين محاكمة كلها ظلمٌ في ظلم، وتلفيق في تلفيق، وباطل في باطل.
والكتابُ أيضا هو انتصار للمذهبية الحداثية المتطرفة بوجهيها الإلحادي والعبثي، وانبهارٌ واحتفاء لا حدّ له بالفكر اللاشيئي الذي يجسد في صورة ناصعة مأساويةَ التّغَرّب والضياع والمسخ الميئوس منه.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن الكتاب، على طوله، يبيّن الدرك الذي تردّت فيه العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة العربية المسلمة على يد حداثيين لادينيين لا يؤمنون بأصول، ولا بشرائع، ولا بأخلاق، ولا بآداب، ولا بأعراف؛ بل الأصل عندهم في الأشياء هو اللاأصل، واللامعنى، واللاقصد، واللاهدف؛ عبث في عبث هي الحياة في هذه الرؤية، بل هي مأساةٌ أعمقُ وأثقل من مأساة الدهريين الذين يحدثنا القرآن الكريم عنهم وعن مصيرهم. ظلام في ظلام، والعياذ بالله.
لا بد أن أتكلم ههنا بهذه اللغة القوية والعبارة المتفجرة والإحساس الجيّاش، لأن واقعَ هذا المسخ الثقافي والعبث الفكري لا يحتمل لغة المجاملة، ولا عبارات "السادة" المثقفين في الصالونات المغلقة؛ إذن، فلتُسمّ الأشياءُ بأسمائها، وليعذرني القارئ الكريم.
من صفات هذا التردّي في علاقة الأب بأولاده، كما في هذا الكتاب، أن تسأل البنتُ أباها عن رأيه في جسدها، في خصوصيته الأنثوية، وفي جانبه الشهواني، بل وفي أكثر من ذلك مما لا يليق، في أخلاقنا وآدابنا وأعرافنا، إلا بأبناء "الزنقة" الذين لا ضابط لهم ولا وازع ولا ذوق. بل تصل الوقاحة والإسفاف والسفالة والعهارة مداها حينما تسأل البنت أباها إن كان يقع له في بعض الأحيان أن يشتهي جسدَها، أو أن يتصور المرأةَ التي يحلم بمضاجعتها على صورتها؟ وتسأله، أيضا، إن كان يأخذه إحساس ما بالغيرة حينما يتخيلها في أحضان رجل آخر، وهو أبوها الذي "خلق" جسدها، والذي طالما لمس هذا الجسد وداعبه؟ (ص58-59 وص96-104).
وعلى هذا النمط من الجرأة في حديث البنت مع أبيها لا تجد (نينار) حرجا أن تصرح بتعدد علاقاتها الجنسية مع الرجال، وبأنها لا ترى ضيرا على المرأة أن تتنقل من عشيق إلى عشيق، لأن المهم عندها هو أن تحسن هذه المرأةُ اختيار "أصحابها"(ص58). أما أبوها أدونيس، فليس يرى مشكلةً في تعدد مُضاجِعي ابنته، والمهم عنده أن تعتنيَ بنتُه بجسدها وألا تحتقره، وأن تعمل لتبدو دائما جميلة، وألا تسلّم جسدها لأي كان، ولكن تسلمه للرجل الذي يستحقه(ص99-100).
وفي سياق حديثها عن الطابوهات المتعلقة بموضوع "الجسد" و"الجنس" أو "الحب"، تذكر أنها كانت تعتقد أن هذه المحرمات مقصورة على بلاد المسلمين، لكنها في يوم من الأيام، وفي نيويورك الأمريكية، فوجئت بأن ذلك ليس صحيحا؛ فقد كانت هي وعشيق لها يسيران في أحد شوارع منهاتن، ومن حين لآخر كانا يتعانقان ويتبادلان القبل، فإذا ببعض الناس في سياراتهم يقفون وينهرونهما ويطلبون إليهما أن يستترا وأن يذهبا لأماكن مخصصة لما يفعلون، وكأنهم يقصدون دور البغاء(58-59). ولم يعجب البنتَ طبعا أن تجد في أمريكا من ينهرها وينكر عليها المجاهرةَ بما تسميه هي مشاعر "الحب"!!
كيف تعيش هذه المخلوقة (نينار)؟ كيف تنظر إلى الحياة؟ إلى الموت؟ إلى فكرة الأمومة والإنجاب؟ إلى الإيمان والكفر والإلحاد؟ إلى الدين؟ إلى الحجاب؟ إلى غير ذلك من الموضوعات الكثيرة التي أثارتها في أحاديثها مع أبيها؟
تقرأ أسئلةَ البنت وأجوبة الأب وما كان يدور بينهما من نقاش، ولا تجد إلا تكريسا لما أشرت إليه، قبل قليل، من تهجم سافر على الإسلام والمسلمين، وإصدار أحكام مبيتة ملؤها الجهل والحقد والتعالم والتردي في حداثية متطرفة غارقة في ظلام لا صباح له.
وأزيدك شيئا؛ فمن حين لآخر، والحديثُ جار بين الأب وبنته، كان الأب أدونيس يرفع كأسَ الخمر ويقرعه بكأس ابنته قائلا: في صحتك(ص91). هكذا يكون رضا الوالدين، وإلا فلا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ويظهر ضياعُ البنت ومأساة وجودها أكثر حينما تصرح لأبيها بأنها لا تريد أن تصبح أمّا- وهل هي متزوجة أصلا؟ فواضح من سياق كلامها أنها تتحدث عن الإنجاب خارج مؤسسة الأسرة الطبيعية. لا تريد البنتُ (نينار) أن تصبح أما، لأنها، حسب تعليلها الحداثي البائس، لا تريد أن تنجب مخلوقا سينتهي إلى الموت(ص82). وبدل أن تكون أمّا عَزَبَة لمخلوقات آدمية، اختارت أن تكون أمّا لقطتين توليهما من عطفها وحبها الشيء الكثير(ص82).
ولا أدل على ضلال هذه البنت وخبالها من أن تتمنى أن تُحرق جثتها بعد موتها، وأن يذرّ رمادها في البحر المتوسط، لأن هذا الفعل، حسب عبارتها، له دلالة رمزية(ص125)!!
ألا تستحق هذه البنتُ منا الشفقة والرثاء؟
هل تركت هذه البنتُ شيئا لتستحق أن تكون النموذج المثالي للجالية العربية المسلمة المغَرّبة التائهة الضائعة في دخان الحضارة الغربية الحداثية اللادينية؟

(4)
لا يُخفي الوالدُ أدونيس موافقته لابنته في كثير من جهالاتها وزندقاتها وهرطقاتها؛ فلا خلاف بينهما على الإطلاق في التنكر للدين، وكذلك في المجاهرة، في كل مناسبة، بالكراهية والعداء للإسلام وشرائعه وآدابه وتقاليد أهله. أليسا معا حداثيين؟ أليسا ينتميان إلى صنف من البشر، ويحتلان مكانة فوق البشر، ويفهمان أكثر من البشر؟ باختصار، أليس هو أدونيس، وهي ابنته نينار؟
وأكتفي، فيما يلي، بإطلالة سريعة ومقتضبة على بعض المقولات الأدونيسية الإلحادية والعبثية الواردة في أثناء أحاديثه مع ابنته.
يُعجِبُ الأبَ العجوزَ كثيرا أن يتحدث في كل مناسبة عن لقبه (أدونيس)- وهو اسم لأحد الآلهة في الأساطير الوثنية القديمة- ويشيد بما أكسبه إياه هذا اللقب من المعنى الإنساني الكوني ، فضلا عن الشهرة. فهذا اللقب، يؤكد أدونيس مفتخرا، هو الذي أخرجه من ضيق الطائفية الإسلامية التي كان يسجنه فيها اسمُه (علي) إلى  سعة الهوية العالمية التي لا حدود لها. وحينما تلاحظ ابنتُه بأن اسم (علي) له دلالة إسلامية بخلاف لقب (أدونيس) الراسخ في الوثنية، فإنه يردّ بسرعة بأنه مع المعنى الوثني(ص46). وهذا ردّ طبيعي، وخاصة إذا علمنا أن أدونيس قد صرح في مناسبات عديدة بأنه وثني في معتقده. بل هو يذهب بعيدا لإثبات الأصل الوثني لاسمه الإسلامي حينما يزعم أن اسم (علي) مشتق من (EL ) وهو اسم الإله الأعظم عند السومريين...(ص46).
وهل يُخفي أدونيس إلحادَه؟ وهل يتردد الرجل في إعلان عدم إيمانه بأي دين؟
في(ص107) تسأله بنتُه: هل يمكن للإنسان أن يعيش بلا حدود وبلا دين؟ فيجيبها بالحرف: "هناك كثير من الناس يعيشون بلا دين، وأنا واحد منهم. إني لا أؤمن بدين". وتعقب (نينار) قائلة: "وأنا كذلك. إذن، يمكن للإنسان أن يعيش مستقلا عن الدين..."
وتسأله عن علاقته بطائفته العلوية في سوريا، فيجيبها بأنها علاقة محصورة في الجانب الاجتماعي والتاريخي(ص187).
والدين عموما، عند أدونيس، ليس فيه ما ينفع الناس اليوم.
وحتى لا أثقل على القارئ الكريم بالتكرار، يمكن مراجعة ما أوردته في المقالات السابقة من آراء أدونيس الإلحادية وافتراءاته على الإسلام وأصوله وتاريخه.
والإسلام كما يرى الملحدُ أدونيس كان في عصوره الأولى "متسامحا"؛ ففي عهد العباسيين كان اللواط مقبولا ومعترفا به(ص174-175). وعند هذه النقطة تغمر البنتَ نشوةٌ، وهي تسمع أباها يعرض عليها هذه "التفاهات"، فتقاطعه من السعادة صائحة: "ممتاز! إنه أمر عظيم Bravo! C'est génial! !"(ص175).
أما عن الخمار الإسلامي، فلأدونيس فيه تفسيرٌ عجيب فضلا عن إنكار أصله القرآني؛ فهو يرى أن المرأة لمّا كانت هي المنافس الوحيد لصورة الإله، فإن الرجل ارتأى أن يغطيَها(ص158). وقد عبر أدونيس عن موقفه من المسلمات الفرنسيات المتحجبات أثناء المعركة السياسية والقانونية والحقوقية التي اندلعت في فرنسا بهذا الشأن. وقد كتب مقالة في الموضوع كان فيها مَلكيّا أكثر من الملك، لأنه تطرف إلى أقصى حدّ في التشنيع على المواطنات الفرنسيات المتحجبات، واتهامهن في إيمانهن ونياتهن، وأنهن لم يردن بالتزام الحجاب إلا السوء لجمهورية الأنوار والإخاء والمواساة..!!
في جملة، قد تسأل أدونيس عن جميع أشياء الدنيا، وجوابُه دائما هو هو، يرجع بك، في نواته الصلبة، إلى أن الإلحاد هو معدن النور والحداثة والإبداع، وأن الدين هو أصل كل الشرور وكل أشكال القيود والمظالم والنقائص على وجه الأرض.
هذا هو (أدونيس) الأب، وهذه هي بنته (نينار)، في محادثاتهما "الحداثية" إلى أقصى حد.
المقالة القادمةُ، إن شاء الله، ستكون خاتمةَ مقالاتي عن الوجه الآخر لأدونيس.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

مراكش: 18 غشت 2011

الجمعة، 12 أغسطس 2011

الوجهُ الآخرُ لأدونيس(5)


بسم الله الرحمن الرحيم

الوجهُ الآخرُ لأدونيس(5)
"الصّوفيّةُ" في ميزان العلماء الأثْبات


(1)
لقد أجمع علماءُ الأمة المعتَبَرون من الفقهاء والمحَدّثِين والصوفية، رغم اختلاف مذاهبهم وتباين مشاربهم ومناهجهم، وكثرة خصوماتهم-أجمعوا على التصدّي للمُتفلْسِفَة والمبتدعة والزنادقة والغلاة ممّن تسموا باسم الصوفية، تحلّوا بحِلْيتهم في الظاهر والباطنُ منطَوٍ على المخالفة والجرأةِ على شرع الله.
لقد كان العلماءُ على قلب رجل واحد في التشدد والإنكار على أهل الأهواء، عامة، من "نواب إبليس وشرطه"، كما ينعتهم ابن قيم الجوزية، رحمه الله، ومنهم طوائفُ التصوف الفلسفي الإلحادي.
وعلى هذا، فإن المتصوفة نوعان: الأولُ متصوفة أقرّ علماء الإسلام طريقَهم وشهدوا لهم بالصلاح بما هم "مجتهدون في طاعة الله، كما اجتهد غيرُهم من أهل طاعة الله"، كما عبر ابن تيمية في فتاويه المشهورة(الفتاوي:ج11/ص18).
أما النوع الثاني فمتصوفة مدسوسون ومفضوحون بمقالاتهم وسلوكاتهم وأحوالهم، يرجع أمرُهم إلى الإلحاد في الدين، والطعن على الشريعة، فهم أهلُ كفر وضلال، لم تزلْ سهامُ علماء الأمة، على اختلاف طبقاتهم وتخصصاتهم، ترميهم من كل جانب، تفضحُهم وتردّ على ضلالاتهم وشبهاتهم، وتحذّر من شيطنتهم، وتحرض على مُزايلتهم، حتى تكشَّفت غوايتُهم وظهر للناس فسادُ عقائدهم، فأصبحوا في هامش المجتمع والتاريخ الإسلامي، مُفرَدين كالبعير المُعبَّد، كما عبّر الشاعر طرفة بن العبد. والبعير المعبّد هو المعزول عن الإبل لإصابته بداء العَبَد وهو الجَرَب الذي لا ينفعه دواء.
هذا هو الرأي المشهور في مقالات العلماء ومصادر المتصوفة الموثوق بها.
 أما أدونيس، وعلى طريقتِه اللاعلمية واللاموضوعية في التعامل مع المصادر والمراجع، فيكتفي من فتاوي الإمام ابن تيمية بما يوافق نظريَّته ويسير وفق منظوره، أي الفتوى المتعلقة بمتصوفة النوع الثاني، متصوفة الزندقة والإلحاد و"الأحوال الشيطانية"[يُراجع كتاب أدونيس حول "الصوفية والسوريالية"، ص17 و18]، ولا ينتبه، بل يسكت سكوتا مطلقا عن كون مذهب ابن تيمية في هذا الباب هو التمييز بين متصوفة السلوك على طريق الشرع، الذين يقر مذهبهم ويعظم مشايخهم ويستشهد بأقوالهم، ومتصوفةِ الزندقة والإلحاد، الذين ينعَى عليهم ضلالَهم وابتداعَهم، ولا يني ينتقدهم، وينقُض مقالاتهم، ويفضح عوراتِهم، ويشنّع عليهم، ويعُدّهم في أهل الأهواء والنحل الضالة.
والإمام ابن تيمية الذي رأى فيه أدونيس، حسب منظوره الخاص، ما أراد هو أن يرى فيه، لا كما هو في الحقيقة من كتاباته وفتاويه، ووصفَ فهمَه للصوفية-طبعا من خلال الفتوى التي انتقاها، والتي يطعن فيها ابن تيمية على المتصوفة الملاحدة- بأنه نموذج "للفهم التقليدي"(الصوفية والسوريالية،18)، أي "الفهم الظاهري التقليدي للنص القرآني"(نفسه)-
الإمامُ ابن تيمية هذا هو الذي يقول مميزا الصوفيةَ الصادقين ممّن انتسب إليهم من أهل الأهواء: "وقد انتسب إليهم[أي الصوفية الذين يُقرّ مذهبهم] طوائفُ من أهل البدع والزندقة. ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم…"(الفتاوي: ج11/18.)
لاحظ التقابلَ والتضاد، في عبارة الإمام ابن تيمية، بين "المحققين من الصوفية" وبين "المنتسبين إليهم" من أهل البدع والزندقة.
وفي سياق آخر ينبه الإمامُ ابن تيمية المؤمنَ إلى ضرورة التفرقة بين الزنادقة "الذين ضاهوا النصارى، وسلكوا سبيل أهل "الحلول والاتحاد"…وبين العالمين بالله والمحبين له، أولياءِ الله…فإنه قد يشتبه هؤلاء بهؤلاء…والله قد جعل آياتٍ وعلامات وبراهين، "ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.""(نفسه: ج11/77.)
وقبل الإمام ابن تيمية، ها هو الأستاذ عبد الكريم القشيري، الذي رجع إليه أدونيس كثيرا في بعض المسائل، التي تُعَضِّد دعاويه، في كتابه "الصوفية والسوريالية"، وليس لمعرفة حقيقةِ التصوف وحقيقة أهله الصادقين-ها هو هذا الفقيه الشافعيّ الأصوليّ الأديب، كما يصفه مترجموه، في مقدمة رسالته المشهورة، يذكر أنه لم يبق في زمانه -تُحدد بعض الروايات عمره بين 386هـ و465هـ-من الصوفية إلا أثرُهم، ثم ينشد متمثلا(الرسالة القشيرية، ص36):
"أما الخيامُ فإنها كخيامـهم***وأرى نساءَ الحيّ غيرَ نسائها"


ثم يصف الحالَ الذي آل إليه التصوف حيث فشا رفضُ التمييز بين الحلال والحرام، والاستخفافُ بأداء العبادات، والاستهانةُ بالصوم والصلاة، ومضى الناس "في ميدان الغفلات، وركنوا إلى اتباع الشهوات وقلة المبالاة بتعاطي المحظورات، والارتفاق[أي الاستعانة]بما يأخذونه من السُّوقَة والنساء وذوي السلطات…"(نفسه)
وهذا الإمام ابن قيم الجوزية، الفقيه الحنبلي المشهور، نجده في أكثر من موضع من كتاباته، وخاصة في "مدارج السالكين" و"إغاثة اللهفان"، يسوق كلامَ الصوفية من أهل الصدق والاستقامة مساقَ الحجة والدليل على تهافت أمر الزنادقة المبتدعة.
فهو يذكر، مثلا، أن من كيد الشيطان "أنه يُحسِّن إلى أرباب التخلي والزهد والرياضة العملَ بهاجسهم وواقعهم دون تحكيم أمرِ الشارع، ويقولون: القلبُ إذا كان محفوظا مع الله كانت هواجسُه وخواطرُه معصومة من الخطأ، وهذا من أبلغ كيدِ العدو فيهم."(إغاثة اللهفان: 1/143.)
ومما ردّ به ابن القيم على هؤلاء الجهال الذين يحكمون بهواجسهم وخواطرهم على الكتاب والسنة، ويزعمون أنهم إنما يأخذون بالحقائق، وغيرهم يتبع الرسوم-مما ردّ به على هؤلاء المدّعين: "أن أهل الاستقامة منهم[يريد الصوفية الصادقين]سلكوا على الجادة، ولم يلتفتوا إلى شيء من الخواطر والهواجس والإلهامات، حتى يقوم عليه شاهدان."(نفسه،1/145)
وقوله "حتى يقوم عليه شاهدان" يشير إلى قول أبي سليمان الداراني: "ربما تقع في قلبي النكتة من نكت القوم، أياما، فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة."

(2)
ولا شك أن أدونيس، الذي رجع إلى رسالة الأستاذ القشيري أكثر من مرة، قد قرأ أن الأستاذ القشيري قد جعل المدخلَ إلى كتابه الحديثَ عن "أصول التوحيد عند الصوفية"، من معرفة الله، وصفاته، والإيمان، والأرزاق، والكفر، والعرش، والحق سبحانه.(تُراجع "الرسالة القشيرية"، ص39 وما بعدها.)
ولعل كتابَ "التعرف لمذهب التصوف"، للإمام أبي بكر محمد ابن إسحق الكلاباذي، المتوفَّى سنة 380هـ، من أشهر التصانيف الأولى التي تصدّت للدفاع عن التصوف والصوفية، وإظهارِ براءة طريق القوم مما دسّه المبتدعةُ والبطّالون من خرافات واعتقادات منحرفة وسلوكات باطلة، ومما شابها من جرّاء ضلالات الزنادقة والفلاسفة الملحدين من أفكار وتأويلات ومقالات لا تمتّ بسبب إلى أصول الشرع في كتاب الله وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم.
ونظرا لأهمية مسألة الاعتقاد، وخاصة وأنها كانت على عهد زمان المؤلف مسألةً حساسة بين طوائف المسلمين وغيرهم من أهل الأهواء والزندقة، فقد خصص لها الإمام (الكلاباذي) في كتابه أبوابا كثيرة، بدأها في الباب الخامس بِـ"شرح قولهم في التوحيد"، وفي الباب السادس بِـ"شرح قولهم في الصفات"، إلى آخر مباحث ما اصطلح عليه بعلم الكلام، وما يتعلق به من موضوعات كانت دائما مدار خلاف واسع بين أهل السنة وغيرهم من الطوائف، كاختلافهم في الأسماء والصفات، واختلافهم حول القرآن، أقديم هو أم مخلوق، واختلافهم حول الرؤية، والقدر، والوعد والوعيد، والشفاعة، والروح، والملائكة.
وهذا الكتابُ، ومعه كتب أخرى، ألّفَها أصحابُها لجلاء حقيقة الاعتقاد في أصول التصوف، مُفحِمٌ لأدونيس وأمثاله الذين لا يرون في التصوف إلا نقيضَ الإسلام والإيمان "التقليدي"، وأنه تجربة قائمةٌ على مخالفة أصول العقيدة وأحكام الشريعة.
وملخص الكلام في هذا الموضوع أن أصول عقيدة المتصوفة، وكذلك أدلتهم القطعية والظنية فيما ذهبوا إليه في مقالاتهم وسلوكاتهم، وكذلك احتجاجاتهم وتفسيراتهم لما اجتهدوا فيه من مسائل الخلاف، كلّ ذلك نجده مدونا ومبسوطا في مظانه الموثوقة المعتمدة لدى طلاب الحق والإنصاف، كالرسالة القشيرية، و"التعرف لمذهب التصوف"، و"إحياء علوم الدين"، و"اللمع في التصوف"، و"عوارف المعارف"، و"مدارج السالكين"…
وكذلك رقائقهم ومواعظهم وما كانوا يتداولونه في مجالس النصيحة والتذكير التي كانوا يعقدونها، فهي محفوظة في كتب مثل "الفتح الرباني والفيض الرحماني"، للشيخ عبد القادر الجيلاني(توفي سنة 561هـ)، و"البرهان المؤيد"، للعارف بالله الشيخ أحمد الرفاعي الحسيني(توفي سنة 578هـ).
هذه هي المصادر الموثوقة والمظان المطلوبة، فضلا عن كتب التراجم والوفيات والطبقات والتواريخ، للتعرف على حقيقة التصوف، وليس كتب المتفلسفة وأشباهها من مجمّعات الغث والسمين، المعتمدة لدى طلاّب المثالب والتجريح والتشنيع، أو طلاب التمويه والتلفيق والتلبيس والتنميس.

(3)
لقد كان المشايخُ من الصوفية الصادقين من أشد المسلمين حرصا على كتاب الله وسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن تتلبّسَ بهما البدعُ، أو تنالهما تحريفاتُ الغالين الجهال، وعقائدُ الزنادقة الكفار.
يقول ابنُ رجب الحنبلي في ترجمة الشيخ عبد القادر الجيلاني الصوفي المشهور: "ظهر الشيخُ عبد القادر للناس، وجلس للوعظ بعد العشرين وخمسمائة، وحصل له القبولُ التام من الناس، واعتقدوا ديانتَه وصلاحَه، وانتفعوا به وبكلامه ووعظه، وانتصر أهلُ السنة بظهوره، واشتهرت أحوالُه وأقواله وكراماته ومكاشفاتُه، وهابه الملوكُ فمن دونهم."(كتاب الذيل على طبقات الحنابلة: 1/291-292.)
السُّنّةُ تنتصر بالتصوف ! وكيف يتفق هذا إن لم تكن السنةُ هي لبّ هذا التصوف وعمادَه وقوامَه؟
هذه مقالةٌ مردودةٌ عند من ليس معه من الشواهد إلا ما شذَّ وكان استثناء، أو ما كان مدسوسا مفترىً، معدنُه الأهواءُ والزندقة والضلال، أو ما كان مُنتخَبا حسب المطلوب ولحاجة في نفس المُنتَخِبين.
يكفينا في هذا الموضوع ما نقله ابنُ قيم الجوزية من إجماع الشيوخ العارفين على ضرورة ملازمة السالك للعلم.
قال في مطلع حديثه عن منزلة "العلم": "وهذه المنزلة إن لم تصحب السالكَ من أول قدم يضعه في الطريق إلى آخر قدم ينتهي إليه، فسلوكُه على غير طريق، وهو مقطوع عليه طريقُ الوصول، مسدودٌ عليه سبلُ الهدى والفلاح، مغلقةٌ عنه أبوابُها. وهذا إجماع من الشيوخ العارفين. ولم ينه عن العلم إلا قطّاعُ الطريق منهم، ونوابُ إبليس وشُرَطُه."(مدارج السالكين: 2/464) وهو يقصد بِـ"قطّاع الطريق" و"نواب إبليس وشرطه" الأدعياءَ من أهل الزندقة والأهواء، المدسوسين على الصوفية زورا وبهتانا.
ويَذكُر في مكان آخر وصيةَ القوم بالعلم، ثم يقول: "…وعامةُ من تزندق من السالكين فلإعراضه عن دواعي العلم، وسيْره على جادة الذوق والوجد، ذاهبة به الطريق كل مذهب. فهذا فتنة، والفتنة به شديدة."(نفسه: 1/158)

(4)
وأختم تعليقاتي على المنظور الأدونيسي بأقوال مختارة لبعض المشايخ تناسب هذا المقام، راعيت فيها التمثيلَ والاختصار.
"قال سيد الطائفة وشيخهم الجنيدُ بن محمد، رحمه الله: الطرق كلُّها مسدودةٌ على الخلق إلا من اقتفى آثارَ الرسول، صلى الله عليه وسلم."(مدارج السالكين: 2/464) وزيد في رواية: "واتبع سنتَه ولزم طريقتَه، فإن طرقَ الخيرات كلها مفتوحة عليه."(طبقات الصوفية، لأبي عبد الرحمن السلمي، ص159)
"وقال: من لم يحفظ القرآنَ ويكتب الحديث لا يُقتدى به في هذا الأمر، لأن علمَنا مقيّدٌ بالكتاب والسنة.
"وقال: مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة."(مدارج السالكين: 2/464)
"وقال ابن عطاء: كل ما سألت عنه فاطلبْه في مفازة العلم، فإن لم تجده ففي ميدان الحكمة. فإن لم تجده فزنْه بالتوحيد، فإن لم تجده في هذه المواضع الثلاثة فاضرب به وجهَ الشيطان."(نفسه: 2/466)
"وقال أبو الحسن النوري: من رأيته يدّعي مع الله حالةً تُخرجه عن حد العلم الشرعي فلا تقربْه. ومن رأيته يدعي حالةً لا يشهد لها حفظُ ظاهرِه فاتهمْه على دينه…
"وقال أبو حفص الكبير الشان: من لم يزن أحوالَه وأفعاله بالكتاب والسنة، ولم يتهمْ خواطرَه فلا تعدوه في ديوان الرجال."(نفسه: 1/146)
وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني في بعض مجالسه: "…الروح هو الإخلاص والتوحيدُ والثبات على كتاب الله وسنة رسوله. لا تغفلوا، اعكسوا تصيبوا، امتثلوا الأمرَ وانتهُوا عن النهي ووافقوا القدر…"(الفتح الرباني، ص71)
"إنما أريدكم لكم، في حبالكم أفتل. تبتدعُ وتُحدث في دين الله، عز وجل، شيئا لم يكن. اتبع الشاهدين العدلين الكتابَ والسّنة، فإنهما يوصلانك إلى ربك، عز وجل. وأما إن كنت مبتدعا فشاهداك عقلُك وهواك."(نفسه، ص152)
"إن الله، عز وجل، لا يقبل قولا بلا عمل، ولا عملا بلا إخلاص، ولا يقبل شيئا في الجملة غيرَ موافق لكتابه وسنّة نبيّه، صلى الله عليه وسلم…"(نفسه، ص159)
ويقول الشيخ أحمد الرفاعي: "أي سادة، إياكم والدّجّاليةَ، إياكم والشيطانيّةَ، إياكم والطرقَ التي تقود إلى كلا الوصفين. أخْجِلوا الشيطان بخالص الإيمان. خرّبوا بيْع الدّجل بيد الصدق.
"الطريق واضح: صلاة، وصوم، وحج، وزكاة. والتوحيد والشهادة برسالة الرسول، عليه الصلاة والسلام، أول الأركان. واجتناب المحرّمات حال المؤمن مع الله، وهذا هو الطريق."(البرهان المؤيد، ص69-70)
"أي سادة، كونوا مع الشرع في آدابكم كلِّها، ظاهرا وباطنا. فإن من كان مع الشرع ظاهرا وباطنا كان الله حظه ونصيبه. ومن كان الله حظه ونصيبه كان من أهل مقعد صدق عند مليك مقتدر."(نفسه، ص75)
وبعد، فهل هناك، في شأن عقائد الصوفية الصادقين، بيانٌ بعد هذا البيان؟
في المقالة القادمة، إن شاء الله، ملمحٌ جديد من ملامح الوجه الآخر لأدونيس.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

مراكش: 12 غشت 2011

الأحد، 7 أغسطس 2011

الوجهُ الآخر لأدونيس(4)


بسم الله الرحمن الرحيم

الوجهُ الآخر لأدونيس(4)
أدونيس، الصوفيُّ الوثني!


(1)
حينما يصف أدونيس نفسَه بأنه "صوفي وثني"(هوية ناقصة،30)، فهو يعلنُ بكل وضوح أن "تصوّفَه" لا علاقة له بعقيدة التوحيد، ولا برسالة الإسلام، ولا بدين "لا إله إلا الله، محمد رسول الله".
ولا غرابة، بعد هذا الإعلان، إن سمعنا أدونيس يتحدث عن التصوف بأنه إلحاد وجحود وتمرد وعصيان، وبأنه "كان الثورة الكبرى داخل الدين الإسلامي"(نظرة أورفي،295).
في حوار مطوّل أجرته مع أدونيس جريدة "الصباح" العراقية، في شهر ماي من سنة 2009، يقول (ماجد موجد)، أحد المحاورين، مخاطبا أدونيس: "في كتابك (الصوفية والسوريالية) تحدثت عن المقاربة بين الصوفية الإسلامية وبين السوريالية في الفن والأدب...". فيقاطعه أدونيس قائلا: "الصوفية ضد الإسلام، الصوفية في الأساس نقض كامل للإسلام."
أذكّر القارئ الكريم بأن أبرز وأهم الأفكار والآراءِ التي ابتدعها أدونيس في موضوع التصوف والمتصوفة نجدها مبسوطة في كتابه "الصوفية والسريالية"، وفي الجزء الثاني من كتاب "الثابت والمتحول"، في الفصل الثالث من القسم الثاني، الذي اختار له عنوان "الحقيقة والشريعة، والظاهر والباطن". 
وفي الحوار نفسه ينطلق أدونيس في الحديث عن معتقدات "متصوِّفَتِه"، وعن "إبداعاتهم" الحداثية الثورية الكبرى قائلا: "إن أول عمل للتصوّف هو تغيير مفهوم الله كما ورد في القرآن، إذ إن مفهوم الله قرآنياً قائم على المفهوم التوراتيّ، إنه قوة مجردة لا علاقة لها بالإنسان والعالم، غير محايثة. أما التصوّف فقد قدّم مقاربتين: الأولى أن الإنسان يمكن أن يكون إلهاً، وأن الله يمكن أن يكون إنساناً. والثانية مقاربة ابن عربيّ الذي وسّع الحدود فقال إن الوجود نفسه هو الله، حين قال بوحدة الوجود، وهذا نقض كامل للإسلام. وترتب على هذا النقض أشياء عظيمة: العلاقة بالحقيقة ،والعلاقة بالآخر، والعلاقة بالوجود. تغيّر أولاً مفهوم الحقيقة. ما الحقيقة؟ في الإسلام، كما في كلّ الأديان، فإن الحقيقة هي ما يقوله النصّ الموحى من الآن وإلى آخر العالم. الصوفية تقول: الحقيقة ليست في نصّ ولا تجيء من ورائنا، الحقيقة هي في التجربة وتجيء من أمامنا. هذا نقض كامل. تغيّر أيضاً مفهوم الهويّة، فالهوية ـ إسلامياً ـ معطاة سلفاً للإنسان، ناجزة، وعليك أن تسلم بها وكفى، أما في التصوّف فليس هناك هوية ناجزة إلا للجمادات والأشياء، أما الإنسان فكائن متحرك يبدع هويته. تغيّر أيضاً مفهوم الواقع، فالواقع ليس ما نراه مباشرة بالعين، ولا نستطيع فهمه إلا إذا فهمنا ما وراءه، والواقع وما وراءه جزء لا يتجزأ، وما نراه ليس إلا صورة عابرة ومتغيرة. ودعت الصوفية إلى وحدة الواقع المؤلف مما نراه وما لا نراه. اللا مرئيّ جزء جوهريّ من المرئيّ. وبالنتيجة غيّروا كلّ شيء. أكثر من كلّ ذلك فان الكائن الإنسانيّ في الإسلام والأديان الأخرى مردود دائماً إلى أصل، الأصول نبع والكائن يتدفق منه، ولذا فان هويته في هذا النبع. التصوّف نقض هذا أيضاً وجعل المستقبل هو النبع، العالم يجيء من المستقبل، وليس من الماضي." انتهى كلام أدونيس من الحوار المذكور.
وحينما يسأله أحد محاوريه، وهو (أحمد عبد الحسين): "في أي نص صوفيّ يمكن أن أجد فهما كهذا؟"، يقصد فهما كالفهم الذي بسطه أدونيس في حواره. يجيبه أدونيس بقوله: "عند النفري، اِقرأ النفري."
ولا بد أن نسجل هنا أن أدونيس يحيل سائله على مصدر مجهول في تاريخ التصوف الإسلامي. فالمطلع على المصادر العربية المعتمدة عند العلماء والباحثين، في موضوع عقائد المتصوفة واجتهاداتهم، لا يجد ذكرا لهذا (النفريّ)(محمد بن عبد الجبار) "الأثير" عند أدونيس. والشائع أن هذه الشخصية هي من اكتشاف أو اختراع أحد المستشرقين، الذي اكتشفَ، على ما يُحكى، كتابَ "المواقف والمخاطبات" المنسوب إلى النفري.

(2)
لا أتردد في وصف "الصوفية" الذين تحدث عنهم أدونيس بأنهم "صوفِيَتُه"، وذلك أن الرجل، في كتاباته وأحاديثه عن التصوف، إنما يتحدث عن شيء اخترعه اختراعا، ولفقه تلفيقا، ليناسب نظريته المقررة سلفا. إن ما يقدمه أدونيس على أنه "تصوف" إنما هو شيء يناقض مناقضة تامة، من ألفه إلى يائه، ما أجمعت عليه المصادر الموثوقة في تراثنا العربي الإسلامي عامة، وفي تراث الصوفية وأصحاب السلوك خاصة. فالمتصوفة المقصودون في نظرية أدونيس إنما هم- مقارنةً بمشاهير "الأعلام المتحققين من المتصوفة وأئمتهم"- قلّـةٌ هامشية من المجاهيل ممن ورد وصفُهم، عند العلماء الموثوقين، بـ"نواب إبليس وشرطه"، عند الإمام ابن القيم في "مدارج السالكين"، مثلا، وبـ"الفسقة الفجار، والمباحية والحلولية الكفار،...الكذابين...الخونة المبطلين..."، عند الحافظ أبي نعيم في "حلية الأولياء"، وبـ"أهل الإلحاد...أهل الشرك والتلبيس والبهتان"، عند الإمام ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أهل الجحيم".
لقد نظر أدونيس، وعلى طريقته الخاصة في الفهم والتأويل، والتحليل وانتقاء الأمثلة لمعاضدة ومطابقة الصورة المرسومة سلفا، ووفق منظور مسلمته الحداثية الإلحادية- نظر إلى التجربة الصوفية في تراثنا العربي الإسلامي، كما أراد هو أن يفهمها، وذلك بتجريدها من "البعد الديني التقليدي"-حسب عبارته في كتابه عن (الصوفية والسوريالية، ص14-15)
فالصوفية عنده "هي، تحديدا، ما يخلو من هذا البعد، وما يناهضه، خصوصا على الصعيد المعرفي."( نفسه، ص14-15) فهي "لا تتضمن، بالضرورة، الإيمانَ بالدين التقليدي، أو الإيمانَ التقليدي بالدين."( نفسه، ص9).
تأملْ هذا التحديد القاطع في كلامه: "هي تحديدا". فهو لا يترك لك مجالا للاعتراض أو المناقشة. هناك في الموضوع رأيٌ واحد وواحد فقط، هو الرأي الذي حدده أدونيس، وانتهى الأمر.
ولتكييف التجربة الصوفية حتى تستجيب لروح الفلسفة الإلحادية، نظر أدونيس إلى التراث الصوفي كله على أنه معدن واحد، لا يخرج منه إلا ما هو نقيض للدين والإيمان والشريعة، إلحادا وزندقة ووقيعةً في ذات الله. فلم يكن من همّ أدونيس أن يُميز، أو أن يحقق، أو أن يتحرّى. وإنما كان كل همّه هو صناعة المثال الذي يصدّق دعاوي النظرية المرسومة، ولو كان ذلك على حساب الحقائق التاريخية، والأمانة العلمية، وموضوعية البحث الأكاديمي.
وفي هذا المنظور اللاموضوعي واللاعلمي، يقرر أدونيس أن من خصائص التصوف-كما يفهمه هو- "اللاعقلانية"، التي تعني، من بين ما تعنيه، "الثورة…على الشريعة من حيث هي أحكام تقليدية تُعنى بالمظاهر…وتعني الخلاصَ من المقدس والمحرم وإباحة كل شيء للحرية."(مقدمة للشعر العربي، ص131)
وإذا كان "الله في التصور الإسلامي التقليدي نقطةً ثابتة، متعالية، منفصلة عن الإنسان[حسب تعبير أدونيس ومنطقه، فإن] "التصوف ذوّب ثبات الألوهة، جعله حركة في النفس، في أغوارها، أزال الحاجز بينه وبين الإنسان. وبهذا المعنى قتله(أي الله)، وأعطى للإنسان طاقاته."(نفسه)
وفكرة "قتل الله"-تعالى الله وتقدس- فكرةٌ جوهرية ومحورية، عليها تدور مختلف شُعبِ الفلسفة الإلحادية ومباحثِها ورؤاها. وهي حاضرة بقوة في التحليل الأدونيسي، لا تفارقه.
ويضيف أدونيس أن من أطروحات التصوف-دائما حسب نظريته وفهمه- "فكرة الإنسان الكامل"(نفسه،133)، التي يمكن-يقول أدونيس- "أن نقابلها بفكرة الإنسان الكلي في الماركسية-الشيوعية."(نفسه)
والتجربة الصوفية، بنقض الإيمان بالله الخالق الأحد الصمد، حسب رأي أدونيس، والتبشير بالإنسان-الإله، وبالتوحيد "بين الظاهر والباطن، الموضوع والذات، الإنسان والله" كانت "نوعا فريدا من العودة إلى الطبيعة. كانت تجاوزا للواحد المفرد، وتوكيدا للواحد الكثير. كانت دخولا في الطبيعة، وخروجا من الثقافة، أي خروجا على القاعدة، وانغماسا في الحرية."(الثابت والمتحول(الأصول)، ص109)
ويفصل أدونيس في هذه الفلسفة الإلحادية قائلا: "فكما أنه ليس هناك معنى خارج الصورة، أو لا منته خارج المنتهي، فلا يمكن الفصل بين الله والإنسان، الغيب والواقع. إن فصل الله عن الإنسان ليس، في نظر الصوفية، إلا فصلا للإنسان عن نفسه. فالإنسان والله واحد…بل يمكن القول إنه ليس هناك إله خارج الذات الإنسانية، فالإنسان هو إله الإنسان، كما يعبر فويرباخ، أو "ما في الجبة غير الله"، كما عبر الحلاج قبل فويرباخ بعدة قرون."(نفسه،98)
وأدونيس، وهو يحكي هذه الكفريات الصارخة في حق ذات الله، ويقررها، بل ويفلسفها ويذهب، في تفريعها، كل مذهب، لا يكترث بمقدسات المسلمين، وبعقائدهم الثابتة في أصول الإسلام القطعية، مثل آيات الله البينات القاطعات الباهرات في توحيد الله، وتنزيهه، وتقديس أسمائه وصفاته، وفي غير ذلك من عقائد الإسلام، وأصول الإيمان، وأحكام الشريعة، وتدبير العمران.
يُقرّر أدونيس مقالات الملحدين، بصيغ وعبارات وتحليلات تفيد التبنيَ والتصديق. بل لم نجد منه، في كل السياقات التي تناول فيها أصولَ فلسفة الإلحاد، التفاتةً، ولو خفيفة، يطبعها النقد، أو الرفض، أو الطعن، أو النقض. بل ما قرأنا له في هذا الشأن إلا الموافقة والتسليم، والدعاية والتأييد.
ويتابع أدونيس عرض مقالات الملحدين المنتسبين إلى التصوف، مقررا أنه "إذا كان الإلحاد حرر الإنسان من الله، فإن التصوف حرره من الشريعة واضعا الله في الإنسان. لم يعد الله، بحسب الصوفية، تلك القوة المجردة خارج الطبيعة، وإنما هو الإنسان نفسه في تحققه الأكمل."(نفسه)
وبحلول الله في الإنسان، وتوَحُّدِ الباطن والظاهر، تصبح الحقيقة، لا الشريعة، هي قوام المعرفة، والذوق هو سبيلها، ذلك "لأن منهج الشريعة يقوم على وضع الحدود، وعلى الأمر والنهي، وليس في الذوق حدود، وهو يتجاوز الأمر والنهي، لأنه هو البداية المستمرة التي تمحو كل أمر ونهي"(نفسه،(تأصيل الأصول)،ص93). "فالحقيقة، بالنسبة للصوفي، ليست حسية أو عقلية، وليست نقلية-شرعية، وإنما هي إلهامية ذوقية."(نفسه،94-95)
والصوفيّ، حسب هذه الفلسفة الإلحادية، غيرُ معني بأحكام الشريعة وإقامة الواجبات وأداء الفرائض، لأنه مستغن بحقيقته الذوقية، التي جمعت له أسرار الألوهية. و"من هنا[يقول أدونيس]كان العنصر الأساسي في الدين، بحسب التجربة الصوفية، لا يكمن في ممارسة الطقس الديني، أي في تأدية الفرائض، وإنما يكمن في تأمل الله، وفي الكشف عما يصل بينه وبين الإنسان. بل يجب، على العكس، أن يقطع الإنسانُ صلاته بالإشكال الطقسية للعبادة، ذلك أن المعنى الحقيقي لصلة الإنسان بالله سريّ كامن في القلب."(نفسه،(الأصول)، ص106)
تأمل هذه العبارة الاستدراكية الأخيرة وما توحي به من معاني القطع والجزم.
ويزعم أدونيس، في جراءة وتعميم لا يخلو من مبالغة واعتساف، أنه "ما من صوفي حقيقيّ إلا ويتبنّى قولَ الإمام الرابع علي زين العابدين(توفي سنة 95هـ/714م):
ورُبّ جوهرِ علمٍ لو أبوحُ بــه *** لقيل لي: أنتَ ممّنْ يعبدُ الوثَنَـا.
"ذلك أن التصوف هو أيضا، كعلم الإمامة، علم أسرار."(نفسه،(تأصيل الأصول)، 92-93.)
بل تتطاول هذه الزندقةُ المتصوفة على مقام الرسول، صلى الله عليه وسلم، فإذا الصوفي "يعلم أكثر مما يعلمه النبيُّ، ناقلُ الوحي، من حيث إنه لا يكتفي بالوقوف عند الظاهر والجزئي، وإنما يتجاوزه إلى الباطن والكلي."(نفسه،97)
ولا أجد غرابة في هذا الخطاب وأمثاله، لأن ذات الله، جلَّ جلالُه، وذاتَ أنبيائه، وغيرَ أولئك من مُقدَّسات الإسلام وأركانِ الإيمان، لا حرمةَ لها في خطاب الملحدين ومقالات الزنادقة، بل إنها، في أصولهم وعقائدِ كفرهم، حرماتٌ ومحرَّماتٌ ينبغي انتهاكُها وابتذالُها وتدنيسها.

(3)
ومن الأمثلة التي يوردها أدونيس على شطحات المُتصوِّفَة أقوالٌ منسوبة لأبي يزيد البسطامي، يستقيها من كتاب "شطحات الصوفية"، بتحقيق عبد الرحمن بدوي، تفيض كفرا وزندقة. ومن هذه الأقوال:
"أنا اللوح المحفوظ."(الثابت والمتحول(تأصيل الأصول)،99)
"أنا ربي الأعلى"(نفسه)
"لأن تراني مرة خير لك من أن ترى ربك ألف مرة."(نفسه،97)
"طاعتك لي، يا رب، أعظم من طاعتي لك."(نفسه)
"بطشي به أشد من بطشه بي."(نفسه)
"إن لوائي أعظم من لواء محمد."(نفسه،98)
"خضت بحرا وقف الأنبياء بساحله."(نفسه)
والذين يعرفون قدرَ أبي يزيد البسطامي- هو أبو يزيد، طيفور ابن عيسى، توفي سنة 261- لا يشكّون في أن مثلَ هذه الأقوال مدسوسة عليه. ويرجّح هذا ويقوّيه أن أدونيس لا ينقلها عن مصدر من مصادر الصوفية الموثوقة، وإنما هو ناقلٌ عن ناقل عن مجاهيل. أما مصادر الصوفية الموثوقة، فلا نجد فيها إلا أبا يزيد البسطامي الدائرَ مع كتاب الله وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، على نهج الصوفية الخُلّص، صوفيّةِ التشبثِ بشريعة الله شرطا أساسا في سلوك الطريق. أما ما يُنسب إليه من "أشياء مُشكلة لا مساغ لها" فَـ"الشأن في ثبوتها عنه"، كما يقول الإمام الحافظ الذهبي.(سير أعلام النبلاء:ج13/88). وقال الحافظُ نفسُه في "ميزان الاعتدال في نقد الرجال": "وقد نقلوا عن أبي يزيد أشياءَ الشأنُ في صحّتها عنه."(2/346).
وأبو يزيد البسطامي هو صاحب القول المأثور والمشهور في وجوبِ حفظِ حدود الشريعة في طريق القوم: "لو نظرتم إلى رجل أُعطيَ الكراماتِ حتى يرتفعَ في الهواء، فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف هو عند الأمر والنهي وحفظ حدود الشريعة."((ميزان الاعتدال): 2/246. وانظرْ أيضا (سير أعلام النبلاء): 13/88.)
ومن الحكايات التي تدل على مدى صرامة أبي يزيد البسطامي وأمثاله من الصوفية السالكين الصادقين، وتشددِهم في اتباع السنة، أن أبا يزيد بلغه خبرُ رجل اشتهر بالصلاح، فقال لخادمه مرة: "قم بنا إلى هذا الرجل الذي شهَر  نفسه بالصلاح لنزوره. فلما دخلا عليه المسجد تَنَخَّعَ(أي تنخَّمَ)، ثم رمَى بها نحو القبلة، فرجع ولمْ يُسلّم عليه، وقال: هذا غيرُ مأمون على أدبٍ من آداب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فكيف يكون مأمونا على ما يدّعيه."(مدارج السالكين، للإمام ابن القيم الجوزية: 2/465.)

(4)
إن أدونيس، وهو يطلب المصداقيةَ والمثالَ لنظريته القبْلِيّة، لا يهتم كثيرا بالتحقيق في الروايات وأقوال الرجال، والتمييز بين الصحيح والزائف، بين الأصيل والموضوع. فهو، في هذه الأقوال الموضوعة على لسان أبي يزيد البسطامي، إنما يُحيل مطلقا على كتاب "شطحات الصوفية"، مع أنه اعتمدَ في مواضيع أخرى على كتب مشهورة وموثوقة في هذا الفن، مثل كتاب "اللمع في التصوف"، لأبي نصر عبد الله بن علي السراج الطوسي(توفي سنة 378هـ)، و"الرسالة القشيرية"، لأبي القاسم عبد الكريم المشهور بالقشيري(توفي سنة 465هـ).
وأدونيس نفسُه هو الذي قرر في مقدمة بحثه "الثابت والمتحول" أنه اختار في منهجه، في شأن أخبار التاريخ والأشخاص والوقائع والأفكار، إهمالَ الأخبار "التي لا إجماع عليها، وبخاصة ما اتصل منها بالسياسة والدين."(الثابت والمتحول(الأصول)،ص22.) وأنه حصر دوره، عامدا، في عرض النصوص "وتوجيهها[كذا] واستنطاقها."(نفسه،24)
فما بالُه يَنقض هذا التقرير/الوعدَ، ويستند، مثلا، إلى الكتابات المنسوبةِ إلى ابن عربي-أبوبكر محيي الدين محمد بن علي بن محمد بن عربي، ويقال ابن العربي- في معالجة موضوع التصوف، حسب الصورة التي رسمها له أدونيس في نفسه، وفي ثقافته، وفي نظريته، وهو يعرف، وكلُّنا يعرف، من خلال ترجمة ابن عربي، أنه دُسّ عليه الكثيرُ من الكلام، وأن الناسَ قد تفرقوا "في شأنه شيَعا وسلكوا في أمره طرائق قِدَدا، فذهب طائفة إلى أنه زنديق لا صديق، وقال قوم إنه واسطة عقد الأولياء ورئيس الأصفياء، وصار آخرون إلى اعتقاد ولايته وتحريم النظر في كتبه"، كما قال المناوي.(شذرات الذهب، لابن العماد الحنبلي: 5/191)
وهناك من العلماء من ألفوا كتبا في الرّد عنه وتبرئته مما رُمي به، كرسالة الحافظ جلال الدين السيوطي المسماة: "تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي".
تُراجعُ في المصدر السابق تفصيلاتٌ لأقوال العلماء وعرضٌ لمختلف مواقفهم في شأن ابن عربي، في الجزء الخامس، من ص191 إلى ص202.
ولماذا يسلك أدونيس كتاباتِ الإمام أبي حامد الغزالي في سلك الثّبات والاتباع، وهو الصوفيُّ المشهور، رحمه الله، وسِفْره "إحياء علوم الدين" كنارٍ على عَلَم في شهرته وتداوله؟ أم أنه الموقفُ المسبق من الرجل ومواقفه الإيمانية من الإلحاد والزندقة والفلسفات المتهافتة الضالة؟
ونرجع الآن إلى المنظور الأدونيسي، الذي عالج من خلاله، وعلى ضوء فلسفة الإلحاد، تجربةَ التصوف في التاريخ العربي الإسلامي، والذي وصفته بأنه منظور لا موضوعي ولا علمي، ونسأل: أين تقع هذه الكفريات الصارخة، التي قررها أدونيس متقنِّعةً بقناع التصوف، من التراث العربي الإسلامي الصوفي الغني الواسع والعريض؟
في المقالة القادمة، إن شاء الله، ردٌّ على الافتراءات والابتداعات الأدونيسية، وكشفٌ لتهافتها وميلها عن الحق، في ضوء مقالاتِ علماء ثقات، وشهاداتٍ من مصادر مرجعية مشهورة في علم التصوف ورجاله.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

مراكش: 7 غشت 2011